الموقف الشعبي في الضفة الغربية من العدوان الإسرائيلي علي غزة: الأبعاد والمحددات

تعتبر الضفة الغربية الساحة الثانية التي يفترض أن تشهد حالة استنهاض شعبية شاملة تلتحق بركب “طوفان الأقصى”، لاسيما أن جل أسباب القيام بمعركة “طوفان الأقصى”، يرتبط بالحالة العامة للضفة الغربية، فعلى صعيد الأسرى فمن بين نحو 6000 أسير لدى الاحتلال الإسرائيلي، يوجد مائة وخمسون أسيرًا فقط من قطاع غزة، بينما الباقي هم من أبناء الضفة الغربية. كما يقع المسجد الأقصى ومدينة القدس جغرافيًا في نطاق الضفة الغربية، وهاتان القضيتان هما الدافعان الرئيسيان لمعركة “طوفان الأقصى”[1]. ورغم ذلك، فإن التفاعل الشعبي في الضفة الغربية لم يكن علي مستوي الحدث (طوفان الأقصي)، بل إنه لم يرق إلي المستوي الذي كان عليه في أحداث سابقة أقل من “طوفان الأقصي” (معركة سيف القدس في مايو 2021). ما أثار العديد من التساؤلات من قبيل؛ ما هو موقف الشارع الفلسطيني في الضفة الغربية من العدوان الإسرائيلي على غزة؟، وهل هذا الموقف كان علي مستوي التفاعل المطلوب مع هذا العدوان؟، وإذا كان هذا الموقف دون المستوي المطلوب، فما السبب وراء ذلك؟.

أولًا: أبعاد الموقف الشعبي في الضفة الغربية من العدوان الإسرائيلي علي غزة:

تقع الضفة الغربية في قلب عملية “طوفان الأقصى”؛ إذ أوضح محمد الضيف، القائد العام لكتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، في بيان انطلاق العملية أنها جاءت ردًا على الاعتداءات الإسرائيلية على المسجد الأقصى وعنف المستوطنين والجيش في الضفة الغربية وزيادة قمع الأسرى في السجون الإسرائيلية. وطالب الضيف أهل الضفة (في الضفة الغربية والقدس وفلسطيني الداخل المحتل) بمهاجمة المستوطنات، مطالبًا كل من عنده بندقية أن يخرجها، في إشارة إلى ضرورة توحيد الساحات والاشتباك مع قوات الجيش والمستوطنين[2]. وتشكل هذه الدعوة رسالة للفلسطينيين من أجل الانخراط في هذه المواجهة على غرار ما حصل خلال معركة “سيف القدس” عام 2021، والتي اندلعت فيها “هبة القدس” بالإضافة إلى “هبة الكرامة” في الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948[3].

وبالفعل فقد استجاب الفلسطينيون في الضفة الغربية لنداء الضيف، وشاركوا بالفعاليات الشعبية والعمليات العسكرية؛ تضامنًا مع عملية “طوفان الأقصي”، وفي مواجهة العدوان الإسرائيلي علي غزة والضفة الغربية، وهو ما يمكن توضيحه بشئ من التفصيل كما يلي:

1- الفعاليات الشعبية: منذ اليوم الأول لعملية “طوفان الأقصي” في السابع من أكتوبر 2023 وما أعقبها من عدوان إسرائيلي علي غزة، لم تتوقف الفعاليات الشعبية والمسيرات والوقفات التضامنية مع غزة في مراكز مدن الضفة الغربية (حيث لا يتواجد الاحتلال داخل مراكز المدن)؛ نابلس، وجنين، ورام الله، والخليل، وبيت لحم، وفي القدس. وتصاعدت ذروة هذه الاحتجاجات بعد قصف “المستشفى الأهلي العربي” (المعمداني) في غزة، في 18 أكتوبر 2023، وهو القصف الذي راح ضحيته حوالي 500 شهيد، حيث حاول المتظاهرون في مختلف المدن الوصول إلى المباني الحكومية التابعة للسلطة الفلسطينية، لكن تم صدهم وتفريقهم في نهاية المطاف من قبل قوات الأمن التابعة للسلطة[4]. مما دفع المتظاهرين للمطالبة بحل السلطة الفلسطينية ورحيل رئيسها محمود عباس، وطالبوا بوقف التنسيق الأمني مع إسرائيل. كما عم الضفة الغربية إضراب عام تنديدًا بمجزرة المستشفى الأهلي المعمداني[5].

ولكن هذه الفعاليات الشعبية لم تكن تتناسب وحجم العدوان الإسرائيلي علي غزة ومخاطره، فبينما كانت تذهب كل التوقعات نحو انتفاضة شاملة تزلزل أرجاء فلسطين وتصعد من وتيرتها بما يعدد جبهات المقاومة ويستنزف الموارد الإسرائيلية إذ بالأمور جاءت مخيبة للآمال. حيث أن عدد التظاهرات التي شهدتها الضفة والقدس كانت محدودة، وكانت أقل مما شهدته في أحداث أقل أهمية من “طوفان الأقصى” مثل “سيف القدس” في مايو 2021، حتى إنها لتبدو في بعض الأحيان كالتي تشهدها مدن أوروبا وبعض المدن العربية، بل ربما أقل منها من حيث السخونة والعدد والأجواء والشعارات المرفوعة[6].

وعلي خلاف السلوك المتبع خلال “هبة الكرامة” في عام 2021، لم يستجب “فلسطيني الداخل” (يطلق عيهم أيضًا عرب/فلسطيني 48، أو العرب الإسرائيليون) لدعوة محمد الضيف ولم يفتحوا جبهة أخرى ضد الاحتلال في عملية “طوفان الأقصي”. بل على العكس من ذلك، شارك بعض العرب الإسرائيليين في القتال ضد حماس، سواء كمجندين في الجيش الإسرائيلي أو من خلال إنقاذ الإسرائيليين في الكيبوتسات[7]. كما طالب منصور عباس (رئيس القائمة العربية الموحدة) من حماس، إطلاق سراح بعض الأسرى الإسرائيليين الذين أسرتهم مقاتلو الحركة. وقال عباس في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي “قيم الإسلام تأمرنا بعدم أخذ النساء والأطفال وكبار السن أسرى”، مضيفًا أن إطلاق سراحهم “إجراء إنساني مطلوب على الفور”[8]. ولم يشر ببنت شفة إلى آلاف الشهداء من النساء والأطفال والعجائز الذين قصفتهم إسرائيل بآلاف الأطنان من القذائف والمتفجرات. وجاء ذلك بعد إدانته لعملية طوفان الأقصى ودعوته للتهدئة[9].

ويقينًا، أن بعض العرب الإسرائيليين أعربوا عن تضامنهم مع حماس سواء في عملية “طوفان الأقصي” أو عقب العدوان الإسرائيلي علي غزة، حيث اعتقلت الشرطة الإسرائيلية ستين فردًا، وأوقفت الجامعات أربعين آخرين عن الدراسة أو طردتهم. ولكن يبدو أن هذه الآراء تقتصر على أقلية ولكنها صغيرة نسبيًا[10].

2- العمليات العسكرية: منذ عملية “طوفان الأقصي” في 7 أكتوبر 2023،تحولت نقاط الاحتكاك في أغلب محافظات الضفة الغربية إلى نقاط مواجهات مع الجيش الإسرائيلي[11]، وتضاعفت العمليات العسكرية في الضفة الغربية ضد الجيش الإسرائيلي بحوالي ثلاثة أضعاف منذ “طوفان الأقصي” عما كان عليه قبلها، ويحدث ذلك بعد عامين (منذ عام 2021) من التصعيد المستمر في الضفة الغربية، حيث يتم تنفيذ الهجمات من قبل المجموعات العسكرية التي أصبحت أكثر كفاءة وترسخت بشكل متزايد، خاصة في المناطق التي تبتعد عن قبضة السلطة الفلسطينية، مثل مخيمات اللاجئين، لا سيما في شمال الضفة الغربية؛ في جنين ونابلس وطولكرم، التي تتواجد بها “كتيبة جنين” و”عرين الأسود”[12].

حيث دعت مجموعة “عرين الأسود” والتي تتخذ من البلدة القديمة في مدينة نابلس مقرًا لها إلى استهداف إسرائيل بالعمل المسلح والاستعداد لمواجهة المستوطنين واعتداءاتهم. لم تنتظر المجموعات المسلحة كثيرًا من الوقت، وهاجم مسلحون مداخل مستوطنات في جنين ونابلس وطولكرم ومخيم قلنديا، وأعلنت كتائب القسام بدء طوفان الضفة وتنفيذ سلسلة من العمليات ضد مواقع عسكرية. جدير بالذكر هنا، أن هناك اعتقاد واسع يسود بين الفلسطينيين، وضمن المجموعات المسلحة خاصة، بأن إسرائيل كانت تستعد لعملية عسكرية واسعة في الضفة الغربية ضد المجموعات المسلحة وخاصة في مدينتي نابلس وجنين والتي تسعى إسرائيل للقضاء عليها. وهو ما ذهب إليه أيضًا صالح العاروري، نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، من أن طوفان الأقصى كانت استباقية لحملة إسرائيلية واسعة كان يعد لها[13].

وعندما نفذت قوات الاحتلال الإسرائيلي، في 19 أكتوبر 2023، عملية عسكرية كبيرة في مخيم نور شمس بمحافظة طولكرم، تشبه إلى حد كبير العملية العسكرية التي نفذت قبل قرابة الشهرين في مخيم جنين للاجئين، في محاولة منها لإنهاء المقاتلين المنخرطين في كتيبة طولكرم، والتي تضم مقاومين من تنظيمات مختلفة في مقدمتهم حركتي حماس والجهاد الإسلامي وكتائب شهداء الأقصى، وعلى مدار 48 ساعة من العملية العسكرية، ارتقى 13 شهيدًا، غالبيتهم من المدنيين والأطفال، فيما أحدث الاحتلال دمارًا واسعًا في البنية التحتية وتدمير العديد من مركبات المواطنين وضرر كبير في منازل المخيم.

في المقابل، تمكن المقاومون من التصدي للاجتياح الإسرائيلي، وإيقاع ضابط إسرائيلي قتيلًا، إلى جانب إصابة 9 من الجنود بإصابات مختلفة وفقًا لاعتراف قوات الاحتلال، فيما فشل الاحتلال بالوصول إلى المقاومين، وهو ما شكل له صفعة أشبه بتلك التي تلقاها عقب اجتياحه لمخيم جنين، وقد برز مخيم طولكرم في الأسابيع القليلة الماضية كامتداد لنموذج مخيم جنين، حيث تبنى المقاومون العديد من عمليات إطلاق النار واستهداف المستوطنين وإيقاع العديد من القتلى والجرحى بهذه العمليات[14].

كما وقعت مواجهات واشتباكات مسلحة مع قوات الاحتلال الإسرائيلي التي اقتحمت محيط مخيم جنين، شرقي مدينة جنين، شمال الضفة الغربية، في 27 أكتوبر 2023، وقالت “سرايا القدس- كتيبة جنين”، في بيان مقتضب، إن القائد الميداني في الكتيبة أيسر العامر قد استشهد أثناء تصديه لقوات الاحتلال المتوغلة بمحيط مخيم جنين. وتصدى مقاومون لقوات الاحتلال واشتبكوا معها بالرصاص وتفجير عبوات ناسفة محلية الصنع بآليات الاحتلال العسكرية، وقالت “كتائب القسام” في جنين إن مقاتليها خاضوا اشتباكات مسلحة عنيفة خلال التصدي لقوات الاحتلال المتوغلة لجنين، وأعلنت “كتيبة جنين” عن استهداف قوة لجيش الاحتلال وآلياتها بالرصاص في محيط مستشفى ابن سينا[15].

ومؤخرًا؛ في 20 ديسمبر 2023، فُجرت عبوات ناسفة استهدفت القوات الإسرائيلية في أربع بلدات شمال الضفة الغربية ووسطها، إلى جانب الهجمات شبه اليومية بالأسلحة الخفيفة، التي كان آخرها إطلاق النار على قوات إسرائيلية متمركزة عند حاجز شمال نابلس. في السياق ذاته، استهدفت المقاومة قوات إسرائيلية في منطقة المرج بقلقيلية، وألقى مقاتلوها متفجرات محلية الصنع على قوة عسكرية على أبواب مستوطنة بيتار عيليت، غرب بيت لحم. وفي 22 ديسمبر، كان هناك 10 مواقع للتصادم بين جنود الاحتلال والفلسطينيين، سواء عبر قتال مباشر أو تفجيرات، مقارنة بمتوسط يومي يبلغ نحو ثمانية اشتباكات[16].

وفي المجمل استمرت المواجهات العسكرية من قبل مقاتلين فلسطينيين مع الجنود والمستوطنين في الضفة الغربية والقدس، وتضمنت هذه المواجهات عمليات إطلاق نار وزرع عبوات ناسفة، بالرغم من مواجهتها سواء من قبل قوات الاحتلال أو شرطة السلطة الفلسطينية، وتعرض القائمين بها والمشاركين فيها لمخاطر الاعتقال والقتل[17].

ووفقًا لبيانات “جهاز الأمن العام الإسرائيلي” (“الشاباك”)، تم تنفيذ 128 هجومًا فلسطينيًا كبيرًا (أي عمليات أدت إلى سقوط ضحايا إسرائيليين) في (أو في بعض الحالات انطلاقًا من) الضفة الغربية منذ 7 أكتوبر 2023  (101 في الجزء الشمالي من أراضي الضفة الغربية و27 في الجزء الجنوبي منها). وكانت الغالبية العظمى من هذه الحوادث عبارة عن عمليات إطلاق نار (112)، تلتها عمليات طعن (6)، وهجمات دهس (4)، وانفجارات (4)، وإطلاق صواريخ (2). وإلى جانب هذه الهجمات، سُجلت حالات وقوع قتال مسلح بين الجيش الإسرائيلي ونشطاء تابعين لحماس والجهاد الإسلامي، وأفراد ليس لهم انتماء تنظيمي ولكنهم شكلوا كتائب مسلحة قبل الحرب الحالية أو خلالها[18].  

ولكن رغم ذلك فإن هذه العمليات العسكرية المحدودة لا تبدو أنه حققت المأمول بالنسبة للمقاومة في غزة، وإن كانت وتيرة المواجهات وعمليات إطلاق النار قد ارتفعت، حيث يشير المراقبون إلى غياب “العمليات النوعية” عن النمط الذي نُفذت فيه خلال الشهور السابقة للمعركة[19]. كما أنه وعلي الرغم من أن الدفاع عن المسجد الأقصي وما يتعرض له المقدسيون من انتهاكات من قبل الاحتلال كان من أهم دوافع عملية “طوفان الأقصي”، لكن سكان القدس الشرقية امتنعوا بشكل عام عن الانضمام إلى هذه العملية (تشمل الاستثناءات، الاشتباكات التي وقعت في الأيام الأخيرة بين عشرات الشباب الفلسطينيين وضباط الشرطة الإسرائيلية في “البلدة القديمة” بعد أن قيدت الشرطة الدخول إلى صلاة الجمعة في المسجد الأقصى للمصلين الذين هم في الستينات – وفي بعض الحالات في السبعينات – من عمرهم)[20].

ثانيًا: محددات الموقف الشعبي في الضفة الغربية من العدوان الإسرائيلي علي غزة:

يمكن الإشارة إلي مجموعة من المحددات المؤثرة في طبيعة هذا التفاعل المحدود من قبل الفلسطينيين في الضفة الغربية مع العدوان الإسرائيلي علي غزة، كما يلي:

1- الانتهاكات الإسرائيلية غير المسبوقة: لا تسلم الضفة الغربية والقدس والداخل المحتل منذ مطلع العام من تزايد وتيرة الانتهاكات الإسرائيلية، غير أنها تعاظمت منذ حرب السابع من أكتوبر 2023، في حالة من حالات إحكام السيطرة على الضفة الغربية والقدس والداخل المحتل[21]. حيث تسعي إسرائيل إلى منع تفجر الوضع في الضفة في ظل تكثيف جهودها على جبهة غزة، وربما فتح جبهة جديدة في الشمال مع حزب الله وهو ما يؤدي إلى استنزاف مواردها العسكرية، وخاصة البشرية. فإذا تصاعدت الأوضاع الأمنية في جبهتي غزة والشمال، فقد تواجه إسرائيل تحديات متعددة الجبهات، مما يقلل من قدرتها على نشر قوات كبيرة في الضفة الغربية وبالتالي فتح ثغرات أمنية رخوة، تخشى إسرائيل أن تستغلها المجموعات المسلحة لمهاجمة أهداف إسرائيلية والقيام بعمليات مسلحة ناجحة[22].

وقد تعددت أشكال هذه الانتهاكات الإسرائيلية ما بين أمنية واقتصادية وإعلامية:

أ- الانتهاكات الأمنية: تشتمل هذه الإجراءات الأمنية تنفيذ حملات اعتقال يومية واسعة، وإغلاق غالبية الشوارع الرئيسة بين المحافظات، ووضع السواتر الترابية والمكعبات الإسمنتية والبوابات الحديدية، لتسهيل تقطيع أوصال الضفة. هذه الإجراءات غير المسبوقة بكثافتها وحجمها، تزامنت أيضًا مع عمليات عسكرية وهدم للمنازل وقتل للفلسطينيين في الضفة[23]. ويمكن توضيح هذه الإجراءات بشئ من التفصيل كما يلي:

– فرض حصار محكم: فور وقوع عملية “طوفان الأقصى”، فرض الاحتلال طوقًا مشددًا على مدن وقرى الضفة الغربية، وأغلق المعابر التي تربطها بإسرائيل، وأغلق المنفذ الوحيد الذي يربطها بالأردن. فضلًا عن ذلك، يغلق الجيش الإسرائيلي في الساعات المتأخرة من الليل المداخل الرئيسة لمدن الضفة الغربية ويقيم الحواجز العسكرية على مداخل المدن وسط حملة تفتيش واسعة تفرض أقصى وسائل التفتيش على الفلسطينيين، ويصل الأمر إلى تفتيش الهواتف الخلوية واعتقال أي شخص يثبت نشره لمنشورات ضد إسرائيل على وسائل التواصل الاجتماعي أو يحتوي هاتفه على صور مخالفة.

وشمل الإغلاق كل المحافظات الفلسطينية، وأبقى الاحتلال على منفذ واحد ضيق لكل محافظة يربطها بباقي المحافظات للدخول والخروج من خلال شوارع استيطانية، وهو ما يصعب على الفلسطينيين الحركة والتنقل، وأغلقت الشوارع إما بسواتر ترابية أو مكعبات إسمنتية أو بوابات حديدية أو حواجز مأهولة بالجنود[24].

وفي القدس؛ فتحت ذريعة حالة الطوارئ أخطرت شرطة الاحتلال الأوقاف الإسلامية في القدس بإغلاق مكاتبها في المسجد الأقصى وخارجه وصرف جميع موظفيها يوم 8 أكتوبر 2023؛ وبهذا تبقى شرطة الاحتلال وحدها متحكمة بالأقصى وكأنها صاحبة الحق في إدارته[25]. كما انتشرت قوات كبيرة من الشرطة الإسرائيلية عند البوابات الخارجية للبلدة القديمة والبوابات الخارجية للأقصى. ومنعت الشرطة الإسرائيلية المقدسيين الرجال ممن هم دون سن 65 عامًا والنساء دون ال 50 عامًا من دخول المسجد للصلاة، وتمكن 5 آلاف فلسطيني فقط من أداء صلاة الجمعة بالمسجد الأقصى إثر القيود الإسرائيلية، وعادة يؤدي صلاة الجمعة في المسجد ما يزيد عن 50 ألفًا وتصل أعدادهم إلى أكثر من ذلك في المناسبات الدينية. كما قام عشرات المستوطنين باقتحام الأقصى على شكل مجموعات، بحماية شرطة الاحتلال، ونفذوا جولات استفزازية في باحاته، وتلقوا شروحات عن الهيكل المزعوم، وأدوا طقوسًا تلمودية[26].

– شن اعتقالات مكثفة: ذكرت “هيئة شؤون الأسرى والمحررين” أن سلطات الاحتلال أصدرت أمرًا عسكريًا بتعديلات مؤقتة فيما يخص الاعتقال الإداري، القرار الأول هو رفع مدة توقيف المعتقل لفحص إمكانية استصدار أمر اعتقال إداري، لتصبح 6 أيام بدلًا من 72 ساعة، أما القرار الثاني، فهو تعديل الفترة المتاحة لعرض المعتقل على جلسة التثبيت الأولى لتصبح 12 يومًا بدلًا من 8 أيام سابقًا. والاعتقال الإداري أحد أدوات الاحتلال الإسرائيلي لحبس الفلسطينيين، إذ يعطي الحق لإسرائيل في حبس أي شخص دون محاكمة بدعوى اعتزامه مخالفة القانون مستقبلًا. ولا يخضع هذا الاعتقال لقيود على المدة ولا تقدم السلطات الإسرائيلية أدلة لإثبات نية المعتقلين، إذ يستند الإجراء إلى أدلة سرية[27].

وبناءً علي هذه التعديلات؛ قامت قوات الاحتلال بشن حملات اعتقالات مكثفة، ووفق بيان صادر عن “نادي الأسير الفلسطيني”، في 28 ديسمبر 2023، فقد ارتفعت حصيلة المعتقلين الفلسطينيين بالضفة منذ 7 أكتوبر الماضي، إلى 4820 معتقل[28]. كما نفذ الاحتلال إلى جانب الاعتقالات في الضفة، حملة اعتقالات طالت قرابة 4 آلاف عامل فلسطيني من قطاع غزة كانوا يعملون داخل الأراضي المحتلة عام 48.

استهدفت عمليات الاعتقال في الضفة شخصيات قيادية وسياسية، من بينهم رئيس المجلس التشريعي عزيز دويك، ونواب في المجلس، وأسرى محررون، غالبيتهم محسوبين على حركة حماس أو مقربين ومؤيدين للمقاومة، إضافة لإعلاميين وناشطين عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وقد تركزت عمليات الاعتقال منذ بداية الحملة على محافظة الخليل، ثم تلتها محافظتي بيت لحم ورام الله، فيما توزعت بقية الاعتقالات على غالبية محافظات الضفة، حيث يبلغ معدلات الاعتقال اليومي ما بين 100-120 مواطنًا فلسطينيًا[29].

وعلى الرغم من استمرارية حملات الاعتقال في الضفة الغربية قبل السابع من أكتوبر، إلا أن اللافت في عمليات الاعتقال كان التحول لعمليات الاعتقال الانتقامي الذي تمارسه قوات الاحتلال من خلال اعتقال أفراد العائلة من الأب أو الأم أو الأخوة للضغط على أحد أفراد الأسرة لتسليم نفسه، أو تنفيذ عملية اعتقال جماعي لعدد من أفراد الأسرة الواحدة كما جرى لعائلة الكاتبة الصحفية لمى خاطر، التي اعتقلها الاحتلال ثم بعد أيام قام باعتقال زوجها[30]. كما أقدم الاحتلال على اعتقال السيدة “منى شهير ولد علي” ووالدها، للضغط على زوجها القيادي في حركة الجهاد الإسلامي الأسير المحرر “بلال ذياب” لتسليم نفسه[31].

ناهيك عن تعمد جنود الاحتلال خلال عمليات الاعتقال والاقتحام لمنازل المواطنين إلى استخدام ممنهج للضرب والاهانة للمواطنين الفلسطينيين، وقد وثقت العديد من المؤسسات الحقوقية هذه العمليات  التي تظهر جنود الاحتلال يسحلون مواطنين بعد تجريدهم من ملابسهم وتعصيب أعينهم وتقييدهم من أيديهم وأرجلهم، ثم تركهم في العراء ساعات طويلة، وعمد الاحتلال على نشر المقاطع عبر مواقع التواصل الاجتماعي كنوع من التفاخر بتعذيب المعتقلين الفلسطينيين، كما وُثقت العديد من الشهادات بتعمد جنود الاحتلال استخدام الإهانات اللفظية، وإجبار الأسرى خلال عمليات الاعتقال على التقاط مشاهد لهم مع العلم الإسرائيلي، وسط سيل من الشتائم التي يلقيها عليهم الضباط والجنود لخلق حالة من الخوف أو محاولة استعادة هيبة الجندي التي تعرضت للإذلال في السابع من أكتوبر[32].

كما قامت قوات الاحتلال بخطوات ممنهجة لاغتيال المعتقلين في سجونها، حيث قالت مؤسسات خاصة بالأسرى، في 28 أكتوبر 2023، إن: “المعطيات التي ترد حول مستوى الجرائم الممنهجة التي تنفذها إدارة معتقلات الاحتلال الإسرائيلي بحق المعتقلين، بعد 7 أكتوبر حتى اليوم، مروعة”، وأضافت: “أن هناك قرارًا ممنهجًا باغتيال معتقلين من خلال إجراءات تنكيلية ممنهجة، في ضوء العدوان الشامل على شعبنا، والإبادة المستمرة في غزة”. واستعرضت المؤسسات أبرز الإجراءات التي تواصل إدارة المعتقلات فرضها، من قطع الكهرباء عن زنازين المعتقلين، وتعمدها قطع المياه لفترات طويلة عنهم، وممارستها سياسة التجويع، وأوضحت أن قوات القمع المدججة بالسلاح كثفت من الاقتحامات لكافة أقسام المعتقلين، وتعمدت ترك المعتقلين الذين أُصيبوا جراء الاعتداء عليهم، دون علاج، وقلصت المساحة المتاحة للمعتقل داخل الزنزانة، ونقلت العديد من المعتقلين إلى الزنازين الانفرادية، وعزلت أقسامهم عن بعضها بشكل كلي[33].

وفي هذا السياق قال بيان صادر عن عدد من مؤسسات الأسري، في 13 ديسمبر 2023، أن الاحتلال نفذ عمليات اغتيال ممنهجة بحق الأسرى مع سبق إصرار، وذلك في ظل استشهاد 6 معتقلين في سجون الاحتلال، بعد السابع من أكتوبر، جراء عمليات التعذيب والتنكيل التي طالت الأسرى[34].

جدير بالذكر هنا، أنه منذ عام 2021، يحاول الاحتلال كبح جماح “فلسطينيي الداخل”، التي هبت دفاعًا عن الأقصى وغزة فيما سمي بـ”هبة الكرامة”، فبعد عامين ما زال العشرات في السجون، وآخرون في الحبس المنزلي. وكان عدد معتقلي الهبة بلغ ما يزيد عن 2800 معتقل، جرى الإفراج عن معظمهم، لكنهم ما زالوا تحت الرقابة، أما من تبقوا في المعتقلات فيزيد عددهم عن 350 فلسطينيًا من الداخل والنقب، وتوجه إليهم محاكم الاحتلال تهمًا عديدة أبرزها؛ محاولة قتل يهود، وإلقاء حجارة وزجاجات حارقة، وآخرين تتعامل مع ملفاتهم وكأنها أمنية، وتمنع عنهم الزيارة[35].

– منهجية القتل المكثف: عمدت قوات الاحتلال منذ بداية الحرب على إدخال تعديلات في أوامر إطلاق النار، تعطي الجنود صلاحيات واسعة في قتل الفلسطينيين، حيث صدقت الحكومة الإسرائيلية على قرار يتيح إطلاق الرصاص الحي على من يقومون بإغلاق الطرق ومداخل البلدات في أوقات الطواري؛ الأمر الذي يفسر ارتفاع أعداد الشهداء يوميًا في المسيرات والمظاهرات التي شهدتها الضفة تنديدًا بالعدوان على غزة، وبشكل مواز لذلك صعد جيش الاحتلال تنفيذ عمليات عسكرية واسعة في شمال الضفة، شملت  مخيم جنين ومخيمات طولكرم (نور شمس بالأساس)  ومخيم بلاطة للاجئين الفلسطينيين، استخدمت فيها لأول مرة طائرات حربية وطائرات مسيرة نفذت عمليات قصف واغتيال مباشر لمجموعات من المقاومين، رافق هذه العمليات إحداث حالة خراب وتدمير واسعة وشاملة باستخدام الجرافات العسكرية التي دمرت الشوارع الرئيسية[36]، ودمرت البنية التحتية من شبكات المياه والهواتف والصرف الصحي والكهرباء، كما هدمت آليات الاحتلال جميع الميادين العامة والنصب التذكارية، ومنها مدخل مخيم جنين، وحصان المخيم، وفجرت محالًا تجارية، وحطمت مركبات خاصة[37]. وحسب توثيق مركز معلومات فلسطين (معطي)، فقد ارتفع عدد شهداء الضفة الغربية والقدس منذ 7 أكتوبر وحتي 26 ديسمبر 2023 ، إلى 317 فلسطيني[38].

– تهجير الفلسطينيين: منذ بداية العدوان الإسرائيلي على غزة، زادت أنياب المستوطنين المكشرة مسبقًا بشكل صامت ضد الفلسطينيين، وشرع نحو 726 ألفًا و427 مستوطنًا في الضفة الغربية موجودين في نحو 176 مستوطنة و186 بؤرة استيطانية، في تنفيذ هجوم واسع ومسلح ضد الفلسطينيين، من قتل واعتداءات وقطع أشجار واعتداء على الممتلكات.

ترافق ذلك، مع ظهور مخطط أطلق عليه المستوطنون اسم “النكبة الكبرى”، حيث وصلت تهديدات إلى مزارعين فلسطينيين من قرية دير إستيا غربي سلفيت شمالي الضفة الغربية، بأن عليهم مغادرة البلاد إلى الأردن، تحتوي على نص تهديد جاء فيه: “إذا أردتم نكبة مثيلة لنكبة 1948 فوالله ستنزل على رؤوسكم الطامة الكبرى قريبًا، لديكم آخر فرصة للهروب إلى الأردن بشكل منظم، فبعدها سنجهز على كل عدو وسنطردكم بقوة من أرضنا المقدسة التي كتبها الله لنا”[39].

الأمر لم يقف عند التهديد فحسب، بل انتقلت إلى المرحلة الفعلية للتنفيذ، فوفقًا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، في 1 نوفمبر 2023، فأن ما يقارب ألف فلسطيني قد هُجروا قسرًا من منازلهم في الضفة الغربية منذ يوم 7 أكتوبر. ويشمل ذلك ما لا يقل عن 98 أسرة فلسطينية، تضم أكثر من 800 فرد، طُردت من 15 تجمعًا رعويًا/بدويًا في المنطقة (ج)، وسط تصاعد عنف المستوطنين المكثف[40]. وتتركز مساعي التهجير في منطقة “ضهر الجبل” شرقي رام الله وفي منطقة الأغوار وفي تلال جنوب الخليل[41].

وتأتي عمليات تهجير الفلسطينيين عقب تعزيز المستوطنين بعشرات آلاف قطع السلاح بعد قرار وزير الأمن القومي “إيتمار بن غفير” بتسليحيهم بالضفة. حيث قال “بن غفير” على موقع “إكس”، في 12 أكتوبر 2023: “تم حتى الآن شراء نحو 4 آلاف قطعة سلاح من أصل نحو 20 ألف قطعة، سيتم شراؤها”، مضيفًا أنه تم بالفعل “توزيع نحو ألفي قطعة سلاح على عشرات المستوطنات في المناطق الشمالية والساحلية، وسيتم توزيع المزيد من الأسلحة على المزيد من المستوطنات”. وقد جعل “بن غفير” من أولوياته تخفيف معايير ترخيص الأسلحة للإسرائيليين، والمستوطنين منهم بشكل خاص[42].

ويبدو أن الحكومة الإسرائيلية ستستغل هذا العدوان علي غزة للإسراع في تنفيذ مخططاتها بتوسيع عمليات الاستيطان وتهجير الفلسطينيين في الضفة الغربية. خاصة أنه في يونيو 2023، وفي تطور جديد لسياسة المستوطنات، فوضت الحكومة الإسرائيلية اليمينية وزير ماليتها بتسلئيل سموتريتش صلاحيات تخوله تسهيل إجراءات عمليات الاستيطان وتسريعها. وفي تعليقه على الخطة، قال سموتريتش: “طفرة البناء بالضفة وبجميع أنحاء بلادنا مستمرة. كما وعدنا، اليوم نتقدم في بناء آلاف الوحدات الجديدة في يهودا والسامرة… سنواصل تطوير المستوطنات وتعزيز سيطرة إسرائيل على المنطقة”. سموترتيش هو أيضًا من قدم في 2017 “خطة الحسم”، التي تقوم على عقيدة أن فلسطين التاريخية هي أرض للإسرائيليين، وكل شئ متاح لحسم هذا الصراع، حتى لو كان الحديث هنا عن تهجير الفلسطينيين الموجودين في الضفة الغربية.   

وكان العالم التفت لسياسة المستوطنات في مايو 2021 عندما حاول الاحتلال إخلاء أكثر من 20 عائلة فلسطينية من منازلهم في حي الشيخ جراح، شرقي القدس، لتسكين عدد من المستوطنين فيه. حيث هبت تظاهرات داعمة لأهالي الشيخ جراح ومناهضة للاستيطان في كل مناطق فلسطين التاريخية، كان أبرزها مظاهرات سكان الأراضي المحتلة عام 1948، وانتهت بتجديد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة لمدة 11 يومًا[43].

وفي ضوء هذه الانتهاكات؛ يمكن القول أن الفلسطينيين في الضفة الغربية يتعرضون لإبادة جماعية كما يحدث في غزة، وإن كانت طبيعة الإبادة في الضفة مختلفة عن نظيرتها التي تحدث في غزة حاليًا؛ فهي وإن كانت أخف وطأة، فإنها أطول أمدًا وأكثر استدامة، ويمكن وصفها بـ”الإبادة الصامتة”، أو “الإبادة بالقطعة”، التي تعني استهداف الأرض أو سلب أجزاء منها بشكل متفاوت ومتدرج، خاصة الأراضي الواقعة في المنطقة “ج”. فهي إبادة صامتة لأنها لا تُحدث الصخب نفسه الذي تحدثه الإبادة الواسعة في العدوان على غزة، وإبادة بالقطعة لأنها متدرجة ومتراكمة على مدار السنوات، ما يصنع “عملية الإبادة الأكبر التي تهدف إلى اجتثاث الفلسطينيين بكل الوسائل والطرق الهادفة إلى محو الفلسطيني واقتلاعه وتهجيره وقتله وسفك دمه”[44].

ب- الانتهاكات الاقتصادية: تتركز أبرز الإجراءات الاقتصادية التي اتخذتها سلطات الاحتلال ضد السلطة الفلسطينية وسكان الضفة الغربية في:

– منع عودة العمال للداخل المحتل: دأب الاحتلال في السنوات الأخيرة على استخدام مسألة العمل في الداخل المحتل، وإصدار التصاريح على أنها أداة ضبط وسيطرة على المجتمع الفلسطيني، يستطيع من خلالها تحييد جزء كبير من الشعب الفلسطيني عن مجمل القضايا الوطنية، فحصول أحد أفراد أسرة ما -لا سيما إن كان المعيل الأساسي لها- على تصريح للعمل في الداخل المحتل كان يشكل أداة ضبط لكل أفراد العائلة، إذ إن سياسة إصدار التصاريح تعتمد على معايير أمنية للاحتلال تصنف الفلسطينيين من خلالها إلى “فلسطيني نظيف” و”غير نظيف”، أي أنه ليس لديه سجل أمني مقاوم للاحتلال أو مشارك في النشاطات الوطنية العامة.

نتج عن هذه السياسة وجود قرابة 170 ألف عامل فلسطيني في سوق الاحتلال حسب بيانات جهاز الإحصاء الفلسطيني، فضلًا عن عشرات آلاف العمال الذين يعملون بلا تصاريح (تهريب)، وحاملي جوازات السفر الأجنبية، وقد كان ملاحظًا في السنوات الأخيرة وجود ميل لدى فئة الشباب للحصول على تصاريح العمل في الداخل المحتل، مع الأزمات الاقتصادية التي تعاني منها السلطة الفلسطينية وتدني الأجور والمرتبات في الضفة مقارنة بالداخل.

يضخ عمال الداخل أكثر من مليار و400 مليون شيكل شهريًا في السوق الفلسطيني، وتشكل هذه الأموال إحدى أهم ركائز الاقتصاد الفلسطيني التي تساهم في تنشيط الحركة التجارية وتوسع نشاط القطاع الخاص، غير أنه منذ 7 أكتوبر أصبح هؤلاء العمال في عداد العاطلين عن العمل نظرًا لسياسة إغلاق الضفة التي اتخذها الاحتلال منذ بداية العدوان، عدا بعض العمال الذين سمح لهم الاحتلال بالعودة إلى عملهم لحاجته الماسة لهم لتشغيل بعض القطاعات الحيوية، وفضلًا عن حرمان السوق الفلسطينية من عوائد أجورهم، أصبحوا عبئا على الاقتصاد الفلسطيني الذي كان يصرف فائض بطالته العمالية في سوق الاحتلال.

ومن غير المؤكد أن الاحتلال سيسارع إلى إعادة هؤلاء العمال إلى عملهم عقب انتهاء عدوانه، فقد وردت تقارير أن هناك مباحثات بين حكومة الاحتلال والهند لاستقدام من 50 إلى 100 ألف عامل هندي ليحلوا مكان العمال الفلسطينيين، ما يشير إلى أن هناك سياسة لدى الاحتلال بالاستغناء عن العمالة الفلسطينية، تعززها توجهات لدى قطاعات من المجتمع بالانفصال عن الفلسطينيين كليًا[45].

– وقف رواتب موظفي السلطة: ظلت السلطة الفلسطينية منذ أكثر من عامين تدفع لموظفيها رواتب منقوصة وبنسبة 80% في أغلب الأشهر، وكان هذا العجز نتيجة اقتطاع سلطات الاحتلال لجزء من أموال عائدات الضرائب التي يجنيها الاحتلال نيابة عن السلطة، والمعروفة بالمقاصة، حيث تقول الحكومة الفلسطينية إن حجم الاقتطاع تحت بنود متعددة بلغ قرابة 250 مليون شيكل شهريًا من مجمل 700 إلى 800 مليون شيكل، والذي هو حجم أموال المقاصة الكلي التي تشكل قرابة 60% من إيرادات السلطة الفلسطينية.

ثارت مخاوف من أن تقدم حكومة الاحتلال مع بدأ العدوان على وقف تحويل كل أموال المقاصة إلى السلطة الفلسطينية، وقد تحققت هذه المخاوف عندما قرر وزير مالية الاحتلال المستوطن المتطرف “بتسليل سموتريتش” تجميد تحويلها فعليًا، غير أن حكومة الاحتلال لم توافق على القرار كليًا، وإنما قررت أن تخصم من المبلغ ذلك الجزء المخصص لقطاع غزة، وعلى إثر ذلك قررت الحكومة الفلسطينية عدم استلام الأموال منقوصًا منها حصة غزة، إذ قالت وزارة المالية الفلسطينية أن حكومة الاحتلال اقتطعت منها 600 مليون شيكل، وعليه فإن السلطة الفلسطينية لن تتمكن من دفع رواتب موظفيها ومتقاعديها وما تطلق عليه أشباه رواتب مخصصة للحالات الاجتماعية وعوائل الأسرى والشهداء، حيث يستفيد من رواتب السلطة قرابة 250 ألف موظف ومتقاعد ومستفيد، بواقع أكثر من مليار و100 مليون شيكل شهريًا[46]. وبالفعل؛ فبعد أن كان الموظفون العموميون يتقاضون رواتبهم بنسب تتراوح بين 80%-90%، فإنهم تقاضوا في الشهر الأول من الحرب راتبهم بنسبة 50%[47].

وقالت “القناة 12” الإسرائيلية، في 17 ديسمبر 2023، إن حكومة الاحتلال الإسرائيلية توصلت إلى اتفاق مع السلطة الفلسطينية على آلية لتلقي السلطة الأموال التي تحتجزها إسرائيل منذ اندلاع الحرب على غزة، وذلك بعد موافقة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس على مقترح مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان. ويشير المقترح إلي قيام إسرائيل بالاطلاع على أسماء من سيتلقون رواتب السلطة في قطاع غزة، وبذلك تتمكن إسرائيل من منع أعضاء حماس في قطاع غزة بتلقي أي رواتب من السلطة[48]. ورغم موافقة الرئيس عباس علي هذا الاقتراح، إلا أنه قوبل بالرفض من قبل وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش الذي أكد، في 18 ديسمبر 2023، بعدم تحويل أي مبلغ مالي لمن سماهم النازيين في رام الله، وشدد على أن الاحتلال سيقوم بعمل اللازم لحماية مستوطنات الضفة حتى لا تتعرض لهجوم مشابه لطوفان الأقصى في غلاف غزة[49]، كما تعهد بعدم السماح بتحويل أموال الضرائب الفلسطينية إلى غزة، أو إلى عائلات منفذي الهجمات الفلسطينيين، ملمحًا إلى أنه سيستقيل من الحكومة بدلًا من تمرير التحويل[50].

ج- الانتهاكات الإعلامية: تمثلت المنهجية الإعلامية للتعامل الإسرائيلي مع فلسطيني الضفة الغربية في:

– مراقبة مواقع التواصل الاجتماعي: يترافق الهجوم ضد الفلسطينيين في الضفة مع حملة تحريض واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، يتناول فيها المستوطنون صور نشطاء وصحفيين، ويعلنون أنهم الهدف القادم، إحدى هذه المجموعات أطلق عليها المستوطنون اسم “صيادو النازية”، وحددوا فيها أماكن سكن المستهدفين وأرقام هواتفهم، تبعها إرسال رسائل تهديد وصلت إلى أكثر من 270 رسالة يتوعدون فيها بالقتل.

ولم يكتف التحريض على أشخاص بعينهم، بل طال أيضًا محلات تجارية، تداول المستوطنون بينهم منشورات لهذه المحلات تبارك عملية المقاومة في أكتوبر 2023، ثم يحشد المستوطنون أنفسهم للتجمع أمام هذه المحلات، ويدمرونها ويحرقونها أو يغلقونها، ترافقهم جرافة عسكرية لجيش الاحتلال وجنود مشاة لحمايتهم، وتكرر الأمر في بلدة حوارة جنوب نابلس، حين أحرقوا مخبزًا ثم هدموه، وأغلقوا محلين في بلدتي سلواد وبيرزيت، وحرقوا متجرًا في قلقيلية[51].

كما قام الاحتلال الإسرائيلي بإقرار قانون “التحريض على الإرهاب” الذي ينص على أن “التعبير عن التعاطف مع حماس أو الأعمال الوحشية، سواء من خلال عرض مقاطع فيديو وصور لهذه الأفعال بالإضافة إلى ذلك أو ببساطة مع تعليق يعبر عن الدعم لها، يكفي بالنسبة لنا لفتح تحقيق وملاحقة قضائية”. وبناءًا علي هذا القانون؛ تم اعتقال الكثيرين لنشرهم آيات قرآنية وأدعية نبوية فسرت على أنها تماه مع المقاومة وإسناد للفلسطينيين بغزة وليست مناهضة للحرب.[52] 

بالإضافة إلى قرار وزير القضاء ياريف ليفين ووزير الداخلية موشيه أرييل الدفع بقانون يتيح سحب المواطنة أو الجنسية من أشخاص “يمارسون الإرهاب أو يدعمون الإرهاب أو يحرضون على الإرهاب أو يتعاطفون مع عمل إرهابي”، فيما اعتبر جزء من آليات استهداف عرب 48، والرغبة في تجنب حراك داخلي مؤيد لغزة في مدن الداخل كما حدث في حرب غزة الرابعة- مايو 2021[53].

– الإشاعة والتصريحات الإعلامية: عمد الاحتلال إلى بث الكثير من الشائعات، أو المواقف الإعلامية التي يمكن أن تؤثر نفسيًا على المواطنين، إحدى هذه الإشاعات رافقت إنشاء المستشفى الميداني الأردني في مدينة نابلس، حيث باتت تعج صفحات مواقع التواصل بالحديث أن هذا المستشفى تمهيد لعمليات القتل والاجتياح التي سينفذها الاحتلال لمدن الضفة، وهذا ترافق مع تصريحات وزير حكومة الاحتلال “بنيامين نتنياهو” في الحديث عن فقدان الثقة بالسلطة الفلسطينية، ودعوات وزير مالية الاحتلال المتطرف “سموتيرش” بدراسة وقف التنسيق مع السلطة الفلسطينية، وهو ما بات يخلق هالة من التساؤلات عن مستقبل الضفة الغربية، في ظل تعزز قوة اليمين المتطرف في حكومة الاحتلال[54].

ويمكن فهم السلوك الإسرائيلي المتصاعد في الضفة بشكل مواز للحرب على غزة من خلال عدة اعتبارات:

الاعتبار الأول؛ الترابط الجغرافي وخشية الامتداد المقاوم؛يخشى الاحتلال، بشكل واسع، من انخراط الضفة الغربية في المواجهة الحالية؛ لأنها في حال ثارت ستكون الأكثر إيلامًا للاحتلال من حيث التداخل بين البلدات الفلسطينية والمستوطنات، إضافة إلى الإمكانية النسبية للدخول إلى الأراضي المحتلة عام 1948[55].

وقد أظهرت حملات الاعتقال اليومية تركيز الاحتلال على الاعتقالات في جنوب الضفة عمومًا ومحافظة الخليل على وجه الخصوص، وهي بمعنى الامتداد الجغرافي الأقرب إلى قطاع غزة، الأمر الذي قد يُقرأ على أن هناك خشية إسرائيلية من أن عمليات عبور المقاومين من غزة كما حدث يوم 7 أكتوبر 2023، قد يضع افتراضية وصول بعض هذه المجموعات المقاومة مستقبلًا إلى الخليل أو امتدادها الجغرافي، وهو ما قد يشكل أولًا حاضنة حماية لهم من جانب، ومن جانب آخر تسهيل الانطلاق لاستهداف التجمعات الاستيطانية المقامة على أراضيها.

الاعتبار الثاني؛ إعادة الثقة لجنود الاحتلال؛ فبعد أن اهتزت ثقتهم بأنفسهم وفقًا لما وثقته مشاهد الفيديوهات التي بثتها المقاومة خلال تنفيذهم اقتحام المستوطنات في غلاف غزة، بات يعمد جنود الاحتلال الذين يقتحمون منازل المواطنين في الضفة خلال عمليات الاعتقال اليومية إلى تعريض المعتقلين للضرب المباشر، وشتمهم بألفاظ نابيه، في محاولة لاسترجاع هذه الثقة المفقودة.

الاعتبار الثالث؛ إعادة تعزيز استراتيجية الردع الإسرائيلية؛تشير العديد من القراءات إلى أن نظرية الردع الإسرائيلية اهتزت في أعقاب معركة “طوفان الأقصى”، بل بالعكس منحت الشعب الفلسطيني إمكانية تعزيز المبادرة في المواجهة، وهذا ما بات يخشاه الاحتلال في الضفة، فشرع في تنفيذ مجموعة من الخطوات الاستباقية سواء عبر إغلاق الحواجز الرئيسة بين المحافظات، وفرض شبه الإغلاق الشامل واستعراض القوة بارتفاع وتيرة الاستهداف اليومي من عمليات القتل والاعتقال وهدم المنازل والعمليات العسكرية.

الاعتبار الرابع؛ إضعاف ردة الفعل الشعبية من خلال تغييب القيادات أو المؤثرين والتخوف لتحولها لانتفاضة شعبية؛فأي تحرك جماهيري في الضفة دون وجود القيادة أو المؤثرين لتوجيه هذا الحراك يبقى وليد ردات الفعل وعدم القدرة على إحداث حالة من الانضباطية والتوجيه المركز، وهذا ما سعت له إسرائيل في ظل غياب قرار سياسي من القيادة الفلسطينية، وغياب منظمة التحرير الفلسطينية والتنظيمات الشعبية وفي مقدمتها حركة فتح، ما يجعل الجماهير تشارك في الفعاليات كنوع من التفريغ الداخلي دون تحوله لنموذج منضبط في خطة جماهيرية متصاعدة.

الاعتبار الخامس؛ تغييب أو إضعاف النموذج الملهم كما جرى من استهداف لكتيبتي طولكرم ومخيم جنين؛ حيث يدرك الاحتلال الإسرائيلي أن تحول هذا النموذج المقاوم لحالة الهامية في الضفة مع توفر البيئة العامة في ظل العدوان على قطاع غزة يمكن أن يتطور من حيث الأداء والاتساع الجغرافي، وبالتالي سعت إلى استغلال الفرصة للانقضاض على مخيمات جنين وطولكرم واستهدافهم وإلحاق الأضرار والخسائر الكبيرة لإشغال الناس بإعادة ترتيب احتياجاتهم.

الاعتبار السادس؛ الحفاظ على الحالة السياسية القائمة في الضفة؛ فقد أظهرت العديد من المؤشرات الميدانية تحول عدد من المظاهرات إلى حالة احتجاجية مطالبة السلطة الفلسطينية بالتحرك أو الانخراط المباشر بالمواجهة، أو مطالبة الأجهزة الأمنية الفلسطينية للاشتباك مع الاحتلال، الأمر الذي يعيد للذاكرة الإسرائيلية أحداث الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، وقبلها هبة النفق عام 1996، التي كان لانخراط أفراد الأمن الفلسطيني انعكاسات في تطورات الحالة الميدانية ونمط المواجهة، وهو ما لا تريد إسرائيل له أن يتكرر مرة أخرى في هذه التوقيت[56].

الاعتبار السابع؛ سعى نتنياهو إلى الحفاظ علي الدعم الذي يحظى به داخل القاعدة اليمينية في الشارع الإسرائيلي؛ وهي ذات القاعدة التي يراهن عليها لمرحلة ما بعد الحرب، إذ إن جميع المؤشرات تدفع باتجاه الخسارة الإسرائيلية في الحرب، وهو ما يعني أن مستقبل نتنياهو السياسي سيكون على المقصلة، لكن تحقيق رغبات الشارع اليميني وممثليه في الحكومة يمكن أن يساعده في المنافسة مرة أخرى للبقاء في الحلبة السياسية في أي انتخابات مقبلة، وهذا ما يفسر منحه “بن غفير” و”سموتريش” مساحة لتمرير رغباتهما في تسليح المستوطنين، إلى جانب اعتماد الميزانية المخصصة للاستيطان في الضفة.

الاعتبار الثامن؛ يحاول نتنياهو المناورة في ساحة الضفة؛ هروبًا من الاخفاقات العسكرية في غزة وفقًا للمؤشرات الميدانية في الحرب، من خلال تقديم انجازات في عمليات القتل والتدمير التي تجري بشكل ممنهج ومتصاعد[57].

الاعتبار التاسع؛ تسعى إسرائيل لرفع ما يمكن بتسميته بتكلفة المقاومة؛ من خلال اعتقالات مئات المواطنين الفلسطينيين حتى يتحولوا لجزء من فاتورة الانجازات الميدانية لها من جانب، ومن جانب آخر سعيها لاستخدامهم في مرحلة للمساومة المستقبلية، سيما إذ ما تم فتح مفاوضات حول ملف صفقة لتبادل الأسرى الفلسطينيين بما تمتلك فصائل المقاومة من أسرى للاحتلال في قطاع غزة[58].

2- الملاحقة الأمنية من قبل السلطة الفلسطينية: القي الانقسام السياسي المستمر منذ 2007 ومعه اختلاف البرنامج السياسي بين حركة المقاومة الإسلامية (حماس) التي تدير غزة، وحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) والسلطة الفلسطينية المتحكمة بمفاصل الحياة بالضفة الغربية بظلاله على شكل ومستوى تفاعل الضفة مع القطاع، حيث تحركت السلطة الفلسطينية لمنع اشتعال الضفة[59]. كماتلتقي المصلحة الإسرائيلية في منع اشتعال الضفة وانخراطها في “طوفان الأقصي” مع سياسات السلطة الفلسطينية التي تتجنب أيضًا انزلاق الأوضاع في الضفة الغربية إلى مرحلة عدم العودة وهو ما يؤثر على قدرتها على الاستمرار ويهدد بنيتها ومستقبلها السياسي. كما أن وقف المساعدات المالية للسلطة الفلسطينية ومراجعتها، قد دفعها إلى اتخاذ مواقف أكثر تشددًا مع المظاهرات والعمليات العسكرية وذلك حتى تضبط الوضع وتمنع انفجاره وتحافظ على نسيج علاقتها الإقليمية والدولية[60].

ولذلك لجأت السلطة منذ اليوم الأول للمعركة إلى الإعلان عن تنفيذ خطوة الإضراب في مختلف المؤسسات للحفاظ على الهدوء. وتعتبر خطوة الإضراب حاليًا غير مجدية نظرًا لعدم وجود الاحتلال في مراكز المدن الفلسطينية مقارنة بالسابق وهو ما من شأنه أن يحبط أي تحرك شعبي موازي لـ “طوفان الأقصى” وينعكس بالسلب على التحركات الفلسطينية الشعبية لمواجهة الاحتلال[61].

أكثر من ذلك، فقد قامت السلطة بالاعتداء على مسيرة دعت إليها مجموعات “عرين الأسود” في نابلس للخروج مساء السبت 7 أكتوبر أول أيام حرب “طوفان الأقصى” من أجل قطع الطرق على جيش الاحتلال وقطعان مستوطنيه؛ لكن أجهزة أمن السلطة الفلسطينية فرقت بالقوة المسيرة، ما يؤكد أن السلطة باتت وكيلًا عن الاحتلال لقمع الفلسطينيين واعتقال المقاومين[62]. كما هاجمت السلطة مسيرة تضامن مع غزة، وقتلت المواطن محمود أبو لبن في 17 أكتوبر، والذي أعلنت المؤسسة الأمنية في بيان تحملها “المسؤولية عن الحادث المؤسف”. ووفق توثيق منظمة “محامون لأجل العدالة” جرى اعتقال ما يزيد على 50 شخصًا في محافظة رام الله وحدها في 17 أكتوبر، وهو ذات اليوم الذي قصف فيه الاحتلال المستشفى المعمداني في غزة. لم ينف الناطق باسم الأجهزة الأمنية طلال الدويكات وجود اعتقالات، لكنه قال إن العدد لا يتجاوز 15[63].

3- غياب الجسم التنظيمي للمقاومة في الضفة: فمن أهم سمات المرحلة التي تمر بها الضفة، هي الصعود والهبوط في العمل المقاوم إثر غياب الجسم التنظيمي، فالنمط الفردي الذي غلب على العمل المقاوم في الضفة والقدس المحتلتين في السنوات الأخيرة يجعل الأجهزة الأمنية والعسكرية لدى الاحتلال دائمة التأهب خشية من عملية قد تزيد اشتعال الأوضاع في الأرض المحتلة، وتشكل إلهامًا لشبان آخرين، خاصة مع وجود مجهودات لفصائل المقاومة لتثوير الضفة[64].

وتُسابق إسرائيل الزمن منذ عملية “سيف القدس” في مايو 2021، وبعدها عملية “نفق الحرية” في سبتمبر 2021، من أجل منع تحول خلايا المقاومة الوليدة في شمال الضفة، إلى مجموعات قوية قادرة على البناء ومراكمة القوة وتنفيذ عمليات موجعة، والحيلولة دون انتقال نموذج جنين ونابلس إلى بقية المدن[65]. ولذلك فقد أطلقت إسرائيل عملية “كاسر الأمواج” العسكرية أواخر مارس 2022، ومنذ إطلاق تلك العملية، لا يمر يوم من دون اقتحامات واعتقالات وتصفيات جسدية[66]. ومؤخرًا وقبيل طوفان الأقصي، فقد عمل الاحتلال علي زيادة وتيرة عملية “كاسر الأمواج”، حيث يبدو جليًا انتشار التشكيلات العسكرية المقاومة في محافظات شمال الضفة الغربية كافة، وعدم اقتصارها على جنين بلد منشأ الظاهرة.

كما أن تنشيط عملية “كاسر الأمواج” أصبحت لا تقتصر علي زيادة عمليات الاعتقالات وملاحقة المطلوبين، بل أيضًا بإدخال أسلحة جديدة للخدمة العسكرية في ساحة الضفة الغربية، مثل الطائرات المسيرة المزودة بالصواريخ، كإشارة إلى تحول استراتيجي في نهج الجيش الإسرائيلي؛ فبدلاً من تعزيز عمليات اعتقال المقاومين الفلسطينيين، بما باتت تحمله من مخاطر حقيقية على حياة جنود الاحتلال، واستنزاف لقواته وقدراته العسكرية والأمنية، اختار الذهاب إلى تعزيز عمليات الاغتيال وتوسيع رقعتها بواسطة الطائرات المسيرة.

ومن الجدير بالذكر أن عملية “كاسر الأمواج” تعتمد في فلسفتها العسكرية والأمنية على استنزاف قدرات المقاومة، وخاصة في شمال الضفة الغربية، بشكل دائم ومستمر، بحيث تحدث تأكلًا تدريجيًا للعوامل الدافعة لبقاء حالة المقاومة، وبالتالي الإجهاز عليها من دون الحاجة إلى عملية عسكرية إسرائيلية واسعة ومكثفة على غرار عملية “السور الواقي” عام 2002، التي أعاد بها الجيش الإسرائيلي احتلال الضفة الغربية[67].

4- الجهود الدولية لمنع انخراط الضفة في المواجهة الحالية: تقع الضفة الغربية في صلب الجهود الإقليمية والدولية لمنع تمدد الصراع إقليميًا، فمثلما يتم العمل على منع اندلاع مواجهة شاملة في شمال فلسطين المحتلة من الجبهة اللبنانية، فإن جهدًا لا يقل يمارس لكي لا تنغمس الضفة الغربية في المقاومة، وتحديدًا نقطة قوتها الأساسية، وهي العمليات الاستشهادية والكمائن[68]. وفي هذا السياق؛ أعلن وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، في 5 ديسمبر 2023، عن منع المستوطنين الإسرائيليين المتطرفين المسؤولين عن أعمال العنف في الضفة الغربية من القدوم إلى الولايات المتحدة، وإمكانية منع أفراد الأسرة المباشرين لهؤلاء الأشخاص أيضًا من دخول الولايات المتحدة. وفي لقاءاته مع المسؤولين الإسرائيليين منذ “طوفان الأقصي”، يركز بلينكن علي دعوة حكومة نتنياهو إلى بذل المزيد من الجهود لمحاسبة المستوطنين المسؤولين عن أعمال العنف في الضفة الغربية، واتخاذ إجراءات إضافية لحماية المدنيين الفلسطينيين من الهجمات المتطرفة[69].

ثالثًا: مستقبل الموقف الشعبي في الضفة الغربية من العدوان الإسرائيلي علي غزة:

علي الرغم من ترجيح العديد من المراقبين – ومنهم الكاتب – لاستمرار الموقف الشعبي في الضفة الغربية من العدوان الإسرائيلي علي حاله، وصعوبة تحوله إلي انتفاضة شاملة، إلا أن البعض يري أن هناك إمكانية لخروج الوضع في الضفة الغربية عن السيطرة، والانتقال من حالة الانتفاضة المحدودة إلي الانتفاضة الشاملة؛ للأسباب التالية:

1- وجود الاحتلال نفسه، حيث إنه من الطبيعي أن تبقى هناك حالة وطنية رافضة له، وإن تراجعت هذه الحالة نتاج عوامل مرحلية، إلا أن أساسها يبقى قائمًا لوجود الاحتلال كمسبب أساسي[70]. فالعلاقة الطبيعية بين الشعب الخاضع للاحتلال ودولة الاحتلال هي علاقة رفض ومقاومة، ولا يمكن أن تكون علاقة قبول واستسلام، وبالتالي فالمقاومة هي الأصل بينما التهدئة والسكون والتعايش هي الاستثنائية[71].

2- الأزمة الاقتصادية الخطيرة التي تواجهها الضفة الغربية. حيث أن إصرار إسرائيل علي خصم الجزء الذي يرسل عادة إلى غزة من عائدات الضرائب الشهرية المستحقة للسلطة الفلسطينية، ومنع دخول العمال الفلسطينيين إلي الداخل المحتل والمقدر عددهم بأكثر من 200 ألف عامل سيؤدي إلى ترك الاقتصاد المحلي في حالة من الفوضى. وإذا استمر الوضع على هذا النحو، فلن تكون السلطة الفلسطينية قادرة على دفع رواتب أفرادها الأمنيين البالغ عددهم 30 ألفًا، والذين لن يكون لديهم بعد ذلك حافز كبير لمنع نشاط المقاومة ضد إسرائيل في الضفة الغربية[72].

3- التوسع في تسليح المستوطنين من دون معايير، ما قد يؤدي إلى تحويلهم إلى قتلة منفلتين،  خاصة لكونهم داخل المناطق التي يعيش فيها الفلسطينيون ولا يمكن فصل الاحتكاك بينهم. ومن جانب ثان، فخلال الأحداث الأخيرة مُنح هؤلاء الضوء الأخضر من قبل الحكومة الإسرائيلية لاستخدام شتى وسائل العنف دون محاسبة. ومن جانب ثالث، فإنهم يحملون المزيد من مشاعر الكره والغضب على إثر هجمات 7 أكتوبر؛ ولديهم الدافع والفرصة لصب غضبهم على الفلسطينيين.

ومن جانب رابع؛ على الرغم من إبداء نتنياهو مخاوفه من انفجار الضفة الغربية، فإن الواقع يؤكد أنه يقف حاليًا على أرضية سياسية هشة، خاصة مع تزايد غضب الجمهور الإسرائيلي من إخفاقه في مواجهة هجمات 7 أكتوبر وفشله في إدارة الحرب؛ لكنه لا يزال في منصبه بفضل أحزاب المستوطنين اليمينية المتطرفة التي تهتم في المقام الأول بالاستيلاء على أراضي الضفة الغربية، ولا يستطيع إصدار أمر بشن حملة على عنف المستوطنين أو وقفهم، لأن ذلك قد يعرضه إلى الدخول في خلاف مع أعضاء الائتلاف اليميني المتطرف وهو ما يعرض مصيره للخطر حال تفكك هذا الائتلاف[73].

وفي حالة تصاعد حالات الاعتداء والقتل من قبل هؤلاء المستوطنين، الذي يأتي بدعم من الجيش الإسرائيلي وتخاذل من قبل أجهزة أمن السلطة، فقد يجد الفلسطينيون أنفسهم مرغمين علي الدخول في مواجهة مفتوحة مع هؤلاء المستوطنين.

4- إن الحرب الشرسة على غزة، من المتوقع أن تحفز بشكل عام مجموعات مسلحة وأفراد لمهاجمة أهداف إسرائيلية، بما في ذلك عمليات داخل إسرائيل أو في الضفة. وهذه الحرب تزيد الضغط الأمني والسياسي بوجه خاص على المجموعات العسكرية المنتمية لحركتي حماس والجهاد الإسلامي، لتكثيف نشاطاتها العسكرية، خصوصًا في شمال الضفة حيث ينشط العديد من المجموعات المسلحة. وضمن هذا السيناريو، قد تتصاعد نقاط التوتر والاحتجاجات في مختلف أنحاء الضفة الغربية، بما قد يؤدي إلى اشتباكات متفرقة، بعضها قد يكون عنيفًا ومستدامًا وقد يشكل أرضًا خصبة لانتفاضة أكثر اتساعًا.

5- أن أعدادًا متزايدة من داخل حركة فتح بدت أكثر نقدًا لمواقف السلطة السياسية ويمكن أن يؤدي ذلك إلى زيادة جاذبية العمل المسلح بين بعض أطرها. إلا أن مواقف حركة فتح في الضفة الغربية ستحدد بشكل واسع مصير أي تحركات جماهيرية واسعة ومتواصلة بسبب نفوذها الكبير في الضفة الغربية[74].

ختامًا؛ بعد قرابة الثلاثة أشهر من العدوان الإسرائيلي على فلسطين، تثبت التفاعلات الحاصلة في الضفة الغربية والقدس، سواء من المقاومة وأفراد الشعب الفلسطيني أو من الاحتلال الإسرائيلي، أن تصاعد وتيرة العنف والاشتباكات لن تتوقف وستظل مرتبطة بل ومتصاعدة باستمرار الاعتداء الإسرائيلي على قطاع غزة.

وبالنسبة للمقاومة والحراك الشعبي الفلسطيني، فإنه يكافح من أجل التنغيص على العدو، وزيادة توتر كافة الجبهات المفتوحة عليه، صحيح أن هذه المقاومة تتم بأدوات محدودة، ولكن هذا المتاح بالنسبة لأهل الضفة الغربية، وهي منطقة تعتمد بالأساس على الحراك المدني وليس المسلح، وتعاني منذ مطلع العام بالأخص من حالة ممتدة من القتل والاعتقال والتضييق.

الاحتلال الإسرائيلي من جانبه لا يرى إلا أنه مضطر لاستمرار نهجه القمعي الهمجي من أجل توصيل رسالة بأن شيء لن يثنيه عن تحقيق ما يريد من سيطرة وهيمنة وانتصار، لكن الجميع يدرك أن إطالة أمد الصراع بهذا المستوى العنيف وفي ظل استدعاء حوالي 360 ألفًا من قوات الاحتياط، يمثل فاتورة باهظة الثمن على الأمن والاقتصاد والاجتماع والعلاقات الداخلية والخارجية الإسرائيلية، وهو ما يراهن عليه الفلسطينيون في الضفة على الأقل؛ أن يؤدي هذا الصمود لتسوية مؤقتة فيها نوع من المكاسب للفلسطينيين يكافئ الأثمان الغالية التي تم بذلها على مدار الصراع[75].

وعلي الرغم من إعلان نتنياهو هدفه بمحو حركة حماس، وبدء إسرائيل في شن حملات اعتقال واسعة استهدفت العديد من قيادات وناشطي الحركة في الضفة الغربية. فقد أظهرت السنوات الماضية أن السياسات التي تنتهجها إسرائيل والسلطة الفلسطينية، لن تتمكن من القضاء على حركة حماس، وذلك بفضل البنية الأيديولوجية والاجتماعية العميقة التي أسسها أعضاء الحركة على مدى السنوات. فقد تعرضت حركة حماس وقواعدها العسكرية، والسياسية والمالية لهجمة كبيرة بعد الانقسام الفلسطيني في عام 2007، لكنها تمكنت من الصمود والبقاء وحافظت على شعبيتها وشرعيتها. بالإضافة إلى ذلك، أسهمت طوفان الأقصى في زيادة أسهم التأييد الشعبي للحركة خصوصًا جناحها العسكري، وهو ما قد ينعكس أيضًا على عمل الحركة العسكري في الضفة الغربية خلال الفترة القادمة[76].


[1] “الضفة الغربية وصراع المسارات.. لماذا تغيب عن مشهد “طوفان الأقصى”؟”، الجزيرة نت، 14/11/2023، الرابط: https://cutt.us/6NVVP

[2] “محمد الضيف يعلن إطلاق عملية “طوفان الأقصى”: إطلاق 5 آلاف صاروخ وقذيفة”، التليفزيون العربي، 7/10/2023، الرابط: https://cutt.us/ixiXD  

[3] “هل تلحق الضفة والداخل المحتل “بطوفان الأقصى”؟”، نون بوست، 9/10/2023، الرابط: https://cutt.us/8E1bY

[4] “الجبهة الفلسطينية الثانية: هدوء نسبي وقلق وانتظار”، معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدني، 26/10/2023، الرابط: https://cutt.us/BhkrW

[5] “طوفان الأقصى: حال الضفة الغربية والقدس”، مركز الحضارة للدراسات والبحوث، 22/10/2023، الرابط: https://cutt.us/mzVjf

[6] “القضية لم تعد حماس.. متى ينتفض فلسطينيو الضفة والداخل لدعم غزة؟”، نون بوست، 7/12/2023، الرابط: https://cutt.us/1e0fZ

[7] “الجبهة الفلسطينية الثانية: هدوء نسبي وقلق وانتظار”، مرجع سابق.

[8] “عباس لـ «حماس»: أطلقوا الأسرى الإسرائيليين”، الجريدة، 10/10/2023، الرابط: https://cutt.us/luMFS

[9] “طوفان الأقصى سفينة نجاة: الموقف في القدس والضفة والسلطة”، مركز الحضارة للدراسات والبحوث، 18/10/2023، الرابط: https://cutt.us/sZpak

[10] “الجبهة الفلسطينية الثانية: هدوء نسبي وقلق وانتظار”، مرجع سابق.

[11] ” هكذا تفاعلت الضفة الغربية مع العدوان الإسرائيلي على غزة”، الجزيرة نت، 31/10/2023، الرابط: https://cutt.us/OaJEo

[12] “الجبهة الفلسطينية الثانية: هدوء نسبي وقلق وانتظار”، مرجع سابق.

[13] “طوفان الأقصى وديناميات المقاومة في الضفة الغربية”، مركز الجزيرة للدراسات، 18/10/2023، الرابط: https://cutt.us/XAW5J

[14] “العمليات العسكرية “الإسرائيلية” وحملات الاعتقالات في الضفة الغربية: قراءة في الدلالات والأهداف”، مركز رؤية للتنمية السياسية، 23/10/2023، الرابط: https://cutt.us/cA9O5

[15] “طوفان الأقصى: حال الضفة الغربية والقدس”، مرجع سابق.

[16] “حرب على أكثر من جهة.. خمس خرائط تشرح جبهات الحرب ضد إسرائيل”، ميدان، 24/12/2023، الرابط: https://cutt.us/n1lYf

[17] “طوفان الأقصى: حال الضفة الغربية والقدس”، مرجع سابق.

[18] “لماذا لم تُفتح حتى الآن جبهة في الضفة الغربية؟”، معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدني، 13/12/2023، الرابط: https://cutt.us/xaxro

[19] “الضفة وطوفان الأقصى.. حراك غابت عنه العمليات النوعية وحاربته إسرائيل”، الجزيرة نت، 26/10/2023، الرابط: https://cutt.us/Qc44Z

[20] “الجبهة الفلسطينية الثانية: هدوء نسبي وقلق وانتظار”، مرجع سابق.

[21] “طوفان الأقصى: حال الضفة الغربية والقدس”، مرجع سابق.

[22] “طوفان الأقصى وديناميات المقاومة في الضفة الغربية”، مرجع سابق.

[23] “العمليات العسكرية “الإسرائيلية” وحملات الاعتقالات في الضفة الغربية: قراءة في الدلالات والأهداف”، مرجع سابق.

[24] “الحرب الموازية في الضفة الغربية.. كيف تدفع إسرائيل إلى إشعال “طوفان الضفة”؟”، المرصد المصري، 12/11/2023، الرابط: https://cutt.us/TvvlJ

[25] “طوفان الأقصى سفينة نجاة: الموقف في القدس والضفة والسلطة”، مرجع سابق.

[26] “طوفان الأقصى: حال الضفة الغربية والقدس”، مرجع سابق.

[27] المرجع السابق.

[28] ” ملخص حملة الاعتقالات التي نفذها الاحتلال لليوم 28/12/2023″، جمعية نادي الأسير الفلسطيني، 31/12/2023، الرابط: https://cutt.us/10atz

[29] “العمليات العسكرية “الإسرائيلية” وحملات الاعتقالات في الضفة الغربية: قراءة في الدلالات والأهداف”، مرجع سابق.

[30] “هل يفضي تصاعد وحشية الاحتلال في الضفة الغربية إلى إعادة هندسة جديدة لها؟”، مركز رؤية للتنمية السياسية، 27/11/2023، الرابط: https://cutt.us/7Xwvp

[31] “الإبادة الصامتة.. ماذا يفعل الاحتلال الإسرائيلي بالضفة الغربية؟”، ميدان، 26/12/2023، الرابط: https://cutt.us/gTAQt

[32] “هل يفضي تصاعد وحشية الاحتلال في الضفة الغربية إلى إعادة هندسة جديدة لها؟”، مرجع سابق.

[33] “طوفان الأقصى: حال الضفة الغربية والقدس”، مرجع سابق.

[34] ” مؤسسات الأسرى تصدر ورقة خاصّة عن حملات الاعتقال بعد السابع من أكتوبر وما يرافقها من جرائم وواقع الأسرى في سجون الاحتلال”، جمعية نادي الأسير، 13/12/2023، الرابط: https://cutt.us/ETgXR  

[35] “طوفان الأقصى.. هل تندلع هبة جماهيرية على غرار هبة الكرامة؟”، نون بوست، 14/10/2023، الرابط: https://cutt.us/z5mMj

[36] “هل يفضي تصاعد وحشية الاحتلال في الضفة الغربية إلى إعادة هندسة جديدة لها؟”، مرجع سابق.

[37] “التصعيد في الضفة: المستوطنون وجيش الاحتلال يدفعون نحو نكبة كبرى”، نون بوست، 6/11/2023، الرابط: https://cutt.us/2EUDV

[38] ““قائمة بأسماء شهداء الضفة الغربية والقدس ” منذ بداية معركة طوفان الأقصى 7/10/2023م”، مركز معلومات فلسطين (معطي)، 26/12/2023، الرابط: https://cutt.us/tLn0v   

[39] “التصعيد في الضفة: المستوطنون وجيش الاحتلال يدفعون نحو نكبة كبرى”، مرجع سابق.

[40] “مقتل أكثر من 120 فلسطينيا وتهجير ما يزيد عن ألف بالضفة الغربية منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر”، أخبار الأمم المتحدة، 1/11/2023، الرابط: https://cutt.us/zluvs

[41] “طوفان الأقصى: حال الضفة الغربية والقدس”، مرجع سابق.

[42] “بالفيديو.. بن غفير يوزع آلاف الأسلحة على الإسرائيليين”، سكاي نيوز عربية، 13/12/2023، الرابط: https://cutt.us/gl8nt  

[43] “المستوطنات.. الأسرى.. والمقاومة: كيف يربط الاحتلال غزة بالضفة؟”، مدي مصر، 6/11/2023، الرابط: https://cutt.us/MBVhl

[44] “الإبادة الصامتة.. ماذا يفعل الاحتلال الإسرائيلي بالضفة الغربية؟”، مرجع سابق.

[45] “هل تسعى “إسرائيل” إلى تقويض الاقتصاد في الضفة الغربية لدوافع سياسية؟”، مركز رؤية للتنمية السياسية، 29/11/2023، الرابط: https://cutt.us/cyz7k

[46] المرجع السابق.

[47] “أزمة شيكات ورواتب.. كيف تتعامل السلطة الفلسطينية مع أعباء الحرب المالية؟”، الجزيرة نت، 18/12/2023، الرابط: https://cutt.us/iAd9g 

[48] “آلية “جديدة” لتسليم عباس الأموال المحتجزة! إعلام عبري: ستسمح باطلاع إسرائيل على كشوف موظفي غزة والتحكم فيها”، عربي بوست، 17/12/2023، الرابط: https://cutt.us/XW70R

[49] ” وزير المالية الإسرائيلي: لن نحول فلسا “للنازيين” في رام الله”، الجزيرة نت، 18/12/2023، الرابط: https://cutt.us/yBQYr

[50] ” وزير المالية الإسرائيلي: “ولا شيكل واحد” إلى غزة من أموال السلطة الفلسطينية”، الجزيرة نت، 19/12/2023، الرابط: https://cutt.us/ECnlu

[51] “التصعيد في الضفة: المستوطنون وجيش الاحتلال يدفعون نحو نكبة كبرى”، مرجع سابق.

[52] “ساحة الداخل الفلسطيني المحتل عام 48 في سياق الحرب على غزة”، مركز رؤية للتنمية السياسية، 6/11/2023، الرابط: https://cutt.us/rdKZj

[53] “السردية الإسرائيلية حول حرب غزة الخامسة: محاولة للتفكيك”، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 13/10/2023، الرابط: https://cutt.us/bscXW

[54] “هل يفضي تصاعد وحشية الاحتلال في الضفة الغربية إلى إعادة هندسة جديدة لها؟”، مرجع سابق.

[55] “الضفة الغربية وصراع المسارات.. لماذا تغيب عن مشهد “طوفان الأقصى”؟”، مرجع سابق.

[56] “العمليات العسكرية “الإسرائيلية” وحملات الاعتقالات في الضفة الغربية: قراءة في الدلالات والأهداف”، مرجع سابق.

[57] “هل يبحث “نتنياهو” عن انتصار في الضفة يغطي على فشله في غزة ويغير به الواقع السياسي الفلسطيني؟”، مركز رؤية للتنمية السياسية، 19/12/2023، الرابط: https://cutt.us/c5jdl

[58] “العمليات العسكرية “الإسرائيلية” وحملات الاعتقالات في الضفة الغربية: قراءة في الدلالات والأهداف”، مرجع سابق.

[59] ” هكذا تفاعلت الضفة الغربية مع العدوان الإسرائيلي على غزة”، مرجع سابق.

[60] “طوفان الأقصى وديناميات المقاومة في الضفة الغربية”، مرجع سابق.

[61] “هل تلحق الضفة والداخل المحتل “بطوفان الأقصى”؟”، مرجع سابق.

[62] “موقف السلطة من «طوفان الأقصى».. لسانها مع المقاومة وقلبها مع الاحتلال”، بوابة الحرية والعدالة، 8/10/2023، الرابط: https://cutt.us/hF21P

[63] ” هكذا تفاعلت الضفة الغربية مع العدوان الإسرائيلي على غزة”، مرجع سابق.

[64] “الضفة وطوفان الأقصى.. حراك غابت عنه العمليات النوعية وحاربته إسرائيل”، الجزيرة نت، 26/10/2023، الرابط: https://cutt.us/Qc44Z

[65] “«الاشتباك المفتوح» يتوسّع: بوادر انتفاضة في الضفّة”، الأخبار، 1/9/2022، الرابط: https://cutt.us/vXGu4

[66] “الضفة الغربية ومآلات التغيير في الواقع الفلسطيني”، العربي الجديد، 27/9/2022، الرابط: https://cutt.us/kjmb0

[67] “معضلة المقاومة في الضفة الغربية والخيارات الإسرائيلية”، الميادين نت، 15/9/2022، الرابط: https://cutt.us/zaMGX

[68] “الضفة الغربية وصراع المسارات.. لماذا تغيب عن مشهد “طوفان الأقصى”؟”، مرجع سابق.

[69] “الخارجية الأمريكية تعلن قيودًا على تأشيرات المستوطنين المتورطين في أعمال عنف بالضفة الغربية”، سي إن إن عربية، 5/12/2023، الرابط: https://cutt.us/9vmen

[70] “أحداث الضفة.. هل تدفع المواجهة الساخنة نحو “انتفاضة جديدة”؟”، مركز رؤية للتنمية السياسية، 19/4/2022، الرابط: https://cutt.us/vqIC0

[71] “احتمالات وشروط انتفاضة جديدة شاملة”، القدس، 4/9/2022، الرابط: https://cutt.us/7sQ1G

[72] “لماذا لم تُفتح حتى الآن جبهة في الضفة الغربية؟”، مرجع سابق.

[73] “الحرب الموازية في الضفة الغربية.. كيف تدفع إسرائيل إلى إشعال “طوفان الضفة”؟”، مرجع سابق.

[74] “طوفان الأقصى وديناميات المقاومة في الضفة الغربية”، مرجع سابق.

[75] “طوفان الأقصى: حال الضفة الغربية والقدس في ظل العدوان على فلسطين”، مرجع سابق.

[76] “طوفان الأقصى وديناميات المقاومة في الضفة الغربية”، مرجع سابق.

Editor P.S.

كاتب ومدون

جميع المشاركات

المنشورات ذات الصلة

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأكثر قراءة

اتبعنا

التصنيفات

آخر المقالات

Edit Template

رؤية تحليلية للأخبار السياسية والاقتصادية في العالم العربي والإسلامي والعالمي، ودراسات استراتيجية للوضع السياسي المحلي والإقليمي والعالمي

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا لتلقي التحديثات على البريد الإلكتروني الخاص بك

You have been successfully Subscribed! Ops! Something went wrong, please try again.

جميع الحقوق محفوظة لرؤية للتخطيط والدراسات الاستراتيجية ©2022