‫الرئيسية‬ الشرق الأوسط ماذا بعد صعود اليمين  الديني المتطرف في إسرائيل؟

ماذا بعد صعود اليمين  الديني المتطرف في إسرائيل؟

ماذا بعد صعود اليمين  الديني المتطرف في إسرائيل؟

تأكد يوم الأربعاء 9 نوفمبر الجاري، فوز رئيس وزراء اسرائيل السابق بنيامين نتنياهو بالانتخابات الخامسة خلال السنوات الأربع الأخيرة، والتي أجريت يوم الثلاثاء 1 نوفمبر  الجاري..

أولا: نتائج الانتخابات التشريعية:

وكانت وكالة “بلومبرج”  للأنباء نقلت  عن لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية، يوم الأربعاء  9 نوفمبر ، إن حزب الليكود الذي يتزعمه نتنياهو، فاز بأعلى نسبة تصويت في الانتخابات التي أجريت في الأول من نوفمبر، ويعني ذلك حصول الحزب على 32 مقعدا من أصل 120 مقعدا في الكنيست.

أ-النتائج الكاملة:

حصل معسكر نتنياهو على 64 مقعدًا في هذه الانتخابات من مجموع مقاعد الكنيست البالغ 120 مقعدًا، مقارنة بـ52 مقعدًا في الانتخابات السابقة، وحصل على 2303964 صوتًا مقارنة بـ 1856932 صوتًا في الانتخابات السابقة، وهو ارتفاع كبير.

ونال حزب الليكود 32 مقعدًا في هذه الانتخابات مقارنة بـ 30 مقعدًا في الانتخابات السابقة، وأحرز 1115049 صوتًا في هذه الانتخابات مقارنة بـ 1066892 صوتًا في الانتخابات السابقة.

وأحرزت قائمة حزب “الصهيونية الدينية” الفاشي بقيادة بتسلئيل سموتريتش، وحزب “عوتسما يهوديت” الفاشي بقيادة إيتمار بن غفير 14 مقعدًا، مقارنة بـ6 مقاعد حصلت عليها القائمة في الانتخابات السابقة، ونالت 516146 صوتًا في هذه الانتخابات مقارنة بـ 225641 صوتًا في الانتخابات السابقة.

وحصل حزب “شاس” بقيادة أرييه درعي على 11 مقعدًا في هذه الانتخابات مقارنة بـ9 مقاعد في الانتخابات السابقة، وأحرز 392644 صوتًا مقارنة بـ 316008 أصوات في الانتخابات السابقة.

فيما احتفظ حزب “يهدوت هتوراة” بعدد مقاعده نفسه (7 مقاعد)، لكن أصواته زادت فبلغت 280125 صوتًا في هذه الانتخابات، مقارنة بـ 248391 صوتًا في الانتخابات السابقة.

أما المعسكر المناوئ لنتنياهو الذي يشمل جميع مكونات حكومة لبيد، بما في ذلك “الحركة الإسلامية الجنوبية” التي يتزعمها منصور عباس، فقد حصل على 51 مقعدًا في الكنيست، وعلى 2013695 صوتًا.

وأحرز حزب “ييش عتيد” 24 مقعدًا في هذه الانتخابات، مقارنة بـ17 مقعدًا في الانتخابات السابقة. ونال 847145 صوتًا مقارنة بـ614112 صوتًا في الانتخابات السابقة، في حين حصلت قائمة “المعسكر الوطني” بقيادة بيني غانتس (الذي تشكّل عشية الانتخابات من حزب “كاحول لافان” بقيادة غانتس، وحزب “تيكفا حداشا” بقيادة غدعون ساعر، ورئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي أيزنكوت) على 12 مقعدًا مقارنة بـ14 مقعدًا حصل عليها حزبَا “كاحول لافان” (8 مقاعد) و”تيكفا حداشا” (6 مقاعد) في الانتخابات السابقة.

ونالت هذه القائمة 432367 صوتًا في هذه الانتخابات مقارنة بـ525 ألف صوت أحرزتها في الانتخابات السابقة (316 ألف صوت حصل عليها حزب “كاحول لافان”، و209 آلاف صوت حصل عليها حزب “تيكفا حداشا” في الانتخابات السابقة).

وحصل حزب “يسرائيل بيتينو” الذي يقوده أفيغدور ليبرمان على 6 مقاعد مقارنة بـ7 مقاعد حصل عليها سابقًا، و213621 صوتًا في هذه الانتخابات مقارنة بـ209 آلاف صوت في الانتخابات السابقة.

وحصلت القائمة العربية الموحدة (الحركة الإسلامية الجنوبية) على 5 مقاعد مقارنة بـ4 مقاعد في الانتخابات السابقة، وعلى 193916 صوتًا مقارنة بـ 167064 صوتًا في الانتخابات السابقة.

وأحرز حزب “العمل” بقيادة ميراف ميخائيلي 4 مقاعد مقارنة بـ7 مقاعد في انتخابات الكنيست السابقة، و 175922 صوتًا مقارنة بـ 268767 صوتًا نالها في الانتخابات السابقة.

أما حزب “ميرتس” بقيادة زهافا غلؤون، فلم يحصل على أيّ مقعد لأنه لم يتمكّن من اجتياز عتبة الحسم مقارنة بـ6 مقاعد في الانتخابات السابقة، وأحرز 150715 صوتًا في هذه الانتخابات مقارنة بـ202218 صوتًا في سابقتها.

وحصل تحالف الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، الذي يضم الحزب الشيوعي الإسرائيلي بقيادة أيمن عودة، والحركة العربية للتغيير بقيادة أحمد الطيبي، على 5 مقاعد في الكنيست، وعلى 178661 صوتًا.

وأحرز حزب التجمع الوطني الديمقراطي 138093 صوتًا، ويُعدّ ذلك إنجازًا كبيرًا للحزب، على الرغم من عدم تمكّنه من اجتياز عتبة الحسم، نظرًا إلى المؤامرة التي تعرّض لها لإبقائه خارج القائمة العربية المشتركة تمهيدًا لدعم معسكر لبيد، إلى جانب التحريض المنظّم الذي شنّته ضده أجهزة الدولة ووسائل إعلامها طوال الحملة الانتخابية سوية مع الجبهة الديمقراطية والعربية للتغيير، والحركة الإسلامية الجنوبية.

 

ب-مؤشرات أولية:

وكانت فترة ولاية نتنياهو الخامسة كزعيم لحزب الليكود اليميني قد انتهت في يونيو 2021 عندما صعدت حكومة ائتلافية مكونة من ثمانية أحزاب، بقيادة نفتالي بينيت ويائير لابيد إلى السلطة وتعود القائمة العربية الموحدة إلى البرلمان مع خمسة مقاعد ويثير احتمال انضمام بن غفير، وهو عضو سابق في حركة كاخ المدرجة على قوائم مراقبة الإرهاب في إسرائيل والولايات المتحدة وأدين سابقا بالتحريض العنصري، إلى حكومة يقودها نتنياهو قلق واشنطن.

كما عزز ذلك شكوك الفلسطينيين في احتمال التوصل إلى حل سياسي للصراع بعد حملة انتخابية جرت وسط عنف مستمر منذ أشهر في الضفة الغربية المحتلة تضمن مداهمات واشتباكات بصورة شبه يومية ووفق مراقبين فلسطينيين، فإن نتائج هذه الانتخابات تشير إلى توجه المجتمع الإسرائيلي ليكون أكثر يمنيا وتطرفا وما سيتمخض عن هذه الانتخابات ستكون حكومة تواصل ارتكاب الجرائم بحق الشعب الفلسطيني.. بل إنها قد تغلق الأفق أمام أي حل سياسي.. ووصلت نسبة التصويت العامّة لانتخابات الكنيست الـ25، منذ اعلان قيام اسرائيل المغتصبة، إلى نحو 73% وبعد إعلان نتائج الانتخابات، بدأ  نتنياهو المشاورات مع الأحزاب والائتلافات يوم التاسع من نوفمبر، والذي منح 28 يوما لهذه المهمة، وفي حال فشله سيمدد له 14 يوما…

 

ثانيا: لماذا فاز تحالف نتنياهو:

تُعدّ هذه النتيجة بمنزلة نصر كبير لنتنياهو؛ إذ إنّها تمكّنه من العودة إلى الحكم عبر حكومة ائتلافية تقتصر على معسكره، وقد حاول نتنياهو على مدى الجولات الانتخابية الأربع السابقة الحصول على أغلبية في الكنيست تمكّنه من الحكم، ليس لأسباب سياسية وأيديولوجية فحسب، أو نتيجة رفض أحزاب المعسكر المناوئ له الدخول معه في ائتلاف حكومي على خلفية تقديمه للمحاكمة في ثلاث قضايا فساد، وإنما أيضًا لكي يتمكن من سنّ قوانين تلغي محاكمته، وتحدّ من سطوة الجهاز القضائي والمحكمة العليا وتمنعهما من التدخل في القرارات التي تتخذها الحكومة أو تلك التي يسنّها الكنيست.

يشار إلى انه منذ العام 1948، لم تحظَ إسرائيل إلا بحكومات ائتلافية، بسبب عدم تمكّن أيّ حزب من الحصول على أغلبية في الكنيست، نظام الانتخابات في إسرائيل، الذي يعتمد على التمثيل النسبي الخالص، يسمح بكثرة الأحزاب؛ إذ تعدّ الدولة كلها دائرة انتخابية واحدة، ويحصل كل حزب يتمكن من اجتياز عتبة الحسم على تمثيل برلماني حسب نسبة الأصوات التي ينالها من المقترعين، وقد بلغت نسبة الحسم في انتخابات الكنيست الأولى 1%، ارتفعت في عام 1992 إلى 1.5%، ثم إلى 2% في عام 2006، ثم إلى 3.25% في عام 2013.

وفي حين نجح نتنياهو في حشد أحزاب معسكره خلفه في قائمة انتخابية واحدة، لكي تتمكن جميعها من اجتياز عتبة الحسم، دبّ الخلاف في صفوف المعسكر المناوئ الذي يقوده لبيد بشأن جملة من القضايا، أبرزها:

1-رفض لبيد طلب أعضاء أحزاب ائتلافه الحكومي عشية حل الكنيست تعديل القانون الخاص بعتبة الحسم وتخفيضها من 3.25% إلى 2% لضمان نجاح عدد من الأحزاب المناوئة لمعسكر نتنياهو من اجتياز عتبة الحسم.

2-فشل جهود توحيد حزبَي العمل و ميرتس في قائمة انتخابية واحدة، لتجنّب خطر عدم اجتياز أحدهما أو كليهما عتبة الحسم.

3- تشير جميع الدلائل إلى حصول تفاهم بين لبيد وقيادة قائمة الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة والحركة العربية للتغيير (عودة والطيبي)، لإبعاد حزب التجمع الوطني الديمقراطي، وحثّهما في الساعات الأخيرة قبل تقديم القوائم الانتخابية في 15 سبتمبر الماضي، على إقصاء حزب التجمع من القائمة العربية المشتركة، لكي يكون في مقدوره تسويق اعتماده على دعم القائمة أمام الرأي العام الإسرائيلي بعد إبعاد حزب التجمع الوطني الديمقراطي الذي يلتزم بثوابت وطنية فلسطينية، ويرفض الدخول في لعبة المعسكرات الصهيونية، كما يرفض الدخول إلى الائتلاف الحكومي أو دعمه من الخارج، ويرفض أيضًا التوصية على أيّ مرشح من قادة الأحزاب الصهيونية لتشكيل ائتلاف حكومي.

 

ثالثا: دلالات كاشفة للنتائج:

1–زيادة تغلغل اليمين المتطرف في السياسة الإسرائيلية:

اذ تُدلِّل النتائج بشكل واضح على عُمق التحوُّلات التي شهدتها إسرائيل في السنوات الأخيرة وأدت إلى صعود وهيمنة اليمين الديني المتطرف المُعادي للعرب على المجتمع الإسرائيلي، وهو ما تُرجِم إلى حصول كتلة “الصهيونية الدينية” بقيادة إيتمار بن غفير وبتسليل سموترتش على المركز الثالث بعد الليكود ويش عتيد؛ فوفقاً للنتائج النهائية، حصدت الكتلة 14 مقعداً في الكنيست بعدما كان لديها 6 مقاعد في الكنيست المُنحل، كما عزز حزب شاس لليهود الشرقيين المتدينين مكاسبه بـ11 مقعداً بعدما كان لديه 9 مقاعد.

على الجانب الآخر، نجد أن الأحزاب اليسارية وأحزاب الوسط واجهت صعوبات كبيرة في الانتخابات الأخيرة؛ حيث تراجع حزب العمل من 7 مقاعد إلى 4 فقط، كما فشل حزب “ميرتس” لأول مرة في تخطي نسبة الحسم؛ فبعد فرز جميع الأصوات، بدا أن الحزب عاجز عن تخطي نسبة الحسم 3.25% من الأصوات الصحيحة للبقاء في الكنيست، في إشارة واضحة إلى عمق التحولات في مزاج الناخب الإسرائيلي تجاه اليمين.وكان “ميرتس” ممثلاً في الحكومة الإسرائيلية المنتهية ولايتها بوزيرَين أحدهما عربي.

2-نجاح  نتنياهو في تشكيل التحالف مع اليمين الديني المتطرف:

وكان تقرير نشره موقع “أكسيوس” الأمريكي ، قد أشار إلى أنه لسنوات عديدة، حافظ نتنياهو على مسافة من اليمين المتطرف، وخاصة مع بن غفير وحزبه، لكن منذ انتخابات 2019، طور علاقته مع السياسي اليميني المتطرف حيث عمل على توحيد توجهاتهم المختلفة، وقام على عكس أي زعيم سابق في الليكود، بتطبيع هذه العلاقة داخل دائرته الانتخابية.

وقال بن غفير إنه يريد إنشاء وزارة جديدة لتشجيع هجرة ما أطلق عليهم “الأعداء والأشخاص غير الموالين” للدولة، كما يسعى لإصدار قوانين لتنفيذ حكم الإعدام بحق من يسميهم “إرهابيين”.

3– تراجع شعبية الجيش في الشارع الإسرائيلي:

على الرغم من المكانة الرفيعة التي حظِي بها قادة الجيش السابقون في الحياة السياسية الإسرائيلية، أشارت العديد من استطلاعات الرأي إلى تراجُع نفوذ وشعبية هؤلاء القادة لدى الناخب الإسرائيلي، لا سيما مع تحول المزاج العام الإسرائيلي تدريجياً نحو الأحزاب اليمينية المتطرفة.

ولعل هذا ما أظهرته نتائج الانتخابات الأخيرة؛ ففي مقابل تصاعُد نفوذ الأحزاب الدينية المتطرفة، نجد أن نتائج الانتخابات الأخيرة أظهرت تراجُعاً ملحوظاً لنفوذ وشعبية قادة الجيش في السياسة الإسرائيلية؛ حيث تراجعت كتلة “المعسكر الوطني” بقيادة وزير الدفاع بني جانتس وجادي أيزنكوت – وكلاهما من أبرز قادة الأركان في إسرائيل – إلى 12 مقعداً في مقابل 14 مقعداً في الكنيست الأخير.

4– محورية الليكود ونتنياهو في السياسة الإسرائيلية:

وبالفعل فقد دلت النتائج، على محورية حزب الليكود في الحياة السياسية الإسرائيلية، الذي يُصنَّف باعتباره الحزب الرئيسي في يمين الوسط الإسرائيلي؛ حيث يُهيمن الحزب بشكل شبه كامل على السياسة في إسرائيل منذ الانتصار التاريخي عام 1977 لمناحم بيجن على شمعون بيريز من حزب العمل، وهي أول هزيمة للحزب الأخير منذ إقامة إسرائيل.

كما تؤكد نتائج الانتخابات محورية الدور الذي يلعبه نتنياهو في النظام السياسي الإسرائيلي؛ ففضلاً عن كونه صاحب أطول مدة حكم كرئيس وزراء في إسرائيل في التاريخ – حيث تولى رئاسة الحكومة في الفترة من 1996 إلى 1999 وكذلك في الفترة من 2009 إلى 2021 – يُعتبر نتنياهو رجل السياسة الأول في إسرائيل في العقدين الأخيرين؛ حيث تمحور التنافس في الانتخابات الخمسة الأخيرة للكنيست بين المعسكر الداعم لنتنياهو والمعارض له.

ولعل النفوذ الكبير لنتنياهو على أعضاء الكنيست ووسائل الإعلام الإسرائيلية هو ما ساهم بشكل أساسي في إرباك حكومة التغيير بقيادة “بينت -لابيد”، وصولاً إلى تفكُكها في النهاية، وحتى الأيام الأخيرة السابقة للانتخابات شن نتنياهو حملة ضغوط غير عادية على حكومة لابيد في محاولةٍ لعرقلة اتفاق ترسيم الحدود مع لبنان، وتشويه لابيد وإظهاره في موقف الضعيف أمام ضغوط حزب الله.

ويعكس فوز نتانياهو توجهات تجلت منذ فترة، فـ حزب “الليكود” هو الحزب السياسي الأكثر استقرارًا ومتانة في النظام الإسرائيلي، كما سقطت إسرائيل بشكل كبير في يد اليمين – وربما عناصره الأكثر تطرفًا – أكثر من أي وقت في تاريخها، وذلك وفق ما يذهب إليه آرون ديفيد ميلر، في تحليله بـ”سي إن إن”.

5- تراجُع نسبة التصويت العربي مقارنة باليهودي:

وشهدت الانتخابات الأخيرة كثافة تصويتية كبيرة؛ حيث ارتفعت نسبة تصويت اليهود فيها إلى 73%، وهي النسبة الأعلى منذ عام 1999، مدفوعة بشكل أساسي بالخشية من الوصول إلى انتخابات كنيست سادسة في غضون أقل من أربع سنوات، وهو ما ساهم في هذا النجاح الكبير للأحزاب اليمينية، على الجانب الآخر، نجد أن دعوات المقاطعة شهدت رواجاً كبيراً بين عرب إسرائيل؛ حيث نجد أن نسبة تصويت العرب بلغت 58%.

ويعود هذا الإحجام العربي إلى إحباط الشارع العربي من سياسات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وفقدان الأمل في إحداث تغيير حقيقي من داخل الحكومة الإسرائيلية على نحو ما كانت تأمل القائمة العربية الموحدة، بالإضافة إلى التشظي الواضح للأحزاب العربية؛ حيث انقسمت القائمة المشتركة في الانتخابات الأخيرة إلى كتلتين؛ هما: تحالف الجبهة الديمقراطية، والقائمة العربية للتغيير برئاسة أيمن عودة وأحمد الطيبي، وقائمة حزب “التجمع الوطني” بقيادة النائب سامي أبو شحادة. وقد أدى انقسام القائمة المشتركة للأحزاب العربية لكتلتين إلى وجود ثلاث قوائم عربية مشاركة في الانتخابات؛ حيث سبق أن انشقت القائمة العربية الموحدة برئاسة منصور عباس عن القائمة المشتركة في انتخابات 2021.

وأدى تشظي الأحزاب العربية إلى تراجُع عدد مقاعدها في الكنيست بشكل لافت؛ فحينما شاركت الأحزاب العربية في كتلة واحدة تحت عنوان القائمة العربية المشتركة في انتخابات سبتمبر 2019 جاءت في المركز الثالث في الكنيست بعدد مقاعد بلغ 13 مقعداً، كما حصدت القائمة المشتركة 15 مقعداً في انتخابات مارس 2020، وهو أعلى تمثيل للعرب في تاريخ الكنيست.

وفي ظل حالة التشظي الحالية حصدت الأحزاب العربية 10 مقاعد فقط؛ حيث حصلت القائمة العربية الموحدة على 5 مقاعد، فيما استطاع تحالف الجبهة الديمقراطية والقائمة العربية للتغيير حصد 5 مقاعد.

6-تراجع أحزاب اليسار والوسط في إسرائيل:

أما أحزاب اليسار ويسار-الوسط في إسرائيل، والتي كان يقودها من قبل حزب العمل ، قد تقلصت حتى لم يتبقّ منها إلا كيان صوري مع حفنة من المقاعد في الكنيست، وبينما قدمت كتلة يسار-الوسط واليمين برئاسة رئيس الوزراء المؤقت “يائير لابيد” أداء جيدا – وربما حتى حصدت المزيد من الأصوات – فإن الصدع بين اليسار والعرب قدم ميزة لكتلة “نتنياهو” الأكثر تماسكًا وانضباطًا.

7-صعود الصهيونية الدينية وتغلغلها المجتمعي:

ووفقًا للمحلل “تمار هيرمان” من “المعهد الإسرائيلي للديمقراطية”، فإن 60 % من الناخبين الإسرائيليين من اليمين؛ فيما يعد 12-14% من اليسار والبقية مما يسمى بالوسط وبينما تنبأت استطلاعات الرأي بأداء جيد لتكتل “الصهيونية الدينية” – وهي كتلة من 3 أحزاب متطرفة تجسد وجهة نظر عنصرية مؤمنة بالتفوق اليهودي ومناهضة للعرب-  إلا إن حجم نجاحهم كان مذهلاً وضاعفت “الصهيونية الدينية” أعدادها منذ انتخابات 2021 و جذب “بن غفير” (النجم الواضح للكتلة) ناخبين جدد، ووفقًا للاستطلاعات، فقد رفع نسبة الإقبال على الانتخابات بنحو 6%.

وليس من قبيل المصادفة، أن أحد الأحزاب في هذه الكتلة بقيادة “بتسلئيل سموتريتش” سمح بخطة إصلاح (أو بالأحرى إضعاف) النظام القضائي وضمان حصانة “نتنياهو” من الملاحقة القضائي ويعد نتنياهو مدينا لهؤلاء المتطرفين و للحزبين الدينيين الأرثوذكسيين المتطرفين الذين سيكون لديهم قائمة طويلة من المطالب. في الواقع، حصل الليكود على 31 مقعدًا، بينما حصل اليمينيون والمتشددون على نفس العدد أو أكثر، مما يجعله فعليًا أقلية داخل حكومته علاوة على ذلك، فإن “نتنياهو” لديه الآن شريك ومنافس في الوقت ذاته (متمثلًا في بن غفير) الذي يبلغ من العمر 46 عامًا، وبدأ للتو صعوده في السياسة الإسرائيلية.

ولا ينبغي أن يفاجأ أحد إذا حاول “نتنياهو” التواصل مع حزب “بيني جانتس” و”جدعون ساعر” الوسطي للانضمام إلى ائتلافه من أجل “إنقاذ الأمة” في محاولة لكبح “بن غفير” أو على الأقل لتقليل مطالبة المتطرفة.

 

رابعا: تغيرات استراتيجية بالمجتمع الاسرائيلي:

ويعبر تحليل النتائج عن تغيرات كبيرة واستراتيجية في المجتمع الإسرائيلي، ومنها:

1-تصويت نوعي يحمل الكثير من الدلالات:

إذ حصلت قائمة اليمين الفاشي المشكّلة من تحالف حزب الصهيونية الدينية وحزب القوة اليهودية، على أكثر من 516 ألف صوت، معظمهم من الشباب، ومن المثير للاهتمام أن هذه القائمة حصلت على 20% من أصوات الجنود في معسكرات الجيش الإسرائيلي.

2- انهيار حزب “يمينا” في هذه الانتخابات بعد أن حصل في الانتخابات السابقة على 7 مقاعد أوصل بها رئيسه بينيت إلى رئاسة حكومة التناوب، ومن الواضح أن قواعد هذا الحزب وكوادره اليمينية المتطرفة لم تكن مقتنعة بانسلاخ رئيسها عن معسكر نتنياهو بسبب خلافاتهما الشخصية، وصوّت معظمها في هذه الانتخابات لصالح تحالف حزبَي اليمين الفاشي: “الصهيونية الدينية” و”عوتس يهوديت”.

3- اندثر اليسار الصهيوني التاريخي الذي أسس إسرائيل، وأوشك أن يختفي كليًا عن الخريطة الحزبية الإسرائيلية؛ فقد اجتاز حزب “العمل” عتبة الحسم بشقّ الأنفس وحصل على 4 مقاعد فحسب، في حين فشل حزب “ميرتس” في اجتياز عتبة الحسم.

4-مشاركة تصويتية كبيرة:

ودللت الإحصاءات عن ارتفاع نسبة المقترعين في هذه الانتخابات على نحو ملموس؛ إذ تجاوزت 70.6% -وفق تقديرات مختلفة-مقارنة بـ 67.4% في انتخابات الكنيست السابقة، وهذه النسبة تشمل اليهود والعرب.

5-ارتفاع نسبة المشاركة العربية:

وعلى خلاف المتوقع، ازدادت نسبة المقترعين العرب في هذه الانتخابات ازديادًا كبيرًا ووصلت إلى 54%، في حين كانت هذه النسبة في الانتخابات السابقة 45%، وتعزى هذه الزيادة إلى حالة التنافس التي نجمت عن خوض حزب التجمع الوطني الديمقراطي الانتخابات على نحو مستقل، بعد خرق الاتفاق معه واقصائه عن القائمة العربية المشتركة بالتواطؤ مع رئيس الحكومة لبيد، وإلى التضامن الشعبي الكبير والتأييد الواسع اللذَين حصل عليهما حزب التجمع استنكارًا لهذه المؤامرة، فضلًا عن خطابه الوطني المتميز؛ ما أدى إلى جذب جمهور وطني واسع ومشاركته في الانتخابات، ولا سيما من جيل الشباب الذين برز تأييدهم للتجمع وأطروحاته بوضوح. وكانت استطلاعات الرأي العام عشية الانتخابات تشير إلى أن نسبة المقترعين العرب قد لا تتجاوز 38%.

6-غياب القضية الفلسطينية وآفاق حلها عن المجتمع الاسرائيلي:

ولم تحتل القضية الفلسطينية حيّزًا في الحملة الانتخابية في الشارع اليهودي، على الرغم من أن حكومة لبيد كثّفت اعتداءاتها على الفلسطينيين في المناطق المحتلة أثناءها، فشنّت عدوانًا على غزة وقامت بسلسلة متواصلة من الاعتداءات على المدن والبلدات والمخيمات في الضفة الغربية المحتلة، فقتلت وجرحت المئات من الفلسطينيين، واعتقلت آخرين وفرضت عقوبات جماعية عليهم، من أجل رفع رصيدها الشعبي على عتبة الانتخابات. ولم يقدّم لبيد أو نتنياهو أيّ رؤية للحل السياسي في برامجهما الانتخابية.

 

خامسا: انعكاسات النتائج على الواقع الفلسطيني والعربي:

ومما لا شك فيه أن نتائج الانتخابات الاسرائيلية، ستنعكس حتما على الشارع الفلسطيني في الداخل وفي أراضي الضفة وغزة…وهو ما يمكن أن يتجلى في التالي:

-تصاعد السياسات العدوانية تجاه الفلسطينيين والعرب:

وفي الواقع، لم يكن “نتنياهو” هو أكبر نجم في الأفق السياسي الجديد، بل المتطرف “إيتمار بن غفير”، الذي أصبح حزبه “الصهيونية الدينية” ثالث أكبر كتلة في الكنيست كما أكدت النتائج  الطبيعة اليمينية والفاشية للمجتمع الإسرائيلي، وكشفت زيف ما يتوسّل به معسكر التطبيع العربي لتبرير الاتفاقيات الإبراهيمية التي أبرمتها إسرائيل مع دول عربية.

و يُنذر صعود تحالف ”الصهيونية الدينية”، الذي حل ثالثاً بعد حزبيْ الليكود وهناك مستقبل، بانعطاف المجتمع الإسرائيلي أكثر نحو اليمين الديني المتطرّف، بما يعنيه ذلك بالنسبة للحقوق الفلسطينية المسلوبة، ذلك أن توسيع مشاريع الاستيطان والاستيلاء على مزيد من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وتهويد المسجد الأقصى وتعزيز تدابير الفصل العنصري، كلها أولوياتٌ تتصدّر أجندة هذا اليمين الذي يعتبر الوجود الفلسطيني تهديداً وجودياً.

كما أن وجودُ حكومة إسرائيلية يمينية متطرّفة يضع المنطقة على فوّهة بركان، في ظل انكفاء النظام العربي الرسمي وشعور الفلسطينيين بتخلّيه عنهم وانحيازِ الدول الكبرى لدولة الاحتلال.

ولا شك في أن المجتمع الإسرائيلي، انعطافة نحو اليمين المتطرّف واختياره نتنياهو لقيادة المرحلة المقبلة، يُعيد إلى الواجهة التناقض الجوهري بين الطبيعة الاستيطانية (والعنصرية) للكيان الصهيوني والديموقراطية آليةً للتعايش بين القوى الاجتماعية، بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية والمذهبية، في انحياز مجتمع بأكمله إلى طروحات هذا اليمين لا يمكن أن يُفسّر إلا بالخوف من إصرار ”الآخر الفلسطيني” على البقاء والمقاومة، سواء ذلك الذي يُفترض أنه جزء من ”النسيج الوطني الإسرائيلي” (فلسطينيو الداخل)، أو ذلك الذي يقيم في مدن الضفة الغربية والشتات.

ومع تحوُّلُ اليمين الديني إلى رقم أساسي في معادلة السياسة الإسرائيلية يكاد يعيد الصراع إلى مربّع الصفر، ويكشف عجز إسرائيل، بسبب بنيتها العنصرية والاستيطانية، عن التعايش بسلام مع جوارها العربي. ويسهم تغلغلُ هذا اليمين في مؤسّساتها الحيوية في تبنّيها سياساتٍ أكثر تطرّفاً في مواجهة الفلسطينيين، سواء في الضفة الغربية أو داخل الخط الأخضر، وبالأخص مع تراجع اليسار العلماني الإسرائيلي وعجزه عن بناء خطاب سياسي وأخلاقي يفسح المجال أمام حل عادل وشامل للصراع.

-تعزيز العنصرية داخل إسرائيل:

ووفق تقديرات استراتيجية، فأن انتصار “نتنياهو” وظهور تحالف – نتنياهو وبن غفير – سيعزز قوى القومية الراديكالية والشعبوية وعقلية الصراع الصفري وإذا نجحت حكومة “نتنياهو” في تقييد صلاحيات المحكمة العليا في إسرائيل وتعميق قبضة القانون اليهودي على الحياة العامة وعكس قرار المحكمة بإلغاء التشريعات التي تهدف إلى تقنين مستوطنات الضفة الغربية، فإن الديمقراطية الإسرائيلية ستتعرض للتقويض، مما يعزز القوى المناهضة لليبرالية وعدم احترام سيادة القانون وتعزيز التمحور حول الإثنية.

-تلاشي الخلافات الأيديولوجية  بين الأحزاب الإسرائيلية حول القضايا العربية:

وعبرت نتائج الانتخابات ، عن انحصار الخلافات الأيديولوجية بين الأحزاب الإسرائيلية، والذي  لم يكن وليد الجولات الانتخابية الأخيرة، بل تراكم تحوّلات بدأت منذ بداية الألفية الثالثة. إلى غاية الانتفاضة الثانية، كان النقاش حول مستقبل الأراضي المحتلة والسياسات الأمنية، وبدرجة أقل الطرح الاقتصادي، من أهم مركبات التصدّع بين اليمين واليسار الصهيونيين في إسرائيل. وقد انتظمت المنظومة الحزبية وفقا لمواقف الأحزاب وطروحاته في هذه المحاور.

ومنذ بداية الألفية الثالثة، بدأت حدّة التصدّعات التقليدية بالتراجع، وتحوّلت من لبّ الشرخ إلى حالة توافق منذ انتخابات 2009، هناك توافق كبير بين الأحزاب الرئيسية على طبيعة إدارة الاحتلال وجوهر دولة إسرائيل وهويتها ومكانة المجتمع العربي في دولة إسرائيل. في المجمل، تطرح الأحزاب الرئيسية موقفاً يعارض إقامة دولة فلسطينية، ولا تحمل أي أجوبة للحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني، وبذلك تلغي أي احتمال للتوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين. كما تشدّد غالبية الأحزاب على الهوية اليهودية للدولة..

-تلاشي فكرة حل الدولتين في ظل صعود اليمين المتطرف:

وتؤكّد نتائج الانتخابات الإسرائيلية استحالة مصالحة المشروع الصهيوني مع الديمقراطية، بسبب ما تنطوي عليه من تهديدٍ لوجود إسرائيل في المدى البعيد، فحل الدولة العلمانية الديمقراطية الواحدة أضحى مستحيلاً، ليس فقط لأن الأحداث تجاوزته، بل لأنه يمثل، كذلك، خطراً ديموغرافياً على دولة الاحتلال التي أخفقت في حل مشكلة المواطنة بالنسبة لفلسطينيي 1948 الذين يحملون جنسيتها.

أما حلّ الدولتين، فيصطدم بواقع الاستيطان الذي يُحوِّل الدولة الفلسطينية المأمولة إلى كيانٍ مفكّك من دون حدود جغرافية واضحة، ويشكل، في الوقت ذاته، عائقاً أمام مشاريع الاستيطان والتهويد ومصادرة الأراضي التي تُغذّي المطامع الصهيونية التوسعية. ومن هنا، يَسقط قناعُ ”الديموقراطية الإسرائيلية” ليصبح مجرّد آلية عمل لإدارة الاختلاف من داخل المشروع الصهيوني الذي يتعارض، بطبيعته، مع التعددية الفكرية والسياسية.

سادسا: أبرز التوجهات المستقبلية للحكومة المقبلة:

من المتوقع أن يُسارع نتنياهو إلى تشكيل حكومة يمينية صرفة مكونة من الليكود وأحزاب أقصى اليمين، وهو ما يحمل في طياته الكثير من التداعيات الداخلية والخارجية…

1- تشكيل حكومة يمينية ضيقةً:

من المؤكد؛ أن يتمتع نتنياهو بأريحية في تشكيل الحكومة القادمة، وأن تمضي مفاوضات تشكيل الحكومة بسلاسة، على الرغم من أن تلك المفاوضات عادةً ما تحمل الكثير من المفاجآت.

ومن ثم فإن من المتوقع بعد خمسة انتخابات للكنيست في غضون أقل من أربع سنوات، أن نشهد حكومة يمينية خالصة؛ الأمر الذي قد يُساهم في استقرارها إلى حد بعيد بعد سنوات من الحكومات الائتلافية غير المتجانسة.

2- تراجع احتمالات محاكمة نتنياهو بـ”الفساد الأخلاقي”:

اذ يخوض بنيامين نتانياهو معارك قانونية مختلفة نظراً لمواجهته اتهامات مختلفة بالفساد وتلقي رشى، ومن ثم من المتوقع أن يُعزز حصول معسكر نتنياهو على 64 مقعداً نفوذ الأخير في الداخل الإسرائيلي بشكل كبير؛ الأمر الذي دفع الكثير من المراقبين للإعراب عن خشيتهم من أن يسعى نتنياهو لتمرير قانون لإنهاء محاكمته أو إقالة المدعي العام الحالي وتعيين شخص جديد بدلاً منه، بيد أن شبهة الدخول في أزمة دستورية ربما تُرجح دخول نتنياهو في صفقة يتم بمقتضاها تخفيف الاتهامات الموجهة له، واقتصارها على بعض الإدانات الصغيرة دون قضية الفساد الأخلاقي.

وفي هذا الاطار، كانت قد ظهرت مؤخرا، تصريحات منسوبة إلى “بن غفير” يؤكد فيها أنه يطالب بسن قانون بأثر رجعي، يسمح لنتنياهو بالتخلص من محاكمته بتهم الفساد، كما سبق أن أعلن “بتسليل سموترتش” عن إصلاح شامل لنظام العدالة من شأنه أن يشمل إلغاء جرائم الاحتيال وخيانة الأمانة من القانون الجنائي.

3- تفاقُم التوترات في الشرق الأوسط:

من المُرجح أن تُفاقم عودة نتنياهو إلى السلطة التوترات في الشرق الأوسط، لا سيما مع معارضة نتنياهو أي مفاوضات مع إيران. ومن ثم فإن الفترة القادمة قد تشهد المزيد من الاختراقات الإسرائيلية للداخل الإيراني، وتصاعُد لهجة التهديدات الموجهة لإيران، كما يُتوقع أن تتزايد الضربات الإسرائيلية في سوريا.

وعلى الرغم من تأكيد رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبنانية “نجيب ميقاتي” أن الضمانات الأمريكية ستحمي اتفاق الحدود البحرية مع إسرائيل في حال فوز رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق المحافظ بنيامين نتنياهو بأغلبية في الانتخابات”؛ فإن هذا الملف قد يحمل الكثير من التوترات في الفترة القادمة، خصوصاً مع تهديد نتنياهو بإبطال الاتفاق في حال فوزه في الانتخابات قائلاً: “سأتعامل معه (الاتفاق) تماماً كما تعاملت مع اتفاق أوسلو”..

كما لا يبدو أن العلاقات الإسرائيلية–الأردنية ستكون في أحسن أحوالها، لا سيما مع حديث العديد من التقارير عن تحذيرات من نتنياهو للأردن من مغبَّة التدخل في انتخابات الكنيست لدعم معسكر لابيد، كما يبدو أن هناك خشية أردنية حقيقية من سعي نتنياهو لإحياء ما تُسمَّى “صفقة القرن” وتبني المزيد من التصعيد في القدس؛ الأمر الذي يُهدد بتقويض الوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس.

4- تراجُع أفق السلام مع الفلسطينيين:

ومع صعود اليمين المتطرف، فمن المؤكد تراجع فرص السلام مع الفلسطينيين المحدودة أصلاً، لا سيما مع تزايُد التوجهات العنصرية في المجتمع الإسرائيلي.

ويعزز من هذه الرؤية وجود احتمالات كبيرة بتولي بعض الشخصيات المتطرفة مثل بتسلل سموترتش إيتمار بن غفير حقائب وزارية مُهمة؛ حيث أشار “بن غفير في وقت سابق إلى أنه ينوي المطالبة بحقيبة وزير الأمن العام، الذي يُشرف على الشرطة، فيما أكد نتنياهو أن “بن غفير

ط مرشح بقوة لهذا المنصب؛ الأمر الذي قد يؤدي إلى زيادة غير مسبوقة في منسوب القمع والتوتر مع الفلسطينيين، لا سيما مع تبني “بن غفير” رؤية متطرفة شديدة العداء والتحريض ضد الفلسطينيين والعرب داخل الخط الأخضر. وفي هذا الصدد أشار رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية، إلى أن نتائج الانتخابات الإسرائيلية لم تفرز “شريكاً للسلام”.

5- عودة الخلافات مع الولايات المتحدة:

وذلك على الرغم من التحالف الاستراتيجي الذي يجمع بين واشنطن وتل أبيب، فإن عودة نتنياهو للسلطة من المُرجح أن تحمل معها عودة للخلافات مع الإدارة الأمريكية الديمقراطية؛ حيث شهدت العلاقة بين نتنياهو وباراك أوباما خلافات واضحة حينما كان بايدن نائباً للرئيس الأمريكي.

وتتمحور الخلافات بين الجانبين بشكل أساسي في علاقات نتنياهو القوية بالرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، ومعارضة نتنياهو أي اتفاق مع إيران، وموقف نتنياهو من الحرب الأوكرانية وعلاقاته القوية بالرئيس الروسي، بالإضافة إلى التباين بين الطرفين فيما يتعلق بكيفية تسوية القضية الفلسطينية، ودعم إدارة بايدن لحل الدولتين ومعارضة التوسع في بناء المستوطنات بالضفة الغربية على نحو ما يُتوقع حال تولي نتنياهو السلطة مجدداً.

ولكن، وعلى  الرغم من الخلافات المتوقعة، إلا أنه من المرجح أن الرئيس الأمريكي “جو بايدن” لن يسعى ولا “نتنياهو” إلى مواجهة، وقد أصدر البيت الأبيض البيان التالي: “نتطلع إلى مواصلة العمل مع الحكومة الإسرائيلية بخصوص مصالحنا وقيمنا المشتركة”، ويعود ذلك إلى انشغال الطرفين بأمور أخرى لدرجة لا تسمح بمثل هذا الإلهاء .

لكن حتى بدون ربطه بالمتطرف “بن غفير”، فإن علاقات “نتنياهو” مع “بايدن” لم تكن تسير بسلاسة لأن وجهات نظرهم بشأن المستوطنات ومعاملة الفلسطينيين في الضفة الغربية والبناء في القدس كانت تتعارض.

6-توتر مع إيران:

ووفق تقديرات استراتيجية، فيما يتعلق بإيران، فسوف تزداد حدة خطاب “نتنياهو”، وإذا أتيحت الفرصة لإدارة “بايدن” لإحياء الاتفاق النووي، فسوف يستأنف “نتنياهو” حملته السابقة في عام 2015 بإستخدام الجمهوريين المناهضين للاتفاقية.

في الواقع، سيكون “نتنياهو” – مثله مثل ولي العهد السعودي “محمد بن سلمان” – أكثر ارتياحًا لعودة “دونالد ترامب” أو مثيل جمهوري له. وبالتأكيد فإن “بايدن” لم يكن يرغب في عودة “نتنياهو”، في ظل امتلاء جدوله بالقضايا الداخلية والخارجية، ناهيك عن ارتباط هذه العودة بشريك ائتلاف يميني متطرف من المرجح أن يفاقم الوضع المتوتر بالفعل مع الفلسطينيين.

7- الفلسطينيون يتوقعون الأسوأ:

إجمالا ، فإنه من المرجح مع تشكيل الحكومة  اليمينية المتطرفة، يبدو أن نتنياهو سيكون مضطراً لتقديم تنازلات كبيرة في القضايا الداخلية تحديداً، وما يتعلق بـ”حرمة السبت”، والمظاهر اليهودية الدينية لشركائه في الحكم، فيما ستجسد التركيبة المتوقعة للحكومة إجماعاً حول مسائل الاستيطان، ورفض أي تسوية سياسية مع الفلسطينيين، وإبعاد وإسقاط حلّ الدولتين عن الأجندة العامة أي ما يمكن أن يطلق عليه أن القضية الفلسطينية، ستدخل مرحلة جديدة، أطلقت عليها صحيفة هآرتس “ثورة استبدادية يقودها اليمين المتطرف”، هدفها تدمير أسس الديمقراطية..

وفي نفس السياق ، أكدت القناة 14 العبرية، إنه من المتوقع أن تحصل تغييرات في النظرية الأمنية القائمة بعد تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة بزعامة بنيامين نتنياهو، وبحسب مراسل القناة هيلل بيتون روزين: “كل شيء رأيناه من تنازلات للسلطة الفلسطينية، وقضية التعامل مع قطاع غزة ستتغير” وأشار روزين، إلى أنه من المتوقع أن تعمل الحكومة الإسرائيلية الجديدة ضد “الإرهاب” “الفلسطينيين”  بقوة. وفق قوله.

ولعل تعبير الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين، عن نتائج الانتخابات الإسرائيلية ووصفها لأنها  لا تحمل جديدًا، وأنها تعبير جلي عن الخارطة السياسيّة الحزبيّة فيه، وتعكس التوجهات اليمينيّة والفاشيّة للمجتمع الإسرائيلي العنصري وأنّه لا فرق بين معسكري اليمين المتصارعين في ضوء تشابه برامجهما ومواقفه وخصوصًا من القضية الفلسطينيّة، ولكن صعود الأكثر عنصرية من المتطرفين والفاشيين وتقدّمهم في هذه الانتخابات، وتغلغلهم في مؤسسات صنع القرار السياسي “الإسرائيلي” يوجّه صفعة قوية المراهنين على أي حلولٍ سلميةٍ مع الحكومة الإسرائيلية المتطرّفة.

 

 خاتمة:

يبدو أن المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة من التوتر مع عودة نتنياهو القوية إلى السلطة وصعود الأحزاب اليمينية المتطرفة الاستيطانية إلى سُدَّة الحكم في تل أبيب؛ الأمر الذي يشي بتزايُد التوترات مع الفلسطينيين وتراجُع فرص السلام، بالإضافة إلى تصاعُد الاحتكاكات بين تل أبيب وطهران في المنطقة، لا سيما مع تراُجع أفق الوصول إلى اتفاق نووي في الفترة الحالية، كما يُتوقَّع أن تُحجم المزيد من الدول العربية عن توقيع “اتفاقيات سلام” مع تل أبيب في الفترة القادمة، بالنظر إلى السياسات الاستيطانية المتوقعة للحكومة اليمينية الجديدة، التي لا يبدو أن قادتها سوف يأبهون كثيراً لغضب العواصم العربية مع تباهي قادة تلك الأحزاب المتطرفة برفع شعار “الموت للعرب” في كل مناسبة.

 

 

………………………………..

مراجع:

د ب أ، تأكيد فوز بنيامين نتنياهو رسميا في الانتخابات الإسرائيلية، 9  نوفمبر 2022

العربي الجديد، الانتخابات الإسرائيلية: عودة نتنياهو وتثبيت التيارات الدينية الصهيونية بالحكم، 02 نوفمبر 2022

رأي اليوم، بـ 62 مقعدا.. حزب الليكود بزعامة نتنياهو يفوز في الانتخابات الإسرائيلي، 2 نوفمبر 2022

حازم عياد ، اغتيال نتنياهو.. الآثار الجانبية لصعود اليمين، السبيل الأردنية،  10 نوفمبر 2022

جواد العناني، في ضوء الانتخابات الإسرائيلية، العربي الجديد، 4 نوفمبر 2022

مطانس شحادة، انتخابات الكنيست 2022: استخلاص العبر، العربي الجديد،9 نوفمبر 2022

الخليج الجديد، ماذا تعني عودة نتنياهو بالنسبة لإسرائيل والعالم؟، 10 نوفمبر 2022

محمد أحمد بنّيس، إسرائيل من دون قناع، العربي الجديد،  10 نوفمبر 2022

إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية، ماذا يعني فوز نتنياهو في انتخابات الكنيست؟،  2022-11-07

عرب نت ، 5 سياسات أكثر تطرفا ضد العرب .. ماذا يعني فوز بنيامين نتنياهو بالانتخابات الإسرائيلية؟، 7 نوفمبر 2022

أحمد عبدالقادر ، عودة “الساحر” نتانياهو لحكم اسرائيل، ساسة بوست ، 4 نوفمبر 2022

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ، تقدير موقف | انتخابات الكنيست: عودة نتنياهو وصعود الصهيونية الدينية، 7/11/2022

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

انتخابات الكنيست الإسرائيلي الخامسة والعشرون : قراءة في النتائج والتداعيات

أسفرت انتخابات الكنيست الخامسة والعشرون التي أُجريَت في  الأول من نوفمبر من العام الحالي (…