‫الرئيسية‬ الشرق الأوسط عودة العلاقة بين حركة حماس والنظام السوري.. الدوافع والتحديات
الشرق الأوسط - نوفمبر 10, 2022

عودة العلاقة بين حركة حماس والنظام السوري.. الدوافع والتحديات

عودة العلاقة بين حركة حماس والنظام السوري.. الدوافع والتحديات

أعلنت “حركة المقاومة الإسلامية” (حماس)، في 15 سبتمبر 2022، نيتها استئناف علاقاتها مع سوريا، وذلك بعد تسريبات إعلامية بهذا الإطار[1].

وجاء إعلان “حماس” عودة علاقاتها مع نظام بشار الأسد خلال وجود رئيسها إسماعيل هنية رفقة أعضاء من المكتب السياسي (أعلى سلطة في الحركة) في العاصمة الروسية موسكو التي كانت أحد الوسطاء الذين تدخلوا لاستئناف العلاقات بين الطرفين، إلى جانب وساطة “حزب الله” اللبناني، الموالي لإيران، والذي أعلن أمينه العام حسن نصر الله، منذ وقت ليس ببعيد، أنه “مهتم شخصيًا بتسوية العلاقة بين حماس وسوريا”[2].

وبالفعل فقد قام وفد من حركة حماس يتصدره نائب قائد الحركة في قطاع غزة ومسؤول ملف العلاقات العربية والإسلامية فيها خليل الحية (بجانب الوفد الفصائلي الذي ضم الأمين العام لحركة “الجهاد الإسلامي” زياد النخالة، وممثّلين عن “الجبهة الشعبية”، و”الجبهة الشعبية – القيادة العامة”، و”فتح الانتفاضة”، و”الصاعقة”، و”الجبهة الديموقراطية”، و”جبهة النضال الشعبي”، و”جبهة التحرير الفلسطينية”) بزيارة سوريا ولقاء رئيسها بشار الأسد، في 19 أكتوبر 2022، وهي الزيارة الأولى للحركة إلى دمشق منذ قطع علاقاتها بالنظام ومغادرة دمشق عام 2012، وعلي خلفية تلك الزيارة فقد أعلنت الحركة طي صفحة الماضي مع إعادة العلاقات مع النظام السوري[3].

وفي هذا السياق، وبحسب معلومات نشرتها وسائل إعلام مقربة من “محور المقاومة”، فإن هذه الزيارة ستتبعها خلال الأيام المقبلة خطوات أخرى، وصولاً إلى إعادة فتح مكتب للحركة في سوريا، وإن كان النظام السوري يشترط أن يكون ممثل الحركة في دمشق شخصية سياسية غير عسكرية، وألا يكون له مواقف حادة من النظام السوري في وقت سابق[4].

وتسعي هذه الورقة إلي الوقوف علي الدوافع التي تقف خلف قيام حماس بإعادة علاقتها مع النظام السوري، والتحديات التي ستقابلها حماس من خلف عودة تلك العلاقة.

 

أولًا: خلفيات تدهور العلاقة بين حماس والنظام السوري:

تشير الخلفية التاريخية للعلاقة بين حماس وسوريا إلي أنها تتسم بالود والاستقرار والقوة، ويمكن الإشارة إلي أبرز مظاهر ذلك؛ عندما نقلت حركة حماس في عام 1999 مكاتبها الخارجية إلى دمشق بعد قرار السلطات الأردنية إغلاق مكاتبها في عمان، جراء توتر العلاقة بين الطرفين نتيجة عدم التفاهم حول بعض الملفات في القضية الفلسطينية ومنها علاقة حماس بالسلطة والضفة الغربية.

وقد عاشت الحركة خلال تواجدها في سوريا حالة من الاستقرار السياسي النسبي، إضافة إلى استفادتها من الدعم العسكري واللوجستي والتبني الإعلامي.

في المقابل، استفاد النظام السوري من تواجد الحركة على أراضيه في تسويق نفسه على أنه العمود الفقري لمحور “الممانعة والمقاومة”، مستغلاً شعار القضية الفلسطينية في مناكفة إسرائيل والولايات المتحدة وحتى خصومه من العرب في فترات معينة.

ولكن مع موجة الربيع العربي واندلاع الثورة السورية عام 2011 فقد وقعت القطيعة بين النظام السوري وحركة حماس، على خلفية موقف الحركة الحيادي من الحراك السلمي، وخلال احتفالات حركة حماس بعيد انطلاقتها الخامس والعشرين ظهر خالد مشعل في غزة أواخر العام 2012 حاملا علم الثوار السوريين لثوان معدودة كما يظهر في الفيديو.

ولتقوم السلطات السورية، في نوفمبر 2012، بإغلاق مكاتب قيادات حماس في دمشق، وتبنى إعلام النظام السوري خطاباً معادياً ضد الحركة، واصفاً خالد مشعل بالخائن الجاحد المتشرد!.

وقد قال بشار الأسد في عام 2015، أن علاقة بلاده مع حركة حماس ماتت علي المستويين الرسمي والشعبي، واتهم الحركة بدعم جبهة النصرة والعمل معها جنبا إلي جنب في مخيم اليرموك[5].

يتضح مما سبق؛ أن المكتب السياسي لحركة حماس لم يغادر دمشق إلا بعد شهور من اندلاع الاحتجاجات السياسية هناك، وبعد أن استنفد جهوده ومحاولاته لإقناع دمشق بالحل السياسي.

وكان رئيس المكتب السياسي للحركة، خالد مشعل، يحاول أن يقنع أمين عام حزب الله، حسن نصر الله، بموقف شبيه، وفي النهاية لم ينجح في إقناع النظام السوري، ووقع تحت ضغط شديد من الجماهير العربية، بخاصة الشارع المؤيد لحركة حماس، وللتيارات الإسلامية عموماً، في ذروة الربيع العربي، بضرورة أن يكون هنالك موقف حاسم للحركة من سياسات النظام السوري تجاه الشعب والعنف الشديد الذي استخدمه في البداية ضد المتظاهرين.

كان من الصعب جداً على الحركة أن تبقى في دمشق، في ظل تلك الظروف الملتهبة في العالم العربي، ومع ذلك غادرت بصمت وبهدوء، ولم يتطور موقفها تجاه دعم المعارضة السورية إلا بعد حملة دعائية وسياسية من النظام، وبعد أن جرى زج أفراد من الحركة في السجون (بدعوى المشاركة في العمل المسلح)، وتغولت الحركة في دعم الثورة السورية، في البداية، مع صعود الإخوان المسلمين في مصر، في عام رئاسة محمد مرسي، والموقف التركي الذي انقلب هو الآخر حينها على نظام الأسد، بعدما كانا حليفين رئيسين قبلها[6].

 

ثانيًا: دوافع عودة العلاقة بين حماس والنظام السوري:

يمكن الإشارة إلي مجموعة من الدوافع التي تقف خلف قرار حماس بإعادة العلاقة مع النظام السوري، تتمثل أبرزها في:

أولًا: الدوافع الداخلية:

1- التحولات الأيديولوجية للحركة: فقد مرت حركة حماس خلال الأعوام الماضية بعدة تحولات أيديولوجية وفكرية وسياسية، فلم تعد الحركة ذات الخطاب الأيديولوجي الصلب والواضح، إذ انخرطت في مرحلة “التسييس”.

ويمكن بوضوح إدراك ذلك من التعديلات التي جرت على وثيقتها السياسية، ومن الخطاب التكتيكي مع دول المنطقة، ومحاولة التركيز على ساحة الصراع الداخلية والوطنية الفلسطينية، فهي بالرغم من حجم الفجوة بينها وبين النظام المصري تتعاون معه وتنسق.

وبالرغم من الغزل الأخير بين النظام التركي والكيان الإسرائيلي ما تزال على علاقة وطيدة معه، وهكذا الحال بالنسبة لدول أخرى، بما في ذلك سورية وإيران. ويمكن ملاحظة ذلك أيضاً في موقف “حماس” أخيرا في عملية “وحدة الساحات” إذ وقفت على الحياد خلال الهجوم الإسرائيلي على غزة ضد كوادر حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية[7].

2- نخبة الحكم الجديدة: علي الرغم من دخول العلاقة بين حماس والنظام السوري بعد الثورة السورية وموجة الربيع العربي في عام 2011 في مرحلة من البرود ووصلت إلى القطيعة والحملات الإعلامية المتبادلة، لكن ذلك لم يصل إلى مرحلة متقدمة من العداء، بل بقي جناح داخل حركة حماس معارضا موقف المكتب السياسي (حينها)، ويرى أن الحركة أخطأت بخروجها من سورية.

ومعروف أن “حماس” انقسمت في هذا الموقف إلى اتجاهين رئيسين: الأول “حماس” لبنان وغزة، بخاصة الجناح العسكري، الذين رأوا أن “محور الممانعة” حليف استراتيجي لا يمكن التخلي عنه، والثاني، “حماس” الخارج، التي انسجمت مع الموقف الشعبي العارم، ومع جماهير الحركة وموقف القوى الإسلامية الأخرى التي وقفت إلى جوار الشارع السوري[8].

ومع قدوم صيف عام 2017 وفوز إسماعيل هنية برئاسة المكتب السياسي خلفًا لخالد مشعل، ووصول يحيى السنوار إلى زعامة الحركة في غزة أواخر العام ذاته، بجانب صالح العاروري الذي يشغل منصب نائب رئيس المكتب السياسي، ويُعتقد أنه عراب إعادة العلاقات مع دمشق، وهؤلاء من أنصار الاتجاه الأول،  فقد بدأت الحركة  في العمل علي إعادة العلاقات مع سوريا.

ففور استلام السنوار منصبه أكد علي أن حماس مستعدة للتعامل مع النظام السوري بخاصة مع تسارع وتيرة حل الأزمة في دمشق. وفي عام 2018 قال هنية إن حماس “لم تعاد يوماً النظام السوري الذي وقف إلى جانبنا في محطات مهمة وقدم لنا الكثير”.

وفي عام 2019 أثنى عضو المكتب السياسي محمود الزهار على بشار الأسد، وقال “فتح لنا كل الدنيا، لقد كنا نتحرك في سوريا كما لو كنا نتحرك في فلسطين، وفجأة انهارت العلاقة على خلفية الأزمة السورية، وأعتقد أنه كان الأولى ألا نتركه وألا ندخل معه أو ضده في مجريات الأزمة”[9].

3- معركة سيف القدس: مثلت المعركة التي عُرفت بـ “سيف القدس” والتي اندلعت في مايو 2021 بين إسرائيل والفصائل المسلحة في غزة، نقطة فاصلة في مسار العلاقات الحمساوية – السورية، حيث شهدت هذه المواجهات تنسيقًا كبيرًا بين الفصائل الفلسطينية في غزة، وحزب الله اللبناني والنظام السوري والإيراني، حتى أن تقارير تحدثت عن أن سوريا أمدت الفصائل المسلحة الفلسطينية بكمية كبيرة من الأسلحة والعتاد، وساهمت في الدعم اللوجستي لهذه الفصائل، وقد دعم صحة هذه التقارير استقبال الرئيس السوري بشار الأسد عقب المعركة لعدد من قادة الفصائل الفلسطينية، وتأكيده على أن “سوريا سوف تدعم كل مقاوم فلسطيني” وفق تعبيره، وقد قرأت بعض التقديرات تكثيف إسرائيل لعملياتها في العمق السوري في الأشهر الأخيرة، على أنه رد على الدعم السوري الذي تم تقديمه للفصائل الفلسطينية في هذه المعركة[10].

وعقب تلك المعركة، وبالتحديد في 21 يونيو 2022، جاء أول إعلان عن قرار حماس بإعادة علاقاتها مع دمشق، عبر وكالة “رويترز”، التي نقلت عن مصدر من داخل الحركة لم تسمِّه، أن الجانبين عقدا عدة اجتماعات “رفيعة المستوى” للوصول إلى هذا القرار. وفي 28 من الشهر نفسه، قال عضو المكتب السياسي في الحركة، خليل الحية، “جرى نقاش داخلي وخارجي على مستوى الحركة من أجل حسم النقاش المتعلق باستعادة العلاقات مع سوريا”.

وأضاف، “وبخلاصة النقاشات التي شاركت فيها قيادات وكوادر ومؤثرون، ومعتقلون داخل السجون، تم إقرار السعي من أجل استعادة العلاقة مع دمشق”[11].

4- خصوصية العلاقة مع سوريا: تتميز العلاقة بين حركة حماس والجمهورية السورية بخصوصية، تجعلها تختلف عن علاقتها بالدول العربية الأخرى، لأن الدولة السورية هي الوحيدة التي لم تعترف بدولة إسرائيل، وتجمع حركة حماس والدولة السورية الرؤية المقاومة خيارا استراتيجيا، وأيضًا انفراد الدولة السورية بالموقف القومي المناهض للسياسة الأميركية والصهيونية، وتعتبر وأحدي قوي المقاومة ودول الممانعة المتمثلة في العراق، وسورية ولبنان بجانب فلسطين[12].

كما تبرر الحركة قرارها بالحاجة للوجود في سوريا باعتبارها دولة من دول الطوق المطلة جغرافيًا على فلسطين المحتلة، والحاجة للقيام بدورها تجاه الفلسطينيين في الأراضي السورية بما يخدم مصالح الفلسطينيين هناك[13].

5- عودة العلاقة لا تعني التطابق في المواقف: فعودة العلاقات الدافئة وعلاقات التحالف بين حماس ودمشق لا يعني بالضرورة أن كلا منهما يتفق مع الآخر حد التطابق، وهذه واحدة من أصول السياسة ومبادئ العلاقات الدولية[14].

وبالتالي، فإن عودة علاقة حماس مع النظام السوري لا تعني بالضرورة تأييد ما قام به تجاه الشعب من قتل وتهجير ومجازر، بل تفصل الحركة بين الملفين؛ فهي لم تؤيد ولم تقف إلى جواره في ذلك.

ولكن في المقابل يمثل النظام السوري في تموضعه وموقفه والخندق الذي ينتمي إليه حليفاً للحركة، في ضوء الموقف الواضح للعيان من النظم العربية الرسمية تجاه خط المقاومة[15].

وفي هذا السياق، فقد نقل موقع Middle East Eye عن مصدر في حماس، في 18 سبتمبر 2022، أن الأخيرة رفضت شرط النظام السوري الاعتذار عن موقفها السابق لإعادة العلاقات.

ويدعم ذلك أن الحية ركز في المؤتمر الصحفي في دمشق على دعم سوريا للقضية الفلسطينية والمقاومة وتجنب الحديث في الشأن الداخلي السوري، بينما اكتفى بالحديث عن “طي صفحة الماضي” بخصوص مواقف السنوات السابقة.

الأهم، أن الرجل الثاني في الحركة الشيخ صالح العاروري أكد في لقاء مع قناة الأقصى قبل ذلك بأيام أن حركته لا تذهب لسوريا لتأييد النظام في صراعه الداخلي ولا الاصطفاف معه ضد المعارضة، وإنما لأهداف تتعلق بعملها كحركة مقاومة[16].

ثانيًا: الدوافع الاقليمية والدولية:

1- انحسار مد الربيع العربي: فانحسار الربيع العربي ومعها كل القوي الثورية والإسلامية وهو ما انعكس علي تراجع الأحزاب والهيئات الداعمة للحركة. وبالمقابل، وصلت إلي الحكم في عدة دول عربية قوي مضادة للإسلام السياسي، بما حد أو أوقف نشاط الحركة في دول رئيسية مثل مصر والسعودية والسودان، بما لم يترك للحركة سوي الساحتين القطرية والتركية، وهما ساحتان محدودتان في إمكانية الحركة بالنسبة لحماس[17].

2- تصفير المشاكل: تعمل حماس علي تصفير مشاكلها مع الدول العربية والاقليمية المحيطة، حيث شملت الزيارات الخارجية لحماس في العام 2022 كل من موسكو والجزائر ولم تغب الدوحة وأنقرة  وطهران؛ بل والعاصمة الأردنية عمان حيث استضافت عمان رئيس مكتب الحركة في الخارج خالد مشعل، كما استقبلت ممثل حركة “حماس” الثمانيني محمد الخضري الذي وصل الى العاصمة عمّان، في 19 أكتوبر 2022، بعد الإفراج عنه من قبل السلطات السعودية؛ وهي نقطة أخري تشير إلى إمكانية كسر الجمود في علاقة حماس مع المملكة العربية السعودية، ويأتي الانفتاح علي النظام السوري فذ هذا السياق.

ولا يمكن فصل محاولة حماس تصفير مشاكلها عن السياق العربي والإقليمي الذي ينزع نحو خفض التصعيد والمصالحات التي انطلقت في قمة العلا في السعودية يناير 2021 جامعة دول الخليج العربي ومن ضمنها قطر؛ لتتطور إلى مصالحات إقليمية شملت أبو ظبي والرياض من جهة وأنقرة من جهة أخرى؛ كما شهدت جولات خمس للحوار بين الرياض وطهران استضافتها العاصمة العراقية بغداد؛ والأهم مصالحات مصر وتركيا وقطر التي كسرت الجمود السياسي في الإقليم بأكمله؛ ولم تخلُ المصالحات عن لقاءات وزيارات عربية لدمشق شملت الإمارات العربية وسلطنة عمان والتحقت بها الأردن عبر شراكات اقتصادية وتجارية مع دمشق[18].

3- التوغل الإسرائيلي في المنطقة: يعتقد مؤيدو الحركة وكوادرها أن قرار عودة العلاقة مع النظام السوري جاء في سياق إعادة التموضع الدائر حاليًّا في المنطقة، في ظل وجود تيار تقوده دول خليجية لتشكيل “ناتو” عربي بعضوية الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما يتطلب التصدي له بمحور موازٍ يضم الأطراف المعارضة للتحالف الأول والتي تقف علي رأسها كلًا من سوريا وإيران وحزب الله والحوثيين[19].

4- التقارب التركي – الإسرائيلي: فقد انعكس التقارب التركي- الإسرائيلي سلباً على حركة حماس المتواجدة في تركيا، وفي هذا السياق، فقد كشفت صحيفة “إسرائيل هيوم” العبرية، في إبريل 2022، أن ​السلطات التركية​ بدأت بترحيل العشرات من النشطاء ​الفلسطينيين​ المرتبطين ب​حركة “حماس” عن أراضيها، وذلك بناءً على الاتفاقية مع سلطات الاحتلال وكشرط لتحسين العلاقات بين انقره وتل ابيب.

فيما أفادت صحيفة “حرييت” التركية أن أنقرة أبلغت “حماس” بأن “أصحاب المناصب العسكرية في حركة حماس لن يمكثوا في تركيا” وأنها “لن توفر مساعدات عسكرية للحركة”، مضيفة أن أنشطة “حماس” السياسية في تركيا ستستمر[20].

وقد سبق وأن قالت سفيرة تل أبيب في أنقرة، إيريت ليليان، إن “إسرائيل بذلت جهوداً لإغلاق مكتب حماس في إسطنبول ونجحت في ذلك، وتعمل حالياً على ترحيل الناشطين من تركيا”.

ولم تنف حماس ذلك وقال عضو المكتب السياسي فيها موسى أبو مرزوق إن “تشويشاً كبيراً طرأ على علاقات حماس بتركيا، وذلك بعد تحسين أنقرة علاقاتها بإسرائيل ودول عربية أخرى وفي ضوء ذلك نحن ملتزمون بالتفاهمات التي يجريها الأتراك ونقدرها”.

ومن جانب أخر، لا يمكن اغفال أن انفتاح حماس علي النظام السوري جاء بالتزامن مع توجه تركي نحو استئناف علاقاتها بالنظام السوري، في إطار بعض الترتيبات والحسابات الإقليمية[21].

5- الضغوط الإيرانية علي حماس: فعدم وجود بدائل كافية لمد الحركة بالمال والسلاح إلا عبر إيران وحزب الله قد جعلها أكثر عرضة للضغوطات الإيرانية، ووفق بعض التقارير، فإن إيران طرحت عودة العلاقات مع الأسد شرطاً لاستئناف دعمها المالي للحركة[22].

وإن كان البعض ينفي أن يكون عودة حماس لدمشق رضوخاً لضغوط من طهران، فبنظرة سريعة على ماضي العلاقات بين الجانبين ستظهر أن الحركة قد عارضت داعِمَها العسكري الوحيد في محطات مفصلية، والتي كان منها الخروج من سوريا عام 2012، كما رممت حماس على مدى السنوات الماضية علاقاتها مع إيران وحزب الله وطورتها بشكل ملحوظ، دون إعادة العلاقات مع الأسد[23].

6- الوساطة الروسية: بدا أن هناك جهوداً روسية تستهدف تسهيل التقارب بين دمشق وحماس، إذ تحدث إسماعيل هنية، في 4 مارس 2020، في مؤتمر صحافي في موسكو، معلناً أن الحكومة والمواطنين السوريين كانوا منذ سنوات داعمين رئيسيين لحماس. وبرأ هنية، حماس، قائلاً: “لا يمكننا أن ننسى هذا التاريخ. لا توجد سياسة أو أي قرار من قبل حماس للانخراط في الملف السوري، وأنا أنفي بشدة وجود أي مقاتل أو شهداء من حماس في إدلب، أو قبل إدلب، أو حتى في الثورة السورية”.

فاللافت هنا، أن إعلان حركة حماس استئناف علاقتها مع دمشق تزامن مع وجود وفد رسمي لها برئاسة رئيس المكتب السياسي للحركة إسماعيل هنية بموسكو في زيارة رسمية، استمرت لأيام بدعوة من الخارجية الروسية.

وربما تسعي موسكو من خلال تحقيق التقارب بين حماس والنظام السوري إلي محاولة تغيير الصورة التي رسمت له خلال الثورة، والمجازر التي تعرض لها الشعب السوري، عبر بروباغندا تظهره بدور الداعم للقضية الفلسطينية، في محاولة لإضفاء شرعية وإعادة الثقة لهذا النظام على المستوى الشعبي الداخلي والعربي والإسلامي.

كما أن فشل محاولات التطبيع الكامل مع الدول العربية، واستبعاد دمشق من المشاركة في قمة الجزائر، ربما دفعها إلى المصالحة مع حماس، ما يمنحه مزيدًا من أوراق التفاوض في الاقليم.

كما يأتي الانفتاح بين حماس والنظام السوري وسط حالة من التوتر في العلاقات وتبادل للاتهامات بين إسرائيل وروسيا، على خلفية الحرب في أوكرانيا، إذ يتردد أن إسرائيل انخرطت بالفعل في الحرب ضد روسيا وزودت أوكرانيا، وبشكل سري، بنظام دفاعي ضد المسيرات (على الأرجح ضد المسيرات الإيرانية) عبر بولندا. يضاف إلى ذلك مساعي تل أبيب إلى أخذ مكان روسيا في مجال ضخ الغاز الطبيعي للقارة الأوروبية.

كما يبدو أن روسيا تسعى إلى ترسيخ دورها كلاعب دولي مؤثر، كما أنه على وقع ما يوصف بـ “انكسار الجيش الروسي في أوكرانيا” بسبب الدعم الأمريكي، تسعى موسكو إلى تعزيز الأواصر مع دول ومنظمات مناوئة للولايات المتحدة[24].

 

ثالثًا: تحديات عودة العلاقة بين حماس والنظام السوري:

يمكن الإشارة إلي مجموعة من التحديات التي قد تحد من توطيد وتقوية العلاقة بين الطرفين، والتي تتمثل في نقطتين رئيسيتين:

النقطة الأولي: تتمثل في التداعيات السلبية التي قد تلحق بحركة حماس من خلف إعادة علاقتها بالنظام السوري وخاصة على صعيد “حاضنتها الشعبية وعمقها العربي” المناهض للنظام السوري. فقد أثار قرار الحركة العديد من الانتقادات، وفي أول موقف معلن، أعلن عيسى الجعبري، وهو وزير سابق في الحكومة العاشرة التي كان يرأسها إسماعيل هنية، براءته من إعلان الحركة “إعادة علاقتها بالنظام السوري المجرم”، معرباً عن أمله في أن يعود قادة حماس إلى “نهج الحق والصواب”[25].

فيما ترى هيئة علماء المسلمين، أن في هذا القرار مفاسد عظيمة ولا يتفق مع المبادئ والقيم والضوابط الشرعية، وهذا يقتضي أن تقوم الحركة بمراجعته وإعادة دراسته في ضوء ما ذكره العلماء[26].

كما ترى المعارضة السورية أن هذا القرار تأكيد على الارتباط بين الحركة وإيران، فيما ذهب البعض الآخر إلى ما هو أبعد من ذلك باتهامها بأنها ذراع طهران في منطقة فلسطين وتنفذ ما تمليه عليها من تعليمات[27].

وأخيرًا، فقد أنتقد البعض حديث خليل الحية بأن موقف حماس من الثورة السورية كان خطأ فردياً؟، مشيرين إلي أن ذلك يعني بأنه يعتبر رفض قتل الشعب السوري خطأ ارتكبه أفراد، ولم يكن موقفاَ مبدئياً من الحركة؟، وعلى ذلك، يصح إذا شكر السوريون بعض الأفراد في الحركة، بصفتهم الشخصية، ونددوا بها فكرا وسلوكا وقيما.

مضيفين أن استعادة حماس لعلاقاتها مع الأسد يعتبر اسوأ من إعادة بعض الدول العربية لعلاقتها معه؛ لأنها علاقات بين دول، فضلاً عن أنها مجمدة، ولم تتم بهذا الفرح وذاك الفخار الذي أبدته حماس، ثم أن غالبية الدول العربية لم ترجع علاقاتها مع الأسد، وبذلك تكون الحركة الإسلامية قد سبقت من تخونهم وتتعالى عليهم في الانبطاح تحت أقدام الأسد[28].

النقطة الثانية: تتمثل في أنه من غير المرجح أن تحصل حماس من نظام الأسد على ما حصلت عليه سابقاً من امتيازات في التدريب العسكري والدعم اللوجستي وغيره، سواء بسبب عدم قدرة النظام على ذلك، أو عدم رغبته بذلك في ظل فقدانه الثقة بالحركة. فهناك إشكالية متعلقة بانكشاف سوريا وتعرضها بشكل مستمر لاستهدافات إسرائيلية، بناء عليه فإن دمشق لم تعد آمنة لوجود مكاتب وقيادات حماس كما كان الحال قبل العام 2011، بل ستكون تلك المكاتب وقادتها عرضة للقصف الإسرائيلي[29].

 

ختامًا، يمكن القول أنه وبرغم الانتقادات التي تتعرضت له حماس؛ لقرارها بإعادة العلاقة مع النظام السوري، وهي انتقادات مبنية علي تعارض هذا القرار مع الموقف الأخلاقي للحركة، إلا أن الحركة ستمضي في طريقها لتنفيذ هذا القرار وفقًا لما تمليه عليها الضغوطات والظروف السياسية والاستراتيجية علي المستوي الداخلي والاقليمي والدولي.

 

[1] “وفد من “حماس” يلتقي الأسد ويعلن “طي صفحة الماضي” مع النظام السوري”، العربي الجديد، 19/10/2022، الرابط: https://bit.ly/3FfyZE9

[2] “تقدير موقف: عودة العلاقات بين حركة حماس والنظام السوري”، مركز أبحاث ودراسات مينا، 14/9/2022، الرابط: https://bit.ly/3TJX9Lh

[3] ” «حماس» ــ دمشق: نهاية كابوس «الربيع»”، الأخبار، 20/10/2022، الرابط: https://bit.ly/3W223EZ

[4] “ما بعد لقاءات دمشق: «حماس» نحو وجود دائم في سوريا”، الأخبار، 25/10/2022، الرابط: https://bit.ly/3SEkHzK

[5] ” تقدير موقف: عودة العلاقة بين حركة حماس والنظام السوري‎‎”، جسور للدراسات، 22/6/2022، الرابط: https://bit.ly/3f8PBTj

[6] “حماس و”التحويلة السورية””، العربي الجديد، 25/10/2022، الرابط: https://bit.ly/3W4QCfO

[7] المرجع السابق.

[8] المرجع السابق.

[9] “تقدير موقف: عودة العلاقات بين حركة حماس والنظام السوري”، مرجع سابق.

[10] “كيف يمكن قراءة قرار استئناف العلاقات بين حماس والنظام السوري؟”، المرصد المصري، 25/9/2022، الرابط: https://bit.ly/3DAGlAM

[11] “تقدير موقف: عودة العلاقات بين حركة حماس والنظام السوري”، مرجع سابق.

[12] “سورية وحماس .. أي مقاربة لأيّ علاقة؟”، العربي الجديد، 12/9/2022، الرابط: https://bit.ly/3N7P3cM

[13] “عودة علاقات حماس والنظام السوري.. الدوافع والتداعيات (تقرير)”، الأناضول، 5/7/2022، الرابط: https://bit.ly/3gLo5eS

[14] “عودة العلاقات بين “حماس” والنظام السوري الأسباب والمآلات”، المركز الديمقراطي العربي، 5/10/2022، الرابط: https://bit.ly/3SDVcP6

[15] “حماس و”التحويلة السورية””، مرجع سابق.

[16] “حماس إذ تعترف بـ”الهزيمة””، عربي21، 24/10/2022، الرابط: https://bit.ly/3W793AA

[17] ” تقدير موقف: عودة العلاقة بين حركة حماس والنظام السوري‎‎”، مرجع سابق.

[18] “حراك “حماس” أم حراك الإقليم الاستراتيجي”، عربي21، 20/10/2022، الرابط: https://bit.ly/3syPJP6

[19] “عودة علاقات حماس والنظام السوري.. الدوافع والتداعيات (تقرير)”، مرجع سابق.

[20] “تقارير عبرية: تركيا تبدأ بطرد عناصر حماس”، البوابة، 27/4/2022، الرابط: https://bit.ly/3TWKYKH

[21] “كيف يمكن قراءة قرار استئناف العلاقات بين حماس والنظام السوري؟”، مرجع سابق.

[22] “تقدير موقف: عودة العلاقات بين حركة حماس والنظام السوري”، مرجع سابق.

[23] “حماس إذ تعترف بـ”الهزيمة””، مرجع سابق.

[24] “تقدير موقف: عودة العلاقات بين حركة حماس والنظام السوري”، مرجع سابق.

[25] “إعلان حماس عودة علاقتها مع النظام السوري.. الجزيرة نت ترصد الجدل داخل الحركة وخارجها”، الجزيرة نت، 17/9/2022، الرابط: https://bit.ly/3U170fv

[26] “هيئة علماء المسلمين تعلق على إعادة حماس للعلاقات مع نظام الأسد”، وكالة زيتون، 16/9/2022، الرابط: https://bit.ly/3SF4IS7

[27] “حماس ونظام الأسد.. ماذا وراء استعادة العلاقات بعد قطيعة 10 سنوات؟!”، نون بوست، 18/9/2022، الرابط: https://bit.ly/3SDpbqo

[28] “هل تحرير فلسطين متوقف على لقاء الأسد؟”، العربي الجديد، 27/10/2022، الرابط: https://bit.ly/3SF1q1d

[29] “تقدير موقف: عودة العلاقات بين حركة حماس والنظام السوري”، مرجع سابق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

ماذا بعد صعود اليمين  الديني المتطرف في إسرائيل؟

تأكد يوم الأربعاء 9 نوفمبر الجاري، فوز رئيس وزراء اسرائيل السابق بنيامين نتنياهو بالانتخاب…