أزمة تجنيد الحريديم في إسرائيل: الخلفيات والأسباب والتداعيات

قضت المحكمة العليا الإسرائيلية، في 25 يونيو 2024، بفرض تجنيد اليهود الحريديم (طلاب المدارس الدينية اليهودية) في الجيش على الحكومة، وأمرت المحكمة بتجميد ميزانية المدارس الدينية التي يتهرب طلابها من الخدمة العسكرية[1]. وجاء هذا القرار عقب الحاجة الماسة إلى قوى بشرية ترفد صفوف الجيش الإسرائيلي ووحداته المختلفة في ضوء الخسائر البشرية الكبيرة جدًا التي تكبدها من بين جنوده وضباطه، بين قتلى ومصابين لم يعودوا قادرين على العودة إلى تأدية الخدمة العسكرية، جراء إصاباتهم الجسدية أو النفسية، عقب السابع من أكتوبر والحرب المستمرة في غزة، وحيال تصاعد احتمالات اندلاع حرب محتملة وشيكة على الحدود الشمالية مع لبنان[2]. ومن المرجح أن يحدث هذا القرار صدمة في ائتلاف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو؛ نظرًا لوجود أحزاب دينية تعارض تجنيد الحريديم داخل الائتلاف[3].

أولًا: خلفيات أزمة تجنيد الحريديم:

تأسست علاقة الدين والدولة في إسرائيل على اتفاق “الوضع القائم” الذي توصل له دافيد بن غوريون، أول رئيس حكومة إسرائيلية، مع التيار الديني الأرثوذكسي، ممثلًا بحزب “اغودات يسرائيل” عشية الإعلان عن قيام الدولة العبرية. وكان بن غوريون يهدف من هذا الاتفاق إلى ضمان تأييد المتدينين لقرار التقسيم، وعرض موقف موحد لليهود الساكنين في فلسطين الانتدابية من القرار. تضمن اتفاق الوضع القائم تسويات تضمن الحفاظ على مكانة الدين اليهودي وتعاليمه في دولة إسرائيل، وذلك في أربع مجالات: الحفاظ على تعاليم يوم السبت بما في ذلك اعتباره الإجازة الرسمية؛ ومنع عمل المواصلات العامة، والتجارة وغيرها خلاله، والحفاظ على الطعام الحلال حسب الشريعة اليهودية (كوشير)؛ وبناء جهاز تعليمي خاص للمتدينين؛ وتبني المنظومة الدينية في شؤون الأحوال الشخصية.

لم يتطرق اتفاق الوضع القائم لموضوع الخدمة العسكرية للمتدينين، ويمكن إرجاع ذلك إلى أن الخدمة العسكرية لم تكن مطروحة أصلًا على المتدينين في ذلك الوقت، فضلًا عن أن الموضوع لم يكن محل نقاش أصلًا، فالطرفان لم يفكرا في أن هذا الموضوع سيكون مطروحًا بعد عقود، فالدولة العبرية الجديدة كانت علمانية بامتياز، تهيمن عليها الشرائح الاشكنازية الأوروبية العلمانية، وكانت أيضًا تشكل أغلبية اليهود في إسرائيل. علاوة على ذلك، كان جل اهتمام بن غوريون ضمان سكوت التيار الديني الأرثوذكسي وعدم معارضته لقيام دولة إسرائيل، وهو تيار كان أصلًا ضد الحركة الصهيونية ومشروعها في ذلك الوقت[4].

بناءً على ذلك، أعفت القيادة الصهيونية الشباب الحريدي من الخدمة العسكرية بصورة غير رسمية خلال حرب 1948. وفي يناير 1951، بعث دافيد بن غوريون رسالة لوزارة الدفاع وقائد هيئة الأركان، أوضح فيها أنه قرر إعفاء طلاب المدارس الدينية من الخدمة العسكرية، لأنهم “يخدمون” بدراسة التوراة، وما داموا كذلك فإنه سيتم إعفاءهم. وجاء قرار بن غوريون بإعفاء المتدينين من الخدمة العسكرية للأسباب الآتية: 

  1.  احتواء التوتر الذي كان يمكن أن يتصاعد في الدولة الجديدة وهي في أمس الحاجة للحفاظ على الوحدة الداخلية في بداية طريقها.
  2. لم يكن عدد طلاب المدارس الدينية كبيرًا (حوالي 400 طالب من المدارس الدينية)، وهو ثمن يمكن دفعه من أجل الحفاظ على حالة الهدوء المجتمعي القائم.
  3. كان بن غوريون يعتقد أن إسرائيل والمجتمع اليهودي سيتطوران في اتجاه تحييد الدين عن المجال العام واختفائه، حيث اعتقد أن أعداد الحريديم سيضل قليلًا ويتضاءل من الوقت.
  4. كسب شرعية إسرائيل باعتبارها مركزًا لليهودية الأرثوذكسية بعد تدمير المراكز اليهودية التقليدية في أعقاب الهولوكوست.
  5. الحفاظ على علمانية الجيش الإسرائيلي، بحيث تسوده التربية العسكرية العلمانية، والحفاظ على تراتبية القيادة وحصر شرعيتها وسلطتها بضباط الجيش فقط[5].

وفي عام 1958 طلب “شمعون بيرتس” المدير العام لوزارة الدفاع الإسرائيلية آنذاك من قادة المدارس الدينية تعديل الإجراءات التي وضعوها سابقًا لإعفاء من يقع عليهم الاختيار من طلاب المدرسة الدينية، لتكون تأجيل الخدمة العسكرية حتى الانتهاء من الدراسة الإلزامية في المدرسة الدينية، على أن تتاح إمكانية ترك المدرسة الدينية بداية من عمر 25 وحتى 29 عامًا للالتحاق بالخدمة العسكرية النظامية لمدة 3 أشهر ينتقل بعدها إلى قوة الاحتياط، وأما الطالب الذي يترك المدرسة الدينية فوق عمر 29 عامًا ينتقل إلى قوة الاحتياط بشكل مباشر.

وبعد حرب يونيو 1967 تم تقليص الزيادات المستمرة في عدد طلاب المدارس الدينية الذين يحصلون على الإعفاء التام، ثم استقر الحال على إعفاء حوالي 800 طالب من طلاب المدارس الدينية كل عام[6].

وعند وصول حزب الليكود إلى سدة الحكم أول مرة عام 1977، ألغت حكومة مناحيم بيغن عملية تحديد عدد طلاب المعاهد الدينية الذين يعفون من الخدمة في الجيش بذريعة “مهنته توراته”، وأصبح كل حريدي يحصل على إعفاء منها، وذلك وفق اتفاق الائتلاف الحكومي مع الحزب الحريدي الوحيد حينئذ وهو حزب “أغودات يسرائيل”، الذي كان له أربعة مقاعد في الكنيست. وقد أدى ذلك إلى ازدياد أعداد الحريديم الذين يعفون من الخدمة في الجيش في ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته، خاصة في ضوء نسبة تكاثرهم الطبيعي المرتفعة وازدياد قوة الأحزاب الحريدية[7]. فعلي سبيل المثال؛ وصل عدد الطلبة المتدينين اللذين تم إعفائهم من الخدمة العسكرية بحجة التعليم الديني في عام 1998 حوالي ثلاثين ألفًا.

ما مثل دافعًا لظهور أولي المحاولات لترتيب مسألة تجنيد المتدينين مع تشكيل لجنة “طال”، على اسم القاضي تسيفي طال، والتي أنشئت عام 1999، في عهد حكومة إيهود براك. أسست اللجنة في أعقاب التماس للمحكمة العليا في ديسمبر 1998، في هذا الشأن، إذ أصدرت المحكمة قرارًا بعدم صلاحية وزير الدفاع منح إعفاء شامل لطلاب المدارس الدينية من الخدمة العسكرية دون مسوغ قانوني ينظم هذه المسألة. وفي العام 2002 شرع ما عرف بقانون “طال”، وهو تعديل قانون الخدمة الإلزامية، بحيث حددت مدته بحيث تكون خمس سنوات، مع إمكانية تمديد العمل به خمس سنوات أخرى (حتى العام 2012)[8]. وقد خول هذا القانون وزير الدفاع الإسرائيلي بتأجيل الخدمة العسكرية للحريديم لمدة أربعة سنوات، وفي السنة الخامسة، فإن الوزير مخول  بتحديد حاجة الجيش إلى عدد معين منهم للجيش أو للخدمة المدنية، أو بالاستمرار في إعفائهم من الخدمة[9].

وفي سبتمبر 2005، أعلنت الدولة للمحكمة العليا أن قانون “طال” فشل، فلم تستطع الحكومة توسيع عدد المجندين الحريديم للجيش فمنذ تشريعه عام 2002، نجحت الحكومة في تجنيد أعداد قليلة جدًا من أبناء المدارس الدينية (ظلت نسبة الذين يعفون من الخدمة تزيد على 80 في المئة[10]). وفي ضوء فشل قانون طال، أصدرت المحكمة العليا في فبراير 2012 قرارًا بأن قانون طال غير دستوري، وبما أن القانون مدد مرتين لمدة خمس سنوات (2002-2012) فإن الكنيست لا تستطيع تمديده مرة أخرى[11].

وفي عام 2014، أقرت حكومة نتنياهو ما عُرف بـ “قانون المساواة في تقاسم الأعباء”، وكان الهدف الأساسي لهذا القانون هو زيادة عدد طلاب “الحريديم” الذين يتم تجنيدهم في الجيش، فضلًا عن المزيد من الدمج لهذه الفئة في سوق العمل الإسرائيلي، وقد نص القانون على أنه في حال رفض الجمهور الحريدي توفير عدد من المجندين للجيش في العام 2017 يصل إلى 5200 طالب، فإن الحكومة سوف تتعامل مع الجمهور الحريدي بنفس أدوات التعامل مع رافضي الخدمة العسكرية لدى المجموعات الأخرى وتفرض عليهم عقوبات مالية وإدانات جنائية، بينما إذا وفر الجمهور الحريدي هذا العدد الكافي فإن الحكومة سوف تقوم بإعفاء الباقين من الخدمة العسكرية بعد تأجيل خدمتهم إلى سن 26 عامًا[12]. وقد جاء هذا القانون في أعقاب انتخابات الكنيست 2013، وتشكيل نتنياهو لحكومة استثنى فيها الأحزاب الدينية وأدخل مكانها حزب “يوجد مستقبل” برئاسة يائير لبيد، وكان البرنامج الانتخابي للبيد في ذلك الوقت قائمًا على تجنيد الحريديم تحت شعار “المساواة في العبء”[13].

إلا أنه في أعقاب الانتخابات الإسرائيلية العامة التي جرت عام 2015، وما تبعها من دخول الأحزاب الدينية إلى الحكومة، وما ساد من تبعية هذه الحكومة للأحزاب الحريدية، تم إلغاء هذا القانون، وجرى سن قانون جديد يتيح تأجيل تجنيد المتدينين حتى العام 2023[14]. بيد أن المحكمة العليا ألغت القانون عام 2017 بسبب “انتهاكه مبدأ المساواة”، وأمهلت الحكومة عامًا واحدًا لتشريع قانون لا يمس بمبدأ المساواة في الخدمة العسكرية. ومنذ ذلك الحين، طالبت الحكومة بشكل متكرر من المحكمة العليا تمديد فترة تشريع القانون، رغم مجيء الموعد الأصلي الذي حدده القانون نفسه لانتهاء التسوية المؤقتة، وهو نهاية يونيو 2023[15].

وفي ضوء فشل حكومة نتنياهو في سن قانون ينظم تجنيد الحريديم، أصدرت المحكمة العليا في 26 فبراير 2024 أمرًا مؤقتًا يُلزم الحكومة بأن تشرح، حتى 31 مارس 2024، سبب عدم تجنيدها طلاب المعاهد الدينية الحريدية في الجيش الإسرائيلي. ثم طلب نتنياهو، في 27 مارس 2024، من المحكمة العليا منحه 30 يومًا لبلورة قانون بشأن تجنيد الحريديم في الجيش، بحيث لا تتخذ المحكمة قرارًا في خلال هذه الفترة. بيد أنها أصدرت، في 28 مارس 2024، أمرًا يلزم الحكومة بالتوقف في مطلع أبريل 2024 عن تقديم المخصصات المالية للمعاهد الدينية التي لا يتجند طلابها في الجيش[16].

وبعد مصادقة اللجنة الوزارية الإسرائيلية لشؤون التشريع منتصف مايو 2024 بالإجماع على مشروع قانون لإعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية الذي تقدم به نتنياهو لتجنيد اليهود “الحريديم”، فقد صوت الكنيست الإسرائيلي، في 11 يونيو 2024، لصالح مشروع القانون. وقد تم إحالة مشروع القانون إلى لجنة الخارجية والأمن لمزيد من المداولات والبحث والتصويت في القراءتين الثانية والثالثة، حتى يصبح قانونًا نافذًا. وقد صوت وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت ضد قانون التجنيد، بعد أن عبر في وقت سابق عن معارضته للقانون بصيغته الحالية، وأعلن أنه لن يؤيده دون اتفاق بين أقطاب الحكومة[17].

ولتقوم “محكمة العدل العليا” الإسرائيلية، في 25 يونيو 2024، بإصدار قرارًا بالإجماع يحث الحكومة على وجوب تجنيد طلبة المدارس اليهودية “الحريديم” في الجيش الإسرائيلي، وإيقاف وقف دعم ميزانيات المدارس الدينية في حال تهرب طلابها وعدم التزامهم بالالتحاق بالخدمة العسكرية[18]. وأوضحت المحكمة أنه في ظل عدم وجود قانون ينظم مسألة تجنيد الشبان الحريديم (طلاب المدارس الدينية) لتأدية الخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي، فإن أحكام “قانون الخدمة الأمنية” للعام 1986 تسري على كل من يكون الجيش معنيًا بتجنيده، ما يعني “إلزامية تجنيد جميع أبناء الـ 18 عامًا من اليهود والدروز الملزمين بالتجنيد قانونيًا، إلى جانب أفراد آخرين يبدون استعدادًا للتجنيد”[19]؛ وبالتالي تجنيد كل من وصل إلي سن ال18 عام من الحريديم.

وعلي أثر هذا القرار الأخير، فقد اندلعت اشتباكات بين شرطة الاحتلال والحريديم، في 30 يونيو 2024، خلال مظاهرة شارك فيها عشرات الآلاف منهم بالقدس؛ رفضًا لمحاولات تجنيدهم في الجيش[20]. وتصدرت شعارات مثل “نفضل الموت على الخدمة العسكرية” أو “نعم للسجن، لا للتجنيد” احتجاجات الحريديم ومظاهراتهم الرافضة لأي تعديل قانوني يتعلق بموقفهم من التجنيد، مع تلويح بعضهم بأن القرار يقود إلى تقسيم الكيان إلى دولتين، وأن المحكمة العليا تحولت إلي مؤسسة دكتاتورية، واستولت على السلطة من يد الحكومة المنتخبة، وتريد إشعال حرب دينية في الشوارع[21].

ويدور الخلاف المركزي الخاص بقضية تجنيد الحريديم في الجيش حول ثلاثة بنود: جيل الإعفاء من الخدمة العسكرية (السن الذي يستطيع فيه اليهودي المتدين ترك المدرسة الدينية والذهاب إلى الجيش أو العمل)، وحصص التجنيد السنوي، وميزانيات التعليم الديني المرتبط بالخدمة العسكرية. فقد حدد قانون عام 2015 جيل الإعفاء من الخدمة العسكرية بـ 26 عامًا، بمعنى أن القانون يعفي كل طالب يداوم على التعليم الديني من الخدمة حتى يصل إلى 26 عامًا، وبعدها يعفى نهائيًا من الخدمة. وعمليًا فإن الإعفاء من الخدمة العسكرية يعتمد على التزام الشاب الحريدي بالدراسة الدينية، وبعدها يحصل على إعفاء كامل من الخدمة العسكرية.

تقترح الحكومة أن يكون جيل الإعفاء أقل، ولكن ليس كما يطالب المنادون بتجنيد الحريديم، فقد تصل إلى تسوية يكون فيها حد الإعفاء بلوغ الـ 23 عامًا، وذلك من أجل تسهيل خروجهم إلى العمل. وهناك خلاف أيضًا حول عدد المتجندين الحريديم في كل عام، بدل دراستهم في المدارس الدينية. فالأحزاب الحريدية تريد حصصًا أقل، في حين ينادي المعارضون بحصص أكبر قد تصل إلى 2000 طالب متجند كل عام، وبحيث يتم زيادتها تدريجيًا. أما بالنسبة للميزانيات المخصصة للتعليم، فقد تقترح الحكومة الفصل بين تخصيص الميزانيات وحصص التجند للجيش من الحريديم، مما يعطيها مجالًا لزيادة هذه الحصص وتقليل جيل الإعفاء من الخدمة العسكرية، وهكذا يتم إرضاء الأحزاب الدينية[22].

ثانيًا: أسباب أزمة تجنيد الحريديم:

بناءً علي ما سبق؛ يمكن الوقوف علي مجموعة من الأسباب التي تقف خلف أزمة تجنيد الحريديم في إسرائيل، أبرزها:

1- مثلت مسألة تجنيد اليهود المتدينين المتزمتين “الحريديم” في الجيش نقطة خلاف مستمرة داخل المجتمع الإسرائيلي منذ عام 1948. وقد تفاقم هذا الخلاف في العقود الثلاثة الأخيرة بسبب ازدياد عدد اليهود الحريديم، وتعاظم عدد الشباب منهم الذين يجري إعفاؤهم من الخدمة الإلزامية في الجيش. ففي حين بلغ عدد من جرى إعفاؤهم من الخدمة الإلزامية وقت الاتفاق الذي أبرمه عام 1948 رئيس الحكومة ووزير الأمن حينها، دافيد بن غوريون، مع كبار حاخامات الحريديم، نحو 400 شاب من الحريديين الذين كانوا يدرسون في معاهد دينية يهودية (يشيفوت)، ارتفع عدد الحريديم الذين يعفون كل سنة من الخدمة الإلزامية تحت شعار “توراته مهنته” إلى أكثر من 12 ألف في دورة التجنيد لعام 2023، أي ما يعادل 16 في المئة من مجمل عدد الإسرائيليين الذين بلغوا سن الخدمة الإلزامية في الجيش في ذلك العام[23]. ووصل عدد الطلاب الحريديين المعفيين من الخدمة العسكرية في يونيو 2023، إلى نحو 63,000 طالب، وفقًا للإحصائيات الرسمية. وقد كان ازدياد هذا العدد بشكل مستمر، بما لا يتناسب مع نسبة الحريديم من بين مجموع السكان في إسرائيل (حوالي 14 بالمئة)[24].

2- الصراع الديني العلماني، والذي يدور حول مسألة المساواة في العبء، أو المساواة في الواجبات إلى جانب الحقوق. فتوجه العلمانيين ينطلق من أن هناك ظلمًا واقعًا عليهم، لأنهم من جهة يخدمون في الجيش، وهناك قانون يلزمهم بذلك، وفي نفس الوقت يحملون الاقتصاد الإسرائيلي على كاهلهم. في حين أن المتدينين الحريديم لا يخدمون في الجيش، ويعيشون على حساب دافع الضرائب دون أن يمارسوا عملًا، ولا حتى يتعلمون من أجل الانخراط في السوق، أو يخدمون في المؤسسة العسكرية. لذلك فالمطالبة بخدمة المتدينين تأتي في سياق الصراع الديني العلماني، وتشريع قانون يلزم المتدينين بالانخراط في الجيش والمساهمة في العبء العام. وينطلق التوجه العلماني في هذا الموضوع أيضًا من أن الانخراط في الجيش سوف يسهم في كسر البنية الاجتماعية المنغلقة للمجتمع المتدين، إذ سيمهد الجيش الطريق لهم للاندماج في سوق العمل وتأهيلهم لحياة مختلفة وأكثر إنتاجية. ولذلك يري الحريديم أن تجنيدهم يمثل “مؤامرة” علمانية لتغيير نمط الحياة الديني، من أجل تحويل الشباب المتدين إلى “إسرائيليين أكثر، وحريديم أقل”.

وإن كان هناك خلاف داخل التيار العلماني بين من يريد تجنيد شامل للحريديم في الجيش، وبين من يتحفظ على ذلك. حيث أن هناك تخوف من أن زيادة تجنيد المتدينين للجيش، وبالذات من الحريديم، سوف يعمق تدين المؤسسة العسكرية، التي تقوم بإجراءات كثيرة لملائمة الخدمة للمتدينين، والقائمة بسبب وجود الجنود المتدينين من تيار الصهيونية الدينية، والذي سيزداد مع وجود الحريديم الذين يعتبرون أكثر تزمتًا من أبناء الصهيونية الدينية[25].

3- لا تتعلق المسألة في قضية التجنيد/الإعفاء فحسب، بل في تمويل المؤسسات الدينية التعليمية؛ فعدم تشريع قانون بإعفاء المتدينين من الخدمة العسكرية لن يمكن الحكومة، من الناحية القانونية، من تخصيص ميزانيات للمدارس الدينية. فتمويل المؤسسات الدينية يتعلق بحصص التجنيد أو الإعفاء من الخدمة العسكرية بين صفوف طلابها، وتحصل المؤسسات الدينية على تمويل سنوي من الحكومة يصل إلى 550 مليون شيكل في صورة رواتب ودعم مقابل عدد المعفيين من الخدمة فيها. وبغياب قانون ينظم الإعفاء، فإن الحكومة لن تستطيع تمويل هذه المؤسسات، لأنه لن يكون هناك قانون ينظم مسألة الإعفاء من الخدمة العسكرية، وهو ما يعني غضب الأحزاب الدينية في الحكومة، وربما تهديدها بإسقاط الحكومة؛ فتمويل المؤسسات الدينية هي القضية المركزية التي تشارك لأجلها الأحزاب الدينية في الحكومة.

وتجدر الإشارة إلى أن الحكومة الحالية تضم أربعة أحزاب دينية: حزبان من التيار الديني الحريدي (شاس، ويهدوت هتوراه)، وحزبان من المتدينين القوميين (عظمة يهودية، وحزب الصهيونية الدينية). ويمس قانون التجنيد جمهور الحزبين الحريديين، شاس ويهدوت هتوراه، بورة خاصة[26].

4- معاناة الجيش الإسرائيلي من نقص في عدد الجنود؛ بسبب حربه المتواصلة في قطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023، وعملياته المكثفة بالضفة الغربية المحتلة، ومواجهاته مع “حزب الله” عبر حدود لبنان[27]. حيث استدعي الجيش الإسرائيلي ما يقارب 300 ألف جندي احتياط، وهو ما يمثل أكبر استدعاء لجنود الاحتياط، للقيام بالعملية البرية في قطاع غزة[28]، التي استمرت منذ ما يزيد عن تسعة أشهر متتالية، وما خلفته حتى الآن من خسائر بشرية فادحة في صفوف الجنود والضباط (نحو 30,000 بين قتيل وجريح لم يعودوا قادرين على مواصلة الخدمة العسكرية)[29].

وقد كشف وزير الجيش الإسرائيلي يوآف غالانت، خلال اجتماع لجنة الخارجية والدفاع في الكنيست الإسرائيلي في 1 يوليو 2024، أن “الجيش بحاجة إلى 10 آلاف جندي على الفور، وذلك بسبب مقتل 671 جنديًا منذ 7 أكتوبر الماضي، وإصابة حوالي 4000 جندي”. وقال غالانت: “يمكننا تجنيد 4800 من اليهود المتدينين”، قائلًا: “من الأفضل تمرير “لوائح” وليس “قانون تجنيد”. وبحسب وزير الجيش الإسرائيلي، فإن هناك جنود احتياط يخدمون منذ 200 يوم، وهناك استنزاف ملموس بينهم[30].

يأتي ذلك بينما تبين أن عدد الحريديم الذين تجندوا للجيش بعد السابع من أكتوبر وصل إلى 1100 حريدي، وذلك من بين 66 ألف وصلوا إلى جيل التجنيد في سنة التجنيد الأخيرة (2023). كما أنه في حين تعطلت الحياة المهنية والتعليمية لجنود الاحتياط، حيث تم استدعاء 100 ألف طالب جامعي إلى الخدمة، ما أدى إلى تعطيل الدراسة الجامعية، فإن التعليم الحريدي استمر كالمعتاد. والأهم من ذلك، ففي الموازنة المالية للعام 2024 التي أقرتها الحكومة على ضوء الحرب، فإنها لم تشمل تقليصات تذكر في الميزانيات المخصصة للتعليم الديني، في مقابل إدخال تقليصات كبيرة في باقي الوزارات الخدمية، وتحديدًا تقليص ميزانية وزارة التعليم فيما يتعلق بالتعليم الرسمي غير الديني[31].

5- من الملاحظ أن القرار صدر بإجماع تام من جانب هيئة المحكمة المؤلفة من تسعة قضاة. ومن هنا، يمكن اعتبار ذلك بمثابة رسالة شديدة الحدة والوضوح أرادت المحكمة توجيهها إلى الحكومة الإسرائيلية مفادها ما يلي: الحكومة، أيضًا، تخضع للقانون والقانون يسري عليها، ليس بإمكانها التصرف بما يخالف القانون ولا اتخاذ قرارات تناقض القانون حين يكون الأمر مناسبًا/ نافعًا لها من الناحية السياسية ـ الحزبية. وعليه، فإن قرارات الحكومة المتخذة خلافًا للقانون لاغية ولا صلاحية لها. وهو ما يندرج، عمليًا، في إطار محاولات هذه المحكمة التصدي لبرنامج “الإصلاح القضائي” الذي طرحته هذه الحكومة بعد فترة وجيزة من بدء دورتها الحالية، وهو البرنامج الذي كان يهدف إلي الحد بصورة كبيرة من صلاحيات المحكمة العليا[32].

جدير بالذكر أن الأحزاب الدينية تعارض تجنيد الطلبة المتدينين لعدة أسباب، يمكن حصرها في الآتي:

– أسباب أيديولوجية: حيث يري الحريديين في الحركة الصهيونية نقيضًا للأمر الإلهي في انتظار خلاص اليهود من خلال المسيح المخلص (مشيح)، واعتبرت أن الحركة الصهيونية وتأسيس دولة إسرائيل أمر يتناقض مع المعتقدات الدينية، لذلك قبلوا العيش فيها، والهجرة إليها بعد الكارثة اليهودية، باعتبار ذلك حالة منفى جديد، وبشروط تضمن نمط الحياة الحريدي وتؤمنه[33].

– أسباب دينية: نابعة من أن الهدف الأساسي لليهود ترميم عالم المدارس الدينية، الذي تدمر في أعقاب الكارثة اليهودية في أوروبا، لذلك فإن تعليم التوراة هو الهدف الأسمى لليهود وليس الخدمة العسكرية. والتخوف لديها أن تسهم الخدمة العسكرية لطلاب المدارس الدينية في إبعاد الشباب اليهودي عن تعليم التوراة والدين اليهودي. وينطلق هذا الموقف من أن التعليم الديني هو الذي يحمي شعب إسرائيل، لذلك فإن إيمان اليهودي وتعليمه للدين نوع من الخدمة، وعليه تمضية حياته فيها، وعدم إلهائه بأمور أخرى، ليس فقط بالخدمة العسكرية، بل بأي عمل آخر، وهو ما اصطلح عليه إسرائيليًا “إيمانهم هو خدمتهم”.

أسباب اجتماعية: تنطلق من خوف الأحزاب الدينية من أن يتسبب التجنيد للجيش في إنتاج تصدعات في نمط الحياة الخاص بالمجتمع الحريدي، إذ إن انكشافهم على العالم الخارجي، وعلى ثقافات أخرى في الجيش وفي المجتمع الإسرائيلي، من شأنها أن تهدد الخصوصية الثقافية التي تحافظ عليها المؤسسات الحريدية الدينية والسياسية عبر عزل الحريديم عن المجتمع الواسع. إذ يعيش الحريديم في “جيوب” جغرافية وثقافية منعزلة عن المجتمع الواسع، سواء في بلدات خاصة بهم (مثل مدينة بني براك)، أو أحياء منعزلة في المدن الكبرى (مثل حي “مائة شعاريم” في القدس). وتخشى الأحزاب الدينية من أن تجنيد الحريديم سيؤدي إلى هدم الأسوار الثقافية التي حافظت من خلالها على هوية المتدينين ونمط حياتهم في جيوبهم المعزولة عن العالم الخارجي.

– أسباب سياسية: تنطلق من مجمل الدوافع السابقة، فالأحزاب الدينية الحريدية تحاول أن تحافظ على تماسك قواعدها الانتخابية التي تعطيها القوة السياسية والتأثير في النظام السياسي الإسرائيلي. ولذا تثير الخدمة العسكرية قلق الأحزاب الدينية سياسيًا، إذ تسهم في صهينة المتدينين من جهة، وتدفعهم إلى البحث عن بدائل سياسية دينية وصهيونية من جهة ثانية[34].

ثالثًا: تأثير أزمة تجنيد الحريديم علي استمرار ائتلاف نتنياهو:

من المتوقع أن قرار المحكمة العليا بتجنيد الحريديم لن يؤدي فورًا إلى سقوط الائتلاف الحكومي برئاسة بنيامين نتنياهو، الذي يعتمد على الأحزاب الدينية عمومًا، والأحزاب الدينية الحريدية بشكل خاص، ولكنه قد يمثل بداية السقوط[35]. حيث ينشط في صفوف الحريديم حزبان أساسيان هما حزب “شاس” وحزب “يهدوت هتوراه”. ويركز حزب شاس نشاطه في صفوف الحريديم الشرقيين وغيرهم من اليهود الشرقيين التقليديين، وله 11 مقعدًا في الكنيست الحالي. أما حزب يهدوت هتوراه الذي تشكل من تحالف حزبي “أغودات يسرائيل” “وديغل هتوراه”، فيركز نشاطه في صفوف اليهود الحريديم الغربيين، وله سبعة مقاعد في الكنيست الحالي[36].

وقدتعرضت الاتفاقيات الائتلافية بين الليكود وحزب يهدوت هتوراة وحركة شاس الموقعة في ديسمبر 2022، إلى موضوع ترتيب مكانة طلاب المدارس الدينية الحريدية في إسرائيل. فقد أوضح البند 90 في الاتفاق مع يهدوت هتوراة، والبند 82 مع حركة شاس، أن على الحكومة تشريع قانون أساس تعليم التوراة حتى المصادقة على الموازنة العامة 2023. كما نص البند على تعديل قانون الخدمة العسكرية بعد المصادقة على الموازنة، بحيث يتم تسوية مكانة طلاب المدارس الدينية بموافقة جميع كتل الائتلاف الحكومي. وجاء في نص الاتفاق أن تشريع قانون الخدمة “جوهري بالنسبة لها (أي بالنسبة لقائمة يهدوت هتوراة) والذي يجب ترتيبه، ومن ناحيتها هو شرط لتشكيل الحكومة، ولأنها تعي أن الأمر يحتاج إلى إجراءات، فقد تم الاتفاق على أن تشريع قانون أساس تعليم التوراة، وتعديل قانون الخدمة العسكرية سينفذان حتى المصادقة على موازنة عام 2023”. وهو نفس الإعلان الذي جاء في الاتفاق مع حركة شاس.

تشير بنود الاتفاقيات الائتلافية مع حركة شاس ويهدوت هتوراة، إلى أنه كان يفترض تشريع قانون الخدمة العسكرية قبل إقرار الموازنة عام 2023، ولكن نجح نتنياهو في إقناعها بتأجيل ذلك لدورة الكنيست الشتوية في شهر أكتوبر، بسبب انغماس الحكومة في مشروع التغييرات الدستورية. لذلك تضغط الأحزاب الدينية على الحكومة لجعل تشريع القانون أول عمل تقوم به الحكومة في الدورة المقبلة، وقد أعلن حزب يهدوت هتوراة أنه لن يصوت مع الحكومة على أي قانون لها قبل تشريع قانون الخدمة العسكرية للمتدينين. ولكن لا تزال هناك عدة صعوبات تعرقل سن القانون وتهدد من ثم ائتلاف نتنياهو، منها:

1- رفض قيادات الجيش (خاصة وزير الدفاع غالانت) بسن قانون يستثني الحريديم من الخدمة العسكرية؛ لإدراكه تداعيات ذلك على المؤسسة العسكرية الإسرائيلية من الناحية الاجتماعية، وخوفه من أن إعفاء الحريديم من خلال تشريع قانون في الكنيست قد يؤثر على مستوى تجنيد شرائح أخرى في المجتمع الإسرائيلي، الذين ربما يمتنعون عن التجنيد، أو تنخفض لديهم الدافعية لذلك بسبب إعفاء الحريديم[37].

وبالتالي، ففي حالة عدم سن قانون خاص بتجنيد الحريديم، وفي ظل قرار المحكمة العليا، في 25 يونيو 2024، بضروة تجنيدهم، فسيزداد الضغط على وزير الأمن يوآف غالانت وعلى المؤسسة العسكرية للشروع في تجنيد طلاب المعاهد الدينية الحريدية. وإذا ما قام الجيش باستدعاء الطلاب الحريديم للخدمة العسكرية الإلزامية وشرع في فرضها عليهم، أو على نحو 40 في المئة (نحو 5200) من مجموع الحريديم الذين يبلغون سن الخدمة العسكرية (وصل مجمل عددهم عام 2023 إلى نحو 13000)، كما يطالب الجيش، فإن ذلك سيقود إلى خروج حزبي يهدوت هتوراه وشاس اللذين يعارضان الاستجابة إلى مطالب المحكمة العليا فيما يخص قانون تجنيد الحريديم، من الائتلاف الحكومي، الأمر الذي يقود إلى سقوط الحكومة.

2- من الصعب التوصل إلى صيغة متفق عليها لقانون تجنيد الحريديم في داخل ائتلاف نتنياهو الحكومي تحظى بتأييد أغلبية في الكنيست[38]؛ فهناك خلاف أساسي بين الليكود والأحزاب الدينية يدور حول العدد الذي يجب تجنيده كل عام من المدارس الدينية. فالأحزاب الدينية تطالب بمنح الحق بالإعفاء لكل طالب يعلن أنه يريد التعليم، في حين أن الليكود يريد تحديد عدد من المتجندين لكل عام من المدارس الدينية[39].

3- تقف أحزاب المعارضة في الكنيست ضد سن أي صيغة لقانون تجنيد الحريديم تتعارض مع متطلبات المحكمة العليا في هذا الشأن. وتسعى هذه الأحزاب إلى إسقاط الحكومة وإجراء انتخابات مبكرة في أسرع وقت ممكن؛ لذلك فهي تستثمر في هذه الأزمة وتتشدد في معارضتها لهذا القانون[40].

4- إن تشريع القانون سوف يزيد من الاحتجاج ضد الحكومة حتى في أوساط يمينية علمانية، لأن معناه سيكون أن على الدولة تمويل المدارس الدينية بدون مقابل، فهؤلاء الطلبة يقضون حياتهم كلها بالمدارس الدينية ويحصلون على مخصصات مالية من الدولة جراء ذلك.

وعليه؛ تتبدا المعضلة الأساسية لهذا القانون في تضييقه خيارات نتنياهو السياسية؛ فإما يقبل الخضوع للأحزاب الدينية ويدفع نحو تشريع قانون حسب مقاسهم، مخاطرًا بزيادة الاحتجاج والانقسام في إسرائيل؛ أو يرفض ذلك، ما يهدد بقاء حكومته[41].

وفي المقابل، وبحسب ما يتداول من تقارير عبرية، فإن الأحزاب الدينية داخل ائتلاف نتنياهو غير مهتمة بحل الكنيست وإجراء الانتخابات في الأشهر المقبلة، ويرجع ذلك إلى الانطباع السائد لديهم بأنه لا توجد إمكانية حاليًا لحكومة أخرى لتمرير القوانين التي تهمهم. وبالتالي من المتوقع أن تستمر هذه الأحزاب داخل الائتلاف الحكومي من أجل ضمان توفير إطار قانوني مضاد لقرار المحكمة العليا بشأن تجنيد الحريديم بشكل عاجل، وقد يتحقق ذلك من خلال تسريع إجراءات مسودة قانون التجنيد التي تم تمريرها بالقراءة الأولى من أجل تمريرها بالقراءة الثانية والثالثة والوصول إلى صيغة توافقية تكون أقل حدة من القرار الراهن بالتجنيد الإلزامي.

وفي هذا الإطار يمكن الإشارة أيضًا أن استمرار الأحزاب الأرثوذكسية في الائتلاف سيمكنها من التعامل مع قرار المحكمة العليا في الوقت الحالي، من خلال الضغط على رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو للضغط على المؤسسة العسكرية لتطبيق القرار على نطاق محدود، خاصة وأن المحكمة تركت لها السلطة التقديرية فيما يتعلق بالطريقة التي سيتم بها تطبيق القانون، ولم يحدد القضاة نطاق التجنيد الضروري[42].

ومن المرجح أن يتم تدارك هذه الأزمة عبر تنفيذ قرار المحكمة دون الوصول إلي مواجهة مباشرة مع المجتمع الأرثوذكسي المتطرف وقيادته، وذلك من خلال:

1- الاكتفاء بتجنيد عدد محدود من الحريديم. فبحسب قراءات لمحللين، فقد أبقت المحكمة العليا على ثغرة تجيز للجيش الإسرائيلي اتخاذ القرار بشأن حجم التجنيد بصفوف طلاب المدارس اليهودية من المتشددين، حيث أجازت فقط التجنيد المحدود ولم تلزم بفرض الخدمة العسكرية الشاملة، استنادًا إلى حقيقة أن القضاة قرروا على وجه التحديد عدم إعطاء تعليمات بشأن نطاق التجنيد.

وفي محاولة منه لتجنب تفاقم الأزمة، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه قادر على تجنيد حوالي ثلاثة آلاف من اليهود المتشددين بحلول نهاية عام 2024. وفي هذا السياق، قال مراسل الشؤون العسكرية إن الجيش الإسرائيلي تلقى تعليمات من وزير الدفاع يوآف غالانت، بالعمل على تجنيد الحريديم، ولكن بطريقة تدريجية وليس تحت الإكراه[43].

وربما يكون قد حدث نوع من المساومة بين نتنياهو وغالانت بأن تستمر الحرب لفترة أطول في غزة في ظل قناعة عسكرية بعدم جدوي استمرارها، وأن استمرارها فقط لمصلحة نتنياهو وحكومته المتطرفة، وبين موافقة نتنياهو علي تجنيد مزيد من الحريديم.

2- تجنب تجنيد الشباب في المدارس الدينية النخبوية الذين يمثلون “قرة عين” المجتمع الأرثوذكسي المتطرف. والاكتفاء بتجنيد الفئات الدنيا والقطاعات الأكثر هامشية من طلاب المدارس الدينية؛ أي الشباب من مجتمع الحريديم الحديث وأولئك الذين يرتادون المدارس الدينية المتسربة، وهي مؤسسات أنشأها المجتمع الحريدي لتوفير بيئة أرثوذكسية ملتزمة للشباب الذين لا يهتمون بصرامة الدراسة التلمودية الدائمة. وبحسب أرقام معهد الديمقراطية الإسرائيلي، فإن مجتمع “الحريديم الحديث”، يشكل ما بين 11% إلى 15% من الجمهور الأرثوذكسي المتطرف[44].

3- يقترح الجيش على الحريديم خدمة عسكرية في مسارات خاصة تحافظ على الخصوصية الثقافية والدينية للجنود المتدينين، فعلى سبيل المثال هنالك مسار يسمى “حيرب” (أي: سيف)، خصص لانضمام الحريديم للوحدات القتالية، بطريقة تضمن لهم الحفاظ على خصوصيتهم الدينية[45].

4- أنهت الحكومة الإسرائيلية إعداد مقترح قانون جديد حول الخدمة الإلزامية عمومًا، يوازي قانون تجنيد المتدينين، وتضمن القانون الجديد، الذي سيصوت عليه في الدورة المقبلة للكنيست، تحديد مدة الخدمة العسكرية بـ 32 شهرًا، وإعطاء وزير الدفاع صلاحية تقليص هذه المدة في بعض الوظائف والوحدات، على ألا تكون أقل من 24 شهرًا. علاوة على ذلك، فإن المقترح الجديد يعطي زيادة مالية للجنود بعد الشهر الـ 25، إضافة للمدخول المالي العادي للمتجندين. ويهدف هذا القانون إلى إرضاء المتجندين غير المتدينين، من خلال تقصير مدة خدمتهم (ثلاث سنوات سابقًا)، ومنحهم علاوات مالية. ويعمل نتنياهو على تشريع قانون لا يعفي المتدينين من الخدمة العسكرية بصورة مطلقة، وفي نفس الوقت يكون تنفيذه مرهونًا بإجراءات بيروقراطية معقدة تعطي المجال للمتدينين بعدم الخدمة العسكرية إلا بأعداد قليلة كل عام[46].

ختامًا: يبذل رئيس الحكومة نتنياهو جهدًا كبيرًا ليحافظ على ائتلافه الحكومي أطول فترة ممكنة، أملًا منه في تحسين شعبيته وشعبية حزبه ومعسكره، قبل أن يضطر إلى تقديم انتخابات الكنيست. ويبدو أن تراكم العوامل والضغوط المتعددة سيؤدي في الشهور القليلة القادمة إلى تقديم موعد الانتخابات. فتأجيل المشاكل التي يواجهها ائتلاف نتنياهو الحكومي بذريعة استمرار الحرب، وفي مقدمها الفشل في 7 أكتوبر، والإخفاق في تحقيق أهداف حرب الإبادة على الفلسطينيين في غزة، وإطلاق سراح المحتجزين الإسرائيليين، وتوتر العلاقات مع الإدارة الأميركية، وازدياد الاحتجاجات الشعبية، وتوتر العلاقات بين نتنياهو والمؤسسة العسكرية والأمنية، لا يحلها. وفي هذا السياق يأتي قرار المحكمة العليا فرض تجنيد اليهود الحريديم، ليزيد من عمق التحديات التي يواجهها ائتلاف نتنياهو الحكومي[47].


[1] ” المحكمة العليا الإسرائيلية تقر تجنيد الحريديم”، الجزيرة نت، 25/6/2024، الرابط: https://tinyurl.com/yk2x4dr3

[2] “أزمة إعفاء الشبان الحريديم من الخدمة العسكرية في صفوف الجيش الإسرائيلي تبلغ أخطر مراحلها منذ تأسيس الدولة: ما كان قبل 7 أكتوبر ليس كما بعده!”، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار)، 24/6/2024، الرابط: https://tinyurl.com/bdezau4u

[3] ” المحكمة العليا الإسرائيلية تقر تجنيد الحريديم”، مرجع سابق.

[4] “سِجال الدين والسياسة في إسرائيل: قانون تجنيد المتدينين الحريديم في الجيش وتداعياته الداخلية”، مركز الإمارات للسياسات، 31/8/2023، الرابط: https://tinyurl.com/5es2hfu2

[5] المرجع السابق.

[6] “تجنيد الحريديم في إسرائيل: الأزمة القديمة الجديدة”، مركز الدراسات الاستراتيجية وتنمية القيم، 14/3/2024، الرابط: https://tinyurl.com/4pbc7sjb  

[7] “أزمة تجنيد الحريديم ومستقبل ائتلاف حكومة نتنياهو”، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 21/4/2024، الرابط: https://tinyurl.com/5ce78322

[8] “سِجال الدين والسياسة في إسرائيل: قانون تجنيد المتدينين الحريديم في الجيش وتداعياته الداخلية”، مرجع سابق.

[9] ““تجنيد الحريديم”: إشكالية إسرائيلية قديمة تتجدد بفعل الحرب”، المرصد المصري، 7/3/2024، الرابط: https://tinyurl.com/bdhtzmnf

[10] “أزمة تجنيد الحريديم ومستقبل ائتلاف حكومة نتنياهو”، مرجع سابق.

[11] “سِجال الدين والسياسة في إسرائيل: قانون تجنيد المتدينين الحريديم في الجيش وتداعياته الداخلية”، مرجع سابق.

[12] ““تجنيد الحريديم”: إشكالية إسرائيلية قديمة تتجدد بفعل الحرب”، مرجع سابق.

[13] “سِجال الدين والسياسة في إسرائيل: قانون تجنيد المتدينين الحريديم في الجيش وتداعياته الداخلية”، مرجع سابق.

[14] ““تجنيد الحريديم”: إشكالية إسرائيلية قديمة تتجدد بفعل الحرب”، مرجع سابق.

[15] “معضلة الحريديم: قانون تجنيد المتديّنين اليهود ومستقبل الحكومة الإسرائيلية”، مركز الإمارات للسياسات، 13/3/2024، الرابط: https://tinyurl.com/4nrjnukt

[16] “أزمة تجنيد الحريديم ومستقبل ائتلاف حكومة نتنياهو”، مرجع سابق. 

[17] ” الكنيست يمرر قانونا يعفي الحريديم من التجنيد ووزير الدفاع يصوت بالرفض”، الجزيرة نت، 11/6/2024، الرابط: https://tinyurl.com/3mnrywfn

[18] “بعد عاصفة من الجدل..القضاء الإسرائيلي يقر قانوناً يقضي بتجنيد اليهود الأرثوذوكس”، مونت كارلو الدولية، 25/6/2024، الرابط: https://tinyurl.com/274x7zye

[19] “المحكمة العليا تُلزم بتجنيد الشبان اليهود الحريديم: “قرار تاريخي ودراماتيكي” يُفاقِم الأزمة الاجتماعية والسياسية ـ الحزبية في إسرائيل”، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار)، 1/7/2024، الرابط: https://tinyurl.com/55zwexvm

[20] ” القدس.. احتجاجات “المتشددين” تتحول إلى أعمال عنف”، سكاي نيوز عربية، 30/6/2024، الرابط: https://tinyurl.com/4a6a5bkd  

[21] “المحكمة الإسرائيلية العُليا والحريديم… الجميع خاسر”، العربي الجديد، 1/7/2024، الرابط: https://tinyurl.com/4rzk72xn

[22] “معضلة الحريديم: قانون تجنيد المتديّنين اليهود ومستقبل الحكومة الإسرائيلية”، مرجع سابق.

[23] “أزمة تجنيد الحريديم ومستقبل ائتلاف حكومة نتنياهو”، مرجع سابق. 

[24] “المحكمة العليا تُلزم بتجنيد الشبان اليهود الحريديم: “قرار تاريخي ودراماتيكي” يُفاقِم الأزمة الاجتماعية والسياسية ـ الحزبية في إسرائيل”، مرجع سابق.

[25] “سِجال الدين والسياسة في إسرائيل: قانون تجنيد المتدينين الحريديم في الجيش وتداعياته الداخلية”، مرجع سابق.

[26] “معضلة الحريديم: قانون تجنيد المتديّنين اليهود ومستقبل الحكومة الإسرائيلية”، مرجع سابق.

[27] “قرار تجنيد الحريديم.. هل يطيح بحكومة نتنياهو؟”، الأناضول، 26/6/2024، الرابط: https://tinyurl.com/4vse4r5u

[28] “معضلة الحريديم: قانون تجنيد المتديّنين اليهود ومستقبل الحكومة الإسرائيلية”، مرجع سابق.

[29] “المحكمة العليا تُلزم بتجنيد الشبان اليهود الحريديم: “قرار تاريخي ودراماتيكي” يُفاقِم الأزمة الاجتماعية والسياسية ـ الحزبية في إسرائيل”، مرجع سابق.

[30] ““يمكننا تجنيد الحريديم”.. غالانت: الجيش بحاجة إلى 10 آلاف جندي إضافي وهناك استنزاف بقواتنا”، عربي بوست، 1/7/2024، الرابط: https://tinyurl.com/5n8mecy8  

[31] “معضلة الحريديم: قانون تجنيد المتديّنين اليهود ومستقبل الحكومة الإسرائيلية”، مرجع سابق.

[32] “المحكمة العليا تُلزم بتجنيد الشبان اليهود الحريديم: “قرار تاريخي ودراماتيكي” يُفاقِم الأزمة الاجتماعية والسياسية ـ الحزبية في إسرائيل”، مرجع سابق.

[33] “معضلة الحريديم: قانون تجنيد المتديّنين اليهود ومستقبل الحكومة الإسرائيلية”، مرجع سابق.

[34] “سِجال الدين والسياسة في إسرائيل: قانون تجنيد المتدينين الحريديم في الجيش وتداعياته الداخلية”، مرجع سابق.

[35] “قرار تجنيد الحريديم.. هل يطيح بحكومة نتنياهو؟”، مرجع سابق.

[36] “أزمة تجنيد الحريديم ومستقبل ائتلاف حكومة نتنياهو”، مرجع سابق. 

[37] “سِجال الدين والسياسة في إسرائيل: قانون تجنيد المتدينين الحريديم في الجيش وتداعياته الداخلية”، مرجع سابق.

[38] “أزمة تجنيد الحريديم ومستقبل ائتلاف حكومة نتنياهو”، مرجع سابق.

[39] “سِجال الدين والسياسة في إسرائيل: قانون تجنيد المتدينين الحريديم في الجيش وتداعياته الداخلية”، مرجع سابق.

[40] “أزمة تجنيد الحريديم ومستقبل ائتلاف حكومة نتنياهو”، مرجع سابق. 

[41] “سِجال الدين والسياسة في إسرائيل: قانون تجنيد المتدينين الحريديم في الجيش وتداعياته الداخلية”، مرجع سابق.

[42] “قرار المحكمة العليا الإسرائيلية بتجنيد الحريديم .. الائتلاف إلى أين؟”، المرصد المصري، 26/6/2024، الرابط: https://tinyurl.com/mr36c3ab

[43] ” هل يهدد قرار المحكمة العليا بتجنيد الحريديم ائتلاف حكومة نتنياهو؟”، الجزيرة نت، 25/6/2024، الرابط: https://tinyurl.com/5e6cskff

[44] “محاذير إسرائيلية من تجنيد الحريديم في جيش الاحتلال”، الجزيرة نت، 1/7/2024، الرابط: https://tinyurl.com/5n7jr3wv

[45] “سِجال الدين والسياسة في إسرائيل: قانون تجنيد المتدينين الحريديم في الجيش وتداعياته الداخلية”، مرجع سابق.

[46] المرجع السابق.

[47] “أزمة تجنيد الحريديم ومستقبل ائتلاف حكومة نتنياهو”، مرجع سابق. 

Editor P.S.

كاتب ومدون

جميع المشاركات

المنشورات ذات الصلة

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأكثر قراءة

اتبعنا

التصنيفات

آخر المقالات

Edit Template

رؤية تحليلية للأخبار السياسية والاقتصادية في العالم العربي والإسلامي والعالمي، ودراسات استراتيجية للوضع السياسي المحلي والإقليمي والعالمي

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا لتلقي التحديثات على البريد الإلكتروني الخاص بك

You have been successfully Subscribed! Ops! Something went wrong, please try again.

جميع الحقوق محفوظة لرؤية للتخطيط والدراسات الاستراتيجية ©2022