‫الرئيسية‬ المشهد السياسي دراسة التوتر الأمريكي السعودي بعد قرار “أوبك+”

دراسة التوتر الأمريكي السعودي بعد قرار “أوبك+”

دراسة التوتر الأمريكي السعودي بعد قرار "أوبك+"

فاقم قرار السعودية خفض إنتاج النفط من خلال تحالف “أوبك +” الضغوط على علاقتها المتوترة أساسا مع الولايات المتحدة، بما يهدد بقطيعة في العلاقة بين الحليفين التاريخيين، أو تصاعد التوتر وتشعب الخلافات والتباينات التي تؤثر على استقرار الشرق الأوسط .

وقد أعلن تحالف “أوبك بلاس” المكون من الدول الـ13 الأعضاء في منظمة الدول المصدرة للنفط “أوبك” وحليفاتها العشر بقيادة روسيا يوم 17 أكتوبر الماضي خفضاً كبيراً في حصص الانتاج بمقدار مليوني برميل يوميا اعتبارا من بداية نوفمبر 2022.

وجاءت الخطوة وسط أزمة طاقة ناجمة عن الحرب في أوكرانيا، وفيما يستعد الناخبون الأمريكيون المنهكون من التضخم للإدلاء بأصواتهم في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، ما أثار غضب واشنطن، حيث حذر الرئيس الأمريكي “جو بايدن” السعودية من مواجهة “عواقب” لم يحددها.

وعلى الرغم من أن السعودية، ليست وحدها صاحبة القرار في أوبك بلس، غير أن الغضب الأميركي تركز ضد الرياض، لما تمثله من قوة انتاج، إذ تحتل السعودية المرتبة الثانية عالميا في انتاج النفط عالميا.

بالمقابل، دافع المسؤولون السعوديون عن هذه الخطوة باعتبارها مدفوعة باعتبارات اقتصادية تتعلق بتصاعد التضخم العالمي وبدء تراجع النشاط الاقتصادي في الصين بعد اكتشاف بؤر جديدة لاصابات كورونا، ورفضت السعودية  اتهامات البيت الأبيض بأن “أوبك بلاس” متحالفة مع روسيا.

وأعربت الخارجية السعودية رفضها الاملاءات الأمريكية..فيما رد البيت الأبيض بالقول إن السعودية “يمكن أن تحاول التلاعب أو تحويل الانتباه، لكن الوقائع واضحة” ولا يزال من غير الواضح كيف يمكن أن يتطور الخلاف بين البلدين.

إذ لم يقدم “بايدن” في مقابلة مع شبكة “سي إن إن” تفاصيل عن طريقة رد بلاده على قرار  “أوبك+” فيما واصلت التصريحات السعودية الرسمية التركيز على مكاسب العلاقات القوية مع واشنطن.

أولا: دلالات قرار خفض الانتاج:

وجاء تصاعد التوتر إزاء قرار أوبك­­+، لما يحمله القرار من دلالات خطيرة على الصعيد الأمريكي، ومنها:

-تدني مردود زيارة بايدن للسعودية يوليو الماضي:

يشار إلى انه، قبل ثلاثة أشهر فقط، زار “بايدن” مدينة جدة والتقى ولي العهد الأمير “محمد بن سلمان”، ما أثار غضب النشطاء المعارضين بأمريكا ودول عدة، لسجل المملكة في مجال انتهاكات حقوق الإنسان.

ومثلت الرحلة تراجعا دراماتيكيا عن تعهد “بايدن” عام 2019 بمعاملة السعودية على أنها “منبوذة” بسبب انتهاكات حقوق الإنسان ومنها القتل المروع للصحفي “جمال خاشقجي”.

وتفسر رحلة بايدن التي لم تؤد إلى الزيادة المأمولة في إنتاج النفط التصريحات القاسية من بعض أعضاء حزبه الديمقراطي الذين وصفوا السعوديين في الأيام الأخيرة بـ “الخونة” الذين “ضللوا وتجاوزوا” رئيس الولايات المتحدة.

وحاول بعض المشرعين الأمريكيين إحياء الدعم لقانون سيعرّض “أوبك+” لدعاوى قضائية بزعم مكافحة الاحتكار، بينما دعا آخرون الولايات المتحدة إلى سحب المعدات العسكرية من المملكة.

إلا أن تلك الخطوة قد تدفع نحو مزيد من التوترات بين البلدين، الأكثر احتياجا لبعهما البعض؛ وفق محللون..

ومع الحملات المضادة لبايدن، بعد عودته من السعودية، وعد بايدن بخفض أسعار الطاقة بعد وعود السعوديين له بزيادة الانتاج،  وهو ما جعل البيت الأبيض يرى أن قرار”أوبك+” موجّهاً ضد واشنطن، وفي وقت حساس أميركياً، مع الاستعداد للانتخابات النصفية للكونجرس، إذ سرعان ما انعكس القرار على المستهلك الأميركي للنفط.

 

غضب سعودي من تعاطي واشنطن مع القضايا الاقليمية باليمن وايران:

ويبرز الملف النووي الإيراني والمفاوضات بشأنه أحد أوجه الخلاف السعودي الأميركي، وكذلك المواقف الأميركية بخصوص الحرب في اليمن، والتي تحمل أحيانا صبغة محايدة. وحتى اتفاق ترسيم الحدود البحرية اللبنانية مع إسرائيل، فقد بدا أن ثمة تسهيلات إيرانية، من خلال حزب الله، لتمريره، لكن للسياسية دروبها المتعرّجة وأولوياتها لدى كل طرف، فقد نشطت مفاوضات إيرانية سعودية في بغداد، بموازاة مفاوضات الملف النووي الإيراني، وما زالت طهران تعلق آمالا كبيرة بأن تجيز المفاوضات فتح سفارة أو قنصلية إيرانية على الأراضي السعودية، وهو ما لا يلقى قبولاً من الرياض.

وتعد السعودية أبرز المنتجين للنفط من بين الدول الأعضاء بتحالف “أوبك+” المؤلف من 23 عضوا وأصبحت الطاقة مصدر الخلاف الأكبر بين واشنطن والرياض، منذ عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، الذي اعترض في 10 مناسبات على قرارات تحالف “أوبك+”، واستمرت الخلافات في عهد الرئيس الحالي بايدن، الأمر الذي قد تكون له انعكاسات على مجالات تحالف أخرى بين البلدين، خاصة وأن المملكة كانت حتى وقت قريب، أكبر حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط.

وخلال السنوات القليلة الماضية، لم تجد السعودية الدعم الأمريكي اللازم تجاه هجمات جماعة الحوثي والذي طال عمق البلد عبر هجمات بطائرات مسيرة. كذلك، ترى المملكة ودول الخليج المنتجة للنفط، أن واشنطن تبحث عن دور المتحكم الأول في سوق النفط العالمية، وبالتالي فإن قرار الغرب ومجموعة السبع، بتحديد سقف لأسعار النفط الروسي، قد تتبعه خطوات مماثلة على بقية المنتجين، وهي إحدى أبرز مخاوف المنتجين.

  • فشل الدبلوماسية الاقتصادية الأمريكية:

ويعكس الهجوم  الأمريكي على السعودية بدرجة أو بأخرى، فشل الدبلوماسية الاقتصادية الأمريكية مع الخارج وخاصة دول الخليج العربي، إذ لم تشفع زيارة بايدن للمنطقة في تعديل الإنتاج صعودا بما يلبي رغبة الأمريكيين.

وفي تحليل لصحيفة نيويورك تايمز، اعتبرت أنه “إذا كان هناك أي درس من تجربة بايدن المريرة (بخصوص زيادة انتاج اوبك)، فقد ولت الأيام التي كان بإمكان الرؤساء الأمريكيين أن يطلبوا فيها خدمات من حلفائهم السعوديين”.

وأضافت: “نأى الأمير محمد بن سلمان (ولي العهد السعودي) بنفسه عمداً عن واشنطن، وأقام علاقات دولية أوسع لا سيما مع الصين وروسيا.. كما أوضح أنه لا ينظر إلى المملكة على أنها شريك صغير للولايات المتحدة وأنه على استعداد لتجاهل أي مطالب يعتبرها تتعارض مع المصالح السعودية”.

ولعل الفشل الدبلوماسي هذا، سيدفع نحو اتخاذ الادارة الأمريكية استراتيجيات أخرة، قد تكون أيسرها استراتيجية الضغوط المتصاعدة أمريكيا على الرياض في ملفات عدة..

– فشل أمريكي في إدارة ملفات الشرق الأوسط:

بعد قرابة عامين على تولّي إدارة بايدن، يمثل القرار السعودي دلالة واضحة على  فشل سياساتها في ملفيْ النووي الإيراني واليمن.

ناهيك عن انشغالها بأولوية التصدّي للصين وروسيا، من دون تحقيق نتائج واضحة أو حاسمة لمصلحة واشنطن ضد هذين الفاعليْن الدولييْن، بعد مرور نحو ثمانية أشهر من الحرب الروسية على أوكرانيا، وإصرار بكّين على الرد على الاستفزازات الأميركية في تايوان وبحر الصين الجنوبي ومناطق الجوار الصيني عمومًا.

والحاصل أن ثمّة تصاعدًا في وزن العامليْن، الصيني والروسي، في التأثير على العلاقات الأميركية السعودية، وربما نشهد انحسارًا “نسبيًّا” في نفوذ واشنطن خليجيًّا وعربيًّا وإقليميًّا، بما يسمح بـ”تدويل” أمن الخليج (عبر بروز أدوار روسيا والصين والهند في معادلاته)، مع الاعتراف بمكانة واضحة لدوري تركيا وإيران، وربما باكستان، في الخليج العربي.

  • صدمة للتعطش الأمريكي التاريخي للنفط السعودي:

ويتصادم قرار خفض الانتاج مع  التعطش التاريخي لدى أميركا تجاه النفط السعودي، وليس إلى أن النفط سلعة استراتيجية فقط، وإنما لأن هذه السلعة تدخل في صلب العلاقات الأميركية السعودية، إذ بدأت هذه العلاقات على مستوى النفط في العام 1933، وقبل أكثر من عشر سنوات على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وذلك عبر شركات أميركية بدأت آنذاك التنقيب عن النفط السعودي واستخراجه، حتى نجحت في ذلك خلال العام 1938.

رغم عقود على تأميم النفط السعودي، بدأت في العام 1973 وتوّجت بامتلاك كامل شركة أرامكو في العام 1980، فإن واشنطن ما زالت تملك نظرة “شبه استحواذية” إلى الثروة النفطية السعودية رغم سابقة قطع النفط السعودي في أعقاب حرب العام 1973، إذ زادت هذه السابقة من الشهية الأميركية لهذه الثروة، والتي يجرى التزود بها مقابل صفقات تسليح، وحيث تشكّل الأسلحة والتعاون العسكري واسع النطاق ركناً ثانياً من أركان العلاقة الثنائية، إذ رغم الاهتزازات وتباعد وجهات النظر بين الطرفين في محطّات عديدة، إلا أن واشنطن حافظت على ثبات العلاقات مع الرياض، بالاستناد إلى هاتين الركيزتين، إضافة إلى الركيزة الثالثة الخاصة بواشنطن، والمتعلقة بضمان التفوّق الإسرائيلي في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما كان يتسبب بخلافات مع الرياض في عهد الملك الراحل فيصل وما تبع ذلك من تقدّم الرياض بمبادرة السلام العربية مشفوعة بقبول عربي في قمة العام 2002، والتي قابلتها واشنطن ببرود، ولم تضعها يوماً على أجندتها الإقليمية.

  • تصاعد النزعة الاستقلالية السعودية عن الحليف الأمريكي:

ولعل ما يعظم من حجم القلق والغضب الأمريكي، أن قرار خفض الانتاج النفطي، والذي جاء في توقيت صعب دوليا، وخاصة في أمريكا، التي تتواجه بتحديات الحرب الروسية في أوكرانيا وتعطش حلفاءها في أوروبا لمزيد من النفط لمواجهة  وقف  الصادرات الروسية..

كما أن القرار يضرب النظرة الاستحواذية الأمريكية على النفط السعودي، ويقلص من حجم التبعية السعودية لواشنطن..وأمام تلك التحديات الأكبر لأمريكا، ومع تحكم نظرة أمريكية في صناعة سياساتها الدولية وخاصة مع الدول التابعة لها أو المتحالفة معها، حيث ترغب دائما في توجيه علاقتها مع الرياض (ومع غير الرياض) وفق المنظور الأميركي، وتصويره أنه يلبي مصالح الأطراف ذات العلاقة وحقوقها.

وأن تنهج الرياض نهجاً أكثر استقلالية عن واشنطن، رغم بقاء التحالف الاستراتيجي بينهما، فإنه يبدو، في أنظار واشنطن، وبحكم العادة، أمرا غير قابل للتصديق، مع أن دولاً عديدة ذات علاقات وثيقة بواشنطن، من بينها فرنسا وتركيا وألمانيا، تنهج هذا النهج.

والحال أن الحزبين، الجمهوري والديمقراطي، يحوزان هذه النظرة، مع اختلاف في الأسلوب.

  • تبدل المصالح والحسابات السياسية السعودية في ظل إدارة بايدن:

وعلى ما يبدو ، فإن واشنطن والرياض باتتا، في عهد إدارة بايدن، تفتقدان لغة مشتركة بينهما، وأن موجات من اهتزاز الثقة تحوم من دون توقف في سماء العلاقات الثنائية.

وتلعب مقالات انتقادية وتصريحات لأعضاء ديمقراطيين في الكونجرس دوراً بارزاً في إضفاء مزيد من التوتر على هذه العلاقات.

وتبدي الرياض حساسية إزاء هذه الحملات، بما يعيد لها أجواء الحملات الأميركية عليها عقب تفجيرات “11 سبتمبر” (2001)، فيما تستشعر الرياض أكثر وأكثر أن واشنطن لم تعد ضامناً لأمن منطقة الخليج، وعلى الأقل منذ عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما، الذي جرى التوصل في عهده إلى الاتفاق الغربي الإيراني على الملف النووي.

علاوة على أن واشنطن  تصوغ منظورها الخاص لأمنٍ إقليمي يتولاه الحلفاء بأنفسهم لا واشنطن (في الحالة العربية والخليجية، حمل بايدن في زيارته السعودية تصوّراً عن تحالف عربي إسرائيلي بديلاً عن ضمانات أميركية مباشرة)، لكن الرياض تصوغ من جانبها منظورها لأمنها الذاتي، وهو ما حمل الرياض على البدء بتنويع مصادر تسليحها وتوثيق العلاقات مع بكين وموسكو وعواصم أوروبية.

وتحرص الرياض في سياساتها على هامش من تعدد الخلفاء، وهو ما يتبدى في سياستها النفطية القائمة على عدم تسييس هذه الثروة، بل استخدامها لخدمة مصالحها الذاتية، في إطار التعاون ضمن منظمة أوبك وتكتل أوبك بلس، وبغير ارتهان لمصالح آنية وغير آنية للآخرين، بما في ذلك الحليف الأميركي..

  • انهيار معادلة

الأمن مقابل النفط:

وتشهد العلاقة بين السعودية والولايات المتحدة تدهورا منذ عقد من الزمن، والتوتر الحالي ليس طارئا بل نتيجة تدهور العلاقات منذ نهاية عهد الرئيس جورج بوش الابن (2001-2009) ومجيء إدارة باراك أوباما (2009-2017)، ومن المرجح أيضا أن يستمر هذا التوتر، في ضوء أن معادلة الأمن مقابل النفط، بمعنى أمريكا تضمن أمن السعودية والأخيرة تضمن أمن الطاقة، تعرضت للتهميش ولتقويض كبير، وهي على شفير الانهيار حاليا”…

وذلك في ضوء صمت أمريكا عن قصف عنيف من قبل الحوثيين في اليمن للموانئ والمرافئ البترولية؛ مؤخرا، بل واستمرار واشنطن في نقد الردود السعودية، التي تراها واشنطن تجاوزا على حقوق الانسان، داعية مرات عدة لوقف الاقتتال في اليمن..

ثانيا: تداعيات قرار خفض الانتاج النفطي:

  • ضربة للاقتصاد الأمريكي :

وجاء دعم السعودية لخفض إنتاج النفط في توقيت سلبي للغاية من وجهة النظر الأمريكية، حيث يتزايد التضخم الداخلي بأمريكا،  فيما الأسعار ترتفع بشدة، وحتى أسعار النفط والغاز في ارتفاع، وهو ما له تداعيات على الوضع الاقتصادي الأمريكي الداخلي.

فالجانب الأمريكي يعتبر أن القرار اتُخذ ضده بسبب توقيته، ويعتبر أيضا أنه يدعم روسيا وموقفها من الحرب ضد أوكرانيا، ولا تنظر أمريكا إيجابا إلى كل من يقف مع روسيا في هذه الحرب…

كما أن واشنطن كانت تتوقع أنها تدعم أمنيا في الخليج والسعودية، وهم عليهم التضامن معها ودعم أمنها سواء الاقتصادي أو أمن الطاقة  في الأزمات.. وبالتالي هذه المعادلة لم تعد فاعلة بهذا الشكل، ولذلك كانت ردة الفعل الأمريكية حادة..

كما أن هناك صراع متعلق بالنفط والغاز.. أوروبا في موقع سيء جدا بسبب كونها من أكبر مستوردي الطاقة في العالم، وتفتقد إلى الموارد اللازمة في هذا السياق، وتعتمد بالأساس على الغاز الروسي وعلى النفط..

وأمام ذلك المشهد الغربي، كان من المتوقع على الأقل أن لا يتم التصعيد في الأسعار (بخفض الإنتاج) لأن ذلك يحرم روسيا من المداخيل المالية الإضافية وبالتالي يضعفها في الحرب الجارية ويضع الأسعار في موقع يخدم الاقتصادات الغربية التي تخوض الحرب ضد روسيا…

والأسبوع الأخير من أكتوبر الماضي، صعدت أسعار البنزين في السوق الأمريكية بمقدار 60 سنتا للحالون، إلى متوسط 4.9 دولارات، وذلك قبيل شهر واحد من انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة.

وتتعاظم مخاطر القرار، مع تزايد  وزن السعودية في سوق النفط العالمية،  فهي ثاني أكبر منتج للنفط في العالم، بمتوسط يومي 11 مليون برميل، وقدرة فورية على زيادة الإنتاج حتى 12.3 مليون برميل يوميا.

كذلك، فالسعودية هي أكبر مصدّر للنفط في العالم، بمتوسط يومي 7.3 ملايين برميل في الظروف الطبيعية، وقدرة فورية على رفع الصادرات فوق 8 ملايين برميل.

ويتزايد مخاوف الامريكيين، مع هذا الخفض، الذي لا يعد الأول الذي ينفذه التحالف، والذي تأسس نهاية 2016، ولن يكون الأخير، خاصة بعد إعلان تمديد الاتفاق حتى نهاية 2023.

وشهد التضخم في الولايات المتحدة هذا العام أعلى مستوياته منذ 4 عقود، وبالتحديد منذ نوفمبر 1981، بحسب بيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي.

وحتى اليوم، تسجل الأسعار ارتفاعات كبيرة أرهقت جيوب المستهلكين الأمريكيين، وهو ما قد يلقي بظلاله السلبية على صناديق الاقتراع، حيث يحاول الديمقراطيون الحفاظ على سيطرتهم.

وعادت أسعار الوقود للارتفاع في السوق الأمريكية في أكتوبر الماضي، بعد تراجع خلال الشهور الثلاثة الماضية، وهو ارتفاع يأتي على الرغم من استمرار مواصلة واشنطن ضخ كميات من الاحتياطي الاستراتيجي للخام داخل الأسواق.

بينما تواجه السوق الأمريكية تراجعا في عمليات إنتاج النفط، بسبب هبوط حجم الاستثمارات في الطاقة الأحفورية، بسبب إيمان المستثمرين أن مستقبل هذا النوع من الاستثمار لن يكون طويل المدى مع نمو الطاقة المتجددة.

ومما يزيد الصعوبات أمام الاقتصاد الأمريكي، أن السوق تواجه ضعفا في الاستثمارات الجديدة في طاقة التكرير وتوفير كميات كافية من المشتقات، ما يعني أن أزمة ارتفاع أسعار الطاقة في الولايات المتحدة، هي داخلية بالمقام الأول.

والولايات المتحدة، هي أكبر منتج للنفط الخام في العالم بمتوسط يومي 11.8 مليون برميل، وهي كذلك أكبر مستهلك له، بمتوسط يومي 17 مليون برميل.

  • تهديد سياسي وشعبي للحزب الديمقراطي ورئاسة بايدن:

كما جاء قرار خفض الانتاج مليوني برميل يوميا، في مرحلة دقيقة جدا قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي في نوفمبر المقبل اذ قد يؤدي إلى إسقاط الديمقراطيين، ولهذا ردة الفعل عنيفة.

وهو ما دفع بايدن نفسه، للدعوة لإعادة النظر في العلاقات، لكن حتى الآن ليس من المعروف في أي جانب سيُعيد النظر وكيف وهل هو رد فعل إعلامي فقط أم ستكون له تداعيات على الأرض؟ يجب الانتظار قليلا للنظر في هذه التداعيات، وفق محللين استراتيجيين أمريكيين..

ولعله من ابرز النتائج المتوقعة، إثر ارتفاع أسعار النفط الحالية بعد قرار “أوبك+” هو ارتفاع أسعار النفط والطاقة في أمريكا، ومن ثم زيادة التضخم وارتفاع اسعار السلع في أمريكا، ما يُقلص فرص الديمقراطيين في الانتخابات التي تجري هذا الشهر، وهو ما دفع بايدن، للخروج مهددا شركات النفط الامريكية بخفض  أسعار النفط..

ويعتقد كبار المسئولين الأمريكيين أن الخفض استهدف بصورة مباشرة الحزب الديمقراطي، وهو أمر يكره المسؤولون الديمقراطيون الاعتراف به علناً، بحسب موقع “ذا إنترسبت”.

من جهته قال بروس ريدل، وهو باحث في معهد بروكينغز، لـ”ذا إنترسبت” الأمريكية: “في الرياض يريدون مساعدة الجمهوريين” قبل الانتخابات النصفية المقبلة، موضحاً أن محمد بن سلمان يرى أن فوز الحزب الجمهوري بالكونغرس هو “الخطوة الأولى لفوز دونالد ترامب في عام 2024 وانتكاسة لبايدن”.

  • تزايد المنافع الروسية في مواجهة الضغوط على أمريكا والغرب:

ووفق موقع The Intercept الأمريكي، فإن روسيا لم تتوقع أن تخفض الرياض إنتاج النفط مرتين أكثر مما طلب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وسعت روسيا إلى خفض إنتاج النفط بمقدار، فيما أكد الموقع الأمريكي أن الرياض ضغطت بالفعل لخفض إنتاج النفط مرتين، مضيفاً نقلاً عن مصادر أن هذه الخطوة فاجأت الروس أنفسهم، وفي الوقت الذي أكدت السعودية أن الدافع وراء هذه الخطوة كان المصالح الاقتصادية فقط، إلا أن البيت الأبيض مع عدد من كبار الديمقراطيين اعتبروا أن السعوديين يسعون لاصطفاف حاد مع روسيا.

ويؤدي خفض إنتاج النفط لزيادة  في الإيرادات الروسية ، بل ويضعف فاعلية العقوبات ضد روسيا وسط حربها مع أوكرانيا.

فيما تتعاظم الضغوط على أمريكا وحلفاءها بالغرب، الذين يعانون انتكاسات وشح في توريد النفط والغاز الروسي..

  • تصاعد دعوات أمريكية لسحب الأسلحة الأمريكية من السعودية إلى أوكرانيا:

ومؤخرا، أثار ريتشارد بلومنتال، السيناتور الديمقراطي البارز وعضو لجنة شؤون القوات المسلحة بمجلس الشيوخ الأمريكي، مخاوف من احتمال أن تُطلع السعودية شريكتها روسيا على تقنيات عسكرية أمريكية حساسة، في أعقاب ما وُصف بأنه قرار من المملكة بالوقوف إلى جانب موسكو على حساب مصلحة الولايات المتحدة في مسألة تخفيض إنتاج النفط.

وكان بلومنتال اقترح تجميد مبيعات الأسلحة للسعودية لمدة عام بعد قرار منظمة “أوبك بلس” تخفيض إنتاج النفط، وقال إنه “عازم على تقصي مخاطر” هذا القرار على الولايات المتحدة في مناقشات مع وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) وذلك وفق تقرير نشرته صحيفة The Guardian البريطانية، الإثنين 17 أكتوبر 2022.

ويتواجه أمر نقل الاسلححة من السعودية لاوكرانيا، بصعوبات سياسية ودبلوماسية كبيرة، اذ أن القرر قد يسبب مشكلات أعمق بين امريكا وروسيا، اذ أن نقل الاسلحة لاوكرانيا، يحتاج لخبراء أمريكيين لتشغيلها، وهو قرر يحتاج لاجماع أمريكي، للدخول مباشرة في تصعيد سياسي وعسكري مع روسيا، ويبقى احتمال تقليص مبيعات الأسلحة للرياض مطروحا في الفترة المقبلة..

  • تصاعد دعوات فرض العقوبات الأمريكية على السعودية:

وأمام المشهد المتوتر حاليا، تتصاعد العديد من الدعوات (في الولايات المتحدة) حاليا لفرض عقوبات على السعودية وحرمانها من استيراد الأسلحة، وسحب أي ضمانات أمنية منها” في الوقت الذي تحرص فيه الرياض في السنوات الأخيرة على توثيق علاقاتها مع كل من روسيا والصين ولم تعد تقتصر على علاقات استراتيجية مع “الحليف” الأمريكي فقط.

والآن وبعد القرار السعودي (خفض الإنتاج) هناك صورة سلبية عن السعودية داخل الولايات المتحدة الأمريكية.. ليس لدى شرائح واسعة من الشعب الأمريكي فحسب، وإنما في الطبقات السياسية والأحزاب”.

فيما تتمنى الإدارة السعودية، أفول حكم الديمقراطيين في أمريكا،  إذ يميلون أو يتمنون أن الإدارة المقبلة للولايات المتحدة، إن كانت جمهورية، أن تعمل على احتواء الوضع وتعود إلى العمل كما كان سابقا، ولكن حاليا لا يمكن القول أنه أمر مضمون، تدهور العلاقات التي من المرجح أن تستمر لفترة طويلة..

رابعا: مستقبل العلاقات الأمريكية السعودية:

وأمام المشهد المضطرب في العلاقات الأمريكية السعودية، يمكن أن تنجصر سيناريوهات المستقبل، إزاء تلك العلاقة بين خيارين:

أ-التصعيد الحاد:

ومع تعقد المشهد الدولي، وارتفاع أسعار النفط العالمي، تبدو العلاقات الأمريكية السعودية، قد دخلت مرحلة اعادة التقييم، وفق ما ذهب إليه الكاتب ريتشارد هال تحت عنوان “المواجهة بين بايدن والمملكة”، في موقع الإندبندنت الإلكترونية، فرئاسة جو بايدن كانت ولاتزال اختبار ضغط للعلاقة الأمريكية السعودية. فمنذ الحملة الانتخابية، تعهد بايدن بجعل المملكة العربية السعودية “منبوذة” بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان، وأنها ستدفع ثمن مقتل الصحفي جمال خاشقجي.

ولكن مع توقعات انتهاء الشراكة الأمريكية السعودية التي بقيت لفترة طويلة، والتي حددتها ولسنوات مبيعات الأسلحة الأمريكية الضخمة إلى الرياض مقابل التعاون في مجال الأمن والطاقة…

تلك الشراكة  تبدو الأقرب للنهاية ، وفق تهديدات ادارة بايدن، عقب القرار السعودي،  الذي اعتبره البيت الأبيض انحيازا إلى جانب روسيا في حربها ضد أوكرانيا، ووفق تقديرات استراتيجية، فإن واشنطن قد دخلت بالفعل مرحلة “إعادة تقييم” علاقتها مع المملكة نتيجة لذلك.

ووفق “كارين إليوت هاوس”، مؤلفة كتاب “المملكة العربية السعودية – شعبها ، ماضيها ، دينها ومستقبلها”، والزميلة الأولى في مركز بيلفر بجامعة هارفارد، فإنه  “منذ أربعينيات القرن الماضي لم تكن العلاقات الامريكية السعودية بهذا السوء”….

مشيرة إلى أنه في أعقاب هجمات 11 سبتمبر ، عملت الحكومتان بهدوء خلف الكواليس للحد من الأضرار التي لحقت بتعاونهما، والحفاظ على العلاقة الأمنية الأساسية بينهما من الغضب المحلي في أمريكا.

لكن هذه المرة إدارة بايدن هي التي تثير المشاعر المعادية للسعودية. وهذا “مختلفة جدا”…

اذ أن خطوة خفض إنتاج النفط، تهدد برفع أسعار الطاقة في جميع أنحاء العالم بما في ذلك الولايات المتحدة، وهذه من الأمور الحاسمة لإدارة بايدن قبل انتخابات التجديد النصفي، والتي قد تضر بالحزب الديمقراطي.

كما أن هذا القرار أثار غضب البيت الأبيض جزئيا لأن بايدن قد تدخل شخصيا لإقناع الرياض بزيادة الإنتاج في يوليو، عندما زار المملكة لأول مرة بعد توليه الرئاسة.

ما دفع المتحدث باسم الأمن القومي بالبيت الأبيض جون كيربي للتصريح بأن الولايات المتحدة تدرس إعادة التفكير في العلاقات الأمريكية السعودية.

وبما أن المملكة العربية السعودية هي أكبر مستورد للأسلحة الأمريكية في العالم، بحجة ضرورة مواجهة منافستها الإقليمية، إيران. وهو ما يتوقع حدوث تطورات كبيرة بشأنه، أي أن مبيعات الأسلحة باتت  الآن تحت التهديد، خصوصا بعد أن دعا بوب مينينديز، الذي يرأس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، والتي تشرف على مبيعات الأسلحة، في بيان إلى “وقف مبيعات الأسلحة إلى المملكة العربية السعودية”.

ب-عدم التصعيد إلى القطيعة التامة:

لاشك أن علاقات البلدين تمر بأزمة شديدة، لكن الحديث عن قطيعة بين البلدين أمر مشكوك فيه تماما. صحيح قد تقوم الإدرة الأمريكية بمراجعة علاقاتها مع السعودية وقد تلغى بعض الاجتماعات المجدولة، وقد تؤجل صفقات عسكرية متفق عليها، لكن كل ذلك لن يؤثر على جوهر العلاقات بين البلدين الذى يستند إلى تحالفات ومصالح كبرى منذ عقود.

إذا تم بالفعل تمرير سلسلة الإجراءات العقابية التى تحدَّث عنها المسئولون الأمريكيون، فقد تؤثر على علاقات البلدين..

خامسا: اجراءات أمريكية مضادة للسعودية:

ولعله من المتوقع أيضا أن تلجأ واشنطن في تصعيدها ضد السعودية، نحو اتخاذ العديد من لاجراءات المضادة للسعودية، ومنها:

  • دعم البيت الأبيض لمشروع «نوبك»:

وهو القانون  الخاص بمحاسبة السعودية ودول أوبك على «فرض أسعار للبترول بصورة لا تخضع لقواعد المنافسة العادلة، قد لا يحدث؛ لأن غالبية الأمريكيين لا يدعمونه، كما أنه يحتاج إلى موافقة الكونجرس بمجلسيه وإصداره من قبل بايدن، وحتى إذا تم إقراره ستكون له عواقب وخيمة، بل وحتى إذا نجحت السياسة الأمريكية فى جعل أسعار البترول تنهار إرضاءً للناخب والمستهلك الأمريكى، فإن ذلك صناعة النفط الأمريكية، قد تنهار لأن تكاليف اسخراج الطاقة فى أمريكا أعلى بكثير من نظيرتها فى السعودية والخليج.

  • حرمان السعودية من بعض أو كل الصفقات العسكرية:

ومع التهديد الأمريكى بحرمان السعودية من الصفقات العسكرية ، وهو أمر يطالب به الكثير من دوائر السياسة الأمريكية، إلا أنه يحمل مخاطر على أمريكا نفسها، فقد يدفع السعودية نحو التوجه للشراء من دول أخرى مثل بريطانيا وفرنسا وروسيا والصين، والذى سيتضرر هو صناعة السلاح الأمريكية التى تمثل المشتريات السعودية ٢٤٪ من إجمالى مبيعاتها..

وبالتالى وحسب ديفيد دى روش الأستاذ فى مركز الشرق الأدنى وجنوب آسيا للدراسات الاستراتيجية فإن “الأمريكى العادى لا يدرك أن هذه سوق تجارية ويدفع فيها السعوديون أموالا طائلة، بل هم فى الواقع يدعمون نظامنا للصادرات الدفاعية”…

  • تحريك ملف مقتل الصحفي جمال خاشقجي:

وقد تأجل نظر قضية مقتل خاشقجي، عدة مرات في المحاكم الأمريكية، بقرارات سياسية..وخاصة فيما يتعلق برفع السرية عن تقرير استخباراتي حول عملية اغتيال جمال خاشقجي، وفقاً لأفريل هينز، مديرة المخابرات الوطنية الأمريكية، وهو ما قد يلقي بظلال كثيفة على العلاقات الأمريكية السعودية في الفترة المقبلة.

ويعني القرار أنه من المرجح أن تلقي الولايات المتحدة اللوم رسمياً على اغتيال جمال خاشقجي الوحشي على ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، حسبما ورد في تقرير لصحيفة The Guardian البريطانية.

وذكرت تقارير إعلامية أن أجهزة المخابرات الأمريكية حددت بدرجة متوسطة إلى عالية من الثقة أن الأمير محمد أمر بالقتل، لم يتم الإعلان عن هذا التقييم رسمياً.

وفي حال ُنشَر التقرير وهو ملخص غير سري للنتائج أصدره مدير الاستخبارات الوطنية عبر مجتمع الاستخبارات، في فبراير الماضي، وفقاً لما نقله تقرير لصحيفة Washington Post الأمريكية عن أشخاصٍ وصفهم معدو التقرير بالمُطَّلِعين على الأمر. وفي حال نشر تلك المعلومات ستوفر “القطعة الأساسية المفقودة في أحجية إعدام جمال خاشقجي”.

وقُتِلَ خاشقجي بوحشية في أكتوبر 2018، وهو صحفي سعودي منفيٌّ كتب انتقاداتٍ لقيادة المملكة من موطنه الجديد في ولاية فيرجينيا الأمريكية، بما في ذلك أعمدة لصحيفة Washington Post  الأمريكية، واستُدرِجَ إلى القنصلية السعودية في إسطنبول للحصول على أوراق لازمة له، إذ كان يخطِّط للزواج من مواطنة تركية، وخُدِّرَ ومُزِّقَت أوصاله على يد عملاء سعوديين، وفقاً لتحقيقات الحكومة التركية والأمم المتحدة.

وخلصت وكالة الاستخبارات المركزية، في تقييمٍ سُرِّبَ في وقتٍ سابق إلى أن وليّ العهد هو من أمر بالاغتيال.

-تحريك قضية سعد الجبري ضد السعودية:

كما من ضمن المتوقع من خطوات امريكية للضغط على السعودية، إسراع الإدارة الأمريكية في تحريك وتيرة القضايا القانونية التي رفعها المستشار السعودي سعد الجبري ضد نظام محمد بن سلمان..

وكانت العديد من المخاوف من بن سلمان قد دفعت  ضابط المخابرات السعودي السابق الدكتور سعد الجبري إلى الهرب من المملكة في عام 2017 والذهاب إلى المنفى، أولاً في تركيا، ثم الولايات المتحدة، حتى استقر به المطاف أخيراً في كندا.

وحتى عام 2015، خدم الجبري إلى جانب ولي العهد السابق محمد بن نايف، الذي ترأس لفترة طويلة وزارة الداخلية السعودية.

في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر ، أقام الجبري علاقات وثيقة مع مختلف المؤسسات والأفراد في الحكومة الأمريكية، وأصبح خبيراً استخباراتياً سعودياً يحظى باحترام وتقدير واسع لدى الأمريكيين.

وفي عام 2010، كان له دور محوري في استباق ومنع عملية كان يخطط تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية لتنفيذها في ولاية شيكاغو الأمريكية، ويزعم ضابط استخبارات غربي سابق أنها كانت من الممكن أن تؤدي إلى مقتل مئات.

لكن في 6 أغسطس 2020، رفع مسؤول الاستخبارات السعودية السابق دعوى قضائية ضد محمد بن سلمان ومسؤولين سعوديين آخرين في المحكمة الجزئية الأمريكية لمنطقة كولومبيا بالعاصمة الأمريكية واشنطن. وفقاً للادعاءات، فإن محمد بن سلمان أرسل فريقاً من العملاء السعوديين، يُعرف بـ”فرقة النمر”، إلى كندا لقتل الجبري، بعد أقل من أسبوعين من إقدام أعضاء آخرين في نفس فرقة الاغتيال على قتل الصحفي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في إسطنبول.

ويتهم الجبري وليّ العهد السعودي بالشروع في قتله لأن ضابط الاستخبارات السابق “في وضع استثنائي يتيح له أن يمثل تهديداً وجودياً” لعلاقات ولي العهد “مع حكومة الولايات المتحدة”؛ ولأن “قلة من الأحياء يعرفون عن بن سلمان أكثر مما يعرف الدكتور سعد”، كما يقول موقع Responsible Statecraft الأمريكي. ويدعي محامي الجبري أن الحكومة السعودية تحتجز شقيق المدعي واثنين من أبنائه البالغين لإجبار الجبري على العودة إلى السعودية، لمواجهة تهم فساد بسبب الفترة التي قضاها في خدمة بن نايف.

  • استثناء بن سلمان من لقاءات بايدن بقمة العشرين بأندونيسيا:

ومن ضمن الضغوطات والتحركات المستقبلية الأمريكية ضد السعودية، هو تسريب نية بايدن عدم لقاء ولي العهد السعودي، خلال قمة العشرين المقبلة، حيث قال مستشار الأمن القومي بالبيت الأبيض جاك سوليفان، الأحد 16 أكتوبر 2022، إن الرئيس الأمريكي جو بايدن لا يعتزم عقد أي لقاء مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال قمة مجموعة العشرين المقرر عقدها في إندونيسيا شهر نوفمبر 2022.

تلك الخطوة؛ التي قد تكون ضمن إجراءات ترمي إلى إعادة تقييم العلاقة بين واشنطن والرياض، حسبما نشرت وكالة “فرانس برس” الأحد 16 أكتوبر 2022.

بل أوضح مستشار بايدن أن من بين الاحتمالات المطروحة في إطار إعادة تقييم العلاقات مع الرياض “تغييرات في مقاربتنا للمساعدات العسكرية للسعودية”.

سادسا: انعكاسات التوتر السعودي الأمريكي اقليميا:

أ-منطقة الخليج  العربي:

ولعل أخطر ما في التصعيد الأمريطي السعودي، هو انعكاساته السلبية على مسار العلاقات الاقليمية في الخليج والشرق الأوسط..

فتاريخيا، اتسمت العلاقات بين امريكا والسعودية، بحالات من المد والجزر والتعاون والتحالف الاستراتيجي خلال الثمانين سنة الماضية، وخاصة منذ حرب تحرير الكويت من الغزو العراقي، وبداية التمركز الأمريكي بالمنطقة العربية في العام 1990، وظل السعوديون والخليجيون حلفاء موثقون لا يكلفون دافعي الضرائب الأمريكيين سنتا، عكس إسرائيل التي تكلف دافعي الضرائب 3.8 مليار دولار سنويا، تشتري بها إسرائيل أسلحة أمريكية!

وتحلى التحالف والتعاون الخليجي مع أمريكا مؤخرا، خلال عمليات اجلاء نحو 100 ألف أمريكي وافغاني من كابول، عقب قرار بايدن المربك، بالانسحاب السريع من افغانسستان، وتحملت تكلفته دول الخليج..

وأيضا  شهدت العلاقات الخليجية-الأمريكية خلال العقد الماضي كثيرا من التباين في المواقف، فالسعودية رفضت المشاركة في حرب إسقاط نظام صدام حسين 2003. وفي خضم حربي ومستنقعي أمريكا في أفغانستان والعراق؛ ما هدد أمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط، تضاف لمخاوف انكفاء أمريكا، بعد إعلان الرئيس أوباما استراتيجية «الاستدارة شرقا عام 2012» للهرب من حروب استنزاف الشرق الأوسط الدائمة، ولاحتواء صعود وتمدد الصين وتحدي روسيا، ولأهمية توسيع الحضور الأمريكي في منطقتي المحيطين الهندي والهادئ، حيث مركز الثقل العالمي المستقبلي.

وشعرت دول مجلس التعاون الخليجي بالخذلان بعد توقيع إدارة أوباما في مفاوضات سرية، الاتفاق النووي مع إيران عام 2015، دون الأخذ في الاعتبار الهواجس الخليجية حول أنشطة إيران المزعزعة للأمن والاستقرار، وتقييد برنامج إيران الصاروخي.

فسرت إيران الاتفاق النووي مع القوى الكبرى وعلى رأسها أمريكا بمنزلة ضوء أخضر للتدخل الإيراني، لتفاخر قياداتها بسيطرتها على أربع عواصم عربية ونشر خلاياها، في الكويت بعد شهر من توقيع الاتفاق النووي في أغسطس 2015، بجانب سيطرتها على اليمن ولبنان وسوريا والعراق..

وبرغم كون زيارة الرئيس ترامب الخارجية الأولى للسعودية في مايو 2017، بخلاف زيارات أسلافه، لكنه لم يحرك ساكنا، بعد تعرض منشآت أرامكو في أبقيق وخريص لاعتداءات صاروخية وطائرات مسيرة من إيران، وتعطيل نصف الإنتاج النفطي السعودي المقدر بـ5 ملايين برميل نفط يوميا، متعذرا أن ذلك وقع في السعودية وليس في أمريكا! ما زاد من هامش الشك بنوايا وعزيمة الحليف الأمريكي في توفير الأمن والحماية.

كما فاجأ الرئيس بايدن السعودية والحلفاء الخليجيين برفع الحوثيين من قائمة المنظمات الإرهابية، التي وضعها الرئيس ترامب في آخر أيامه لقائمة المنظمات الإرهابية.

وسحب 8 بطاريات صواريخ الباتريوت الدفاعية من السعودية والكويت والعراق والأردن!

لكن الأزمة والسجال الحالي، بين الولايات المتحدة والسعودية، التي ترفض التدخل في شؤونها والإملاءات الأمريكية، بتوجيه اتهامات باصطفاف السعودية مع روسيا، بعد قرار مجموعة أوبك بلس خفض إنتاج النفط مليوني برميل يوميا.

قرار تقني أملته الأوضاع الاقتصادية العالمية والخشية من الركود الاقتصادي، ورفض إدارة بايدن لتبرير ووصف القرار بالمسيس وقصير النظر، ويساعد روسيا في حربها على أوكرانيا بزيادة دخل روسيا، ويضر بمصالح الولايات المتحدة والمستهلك الأمريكي. ولوح بايدن وقيادات إدارته بالعمل على مراجعة العلاقة مع السعودية، وما يترتب عليها من عواقب تطالها عند انعقاد الكونجرس الجديد، بعد انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر .

لكن أخطر ما في حملة التهديد والوعيد الأمريكي ضد السعودية بالتحديد، هو اصطفاف الإدارة والكونجرس والتلويح بتحريك مشروع قانون نوبك، في تعدّ على الحصانة السيادية للدول، ويعرض أمريكا للمعاملة بالمثل، اذ يخول وزارة العدل الأمريكية مقاضاة دول أوبك بلس برفع دعاوى في المحاكم الفيدرالية الأمريكية، لتحكم وتلاعب الدول وشركاتها الوطنية.

كذلك تقدم نواب من الحزبين باقتراحات بقوانين ومطالبات بوقف التعاون الأمني وتجميد صفقات الأسلحة مع السعودية.

هذا السلوك والسجال الأمريكي باستهداف السعودية، يعمق فجوة غياب الثقة ويزيد هامش التشكيك بين الحليفين، ولا يخدم المصالح المشتركة للطرفين، ويدفع الحلفاء الخليجيين للبحث عن بدائل لتأمين أمنهم، لكن واقعيا لا توجد بدائل.

وأمام هذه التطورات، تشعر إيران، بالارتياح وكذلك إسرائيل، وربما تنشط عملية التطبيع التي تجمدت لأكثر من عامين.

ب-تقارب سعودي مع روسيا والصين:

ومن ضمن الانعكاسات المستقبلية، التي قد تعايشها السعودية ومححيطها الاقليمي، تزايد احتمال حصول “تقارب” أكبر بين بعض الأطراف العربية (تحديدًا السعودية والإمارات وقطر والجزائر ومصر) مع روسيا، مع بروز مساحة أوسع نسبيًّا من “المناورة” أمام القوى الإقليمية (تركيا وإيران)، في ضوء تآكل صورة واشنطن و”مصداقيتها” في إقليم الشرق الأوسط، بسبب تفاقم أزمات السياسة الخارجية لإدارة الرئيس بايدن، منذ الانسحاب “المرتبك” من أفغانستان صيف 2021، الذي يعكس حالةً من “الانكفاء النسبي”، تُجسّد “التراجعات الهيكلية البنيوية” الأميركية، لا سيما بعد جائحة كورونا.

ويبدو أن الدبلوماسية الروسية بعد الحرب على أوكرانيا أصبحت أكثر نشاطًا في الخليج (مقارنةً بنظيرتها الصينية)، فقد اجتمع وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، بنظرائه الخليجيين في الرياض مطلع يونيو الماضي، في حين بدت السياسة الصينية أكثر تركيزًا على محيطها الآسيوي، ولم يقم الرئيس الصيني، شي جين بينغ، بزيارة السعودية، كما كان متوقعًا في أغسطس الماضي، بحسب صحيفة الغارديان البريطانية.

كما أن هناك فرصة، بعد الأزمة الأوكرانية، أمام الدول العربية وتركيا وإيران، لتعزيز “الاستقلالية النسبية” لإقليم الشرق الأوسط بيد أن بكين تبدو أكثر جهوزيةً (مقارنة بموسكو) في التعاون مع الرياض، وتسريع تنفيذ المشروعات والاستثمارات المشتركة، بما يدعم “مبادرة الحزام والطريق” الصينية ورؤية 2030 السعودية، لا سيما في مجالات الطاقة والاستثمار في مجمّعات التكرير والبتروكيميائيات المتكاملة، وتعزيز التعاون في سلاسل إمدادات قطاع الطاقة، وإنشاء مركز إقليمي للمصانع الصينية في السعودية، والتعاون في مجالات الكهرباء والطاقة المتجدّدة والهيدروجين النظيف وتعزيز الأبحاث والتطوير، فضلًا عن تنفيذ اتفاقية التعاون بين الحكومتين الصينية والسعودية في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية.

خاتمة:

على الرغم من ارتفاع نبرة “التهديد والوعيد”، سواء بـ”إعادة تقييم العلاقات” معها، أم شنّ حملة دعائية تركز على السعودية ودورها في قرار تحالف “أوبك+” (22 دولة غيرها)، أم التلويح بوقف تصدير السلاح إلى الرياض، أم الضغط عليها عبر السياسات الأميركية في الملف اليمني، التي بدأتها إدارة بايدن بإلغاء تصنيف الحوثيين “منظمة إرهابية”، ما أفسح المجال لتكثيف ضغوطهم على السعودية والإمارات، وقصف منشآتهما النفطية والمدنية، ثم تنكّر الحوثيين لتجديد الهدنة، واستهدافهم ميناء الضبة في محافظة حضرموت (21/10/2022)، عبر طائرات مسيّرة، ما يعني تحليليا بروز دور عنصر النفط اليمني (في ظل أزمة الطاقة العالمية حاليا) في تعقيدات أزمات اليمن، التي تشكّل موضوعًا محوريًّا في خلافات السعودية مع إدارة بايدن.

والمرجّح أن تفكير واشنطن في خطواتٍ لمعاقبة السعودية قد يدفع المملكة أكثر في اتجاه موسكو وبكين، لا سيما أن تبرير الدبلوماسية السعودية قرار “أوبك بلس” بأنه “اقتصادي” لا يخلو من “وجاهة”.

ومعلومٌ بالضرورة أن السعودية الرسمية ليست معادية للمصالح الأميركية إجمالًا، لكنها تحرص بعد الأزمة الأوكرانية على توسيع دائرة علاقاتها الدولية والإقليمية، بما يحقّق مصالحها الاقتصادية والتنموية، خشية عودة أسعار النفط إلى الانخفاض مجددًا، واحتمال تصاعد الاعتماد على مصادر الطاقة النظيفة (النووية والشمسية) وقرب نهاية عصر الوقود الأحفوري.

الا أن الرياض  تواجه تحدّيات في التوفيق بين متطلبات علاقة التحالف مع واشنطن، على الصعيد الدولي، رغم تصاعد الدورين الصيني والروسي من جهة، وتسارع وتيرة المتغيرات الإقليمية الضاغطة على المملكة، بسبب تصاعد نفوذ المشروع الإقليمي الإيراني في العراق واليمن وسورية ولبنان، والمشروع الإقليمي التركي بدرجة أقل، من جهة أخرى، ومتطلبات المشروعات التنموية الداخلية، المتجسّدة في رؤية 2030، والإعلان عن مبادرات اقتصادية وبيئية تستقطب اهتمامًا عالميًّا وإقليميًّا، مثل: أن تكون الرياض من أكبر 10 اقتصادات مدن العالم، ومبادرة “السعودية الخضراء”، و”الشرق الأوسط الأخضر”، وتأسيس مدينة نيوم الصناعية “أوكساغون”، ومشروع “وسط جدّة”، وإطلاق “الاستراتيجية الوطنية للصناعة”، التي تركّز على 12 قطاعًا فرعيا لتنويع الاقتصاد الصناعي، وتوفير 800 فرصة استثمارية بقيمة تريليون ريال (266 مليار دولار)، بغية مضاعفة قيمة الصادرات الصناعية إلى 557 مليار ريال (148.5 مليار دولار).

وثمة أمران مهمان في هذا السياق؛ أحدهما أن الرياض تسعى إلى استثمار ارتفاع أسعار النفط بعد الأزمة الأوكرانية، في تسريع تنفيذ رؤية 2030 ومشروع مدينة نيوم. والآخر أن هذه الجدلية بين الدولي والإقليمي والمحلي في السياسة الخارجية السعودية تدفع المملكة إلى إعادة بلورة “مصلحتها الوطنية”، تجاوبًا مع متطلباتها التنموية والاقتصادية، لا سيما في مرحلة تحوّل وغموض في النظامين الدولي والإقليمي، ما يعني أن للرياض مصلحة أكيدة في استثمار حالة التهدئة والتقاربات الإقليمية على مدار عامي 2021 و2022، للبحث في سبل الخروج من حرب اليمن، ناهيك عن تعزيز علاقاتها مع قطر، والتقارب مع سلطنة عُمان، مرورًا بإعادة رسم العلاقات السعودية مع مصر والإمارات وباكستان، فضلًا عن تحريك ملف العلاقات مع تركيا، وانتهاءً بإجراء أربع جولاتٍ من الحوار مع إيران، على الرغم من محدودية مرودها العملي.

 

……………..

مراجع:

محمود الريماوي،العربي الجديد، الرياض وواشنطن… نار النفط تُشعل الخلافات،22  أكتوبر، 2022

الأناضول ، أي مستقبل للعلاقات الامريكية السعودية؟  الأناضول،13.10.2022

الأناضول، خلافات الطاقة.. هل تؤثر على علاقات أمريكا بالسعودية؟، 06.10.2022

الأناضول، مصالح واشنطن الخاصة خلف انتقادها قرار “أوبك +”، 18.10.2022

بي بي سي عربي، بايدن في مواجهة المملكة: هل هي نهاية العلاقات الأمريكية السعودية؟ ، 14 أكتوبر 2022

عماد الدين حسين، خلاف أمريكا والسعودية.. هل يصل للقطيعة؟، الشروق، 15 أكتوبر 2022

عربي بوست، قرار السعودية الذي أغضب أمريكا بشأن النفط فاجأ روسيا!، 2022/10/21

عربي بوست، كيف ستتأثر العلاقات الأمريكية السعودية بالتقرير الاستخباراتي الذي ينتظر أن يكشف خفايا اغتيال خاشقجي؟، 2021/02/21

عربي بوست، دعوى الجبري تتسبب بأزمة جديدة في العلاقات الأمريكية السعودية، 2020/08/12

 

عربي بوست، دعوات لنقل الأسلحة المبيعة للرياض إلى أوكرانيا.. الديمقراطيون يخشون تسليم السعودية التقنيات العسكرية الأمريكية لروسيا، 2022/10/17

فرانس برس، البيت الأبيض يكشف موقف بايدن من لقاء ولي عهد السعودية في قمة العشرين، 2022/10/16

عربي بوست، السعودية 2021.. المملكة تبتعد عن أمريكا وتلعب الأدوار بدلاً من أداء الوظائف، 2021/12/29

رأي اليوم، من خسر اسعودية؟،23 أكتوبر 2022

عبد الله الشايجي، القدس العربي، أثر الخلاف الأمريكي السعودي على التحالف الخليجي الأمريكي! 17 أكتوبر 2022

المركز الديمقراطي العربي، العلاقات الأمريكية -السعودية في ظل إدارة بايدن : معضلة تحقيق التوازن بين المبادئ والمصالح، 15. أبريل، 2014

أمجد أحمد جبريل، عن توتر العلاقات الأميركية السعودية، العربي الجديد، أكتوبر 2022

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

التأثيرات الاجتماعية المحتملة لتآكل قيمة الدعم

قبل اغتصاب الجنرال عبدالفتاح السيسي للسلطة بانقلاب عسكري في يوليو 2013م، كان المواطن المصر…