Deprecated: Required parameter $code follows optional parameter $content in /home2/politicalstreet/public_html/wp-content/plugins/bdaia-shortcodes/inc/lists.php on line 6

Deprecated: Required parameter $code follows optional parameter $content in /home2/politicalstreet/public_html/wp-content/plugins/bdaia-shortcodes/inc/quote.php on line 6

Deprecated: Required parameter $code follows optional parameter $content in /home2/politicalstreet/public_html/wp-content/plugins/bdaia-shortcodes/inc/btn.php on line 6

Deprecated: Required parameter $code follows optional parameter $content in /home2/politicalstreet/public_html/wp-content/plugins/bdaia-shortcodes/inc/tabs.php on line 6

Deprecated: Required parameter $code follows optional parameter $content in /home2/politicalstreet/public_html/wp-content/plugins/bdaia-shortcodes/inc/tabs.php on line 19

Deprecated: Required parameter $code follows optional parameter $content in /home2/politicalstreet/public_html/wp-content/plugins/bdaia-shortcodes/inc/tabs.php on line 25

Deprecated: Required parameter $code follows optional parameter $content in /home2/politicalstreet/public_html/wp-content/plugins/bdaia-shortcodes/inc/tabs.php on line 31

Deprecated: Required parameter $code follows optional parameter $content in /home2/politicalstreet/public_html/wp-content/plugins/bdaia-shortcodes/inc/toggle.php on line 6

Deprecated: Required parameter $code follows optional parameter $content in /home2/politicalstreet/public_html/wp-content/plugins/bdaia-shortcodes/inc/flip.php on line 6
ليبيا – الشارع السياسي https://politicalstreet.org الشارع السياسي موقع يهتم بأخبار السياسة في العالم العربي Mon, 10 Oct 2022 12:28:37 +0000 ar hourly 1 https://politicalstreet.org/wp-content/uploads/2021/05/cropped-logo-32x32.jpg ليبيا – الشارع السياسي https://politicalstreet.org 32 32 اتفاقية التنقيب عن الطاقة بين تركيا وليبيا.. بين الدوافع التركية والاعتراضات المصرية https://politicalstreet.org/5518/?utm_source=rss&utm_medium=rss&utm_campaign=%25d8%25a7%25d8%25aa%25d9%2581%25d8%25a7%25d9%2582%25d9%258a%25d8%25a9-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25aa%25d9%2586%25d9%2582%25d9%258a%25d8%25a8-%25d8%25b9%25d9%2586-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25b7%25d8%25a7%25d9%2582%25d8%25a9-%25d8%25a8%25d9%258a%25d9%2586-%25d8%25aa%25d8%25b1%25d9%2583%25d9%258a%25d8%25a7-%25d9%2588%25d9%2584 https://politicalstreet.org/5518/#respond Mon, 10 Oct 2022 12:28:37 +0000 https://politicalstreet.org/?p=5518 أبرمت الحكومة التركية وحكومة الوحدة الوطنية الليبية برئاسة عبد الحميد الدبيبة عددًا من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم في مجال التنقيب عن النفط والغاز، على هامش الزيارة التي قام بها وفد تركي، في 3 أكتوبر 2022، إلى طرابلس، ضم وزير الخارجية مولود تشاويش أوغلو ووزير الطاقة والموارد الطبيعية فاتح دونماز ووزير الدفاع خلوصي أكار ورئيس الأركان العامّة ياشار غولر ووزير التجارة محمد موش ورئيس دائرة الاتصال برئاسة الجمهورية فخر الدين ألطون ومتحدث الرئاسة السفير إبراهيم قالن، وسط تأكيد ممثلي الحكومتين على المضي قدمًا في ترجمتها إلى إجراءات وممارسات من شأنها تعزيز التعاون بين البلدين في شتى المجالات[1].

وفي حين أنه لم يتم الإعلان عن بنود تلك الاتفاقية، فقد تسربت بعض المواد التي تحمل في طياتها التزامًا دائمًا بين ليبيا وتركيا فيما يتعلق بالتنقيب عن الغاز والنفط؛ إذ تتضمن هذه المواد شمول الأنشطة المتفق عليها الاستكشاف والإنتاج والنقل والتكرير وتوزيع وتجارة النفط والغاز والبتروكيماويات، بجانب تعهد ليبيا بضمان دعوة مؤسستها الوطنية للنفط نظيرتها التركية وشركائها للمشاركة في المشاريع البرية والبحرية المتعلقة بالتنقيب عن النفط[2].

 

أولًا: أهداف تركيا من خلف هذه الاتفاقية:

تعد مذكرة التنقيب تلك هي الأولى من نوعها منذ توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا في البحر المتوسط والمبرمة بين الحكومة التركية وحكومة الوفاق السابقة برئاسة فايز السراج، في 27 نوفمبر 2019. وقد هدفت تركيا من خلف هذه الاتفاقيات إلي تحقيق عدة أهداف يمكن الإشارة إلي أبرزها كما يلي:

1- حل الكثــير مــن المشــكلات الاقتصاديــة الداخليــة في تركيــا، حيــث تــأتي ليبيــا في المرتبــة الخامســة عالميًا من حيث حجــم الاحتيــاطي النفطــي، وهــو مــا يقــدره الخــبراء بنحــو 74 مليار برميل خام عالي الجودة.

كما كانت ليبيا هي المنتج الثاني للنفط في القارة الأفريقية، وصاحبة أكبر احتياطي نفط في القارة قاطبة ( 34 مليار برميل)، فيما بلغ احتياطيها من الغاز ما يقارب 54.6 ترليون قدم مكعبة، يضعها في المرتبة الـ21 عالميًا من احتياطيات الغاز.

في المقابل تعتمد تركيا على الاستيراد بنسبة 95% لسد احتياجاتها من الطاقة، ومن خلال الاتفاقيات مع الحكومة الليبية في مجال النفط والغاز تكون تركيا قد حصلت علي مورد دائم ومتجدد لسد احتياجاتها من الطاقة[3].

جدير بالذكر هنا، أن قرابة 40% من المواقع المحتمل ظهور النفط بها في ليبيا توجد في المنطقة التي سيتم تفعيل اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين البلدين بها كما أشار وزير النفط والغاز الليبي محمد عون، في تصريحات صحفية له.

وربما يرجع تحرك أنقرة لتوقيع الاتفاقية الأخيرة مع حكومة الدبيبة إلي محاولتها ضمان حصتها في سوق الطاقة الليبية خاصة بعد الاتفاقات التي أبرمتها وما زالت تبرمها شركات النفط الأوروبية خاصة شركتي إيني الإيطالية وتوتال الفرنسية ومعهما عدد من الشركات الأخرى للتنقيب عن الغاز والنفط داخل ليبيا، فقد كشفت الآونة الأخيرة عن تفاهمات بين حكومات تلك الشركات بشأن الحصول على النصيب الأكبر من كعكة النفط الليبي، وهو ما أقلق الجانب التركي بشكل كبير ودفعه للتحرك في هذا المسار[4].

2- تسعي تركيا من خلف تلك الاتفاقيات إلي إحباط المحاولات الدولية لمحاولة عزلها في منطقة شرق المتوسط التـي تشـمل لبنـان، إسـرائيل، واليونـان، وقبـرص، وتركيـا، وسـوريا، ومصـر، ومنعها من الاستفادة من ثروات الغاز المكتشفة في تلك المنطقة التي تسـبح فـوق خـزان مـن الغـاز يصـل إلـى 122 تريليـون قدم مكعب، وفقًا لتقديرات هيئـة المسـح الجيولوجـي الأمريكيـة في عام 2010 [5].

وتعمل تركيا علي إحباط تلك المحاولات مــن خــلال الضغــط على تجمعــين مــن الدول بهــا؛ أولاهمــا: تجمــع مــصري، وهــو منتــدى غــاز شرق المتوسط، وثانيهمــا: التعــاون الإسرائيــلي القــبرصي اليونــاني.

وتحــاول تركيــا حاليًا الضغط علي هذيــن التجمعــين لإدخــالها في معادلة غاز شرق المتوسط. وبذلــك، مــن وجهــة نظــر تركيــا، ســيكون لديهــا أوراق ضغــط اقتصاديــة على أوروبــا مــن خــلال توريــد الغــاز والبــترول[6].

3- يبدو أن أنقرة لا تسعي فقط إلي حل مشكلة الطاقة التي تعاني منها عبر استيراد الغاز الليبي، ولكنها تسعي أيضًا إلي أن تكون جزء من مشاريع نقل الغاز الأفريقي إلي أوروبا.

وفي هذا السياق، فهناك مشروع لنقل غاز نيجيريا إلي أوروبا عبر الأراضي الليبية، وهو المشروع الذي تم الإعلان عنه في 16 يونيو الماضي، عندما كشف المتحدث باسم حكومة الوحدة الليبية محمد حمودة، في مؤتمر صحفي، أن الحكومة “منحت الإذن لوزارة النفط والغاز، لإجراء الدراسات الفنية والاقتصادية لجدوى إنشاء مشروع أنبوب غاز من نيجيريا عبر النيجر أو تشاد إلى أوروبا عبر ليبيا”.

وقد أعلن وزير النفط والغاز محمد عون، في 25 سبتمبر الماضي في مؤتمر صحفي بطرابلس، عن أن وزارته قدمت دراسة لحكومة الوحدة الليبية بشأن خط الغاز النيجيري المقترح إلى أوروبا.

وحسمت الدراسة الأولية لصالح عبور الأنبوب من النيجر بدل تشاد، وأوضح الوزير الليبي في تصريح صحفي أنه ستجرى دراسة معمقة في غضون ستة أشهر.

وبدأت بين مسؤولين ليبيين ونيجيريين مباحثات استكشافية حول جدوى هذا المشروع، على هامش اجتماع “منظمة منتجي البترول الأفارقة” (APPO) في سبتمبر، والتي تضم 16 دولة، من إجمالي 55 عضو في الاتحاد الإفريقي.

ورغم الأوضاع الأمنية غير المستقرة التي تعاني منها ليبيا، إلا أنها تراهن على ميزة أفضلية مرور أنبوب نقل غاز نيجيريا عبرها نحو أوروبا. وهذه الأفضلية تتمثل في أن المسافة بين آبار الغاز في نيجيريا نحو الأسواق الأوروبية تقل بألف كلم على الأقل، بحسب وزير النفط الليبي محمد عون، مقارنة بمشروعي أنبوبي الغاز المارين عبر الأراضي الجزائرية أو المغربية.

وقِصر المسافة بألف كلم على الأقل، تقلل تكلفة المشروع، ومدة الإنجاز، وسعر الغاز النهائي؛ وتجعله أكثر جدوى[7].

 

ثانيًا: أسباب اعتراض القاهرة علي هذه الاتفاقية:

قبل التطرق إلي الأسباب التي تقف خلف اعتراض القاهرة علي هذه الاتفاقية، من المهم الإشارة إلي أن تركيا لا تستهدف مصر من خلال اتفاقياتها مع ليبيا فيما يتعلق بالطاقة، وهو ما يمكن تلمسه في:

أولًا؛ أن تلك الاتفاقيات تستهدف اليونان بصورة رئيسية، خاصة وأنها تتفق مع الرؤية التركية التى ترفض أن يتم ترسيم الحدود البحرية أو تحديد المناطق الاقتصادية الخالصة من خلال تطبيق معاهدة الأمم المتحدة لقانون البحار.

حيث ترى أنقرة أنه من غير المنطقي أن تحصل بعض الجزر اليونانية على مساحة جرف قاري ومنطقة اقتصادية تعادل أضعاف مساحتها، فى حين يتم حصر تركيا بمساحتها البالغة أكثر من 800 ألف كيلومتر وشواطئها الطويلة على البحر المتوسط في مساحة اقتصادية بَحرية محدودة كما تريد اليونان وكما ينص قانون البحار.

وعليه تنادى تركيا بالاستناد إلى التوجهات الأخرى في القانون الدولي التى تحدد حدود المناطق الاقتصادية بناء على المسافة من البر الرئيسي وليس الجزر، وهو ما تستند إليه في اتفاقياتها مع ليبيا[8].

جدير بالذكر هنا، أن الاتفاقية التركية الأخيرة مع حكومة الدبيبة تأتي في الوقت التي عادت فيها التوترات بين أنقرة وأثينا بسبب الخلاف حول وضع جزر بحر إيجة علي خلفية نقل اليونان مدرعات منحتها لها الولايات المتحدة الأمريكية إلى جزيرتي مدللي (لسبوس) وسيسام (ساموس) في بحر إيجه يومي 18 و21 في سبتمبر الماضي، والتي يفترض أن تكونا منزوعتَيْ السلاح وفق اتفاقيتَيْ لوزان 1923 وباريس للسلام 1947[9].

ثانيًا؛ حرص الخارجية التركية علي عدم التطرق إلي اسم مصر عندما انتقدت الدول التي اعترضت علي مذكرة التفاهم الأخيرة في مجال الموارد الهيدروكربونية بين تركيا وليبيا، واقتصر انتقادها علي الاتحاد الأوروبي واليونان[10].

ثالثًا؛ أن الاتفاقية تأتي في وقت تشهد فيه العلاقات بين مصر وتركيا تحسنًا ملحوظًا خصوصًا في مجالات الطاقة. فقد كشف تقرير للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المصري، صدر في 26 سبتمبر 2022، أن تركيا تتصدر قائمة دول العالم المستوردة للغاز الطبيعي من مصر بما قيمته 1.1 مليار دولار[11].

رابًعا، إن اتفاقية ترسيم الحدود البحرية التى وقعتها تركيا مع حكومة الوفاق الليبية في نوفمبر 2019، تعطى مجموعة كبيرة من الامتيازات للقاهرة، تتمثل فى: أنها تضيف لحدود مصر البحرية الاقتصادية منطقة تقدر مساحتها بـ 35 ألف كيلومتر مربع، بخلاف ما يفترضه التصور اليوناني-القبرصي. الذي ينتزع تلك المنطقة لصالح اليونان.

كما أنه إذا دخل خط “ميد إيست” حيز التنفيذ والمزمع إنشائه بين إسرائيل واليونان وقبرص، سيعني خسارة مصر لدورها المستقبلي كمنصة إقليمية لتصدير الغاز الطبيعي في شرق المتوسط، وبالتالي ليس من مصلحة مصر إنشاء وإنجاز هذا الخط.

وأي ترسيم حدود بحري يقطع الطريق على الخط، ويعيق إنشاء هذا المشروع يتماشى بشكل مباشر مع المصلحة المصرية، ويعضد آمالها في أن تصبح المنصة الرئيسية في شرق المتوسط لنقل وتصدير الغاز المسال إلى أوروبا، وهو ما يكفله أيضا اتفاق الترسيم التركي مع حكومة الوفاق[12].

ولكن مع ذلك، فإن القاهرة تصر علي رفض تلك الاتفاقيات بين تركيا وليبيا، فقد قالت وزارة الخارجية المصرية في بيان، في 3 أكتوبر الحالي، إن الوزير سامح شكري ونظيره اليوناني نيكوس ديندياس، قالا إن: “حكومة الوحدة المنتهية ولايتها لا تملك صلاحية إبرام اتفاقات دولية أو مذكرات تفاهم”.

بدورها قالت وزارة الخارجية اليونانية في بيان إن لأثينا حقوقا سيادية في المنطقة تنوي الدفاع عنها “بكل الوسائل القانونية مع الاحترام الكامل للقانون الدولي للبحار”. وكشف وزير خارجيتها أنه سيتوجه إلى القاهرة، في 9 أكتوبر؛ لإجراء “مشاورات” حول هذا الملف[13].

ويرجع الرفض المصري لهذه الاتفاقيات المنعقدة بين تركيا وليبيا إلي مجموعة من الأسباب تتمثل أبرزها في:

1- عدم اعتراف القاهرة بشرعية حكومة الدبيبة؛ حيث تري القاهرة – مثلما هو رأي حلفائها عقيلة صالح وخليفة حفتر – أن أي اتفاقية أو معاهدة أو مذكرة تفاهم يتم إبرامها من رئيس حكومة الوحدة الوطنية مرفوضة وغير قانونية؛ نظرًا لانتهاء ولايتها قانونا وانعدام أي إجراء تتخذه منذ انتهاء ولايتها في 24 ديسمبر 2021.

وأن أي مذكرة أو اتفاق يجب أن يتم عبر البرلمان، أو عبر الحكومة الشرعية التي نالت ثقة البرلمان، ممثلة في حكومة فتحي باشاغا[14].

هذا الرفض المصري لحكومة الدبيبة قد تصاعد مؤخرًا، وهو ما انعكس في انسحاب وفد مصر برئاسة وزير الخارجية سامح شكري من الجلسة الافتتاحية لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية، في 6 سبتمبر الماضي؛ احتجاجًا على ترؤس وزيرة خارجية ليبيا نجلاء المنقوش لها؛ إذ تعتبر القاهرة أن ولاية حكومة عبد الحميد الدبيبة قد انتهت[15].

2- يمثل النموذج التركي تعكيرًا لمسعي التصدي للإسلام السياسي، ليس فقط نتيجة اعتبار تركيا جماعة الإخوان تيارًا سياسيًا لا حركة وهابية؛ ولكن بالأساس نتيجة ما تمثله تركيا من حالة النجاح الوحيدة لحكم الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية، والتي أصبحت نموذجًا تبشر به تركيا حول إمكانية المواءمة بين الإسلام والديمقراطية.

ومن ثم، أصبحت التجربة التركية هي الهاجس الذي يذكر النظام في مصر دائمًا بأن بديله الداخلي، أي مشروع الإخوان المسلمين، ممكن وقابل للنجاح. وعلى الرغم من أن النظام علماني في تركيا، إلا أن نظرة الدولة المصرية لحزب “العدالة والتنمية” لا تختلف عن نظرتها لأي حزب إسلامي بالمعنى المتعارف عليه عربيًا.

3- التزام القاهرة، بالدفاع عن الوضع الراهن، وبخاصة النظام العربي التقليدي، يصطدم بنهج تركيا الداعم لحركات التغيير أو في الحد الأدنى المرحب بها. صحيح أن تركيا لم تكن محرضة على أي من الثورات العربية، لكنها كانت من أوائل الأصوات التي تدعم مطالب الديمقراطية.

لاحقًا، بات واضحا أن غالبية القوى الجديدة، ولاسيما الإسلامية، التي صعدت في الدول العربية بعد الإطاحة بنخب الحكم القديمة تتبنى سياسة منفتحة على تركيا، وهو الأمر الذي عزز من مكانة تركيا بوصفها داعمة للتغيير. لذلك، تعمل مصر على التصدي للدور التركي من خلال تصدير نفسها بوصفها مدافعة عن النظام العربي والعروبة على حد سواء.

4- سعي مصر لاستعادة مكانتها الإقليمية يتطلب الدفاع عن نفوذها القائم، والعمل على استعادة ما تبدد منه.

يصطدم هذا الهدف مع تصاعد الدور التركي في المنطقة، خصوصًا في مجال التأثير التقليدي لمصر: منطقة الخليج، والقرن الأفريقي، وسوريا، وليبيا، والسودان، والملف الفلسطيني. بصورة عامة، تنظر القاهرة إلى أي نفوذ تركي في المنطقة باعتباره خصما للنفوذ المصري، ومن ثم بات إحياء التنافس الجيوسياسي لا مفر منه[16].

وبالتالي، فإن التنافس المصري التركي ليس أمرًا طارئًا، ولا يقتصر على بعض الملفات مثل ليبيا وشرق المتوسط.

حيث تسعى القاهرة إلى توكيد دورها الإقليمي بوصفها قائدًا للعمل العربي، وبوصفها مدافعة عن نظامه الإقليمي. وتتغلب على نقاط ضعفها الراهنة بتعزيز تحالفاتها مع شبكة متنوعة من الأطراف الإقليمية التي تلتقي معها على أرضية مصالح مشتركة محددة.

عربيًا، تتفق مصر مع السعودية والإمارات على ضرورة التصدي للإسلام السياسي وحركة التغيير، كما تشترك الدول الثلاث في اعتبار أن أي نفوذ تركي في المنطقة يجب التصدي له وعدم التسامح معه، وقد مارست هذه الدول الثلاث ضغوطًا في الجامعة العربية، نتج عنها إدراج “التدخلات التركية في الشؤون الداخلية للدول العربية” بوصفها بند ًا دائمًا على جدول أعمال مجلس الجامعة على المستوى الوزاري، وتشكيل لجنة عربية لمتابعة التدخلات التركية برئاسة مصر منذ سبتمبر 2019، وتضم السعودية والإمارات والبحرين والعراق.

وقد أصبحت إدانة “التدخلات التركية” جملة معتادة في البيان الختامي للاجتماع الوزاري رغم وجود تحفظات من دول، مثل قطر والصومال وليبيا وجيبوتي؛ بل إن الاجتماع الوزاري في 4 مارس 2021، جدد إدانة التدخلات التركية، رغم انعقاد الاجتماع برئاسة قطر، وهو ما يعكس مستوى التعبئة نتيجة جهود مصر والسعودية والإمارات.

وفي شرق المتوسط، ومع تصاعد اكتشافات الغاز، تبنت مصر الدعوة إلى تأسيس “منتدى غاز شرق البحر المتوسط”، وأعلن تأسيسه بالفعل مطلع 2019، واستضافت مصر مقره الدائم. وبينما يضم المنتدى كل من: مصر والأردن وفلسطين و”إسرائيل” واليونان وقبرص وإيطاليا، فقد جرى إقصاء تركيا بشكل مقصود عن عضويته بهدف فرض عزلة عليها[17].

[1] “اتفاق بين أنقرة وحكومة الدبيبة على التنقيب.. هل يحرك المياه الراكدة؟”، نون بوست، 4/10/2022، الرابط: https://bit.ly/3McKwp5

[2] “تكرار الأخطاء.. تداعيات الخلط “الإقليمي” للأوراق الليبية”، المرصد المصري، 5/10/2022، الرابط: https://bit.ly/3CdszSJ

[3] “ليبيا في سياسة تركيا الخارجية: حقائق جديدة في معادلات البر والبحر”، مركز الجزيرة للدراسات، 12/12/ 2019، الرابط: https://studies.aljazeera.net/ar/reports/2019/12/191212101941157.html

[4] “اتفاق بين أنقرة وحكومة الدبيبة على التنقيب.. هل يحرك المياه الراكدة؟”، مرجع سابق.

[5] “Assessment of Undiscovered Oil and Gas Resources of the Levant Basin Province, Eastern Mediterranean”, World Petroleum Resources Project, USGS,2010, p1, at:  https://www.usgs.gov/publications/assessment-undiscovered-oil-and-gas-resources-levant-basin-province-eastern

[6] “ليبيا في سياسة تركيا الخارجية: حقائق جديدة في معادلات البر والبحر”، مرجع سابق.

[7] ” ليبيا تدخل على خط نقل غاز نيجيريا لأوروبا (تحليل)”، الأناضول، 3/10/2022، الرابط: https://bit.ly/3SCZKGq

[8] ” مصر وتركيا واليونان وإسرائيل.. أهدافها الحقيقية من صراع شرق المتوسط مختلفة عما يُعلن، إليك ما تريده كل دولة”، عربى بوست، 12/8/2020، الرابط: https://bit.ly/3c6Kih2

[9] ” هل تعمل واشنطن على الإخلال بالتوازن بين أنقرة وأثينا؟”، ترك برس، 28/9/2022، الرابط: https://bit.ly/3STodH1

[10] ” الخارجية التركية: لا تهمنا تصريحات اليونان وأوروبا حول اتفاقنا مع ليبيا”، 4/10/2022، الرابط: https://bit.ly/3RAmuW4

[11] ” الاستثمارات التركية في مصر: العين على الاستفادة من “كويز””، العربي الجديد، 2/10/2022، الرابط: https://bit.ly/3rs9SWz

[12] “العلاقات المصرية التركية: القضايا والإشكاليات”، المعهد المصرى للدراسات، 20/7/2020، الرابط: https://bit.ly/3t70AOi

[13] “وسط رفض مصري يوناني.. ليبيا وتركيا توقعان اتفاقية للتنقيب عن النفط والغاز”، الجزيرة نت، 4/10/2022، الرابط: https://bit.ly/3fFXNdM

[14] المرجع السابق.

[15] “مصر تنسحب من جلسة افتتاح مجلس الجامعة العربية احتجاجا على ترؤس وزيرة خارجية ليبيا لها”، فرانس24، 6/9/2022، الرابط: https://bit.ly/3UWen9r

[16] “محددات الرؤية المصرية تجاه تطبيع العلاقات مع تركيا”، مجلة رؤية تركية، 28/6/2021، الرابط: https://bit.ly/3SWrTI8

[17] المرجع السابق.

]]>
https://politicalstreet.org/5518/feed/ 0
اشتباكات طرابلس بين قوات باشاغا والدبيبة.. الدوافع والتداعيات والمسارات https://politicalstreet.org/5415/?utm_source=rss&utm_medium=rss&utm_campaign=%25d8%25a7%25d8%25b4%25d8%25aa%25d8%25a8%25d8%25a7%25d9%2583%25d8%25a7%25d8%25aa-%25d8%25b7%25d8%25b1%25d8%25a7%25d8%25a8%25d9%2584%25d8%25b3-%25d8%25a8%25d9%258a%25d9%2586-%25d9%2582%25d9%2588%25d8%25a7%25d8%25aa-%25d8%25a8%25d8%25a7%25d8%25b4%25d8%25a7%25d8%25ba%25d8%25a7-%25d9%2588%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25af%25d8%25a8 https://politicalstreet.org/5415/#respond Mon, 05 Sep 2022 19:43:30 +0000 https://politicalstreet.org/?p=5415 شهدت العاصمة الليبية طرابلس، في 26 و27 أغسطس 2022، اندلاع مواجهات مسلحة في منطقتي  باب بن غشير وشارع الزاوية وسط طرابلس بين قوى مؤيدة لحكومة الاستقرار المفوضة من البرلمان الليبي بقيادة “فتحي باشاغا”، وعلى رأسها الكتيبة 777 بقيادة “هيثم التاجوري” والقوات التابعة لأسامة الجويلي من جانب، وجهاز “دعم الاستقرار” بقيادة “عبد الغني الككلي”، وهي القوات المؤيدة لحكومة الوحدة الوطنية بقيادة عبد الحميد الدبيبة من جانب أخر[1]. وذلك بعد محاولة قوات التاجوري والجويلي الاستيلاء على أراضٍ في طرابلس من عدة اتجاهات، لتصطدم بقوات دعم الاستقرار المساندة لحكومة الوحدة الوطنية، ولتنشب مواجهات عنيفة باستخدام الأسلحة الخفيفة والرشاشات الثقيلة وقذائف الهاون[2].

وتعد هذه الاشتباكات هي الاعنف منذ محاولة خليفة حفتر الاستيلاء على طرابلس عام 2019، حيث شهدت انخراط العديد من المجموعات المسلحة من غرب ليبيا، فعلى الرغم من أن الصراع كان قد بدأ بين “جهاز دعم الاستقرار” وكتيبة 777، إلا أنه سرعان ما اتسعت نطاق الاشتباكات لتشمل محاولة المجموعات المسلحة التابعة لحكومة باشاغا دخول طرابلس عبر ثلاث جبهات، من الجبهة الغربية عبر المجموعات القادمة من الزاوية، والجبهة الجنوبية عبر القوات المسلحة القادمة من الزنتان بقيادة أسامة الجويلي، وأخيراً الجبهة الشرقية من خلال القوات القادمة من مصراتة بقيادة “سالم جحا”. كما اتسعت الاشتباكات في وسط العاصمة طرابلس وأمتدت إلى عدة أحياء سكنية خصوصاً منطقتي باب بن غشير وشارع الزاوية وشارعي الصريم والجمهورية وسط طرابلس، الأمر الذي أسفر عن سقوط 32 قتلاً ونحو 160 جريحاً. وقد استمرت الاشتباكات لنحو يومين قبل أن تتوقف بشكل مفاجئ، وهو ما يعكس احتمالات وجود تحذيرات غربية (أمريكية بالأساس) من أجل توقف التصعيد[3]. وتسعي هذه الورقة إلي محاولة الوقوف علي دوافع الصراع بين الطرفين، وتداعيات هذا الصراع ومستقبله.

 

أولًا: سياق الصراع بين الدبيبة وباشاغا ودوافعه:

يمكن تفهم الدوافع والأسباب التي تقف خلف هذا التصعيد الحالي من خلال التعرف علي تطورات الأزمة الليبية عمومًا وفي طرابلس خصوصًا، والتي جاء التصعيد الأخير في سياقها، والتي تتمثل أبرزها في:

1- سياسيًا: على الرغم مما شهدته الساحة الليبية في الأشهر الأخيرة من تراجع نسبي للتفاعلات الصراعية والنزاعات المسلحة، إلا أن المشهد طغى عليه في المقابل حالة التأزم والاستقطاب السياسي، وتعدد هيئات الحكم التي تتنازع الحكم فيما بينها، خصوصًا مع تفويض مجلس النواب الليبي في فبراير 2022 لوزير الداخلية الأسبق فتحي باشاغا من أجل تشكيل حكومة جديدة تقود البلاد، وهي الخطوة التي رفضها رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، والذي أعلن عن تمسكه بالسلطة حتي تسليمها لحكومة منتخبة[4]، مستندًا في بقاء حكومته إلى مخرجات ملتقى الحوار الليبي الذي رعته الأمم المتحدة، بينما يرفض البرلمان تلك الرؤية، ويصر على سحب الثقة منه بدعوى فشل حكومته في المهام الموكلة إليها بمحاربة الفساد وتوحيد مؤسسات الدولة وعلى رأسها الجيش، والأهم عجزه عن إجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها في 24 ديسمبر 2021.

يزيد الأمور تعقيدًا أن الانتخابات تأجلت إلى أجل غير مسمى، مع تأكيد الدبيبة أنه لن يسلم السلطة إلا عبر انتخابات، إذ أكد الرجل مرارًا أنه لن يقبل بأي صيغة أخرى للخروج من منصبه[5]، وفي ظل الانشغال الدولي بعدد من القضايا الأكثر إلحاحاً مثل الأزمة الأوكرانية، يبدو أنه قد تولدت قناعة لدى طرفي الصراع بأن الحل العسكري ربما يكون هو المحدد الحاسم. فضلًا عن الموقف التركي الحيادي وغير الداعم لأي طرف على حساب الأخر، ربما يكون قد وصل رسائل غير ملتبسة لطرفي الصراع بأن هذه إشارة غير مباشرة من أنقرة بعدم ممانعتها لحسم الصراع عسكريًا[6].

في ذات السياق، امتدت حالة الاستقطاب السياسي التي تشهدها البلاد لتشمل الجوانب التشريعية؛ ففي ظل الخلافات بين مجلس النواب الليبي والمجلس الأعلى للدولة، فشلت جهود ومحاولات بناء قاعدة دستورية مستقرة تُمهد لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية في ليبيا، بما يضمن تجاوز المرحلة الانتقالية[7].

2- أمنيًا: بعد حرب اللواء المتقاعد خليفة حفتر الفاشلة على العاصمة الليبية في عام 2019، شهدت العاصمة طرابلس أربعة مشاريع حروب متتالية، منذ تكليف مجلس النواب المنعقد في طبرق، في فبراير 2022، باشاغا بتشكيل حكومة لتكون بديلة عن حكومة الدبيبة المستقرة في طرابلس. وكانت الحرب الأولى على وشك الوقوع، حين كانت مليشيات من مدينة مصراتة، تابعة لباشاغا، على مشارف العاصمة الليبية، في 10 مارس الماضي، بهدف اقتحامها، قبل أن تتراجع لفتح المجال لمفاوضات سياسية.

في المرة الثانية، تمكنت “قوة دعم الاستقرار” التابعة للدبيبة، في مايو الماضي، من تدمير مقار قوة “لواء النواصي” في مصيف طرابلس، وقاعدة بوستة البحرية، بعدما مكّنت هذه القوة باشاغا من دخول طرابلس لساعات. أما المرة الثالثة، فقد كانت في 22 يوليو الماضي، عندما هاجمت “قوة الردع” مقار “كتيبة ثوار طرابلس” في عين زاره، بعدما ظهرت على هذه الكتيبة علامات الميل لصالح معسكر باشاغا.

أما “الحرب” المصغرة الرابعة، فاندلعت في 26 و27 أغسطس الحالي، عندما هاجمت “قوة دعم الاستقرار” مقرات “الكتيبة 777”[8]. وتأتي تلك الحرب الأخيرة، بعدما تصاعدت حدة الخطاب بين باشاغا والدبيبة، فبينما طالب باشاغا من حكومة الدبيبة تسليم السلطة بشكل سلمي لتجنب البلاد اندلاع صراعات جديدة، داعياً المجموعات المسلحة الموالية للدبيبة إلى الانضمام الى الشرعية، في المقابل هدد “عبد الحميد الدبيبة” باستخدام القوة ضد أي محاولة لدخول طرابلس[9].

وقد ترافق حدة الخطاب بين الرجلين مع تكثيف حالة الحشد العسكري التي كانت قد سبقت الاشتباكات، والتي كانت تنبئ بشكل واضح بأن الأوضاع تتجه نحو التصعيد العسكري، خاصةً مع حشد باشاغا لقواته على حدود العاصمة من عدة جبهات، فيما كانت قوات الدبيبة تتمركز داخل طرابلس وتعيد نشر عناصرها للاستعداد لأي هجوم محتمل[10]. فقد شهدت الأسابيع الاخيرة تحركات مكثفة من قبل باشاغا في غرب ليبيا، نجح خلالها من حشد دعم واسع من المجموعات المسلحة في الغرب، خاصةً في مصراته والزاوية والزنتان، فضلاً عن الدعم القبلي الواسع لباشاغا في غرب ليبيا، وهو ما انعكس في اللقاءات التي عقدها مؤخراً مع عدد من أعيان وحكماء غرب ليبيا، والتي أعلن بعدها عن وجود دعوات مكثفة له للدخول إلى العاصمة. وقد رصدت بعض التقارير وصول مجموعات مسلحة قادمة من مصراته بقيادة “سالم جحا”، وقد تمركزت هذه المجموعات في جنوب طرابلس عند منطقة “العزيزية”، إلى جانب المجموعات المسلحة من الزنتان والتي يقودها “أسامة الجويلي”[11].

وفي المقابل، بادر عدد من القيادات الموالية للدبيبة إلى تفعيل ما كان يعرف باسم “مجلس طرابلس العسكري”، تزامنًا مع تحركات لأرتال تابعة للدبيبة بهدف تأمين مداخل ومخارج المدينة الجنوبية والغربية والشرقية، بالإضافة إلى إغلاق الطرق المؤدية إلى مطار طرابلس المغلق. وبدأت الميليشيات المسلحة الموالية لـ “الدبيبة” والتي يرأسها عبد الغني الككلي، والتي يُطلق عليها “قوات حماية الدستور”، في التمركز على طريق مطار طرابلس الدولي[12]. كما أصدر الدبيبة قراراً باعادة هيكلة “جماعة القوة المشتركة مصراتة” تحت مسمى جديد هو “لواء ليبيا”، وتكليفها بحماية مقر رئاسة الحكومة بالعاصمة طرابلس[13].

3- اقتصاديًا: سعي الدبيبة إلى السيطرة على المؤسسة الوطنية للنفط، وذلك بعدما أصدر قرارًا، في 12 يوليو 2022، بإقالة رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، مصطفى صنع الله، والذي يقود مؤسسة النفط الليبية منذ عام 2015، وتعيين مجلس إدارة جديدة برئاسة فرحات بن قدارة، الذي شغل سابقًا منصب محافظ البنك المركزي[14]. وفي المقابل، فقد أصدر مجلس النواب قرارًا بإقالة رئيس المصرف المركزي الصديق الكبير، وهو القرار الذي تم رفضه من قبل المجلس الرئاسي وحكومة الدبيبة، ولا يزال المصرف يقوم بتحويل الأموال إلى حكومة الدبيبة، بينما يحجب الأموال التي أقرها البرلمان لموازنة حكومة باشاغا، ويكتفي بإرسال الرواتب فقط[15].

 

ثانيًا: تداعيات الصراع بين الطرفين:

تتمثل أبرز التداعيات التي قد تنتج عن الصراع بين باشاغا والدبيبة في:

1- سياسيًا: مع فشل قوات باشاغا في دخول طرابلس، وتعزيز قوات الدبيبة لمواقعها داخل العاصمة، فإن ذلك سيعزز أكثر من حالة استمرار الانقسام أو الازدواج الحكومي، ليبقى الدبيبة في الغرب واجهة للسلطة في البلاد، وعلى الجانب الآخر، سيتعين على باشاغا البقاء في الشرق من دون أن يتسلم مقاليد السلطة فعلياً باستلام مقار الحكومة[16].

فيما عكست البيانات الدولية والإقليمية عدم دعمها لأي طرف على حساب الأخر في الصراع الراهن داخل ليبيا، وهو ما يرسخ حالة الغموض واللبس في الموقف الدولي إزاء المشهد الليبي الراهن[17]. في وقت لا يبدو أن المجتمع الدولي في خضم انشغاله بصراعات أشد احتداما – مثل الأزمة الأوكرانية- مُهتما بما يدور في ليبيا، وعلى الأرجح أنه سيتجاهل الصراع العسكري مرة أخرى على أمل أن يفرض المنتصر شرعيته السياسية في النهاية[18].

وفي مقابل غموض المواقف الدولية من الطرفين، يبدو أن الموقف التركي أصبح أكثر وضوحًا بعدما كان هو الأخر غامضًا حول دعم أي من الدبيبة وباشاغا، فقد كشفت تلك الاشتباكات عن حقيقة الموقف التركي الداعم للدبيبة، فقبيل تلك الاشتباكات، فقد أشارت تقارير إعلامية إلي أن نائب رئيس جهاز المخابرات التركية، جمال الدين تشاليك، التقى في العاصمة الليبية طرابلس برئيس جهاز المخابرات الليبية والقادة العسكريين والأمنيين بالمنطقة الغربية، حيث أكد خلال اللقاء أن أمن العاصمة خط أحمر لا يمكن العبث به، وأنهم سيتعاملون مع أي طرف مهاجم بصفته عدوًا، من خلال الاتفاقية الأمنية والعسكرية الموقعة مع المجلس الرئاسي، حاثًا جميع الأطراف إلى التوافق مع حكومة الوحدة للوصول إلى الانتخابات[19].

وأثناء الاشتباكات، فقد استخدمت قوات الدبيبة الطائرات المسيرة (الدرونز) التي تتم قيادتها من الجانب التركي، وذلك عندما استهدفت المليشيات التي تحركت من الزنتان والزاوية وقطعت عليها الطريق، واضطرت إلى العودة إلى مواقعها مرة أخرى. وقد كانت هذه الطائرات أداة حاسمة في المعركة، وأسفر استخدامها عن نتائج لصالح الدبيبة، بل وربما كانت عامل المفاجاة غير المتوقعة، حيث شكك الجويلي بداية في استخدامها لكن الدبيبة عاد ليؤكد على الأمر[20].

وعقب تلك الاشتباكات، ففي البيان الصادر عن تركيا في 28 أغسطس؛ تعليقًا علي الاشتباكات بين الدبيبة وباشاغا، فقد تبنت موقف حكومة الدبيبة تمامًا، إذ دعت إلى ضرورة عقد انتخابات حرّة ونزيهة في جميع أرجاء ليبيا، وفي «أسرع وقت ممكن»، لضمان الاستقرار والأمن الدائمين في هذا البلد[21].

2- أمنيًا: مثلت الاشتباكات الأخيرة انتقاصاً من رصيد باشاغا داخلياً وخارجياً، خاصةً مع خسارة المجموعات التابعة له لعدد من المواقع الهامة التي كانت تتمركز فيها، فيما عززت هذه الاشتباكات من موقف الدبيبة، داخلياً عبر تعزيز سيطرته داخل العاصمة، وخارجياً عبر تقديم نفسه في صورة رد الفعل، وأن الطرف الآخر هو الذي يثير العنف[22].

وفي هذا السياق، فقد نجحت قوات حكومة الوحدة الوطنية في صد الهجوم الثاني من نوعه خلال ثلاثة أشهر، فيما أفضت الاشتباكات إلى سيطرة كاملة لـ6 مجاميع مسلحة داعمة للدبيبة، على رأسها “قوة دعم الاستقرار” القوية في طرابلس، على العاصمة بعد سيطرتها على مقرات الكتيبة 777، آخر معاقل باشاغا العسكرية في طرابلس، وانسحاب القوى المسلحة الموالية لباشاغا والآتية من مدينتي الزاوية والزنتان من محيط طرابلس الغربي والجنوبي تماماً، إلى مواقعها في الزنتان والزاوية، ما يعني إنهاء وجود كل القوى المسلحة الموالية لباشاغا في قلب العاصمة وتخومها الغربية والجنوبية، وليعلن الدبيبة، في خطاب وجهه لليبيين، عن نهاية “العدوان من دون رجعة”.

وعليه، فإن السيطرة في طرابلس باتت محسومة لصالح القوى المؤيدة للدبيبة، بعد تلك الاشتباكات، فالقوى المسيطرة في طرابلس حالياً هي: جهاز دعم الاستقرار(يقوده عبد الغني الككلي، ويتخذ من حي أبو سليم وسط العاصمة مركزاً له)، الكتيبة 301 مشاة (بقيادة عبد السلام زوبي، وتتمركز غربي العاصمة)، لواء 53 مشاة (بقيادة محمود بن رجب، وهذا الفصيل يصنف ضمن المجموعات العسكرية الكبيرة، ويتمتع مقاتلوه بتسليح وتدريب عاليين)، قوة غرفة العمليات المشتركة وقوات محمد بحرون (وهذان الفصيلان تلقى مقاتلوهما تدريبا مكثفا وتسليحا متطورا)، وهي كلها قوات موالية للدبيبة.

وفي المقابل، فقد خسرت الفصائل الموالية لحكومة باشاغا مواقعها  داخل طرابلس، وتتمثل هذه القوات في: قوات اللواء أسامة جويلي (تتمركز في جنوب غربي طرابلس)، اللواء 777 مشاة (بقيادة هيثم التاجوري، ويتخذ هذا اللواء من المعسكر 77 وسط العاصمة، مقرا له)، اللواء 217 (بقيادة سالم جحا، وهو فصيل مقاتلوه من مدينة مصراتة)، قوات من مدينة الزاوية (هناك قوات من مدينة الزاوية غربي طرابلس محسوبة على عضو مجلس النواب علي أبو زريبة).

فيما لا تزال هناك بعض الفصائل التي  لم تتخذ موقفا وتقف علي الحياد في الصراع بين الطرفين، تتمثل في: جهاز الردع لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة (يتخذ من قاعدة معيتيقة، مقراً له)، اللواء 444- قتال (بقيادة محمود حمزة، ويتمركز في جنوب غربي طرابلس)[23].

بينما في خارج طرابلس، صارت مدينتا الزاوية والزنتان، أبرز المدن ذات الثقل العسكري، خارج سيطرة حكومة الدبيبة، كما أن مصراتة تعيش انقساماً عسكرياً كبيراً؛ فلواء المحجوب والكتيبة 166 مواليان لباشاغا، أما القوة المشتركة فولاؤها للدبيبة، بينما تتخذ قوى مسلحة أخرى موقف الحياد، وأبرزها لواء الحلبوص[24].

وفيما يتعلق بالجبهة الشرقية التي أصبحت حليفة لباشاغا، فقد أكد حفتر علي وقوفه علي الحياد في الحرب بين الدبيبة وباشاغا بعدما كان هناك تحالف بين باشاغا وحفتر، وهو ما أكده المتحدث الرسمي باسم قيادة مليشيات حفتر، أحمد المسماري، على إحدى القنوات المؤيدة لسياسات حفتر، عندما كرر المسماري عبارة أن “ما يدور في طرابلس صراع على السلطة والقوات المسلحة (مليشيات حفتر) لا تدعم أي من الطرفين”. وقال المسماري إن “كلاً من الرجلين (الدبيبة وباشاغا) لديه قوة مسلحة وحلفاء على الأرض هناك، ومن سيتمركز في العاصمة، سواء قبل القتال أو بعده، هو من سيستطيع تمثيل الحكومة الليبية”.

وعلاوة على ما في هذا التصريح من نبذ لقرارات مجلس النواب بشأن شرعية حكومة باشاغا، فهو بمثابة إعلان لتقارب جديد مع الدبيبة، ولا سيما أن هذا “التقارب” ليس الأول. فقد سبق ذلك تقارب لهما من بوابة مؤسسة النفط عندما عيّن الدبيبة شخصية مقربة من حفتر (فرحات بن قدارة) لرئاسة المؤسسة التي تعد أكثر المؤسسات الليبية أهمية وحساسية[25].

 

ثالثًا: مستقبل الصراع ومساراته:

تطرح اشتباكات طرابلس العديد من السيناريوهات، والتي يمكن تجميعها في سيناريوهين أثنين هما:

1- السيناريو الأول: لا يمكن استبعاد تجدد الاشتباكات مرة أخرى خلال الفترة المقبلة، وربما يكون هذا السيناريو هو الأقرب حال عدم تدخل دولي حاسم لتجنب التصعيد مرة أخرى والتوصل إلى تسوية للأزمة.

وتتصاعد احتمالات هذا السيناريو في ظل استمرار الحشود العسكرية، والاتهامات المتبادلة بين باشاغا والدبيبة بشأن المسؤول عن هذه الاشتباكات، فبينما لوح باشاغا بأنه لا علاقة له بهذا التصعيد، وحمل الدبيبة مسؤولة الفوضى بالعاصمة، وجه الاخير اتهامات لباشاغا بشن هجمات على طرابلس، ولوح إلى أنه سوف يتم ملاحقة كافة المتورطين في الهجوم[26].

وقال “الدبيبة” في خطاب تلفزيوني: “سنلاحق كل من تورط في العدوان الأخير على طرابلس، من عسكريين ومدنيين، ساهموا بالعمل المباشر أو الدعم، وسنسعى لعدم إفلاتهم من العقاب”[27]. وليقوم المدعي العام العسكري التابع لحكومة الوحدة الوطنية، 28 أغسطس الحالي، باصدار أوامر بالقبض على كل من آمر المنطقة العسكرية الغربية اللواء أسامة الجويلي، ورئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب فتحي باشاغا، ووزير الصحة والناطق باسم الحكومة عثمان عبد الجليل، ورئيس الحزب الديمقراطي محمد صوان، ومنعهم من السفر ووضعهم في منظومة الترقب والوصول، على خلفية التحقيقات الجارية لديه في القضية رهن التحقيق بأحداث العدوان على مدينة طرابلس وترويع الآمنين بتاريخ 27 أغسطس الجاري[28].

وربما لن تقبل الحكومتين بإجراء مفاوضات أو وساطات بينهما لحل النزاع العسكري، خاصة بعدما وصفت حكومة الدبيبة ما حدث «بالغدر والخيانة»، وأوضحت أنها كانت تخوض مفاوضات لتجنيب العاصمة الدماء، بمبادرة ذاتية تلزم جميع الأطراف الذهاب للانتخابات في نهاية العام، كحل للأزمة السياسية، إلا أن الطرف الممثل لباشاغا تهرب في آخر لحظة، بعد أن كانت هناك مؤشرات إيجابية نحو الحل السلمي، بدلاً من العنف والفوضى. وقالت إن هذا التفاوض، الذي أبدت فيه الحكومة مرونة عالية، كان بمشاركة أطراف عسكرية وسياسية ممثلة للطرف الآخر، الذي أبدت بعض عناصره استجابة وطنية للسلام، وكان من المفترض أن يعقد جلسته الثالثة في 26 أغسطس 2022، في مدينة مصراتة لمناقشة تفاصيل الاتفاق، إلا أنها أُلغيت بشكل مفاجئ في آخر لحظة، بالتزامن مع التصعيدات العسكرية التي شهدتها طرابلس ومحيطها.

في المقابل، نفى باشاغا ما جاء في هذا البيان بخصوص رفض حكومته أي مفاوضات مع حكومة الدبيبة، وأكد أنه رحب طوال الأشهر الستة الماضية بكل المبادرات المحلية والدولية لحل أزمة انتقال السلطة سلمياً، لكن دون أي استجابة من الحكومة منتهية الولاية[29].

وفي حالة ما إذا تجدد الصراع بين الطرفين مرة أخري، فمن المتوقع أن يكون أشد حدة وأطول زمنًا وأكثر عددًا. ويمكن تلمس ذلك، في التصريحات التي أدلي بها حفتر، أثناء زيارته للجنوب حيث مدينة الكفرة، فهناك أطلق عددًا من التصريحات المثيرة للجدل لما تضمنته من توجيه رسائل وتحذيرات أثارت قلق البعض من نشوب حرب جديدة خاصة بعد قوله بأنه “لم نبنِ الجيش الوطني ليقف متفرجًا على ليبيا العزيزة يجرها العابثون إلى الهاوية”، مضيفًا “الشعب والجيش يد واحدة قادرة على تحطيم أصنام الساسة”[30].

فيما كشف الموقع الرسمي لعملية المراقبة الأوروبية الخاصة بمراقبة ومنع تهريب الأسلحة إلى ليبيا المعروفة بـ”إيريني”، عن استمرار خرق الأردن للقرارات الأممية؛ حيث يواصل بصورة سرية تهريب أسلحة ومعدات عسكرية إلى قوات “خليفة حفتر” في ليبيا. وقال الموقع إنه تم العثور على عدد كبير من الآليات المعدة للاستخدام العسكري، بعضها مزود بمدافع أسلحة معدلة أردنيًا ودروع وصناديق ذخيرة، على متن سفينة “إن في فيكتوري رورو”، قادمة من ميناء العقبة، والتي ترفع علم غينيا الاستوائية والتي تم تفتيشها في 18 يوليو الماضي قبالة السواحل الليبية، وتم سحبها لميناء مرسيليا الفرنسي[31].

وما قد يزيد الأمور تعقيدًا، أن تجدد الصراع هذه المرة قد يأتي كنوع من الحرب بالوكالة بين روسيا وأمريكا، وذلك في ظل إدراك روسيا لانخراط واشنطن المتزايد في ليبيا من أجل منع تكرار الاغلاق النفطي لحقول البترول في ليبيا. حيث أن مُجمل التحركات الأمريكية منذ اندلاع الحرب الروسية – الأوكرانية تستهدف زيادة إنتاج البترول من الدول المُصدرة للنفط، بهدف خفض الأسعار عالمياً والعمل على إيجاد مصادر بديلة عن النفط الروسي، خاصة أن ليبيا تمتلك أحد أكبر احتياطات النفط في أفريقيا. وبالتالي، فإن موسكو تستغل علاقاتها مع الشرق الليبي لزعزعة الاستقرار وإطالة أمد الأزمة؛ وذلك لممارسة مزيد من الضغط على أسواق النفط العالمية، ومن ثم إجهاض مخطط واشنطن الرامي لفرض حظر على النفط الروسي[32].

ومن تلك المحاولات الروسية، اسقاط مسيرة تابعة للجيش الأمريكي، بسلاح روسي، أثناء تحليقها بالقرب من محيط مركز قيادة قوات الشرق الليبي التي يتزعمها خليفة حفتر، بمنطقة الرجمة، بالقرب من مطار بنينا، والتي تزعم بعض المواقع الإخبارية أنها كانت تقوم بعمليات استطلاع وتجسس على مرتزقة شركة فاغنر الروسية، المنتشرين في المنطقة.

جدير بالذكر هنا، أن جهات غربية سجلت تضاعف أعداد فاغنر في ليبيا بعدما كانت تتناقص بسبب الحرب في أوكرانيا. فبعد أن كان الحديث عن 2200 عنصر من فاغنر، غادر منهم 1300 فرد، وبقي 900 في ليبيا في مارس الماضي. إلا أنه في أبريل الماضي، أي بعد شهر فقط، كشف موقع “فاينانشل تايمز” الأمريكي عن بقاء 5 آلاف عنصر من فاغنر في ليبيا، رغم انسحاب أكثر من ألف عنصر للمشاركة في الحرب ضد أوكرانيا. وبقاء 5 ألاف عنصر من فاغنر في ليبيا، يعني أن أعدادهم تضاعفت، وأن موسكو لا تنوي التخلي قريبا عن مواقعها في البلاد، بل تعززها في إطار صراعها المحتدم مع الغرب.

ولا تخف واشنطن قلقها من تواجد فاغنر في ليبيا، وتهديدها للجناح الجنوبي لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، وتسعى عبر طائراتها بدون طيار، لمراقبة نشاطاتهم وتحركاتهم. بالمقابل تسعى روسيا لتثبيت أقدامها في ليبيا وخاصة في الجهة الشرقية عبر دعمها لقوات حفتر، لكن تمركزها الأساسي في مدينة سرت وقاعدة الجفرة الجوية، وقاعدة براك الشاطئ الجوية. والتواجد العسكري الروسي بليبيا، يمنح موسكو القدرة على المناورة أمام زحف حلف الناتو نحو حدودها الغربية[33].

2- السيناريو الثاني: حل النزاع الحكومي بين باشاغا والدبيبة عبر وساطات دولية وتركية بالأساس من أجل صياغة تسوية تحول دون تكرار التصعيد، وتمهد الطريق نحو الانتخابات، مع عدم استبعاد الحديث عن خارطة طريق جديدة خلال الفترة المقبلة[34].

تتصاعد احتمالات هذا السيناريو في ظل ما كشفت عنه تقارير إعلامية من قيام باشاغا ومسؤولين رفيعي المستوى من حكومة الدبيبة بالتوجه إلى أنقره تلبية لدعوة تركية، وذلك بهدف إجراء مفاوضات بشأن تسوية النزاع الحكومي. وكانت وكالة “الأناضول” التركية أفادت بأن وزير الخارجية التركي مولود جاووش أوغلو، التقى، في 31 أغسطس الحالي، نائب رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية رمضان أبو جناح، حيث قيّم الطرفان “التطورات في ليبيا والعملية الانتخابية”، وفق ما كتبه الوزير التركي على “تويتر”. وكان الدبيبة أكد، خلاله لقائه بعدد من القيادات الاجتماعية والسياسية من مصراتة، في30 أغسطس، أن “اليد ما زالت ممدودة للخصوم للعمل معاً من أجل الوصول بليبيا إلى بر الأمان”[35].

وقد سبق أن تم طرح عدة مقترحات لحل النزاع الحكومي بين باشاغا والدبيبة لا تزال ممكنة التنفيذ، من بين هذه المقترحات؛ تشكيل حكومة إنقاذ تتولى تسيير الأعمال، إلى حين تهيئة الأوضاع وإجراء انتخابات قبل نهاية العام الحالي. وقد سبق أن أكد باشاغا استعداده تسليم الحكومة لأي شخص يتم التوافق عليه من قبل مجلسي النواب والدولة، حال تم التوصل إلى اتفاق بشأن تشكيل حكومة مصغرة تتولى السلطة لإدارة المرحلة الانتقالية وتنهي حالة الاستقطاب الحالية[36]. فيما نقلت تقارير إعلامية عن مصادر غربية، أن الدبيبة قد أبدى إمكانية تسليم السلطة إلى رئيس حكومة جديدة لا يكون باشاغا، على أن يكون مشاركاً في اختياره[37].

وفي حالة ما إذا فشل هذا المقترح (تشكيل حكومة تسيير أعمال بديلة عن الدبيبة وباشاغا)؛ فقد يتم اللجوء إلي إجراء انتخابات عامة في طل وجود الحكومتين، وفقًا لمقترح السفير الأميركي في ليبيا ريتشارد نورلاند[38].

وعقب الاشتباكات، تحدثت تقارير إعلامية عن عقد مفاوضات بين الأطراف المتنازعة لوضع مسارٍ جديد، وأن المفاوضات غير المباشرة المتواصلة في الوقت الراهن، وضعت عدة أسس غير قابلة للمساومة، أهمها ضرورة إجراء الانتخابات في أسرع وقت، والوصول إلى حلول توافقية تُنهي الانقسام الداخلي، مع آليات واضحة وجدول زمني معقول، والغض عما قام به جميع الأطراف في السنوات الماضية، بما يعني وأْد أي إمكانية للتحقيق والمحاسبة.

والظاهر أن الوسطاء يسعون للوصول إلى انتخابات تضْمن للجميع مناصب في مناطق بعيْنها، وفق خريطة توزّع نفوذهم، على أن تتم الدعوة إلى تعديل الدستور ووضع قوانين جديدة مع انتخاب السلطة الليبية قبل الصيف المقبل، وهو تصوُّر ترعاه مصر ودول خليجية ويحظى بتأييد فرنسي حتى الآن. وسيكون أساس هذا التصوّر هو المفاوضات التي جرت في مصر وسويسرا بين غرفتي البرلمان[39].

 

 

 

[1] “الأزمة الليبية وتساؤلات العودة إلى دائرة العنف”، المرصد المصري، 28/8/2022، الرابط: https://bit.ly/3KDUleX

[2] “اشتباكات طرابلس.. شبح الحرب المفتوحة يخيم على الأجواء الليبية”، نون بوست، 28/8/2022، الرابط: https://bit.ly/3AZ4uQj

[3] “الانعكاسات المحتملة للاشتباكات الاخيرة في العاصمة الليبية”، المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط، 30/8/2022، الرابط: https://bit.ly/3ea9991

[4] “الأزمة الليبية وتساؤلات العودة إلى دائرة العنف”، مرجع سابق.

[5] “صراع الدبيبة وباشاغا.. هل عادت الحرب الأهلية إلى ليبيا مجددا؟”، ميدان، 28/8/2022، الرابط: https://bit.ly/3CCQwVs

[6] “الانعكاسات المحتملة للاشتباكات الاخيرة في العاصمة الليبية”، مرجع سابق.

[7] “الأزمة الليبية وتساؤلات العودة إلى دائرة العنف”، مرجع سابق.

[8] “اشتباكات طرابلس: خريطة جديدة للولاءات العسكرية في الغرب الليبي”، العربي الجديد، 30/8/2022، الرابط: https://bit.ly/3KwMu2S

[9] ” هل يقف الغرب الليبي على حافة حرب أهلية جديدة؟”، المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط، 27/8/2022، الرابط: https://bit.ly/3ACh9XJ

[10] “الانعكاسات المحتملة للاشتباكات الاخيرة في العاصمة الليبية”، مرجع سابق.

[11] ” هل يقف الغرب الليبي على حافة حرب أهلية جديدة؟”، مرجع سابق.

[12] “الأزمة الليبية وتساؤلات العودة إلى دائرة العنف”، مرجع سابق.

[13] ” هل يقف الغرب الليبي على حافة حرب أهلية جديدة؟”، مرجع سابق.

[14] “الأزمة الليبية وتساؤلات العودة إلى دائرة العنف”، مرجع سابق.

[15] “فشل نموذج “الحرب الخاطفة”: المشهد الليبي عقب معركة 27 أغسطس”، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 28/8/2022، الرابط: https://bit.ly/3Aukvfw

[16] المرجع السابق.

[17] “الانعكاسات المحتملة للاشتباكات الاخيرة في العاصمة الليبية”، مرجع سابق.

[18] “صراع الدبيبة وباشاغا.. هل عادت الحرب الأهلية إلى ليبيا مجددا؟”، مرجع سابق.

[19] “لقاء رفيع المستوى بين المخابرات التركية والليبية لضبط أمن العاصمة طرابلس”، مركز صدارة للمعلومات والاستشارات، 25/8/2022، الرابط: https://bit.ly/3wINQSy

[20] “فشل نموذج “الحرب الخاطفة”: المشهد الليبي عقب معركة 27 أغسطس”، مرجع سابق.

[21] “بروفا حرب في طرابلس: الفوضى المستدامة”، الأخبار، 29/8/2022، الرابط: https://bit.ly/3wLrT5g

[22] “الانعكاسات المحتملة للاشتباكات الاخيرة في العاصمة الليبية”، مرجع سابق.

[23] “يتوزع ولاء معظمها بين الدبيبة وباشاغا.. قائمة ومعلومات عن التشكيلات المسلحة في طرابلس”، مرجع سابق.

[24] “اشتباكات طرابلس: خريطة جديدة للولاءات العسكرية في الغرب الليبي”، مرجع سابق.

[25] “ماذا بعد حرب طرابلس؟”، العربي الجديد، 1/9/2022، الرابط: https://bit.ly/3KDtbET

[26] “الانعكاسات المحتملة للاشتباكات الاخيرة في العاصمة الليبية”، مرجع سابق.

[27] “الدبيبة يعلن عن تحركات أمنية ويتوعد بملاحقة مهاجمي طرابلس”، الخليج الجديد، 28/8/2022، الرابط: https://bit.ly/3KGkVnJ

[28] “ليبيا: المدعي العام العسكري يصدر أوامر بالقبض على باشاغا والجويلي”، القدس العربي، 29/8/2022، الرابط: https://bit.ly/3KxveKT

[29] “عشرات الضحايا بمعارك عنيفة في طرابلس”، الشرق الأوسط جريدة العرب الدولية، 28/8/2022، الرابط: https://bit.ly/3pZ1YTM

[30] “حفتر يهدد ساسة ليبيا.. هل يخوض حربا جديدة؟”، عربي21، 31/8/2022، الرابط: https://bit.ly/3cxv2P0

[31] “الأردن يواصل إمداد قوات حفتر بالأسلحة تزامنًا مع محاولات اقتحام طرابلس”، صدارة للمعلومات والاستشارات، 31/8/2022، الرابط: https://bit.ly/3COkx4P

[32] ” صراع باشاغا – الدبيبة: دوافع الجدل حول آلية توزيع عوائد النفط في ليبيا”، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 2/6/2022، الرابط: https://bit.ly/3MxV3de

[33] ” هل تشهد ليبيا مواجهة أمريكية روسية؟ (تحليل)”، الأناضول، 1/9/2022، الرابط: https://bit.ly/3wN34pB

[34] “الانعكاسات المحتملة للاشتباكات الاخيرة في العاصمة الليبية”، مرجع سابق.

[35] “محادثات لقادة ليبيين في القاهرة وأنقرة”، العربي الجديد، 31/8/2022، الرابط: https://bit.ly/3Q7XzZt

[36] “”النواب” و”الدولة” يشكلان لجنة لحل الخلاف حول شروط الترشح”، عربي21، 13/6/2022، الرابط:  https://bit.ly/3mIxILb

[37] “أفكار لتسوية ليبية: حل الأزمة باستبعاد الدبيبة وباشاغا؟”، العربي الجديد، 16/6/2022، الرابط: https://bit.ly/3b6bvEn

[38] “انتخابات ليبيا قد تحصل في ظل حكومتين.. واشنطن تقترح”، العربية نت، 29/6/2022، الرابط: https://bit.ly/3CPEAjn

[39] “ليبيا | الدبيبة – باشاغا: مفاوضاتٌ لا تُسكت البنادق”، الأخبار، 31/8/2022، الرابط: https://bit.ly/3Q8Szn3

]]>
https://politicalstreet.org/5415/feed/ 0
بعد فشل محاولة باشاغا دخول طرابلس…الأزمة الليبية إلي أين؟ https://politicalstreet.org/5273/?utm_source=rss&utm_medium=rss&utm_campaign=%25d8%25a8%25d8%25b9%25d8%25af-%25d9%2581%25d8%25b4%25d9%2584-%25d9%2585%25d8%25ad%25d8%25a7%25d9%2588%25d9%2584%25d8%25a9-%25d8%25a8%25d8%25a7%25d8%25b4%25d8%25a7%25d8%25ba%25d8%25a7-%25d8%25af%25d8%25ae%25d9%2588%25d9%2584-%25d8%25b7%25d8%25b1%25d8%25a7%25d8%25a8%25d9%2584%25d8%25b3-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25a3%25d8%25b2 https://politicalstreet.org/5273/#respond Mon, 20 Jun 2022 09:52:07 +0000 https://politicalstreet.org/?p=5273  

 

جاء قرار رئيس الحكومة المكلَّف، فتحي باشاغا، بدخول العاصمة الليبية، طرابلس، 16 مايو 2022، حسب العديد من التقارير الإعلامية، بعد أن فتح قنوات اتصال مع جهات متعددة في العاصمة وخصوصا كتيبة النواصي. وبالتالي بات لدي باشاغا قناعة بأن لديه مناصرين في داخل العاصمة، وأن باستطاعته أن يجد الحماية الكافية من لدن أولئك المناصرين.  وقد انعكست هذه القناعة في تأكيد وزير الداخلية في حكومة باشاغا، عصام أبو زريبة، أن وصول باشاغا بات محاطًا بعملية تأمين عامة تجري بشكل جيد وفق خطة مرسومة، معطيًا تطمينات بعدم الملاحقة لأسباب سياسية للشخصيات الاعتبارية في حكومة عبد الحميد الدبيبة، وأنه بات ملحًّا على الحكومة الليبية المكلفة أن تمارس مهامها من طرابلس. ولا شك أن دخول باشاغا لطرابلس سيكون من أهم ثماره في حالة ما إذا مر بنجاح إحراج حكومة الدبيبة والسعي إلى سحب البساط من تحت أرجلها، وإضفاء شرعية جديدة على حكومته. في هذه الظروف، وقبيل وصول باشاغا، تحدثت بعض وسائل الإعلام المقربة من الطرف الثاني عن أن عبد الحميد الدبيبة أعطى الأوامر للطيران المسيَّر بأن يكون في حالة استنفار، وأن يظل على أهبة الاستعداد لأية طوارئ[1].

وقد كشفت تلك المواجهة السريعة بين قوات باشاغا والدبيبة عن فشل في تقدير الأول لقوة داعميه مقارنة بقوة المجموعات الموالية لخصمه (الدبيبة)، وهو مابدا واضحا منذ اللحظة الأولى لوصوله العاصمة، فخلال أقل من ساعتين، استطاعت القوات الداعمة للدبيبة، ممثلة في قوة “دعم الدستور” وقوة “دعم الاستقرار” التي كانت تسمى سابقًا باسم “شهداء بو سليم” و”فرقة الإسناد الأولى”، وكتيبة “فرسان جنزور”، المرتبطة بالجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة في محاصرة مقر كتيبة النواصي حيث يتواجد رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب. وكادت مغامرة باشاغا وفقا لأحد المسئولين العسكريين بالعاصمة طرابلس، أن تنتهي بإلقاء القبض عليه، وليس خروجه من العاصمة فقط، بعدما أصبحت الكلمة العليا على المستوى الميداني للقوات الداعمة للدبيبة، التي اشتبكت مع ميليشيا النواصي في منطقتي “سوق الجمعة” و”طريق الشط”، قبل أن يتدخل مصطفى حمزة قائد اللواء 444، التابع لمنطقة طرابلس العسكرية، بالوساطة، وفتح الطريق أمام خروج باشاغا ووزراء حكومته المرافقين له، بعد أن هددت ميليشيا “المجلس العسكري” في مصراتة بالتدخل ميدانيًا في العاصمة إذا لم تقم الميليشيات الموالية للدبيبة بإيقاف القتال والانسحاب من الشوارع وتأمين خروج باشاغا[2].

ويبدو أن تحركات باشاغا الأخيرة وفشله في دخول العاصمة والمكوث بها ستكون لها انعكاسات واسعة، يمكن عرضها على النحو التالي:

1- اهتزاز صورة باشاغا:

كشف رهان باشاغا في الاعتماد علي دعم المجموعات المسلحة المتمركزة داخل طرابلس عن سوء تقدير، حيث أن تلك المجموعات في النهاية تغير دفة توجهاتها لمن يدفع أكثر في وقت يمتلك فيه الدبيبة السيطرة على المصرف المركزي. كما كشفت خسارة باشاغا وخروجه السريع من طرابلس عن أن حجم الدعم الميداني الذي يحظى به على أرض الواقع أقل بكثير من الصورة التي سعى إلى تصديرها مؤخرًا سواء أمام داعميه الداخليين أو في الخارج، مما سيخصم كثيراً من رصيده داخلياً وخارجياً[3]. وهو ما تجلي في رفض الأطراف الدولية محاولة باشاغا للاستيلاء على السلطة بالقوة.

وعلي الرغم من تأكيد باشاغا أنه كان قادراً على دخول طرابلس بالقوة؛ لكنه اختار عدم اللجوء إلى هذه الوسائل كما فعلت الحكومات السابقة، حقناً لدماء الليبين، خاصة بين من كانوا في خندق واحد بالأمس القريب، إلا أن تلك المبررات لن تكون مقنعة حتي لدي داعمييه.

2- توجه الدبيبة للسيطرة علي طرابلس:

يبدو أن الدبيبة، بعد المواجهة المسلحة الأخيرة التي لم تنجح في إجباره على ترك منصبه، يتجه نحو مزيد من تحصين نفسه وتنقية محيطه من الموالين لخصمه باشاغا، أو حتى التي تقف على الحياد؛ وذلك من أجل إحكام السيطرة على طرابلس. وقد كانت الشخصيات العسكرية الموالية لباشاغا في العاصمة طرابلس الهدفَ الأول للدبيبة؛ إذ أقدم على إقالة أسامة الجويلي من مهام مدير إدارة الاستخبارات العسكرية، علماً بأن الجويلي يعتبر إحدى أبرز الشخصيات العسكرية في الغرب والمتحالفة مع باشاغا، ويقود كتائب الزنتان وأيضاً المنطقة العسكرية، الجبل الغربي. ومن المرجح أن يركز الدبيبة، في الفترة المقبلة، على إضعاف وتحجيم الفصائل الموالية لباشاغا في طرابلس؛ وأهمها كتيبة النواصي، والتي تسيطر على أجزاء حساسة في قلب العاصمة؛ بينها مقرات رسمية، مثل مطار معيتيقة الدولي، والتي يقودها مصطفى قدور، نائب رئيس جهاز المخابرات، الذي أقاله هو الآخر من منصبه[4].

ورغم أن كافة المؤشرات تقود إلى أن الدبيبة خرج أقوى وأكثر رسوخاً في وقت خسرت فيه الجماعات المسلحة المتحالفة مع باشاغا سيطرتها على بعض أجزاء العاصمة، إلا أن ما خلفته من تداعيات بين مكونات معسكرغرب ليبيا، ستمثل تحدي صعب لرئيس حكومة الوحدة الوطنية،على نطاق سيطرته داخل العاصمة خلال الفترة المقبلة، في ظل اضطراره إلى إلقاء القبض على عدد من ضباط الأمن الداخلي في المنطقة الغربية، بتهمة تسهيل عملية دخول باشاغا للعاصمة وهؤلاء بالطبع تقف خلفهم مليشيات وقبائل كبرى.

فأسامة الجويلي الذي أقاله الدبيبة من منصبه يعد من أبرز القيادات العسكرية في المنطقة الغربية، حيث ينحدر من مدينة الزنتان، في وقت تمثل فيه تلك المدينة رقمًا صعبًا في المعادلة الميدانية الليبية .[5]وبعد إقالته، قام الجويلي بتحريك وحدات تابعة له من منطقة الجبل الغربي نحو الجانب الجنوبي الغربي للعاصمة، وقبل تحرك وحدات الجويلي، أصدرت ميليشيا تابعة له تسمى “الدولة المدنية”، تتمركز في مدينة الزنتان، إنذارًا يحذر الدبيبة في حالة عدم تسليمه السلطة بحلول السادس والعشرين من مايو. أضف إلي ذلك، فقد رفض رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي قرار إقالة مصطفى قدور، الذي يحمل رتبة عقيد، وقيامه باستقباله في مقر ديوان المجلس الرئاسي، مؤكدًا أن قرارات الإقالة هي من اختصاصات المجلس الرئاسي وليس رئيس الحكومة. بعد هذا الموقف، حرك قدور وحدات تابعة له، وأعاد التمركز بالقوة في مقر جهاز المخابرات في منطقة “السبع” بالعاصمة[6].

3- تعزيز الانقسام السياسي:

ففي سيناريو مشابه لحالة الانقسام الحكومي بين حكومة فائز السراج في الغرب وحكومة عبدالله الثني في الشرق، لجأت حكومة باشاغا عقب خروجه من طرابلس إلى خيار اتخاذ مدينة سرت كمقر مؤقت لها كي تمارس مهامها من خلاله، وهو ما أعلنته الحكومة رسميًا في الحادي والثلاثين من مايو الماضي، في نفس يوم انعقاد جلسة مجلس النواب، التي دعا إليها المستشار عقيلة صالح بجانب حكومة باشاغا كلًا من محافظ المصرف المركزي، ورئيس ديوان المحاسبة، ومدير مؤسسة النفط؛ لمناقشة وإقرار ميزانية حكومة باشاغا.

وقد رفض رؤساء هذه المؤسسات حضور الاجتماع مع عقيلة وباشاغا، وأوفدوا ممثلين عنهم للمشاركة في الاجتماع، في مؤشر على رفضهم تمويل حكومة باشاغا، وهو ما دفع صالح إلى تهديد المؤسسات الرافضة للتعاون مع حكومة الأخير. فقد علق عقيلة صالح على عدم حضور المذكورين بالقول: “إن الأجهزة الرقابية تابعة لمجلس النواب، وإن رؤساء هذه الأجهزة غير الملتزمين بقوانين المجلس يعتبرون فاقدين لصفتهم، وأي مسؤول أو رئيس أي جهة تابعة لمجلس النواب، يمتنع عن تنفيذ ما يصدر عنه من قوانين وقرارات، يعتبر فاقداً للصفة والأهلية، ولا يمثل إلا نفسه، وعلى النيابة العامة تحمل مسؤوليتها في هذا الشأن”. كما علق صالح على تغيب محافظ مصرف ليبيا المركزي، الصديق الكبير، بالقول: “إن المصرف المركزي يجب أن يدار من قبل مجلس الإدارة وليس من المحافظ وحده، ولا يجوز للمركزي صرف الأموال دون قانون ميزانية”، في إشارة لتسييله أموالاً لحكومة الوحدة الوطنية[7].

دعوة صالح هذه الأطراف، خاصة محافظ المصرف المركزي، الصديق الكبير، تمت رغم وجود قناعة بعدم حضورهم هذه الجلسة، لكن تبدو هذه الخطوة بمثابة بداية ضغوط ستمارس على محافظ المصرف المركزي، إما كي يغير تموضعه الحالي، أو يسمح بإقرار الموازنة التي اقترحتها حكومة باشاغا[8]، والتي أقرها مجلس النواب في جلسته المنعقدة بسرت في 14 يونيو الحالي. وإذا رفض مصرف ليبيا المركزي في طرابلس تمويل ميزانية باشاغا بعد موافقة البرلمان عليها، فقد يطلب البرلمان من رئيس الفرع الشرقي لمصرف ليبيا المركزي توفير التمويل، ومن شأن ذلك أن ينهي فعليا عملية إعادة توحيد المصرف المركزي[9].

وهنا لابد من التنويه أن المنطقة الشرقية تناور بورقة النفط وإيقاف تصديره، للضغط على محافظ المصرف المركزي، لتوفير اعتمادات مالية لحكومة باشاغا[10]. فقد قام عدد من المكونات الليبية في جنوب وشرق البلاد بفرض حصار على الحقول النفطية، ومنع الإنتاج والتصدير، والإعلان عن استمرار حالة الإغلاق إلى أن يقوم رئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبدالحميد الدبيبة، بالخروج من المعادلة السياسية وتسليم السلطة لرئيس الوزراء الجديد المُنتخب من مجلس النواب “البرلمان”، فتحي باشاغا. وقد جاء ذلك بعد أن قامت المؤسسة الوطنية للنفط، يوم 14 أبريل الماضي، بتحويل نحو 6 مليارات دولار إلى مصرف ليبيا المركزي، وهو ما يتعارض مع ما أقره مجلس النواب الليبي، في مطلع مارس الماضي، بضرورة الاحتفاظ بعائدات النفط في حسابات المصرف الليبي الخارجي وعدم تحويلها إلى حسابات المصرف المركزي. واستهدف مجلس النواب من وراء ذلك الإجراء قطع التمويل عن حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبدالحميد الدبيبة[11].

كذلك، فمن المرجح أن تكون للتطورات الأخيرة التي شهدتها طرابلس تداعيات سلبية على المسار السياسي والدستوري الراهن، بما يزيد من صعوبة التوصل إلى توافقات بين الأطراف المتحاورة. فرغم انتهاء أعضاء لجنة المسار الدستوري المكونة من 24 عضوًا، بالمناصفة بين مجلس النواب والأعلي للدولة من أجل إيجاد مسار يفضي إلي انتخابات مؤجلة منذ نهاية 2021، من جولتين من مشاورات المسار الدستوري في القاهرة، وإعلان المبعوثة الأممية ستيفاني وليامز في نهاية الجولة الثانية، في 20 مايو، عن توافق اللجنة على 137 مادة من مواد مشروع الدستور (يتكون مشروع الدستور من 197 مادة)، إلا أنه ينتظر أن تتواصل المشاورات حول ما تبقى من مواد في مشروع الدستور خلال الجولة الثالثة، التي ستنعقد يوم 11 يونيو الجاري وسط تحديات واختلافات لا تزال تحيط بهذا المسار.

ومن بين تلك التحديات طبيعة تشكيل اللجنة، إذ إن ممثلي الطرفين من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، جرى اختيارهم بناء على خريطتين متضاربتين، إذ تقوم خريطة النواب على إجراء تعديل على مشروع الدستور والاستفتاء عليه ليكون أساسا دائما للانتخابات، أما خريطة المجلس الأعلى فتقوم على صياغة قاعدة دستورية مؤقتة للانتخابات وإرجاء النظر في مشروع الدستور إلى الهيئة التشريعية الجديدة بعد الانتخابات. ناهيك عن رفض الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور، إجراء أية تعديلات على مسودة الدستور المنجزة منذ 2017، باعتبارها خطوة تمثل تعديًا على الاختصاصات المناطة بها. ويطرح هذا التباعد جملة أسئلة حول إمكانية وصول اللجنة الدستورية إلى اتفاق في الجولة الثالثة المقررة في الفترة من 12 إلي 19 يونيو الحالي[12]، والتي ستتركز على معالجة نقاط الخلاف بين مجلسي الأعلي والنواب؛ من بينها الاقتصار على الانتخابات النيابية أو المزامنة بينها وبين الانتخابات الرئاسية، وشروط الترشح للانتخابات الرئاسية.

ختاماً؛ إلي أين تتجه الأزمة الليبية؟،

بعد فشل محاولة باشاغا دخول العاصمة طرابلس وفرض حكومته كأمر واقع، ومع انتهاء ولاية حكومة الدبيبة في 22 يونيو الماضي، وفقاً لخريطة الطريق التي أقرها منتدى الحوار الوطني في السابق. من المتوقع أن يتوصل الفواعل الدولية والإقليمية إلى خريطة طريق جديدة ربما تستحدث حكومة أخرى غير حكومتي الدبيبة وباشاغا سواء عبر اقصاء الحكومتين أو دمجهم معًا. وهو ما يمكن تلمسه في المبادرة التي طرحها رئيس مجلس الدولة خالد المشري، التي تقترح تشكيل حكومة مصغرة تكون قادرة على إنجاز الاستحقاقات الانتخابية[13]. وعلي الرغم من أن مجلس النواب لا ينوي التخلي عن باشاغا حتى بعد فشل المحاولة الأخيرة؛ إذ أعلن أنه لا ينوي المشاركة أو الموافقة على تشكيل حكومة مصغرة ثالثة تنهي عمل الحكومتَين الحاليتَين المتقاتلتَين، مؤكداً مواصلة دعمه حكومة فتحي باشاغا إلى حين إجراء انتخابات عامة، وعلي الرغم من تمسك الدبيبة بمنصبه وعدم التخلي عنه إلا لحكومة منتخبة. إلا أن بعض المتابعين للشأن الليبي يرجحون أن تؤدي المفاوضات الجارية في القاهرة بين وفدَي مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة بشأن التوافق على قاعدة دستورية، إلى الاتفاق على تشكيل حكومة جديدة بديلة عن حكومتَي باشاغا والدبيبة[14]. وقد تعززت تلك الترجيحات مع تصريحات باشاغا، والتي أكد خلالها استعداده تسليم الحكومة لأي شخص يتم التوافق عليه من قبل مجلسي النواب والدولة، حال تم التوصل إلى اتفاق بشأن تشكيل حكومة مصغرة تتولى السلطة لإدارة المرحلة الانتقالية وتنهي حالة الاستقطاب الحالية[15]. فيما نقلت تقارير إعلامية عن مصادر غربية، أن الدبيبة قد أبدى إمكانية تسليم السلطة إلى رئيس حكومة جديدة لا يكون باشاغا، على أن يكون مشاركاً في اختياره[16].

كما تشتمل الخريطة الجديدة علي ترتيبات عسكرية جديدة تتمثل في؛ الحفاظ علي وقف إطلاق النار، وتجنب التصعيد والانزلاق إلى الاشتباكات بين المليشيات، وتوحيد المؤسسة العسكرية، وحل المليشيات، وإخراج المرتزقة. وقد تم مناقشة هذه الترتيبات خلال اجتماعات اللجنة العسكرية الليبية المشتركة “5+5″، في القاهرة في 15 يونيو، وقد جمعت تلك الاجتماعات إلى جانب أعضاء اللجنة العسكرية الليبية، رئيس أركان قوات شرق ليبيا الفريق عبد الرازق الناظوري، ونظيره في المنطقة الغربية محمد الحداد. وتأتي اجتماعات اللجنة العسكرية التي تستمرّ لثلاثة أيام في القاهرة، بالتزامن مع اجتماعات لجنة المسار الدستوري التي تضمّ أعضاء مجلسي النواب والأعلى للدولة، بحضور رئيسة البعثة الأممية ومستشارة الأمين العام للأمم المتحدة حول ليبيا ستيفاني وليامز[17].

وما يعزز من إمكانية نجاح هذه الترتيبات الجديدة، حالة التعويل الدولي على اجتماعات القاهرة، حيث أكدت المبعوثة الأممية الخاصة في ليبيا ستيفاني ويليامز مع انطلاق الجولة الثالثة، في الفترة من 11 إلي 19 يونيو، للمشاورات الدستورية بين مجلسي النواب والأعلي للدولة، بأن “هذه هي الجولة الأخيرة من مشاورات المسار الدستوري وأنه لا مجال لأي اخفاقات”، مطالبة وفدي المجلسين بضرورة “الخروج بإطار دستوري ينظم العملية الانتخابية”[18]. كما أشارت بعض التقارير إلى أن ثمة مساع راهنة تقوم بها إيطاليا لعقد مؤتمر دولي تتم خلاله دعوة كافة الأطراف المنخرطة في الملف الليبي، وألمحت هذه التقارير إلى أن هذا المؤتمر من المرجح أن يعقد في أحد الدول العربية، وبمشاركة عدد من القوى الدولية، في مقدمتها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، فضلاً عن مشاركة عدة قوى إقليمية، على غرار مصر وتركيا، ورجحت هذه التقارير عقد هذا المؤتمر قبل 22 يونيو الجاري[19].

يأتي ذلك في الوقت الذي تنغمس فيه الولايات المتحدة الأمريكية في الأزمة الليبية بصورة مباشرة خاصة بعد حالة الاغلاق النفطي. ويتماشى هذا الموقف مع مُجمل التحركات الأمريكية منذ اندلاع الحرب الروسية – الأوكرانية تجاه دول “أوبك”، والتي تستهدف زيادة إنتاج الدول المُصدرة للنفط، بهدف خفض الأسعار عالمياً والعمل على إيجاد مصادر بديلة عن النفط الروسي، خاصة أن ليبيا تمتلك أحد أكبر احتياطات النفط في أفريقيا. من ناحية أخرى، تشير تقديرات متباينة إلى أن الجهود الأمريكية المكثفة في تلك الأزمة ناجمة عن تخوفها من إمكانية قيام موسكو باستغلال علاقاتها مع الشرق الليبي ولعب “دور المُفسد” لأية تسويات والعمل على زعزعة الاستقرار وإطالة أمد الأزمة؛ وذلك لممارسة مزيد من الضغط على أسواق النفط العالمية، ومن ثم إجهاض مخطط واشنطن الرامي لفرض حظر على النفط الروسي[20].

وفي هذا السياق، فقد توافد عدد من الطائرات العسكرية الأجنبية من جنسيات مختلفة (أمريكية وبريطانية وإيطالية) على مطار مصراتة في ظرف زمني متقارب، تزامناً مع تسريبات عن عملية عسكرية يُرتب لها للهجوم على الموانئ النفطية شرق سرت والمقفلة منذ أشهر لفتحها بالقوة[21]. وفي حين أن احتمال هذه العملية العسكرية يبقى وارداً بهدف نقل الحرب بين روسيا والغرب من شرق أوروبا إلى صحراء ليبيا وحقولها النفطية من خلال دعم قوات نظامية على الأرض تقاتل قوات حفتر المدعومة من الفاغنر وتفتك بحقول النفط وموانئ التصدير، في حين يجري الحديث عما يشبه عملية جراحية معقدة تتولاها قوات الناتو والأفريكوم والطيران التركي المسير من الجو للضغط على الفاغنر للانسحاب. فيما يبقى الاحتمال الذي يؤيده بعض القادة العسكريين في الشرق والغرب، وهو قبول الروس بالوساطة التركية والانسحاب طواعيةً من ليبيا، كما كان متفقاً عليه في 2019، وتشكيل قوات مشتركة تستلم الموانئ النفطية والحقول سلمياً من قوات حفتر[22].

 

 

[1] “حوادث طرابلس: وجه آخر لتعقيدات الأزمة الليبية”، مركز الجزيرة للدراسات، 19/5/2022، الرابط: https://bit.ly/3zq9pcz

[2] “كيف تغيرت موازين الصراع في ليبيا بعد مغامرة باشاغا ؟”، مصر360، 20/5/2022، الرابط: https://bit.ly/39cazxM

[3] المرجع السابق.

[4] ” بعد فشل باشاغا في طرابلس.. ليبيا نحو انقسام آخر”، كيو بوست، 28/5/2022، الرابط: https://bit.ly/3xIAO8d

[5] “كيف تغيرت موازين الصراع في ليبيا بعد مغامرة باشاغا ؟”، مرجع سابق.

[6] ” سيناريوهات معقدة… ليبيا والمسير نحو استحقاق يونيو”، المرصد المصري، 4/6/2022، الرابط: https://bit.ly/3xiaKiO

[7] ” ليبيا: دعوة برلمانية لعقد اجتماع الاثنين القادم يبحث نتائج اجتماع صالح وباشاغا”، العربي الجديد، 2/6/2022، الرابط: https://bit.ly/3zA4mXe

[8] ” سيناريوهات معقدة… ليبيا والمسير نحو استحقاق يونيو”، مرجع سابق.

[9] “بخطوة قد تصعد المواجهة.. مجلس النواب الليبي يصوت اليوم لإقرار ميزانية حكومة باشاغا”، الجزيرة نت، 15/6/2022، الرابط: https://bit.ly/3QlbIUn

[10] ” سيناريوهات معقدة… ليبيا والمسير نحو استحقاق يونيو”، مرجع سابق.

[11] ” صراع باشاغا – الدبيبة: دوافع الجدل حول آلية توزيع عوائد النفط في ليبيا”، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 2/6/2022، الرابط: https://bit.ly/3MxV3de

[12] ” أسبوع على الجولة الثالثة.. إلى أين يتجه مسار ليبيا الدستوري؟”، العربي الجديد، 3/6/2022، الرابط: https://bit.ly/3aXmfoy

[13] ” دعم جديد لـ”باشاغا” ومبادرات لمنع انجرار ليبيا إلى صراع عسكري”، إندبندنت عربية، 5/6/2022، الرابط: https://bit.ly/3xmCnav

[14] ” بعد فشل باشاغا في طرابلس.. ليبيا نحو انقسام آخر”، مرجع سابق.

[15] “”النواب” و”الدولة” يشكلان لجنة لحل الخلاف حول شروط الترشح”، عربي21، 13/6/2022، الرابط:  https://bit.ly/3mIxILb

[16] “أفكار لتسوية ليبية: حل الأزمة باستبعاد الدبيبة وباشاغا؟”، العربي الجديد، 16/6/2022، الرابط: https://bit.ly/3b6bvEn

[17] ” اللجنة العسكرية الليبية تبحث في القاهرة الخروج المتزامن للمرتزقة والقوات الأجنبية”، العربي الجديد، 15/6/2022، الرابط: https://bit.ly/3OfSdKV

[18] “”النواب” و”الدولة” يشكلان لجنة لحل الخلاف حول شروط الترشح”، مرجع سابق.

[19] “أزمة قائمة : انعكاسات إقالة الدبيبة لمدير الاستخبارات على المشهد الليبي”، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 9/6/2022، الرابط: https://bit.ly/3HkobUi

[20] ” صراع باشاغا – الدبيبة: دوافع الجدل حول آلية توزيع عوائد النفط في ليبيا”، مرجع سابق.

[21] ” البرلمان الليبي يواجه معضلة النصاب للتصويت على موازنة حكومة باشاغا”، إندبندنت عربية، 15/6/2022، الرابط: https://bit.ly/3xTqgTW

[22] ” هل ينقل الغرب صراعه مع الروس إلى صحراء ليبيا؟”، رصيف22، 15/6/2022، الرابط: https://bit.ly/39zYJNQ

]]>
https://politicalstreet.org/5273/feed/ 0
تعيين فتحي باشاغا رئيسًا جديدًا للحكومة الليبية المؤقتة: قراءة فى المواقف والتداعيات https://politicalstreet.org/4983/?utm_source=rss&utm_medium=rss&utm_campaign=%25d8%25aa%25d8%25b9%25d9%258a%25d9%258a%25d9%2586-%25d9%2581%25d8%25aa%25d8%25ad%25d9%258a-%25d8%25a8%25d8%25a7%25d8%25b4%25d8%25a7%25d8%25ba%25d8%25a7-%25d8%25b1%25d8%25a6%25d9%258a%25d8%25b3%25d9%258b%25d8%25a7-%25d8%25ac%25d8%25af%25d9%258a%25d8%25af%25d9%258b%25d8%25a7-%25d9%2584%25d9%2584%25d8%25ad%25d9%2583%25d9%2588 https://politicalstreet.org/4983/#respond Wed, 23 Feb 2022 11:43:33 +0000 https://politicalstreet.org/?p=4983  

 

صوت مجلس النواب الليبي، فى 10 فبراير 2022 على نحو عاجل لتعيين وزير الداخلية السابق فتحي باشاغا رئيساً جديداً للوزراء – باجماع النواب الحاضرين بعد انسحاب المرشح المنافس له، خالد البياص-. ومن المقرر أن يحل محل عبد الحميد الدبيبة، الذي شغل منصب رئيس “حكومة الوحدة الوطنية” المعترف بها دولياً والذي جرى تنصيبها قبل نحو عام. ونظم عملية التصويت رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، بحجة أن فترة ولاية “حكومة الوحدة الوطنية” الحالية انتهت في ديسمبر 2021 بعد تأجيل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقررة. وأمام باشاغا أسبوعين لتشكيل الحكومة وتقديمها لمجلس النواب لتنال الثقة[1]. وسيكون على باشاغا، في حال حصول حكومته على ثقة البرلمان، إنجاز الاستحقاقات الانتخابية، في غضون 14 شهراً من إقرار القاعدة الدستورية الجديدة، وهو ما يعني أن الانتخابات لن تُجرى قبل خريف 2023، لو تمّ الالتزام بهذا المسار الذي ترفضه الأمم المتحدة، على اعتبار أنها تسعى لإجراء الانتخابات بحلول الصيف المقبل[2]. وهو المسار الذى يرفضه أيضًا الدبيبة الذى لا يزال متمسكًا بمنصبه، حيث أكد أنه لن يتنحى حتى يتمكن من تسليم السلطة إلى حكومة منتخبة من الشعب الليبي. كما تعهد بتقديم جدول زمني جديد للانتخابات يجري التصويت بموجبه في يونيو القادم، واقترح إمكانية إجراء الانتخابات البرلمانية قبل التصويت الرئاسي[3].

كما صوت البرلمان على تعديل الإعلان الدستوري، من أجل تشكيل لجنة من 24 شخصاً من الخبراء والمختصّين الذي يمثّلون الأقاليم الثلاثة، على أن يتمّ اختيارهم مناصفة بين مجلس النواب و”المجلس الأعلى للدولة”. وتتولّى هذه اللجنة مراجعة النقاط محلّ الخلاف في مشروع الدستور المُنجَز من قِبَل الهيئة التأسيسية، وإجراء التعديلات المكمّلة عليه. ولن تُعتبر اجتماعاتها قائمة إلّا بحضور ثلثي الأعضاء، على أن يكون مقرها الرئيسي في مدينة البيضاء، ويجوز لها عقد جلساتها في أيّ مدينة أخرى. وحدّد القرار مدّة 45 يوماً لتنتهي اللجنة مـن إجراء التعديلات، بدءاً من أوّل اجتماع لها خلال أسبوعين من تاريخ صدور التعديل، على أن يُحال مشروع الدستور مباشرة إلى “المفوّضية الوطنية العليا للانتخابات” للاستفتاء عليه. وفي حال تعـذّر إجراء التعديلات، بعد انتهاء المدّة، تتولّى لجنةٌ مشكّلة من مجلسَي النوّاب و”الدولة”، إعداد قاعدة دستورية وقوانين انتخابية ملزِمة للطرفين، لدورة رئاسية وبرلمانية واحدة. ويُحال النظر في مشروع الدستور المُنجَز من قِبَل الهيئة التأسيسية إلى السلطة التشريعية الجديدة[4]. وتسعى هذه الورقة إلى التعرف على أبرز المواقف والتداعيات على خطوة مجلس النواب باختيار باشاغا رئيسًا للحكومة المؤقتة وتعديل الإعلان الدستورى.

أولًا: موقف المنطقة الغربية:

تنوعت وتباينت المواقف داخل المنطقة الغربية حول اختيار باشاغا بدلًا عن الدبيبة لرئاسة الحكومة، ويمكن تناول أبرز تلك المواقف كما يلى:

المجلس الأعلى للدولة:

يبدو أن موقف المجلس الأعلى للدولة لا يزال مترددًا فى دعم اختيار باشاغا رئيسًا للحكومة. ففى حين أعلن رئيس مجلس النواب الليبي، عقيلة صالح، أن البرلمان قد تسلم رسالة من مجلس الدولة، تنطوي على تزكية فتحي باشاغا لتولي رئاسة الحكومة، في مؤشر يعكس بلورة توافقات بين مجلسي النواب والدولة[5]، في ملفي خارطة الطريق والحكومة الجديدة، خاصة بعد الأنباء التي تحدثت سابقًا عن عقد لقاء بين رئيس مجلس النواب عقيلة صالح ورئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري في المغرب، إذ أكد المشري، فى 6 فبراير الحالى، حدوث هذا اللقاء، معتبرًا أنه كان لقاء غير رسمي، وبدا منه وجود تجاوب بين المجلسين. وهو ما يشير إلى أن القرارات الأخيرة لم تكن فقط حصيلة التوافقات الناتجة عن اجتماع المرشحين الرئاسيين (باشاغا وحفتر وعقيلة ومعيتيق والنايض) في بنغازي أواخر عام 2021، بل أيضًا حصيلة تقارب في وجهات النظر بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، خاصة أن المشري تحدث عن قرب زيارته لمدينة طبرق[6]. كذلك، فقد ظهرت مؤشرات تدل على أن رئيس المجلس خالد المشري، والعشرات من أعضائه أقرب إلى موقف مجلس النواب في دعم باشاغا، وزير الداخلية السابق في حكومة الوفاق السابقة التى كانت تحظى بدعم قوى من قبل المجلس الأعلى.

وهى المؤشرات التى يمكن تلمسها فى اختلاف وجهتى النظر بين الدبيبة والمشرى حول من يملك صلاحية تغيير الحكومة، ففى حين يعتبر الدبيبة، أن المجلس الرئاسي بأعضائه الثلاثة من يحق له إقالة رئيس الحكومة وتعيين رئيس جديد للوزراء، طبقا للإعلان الدستوري، الذي يحدد مهام رئيس الدولة الذي يقوم المجلس الرئاسي حاليا بمهامه. غير أن المشري، يشدد على أن تعيين رئيس حكومة جديد من صلاحيات مجلسي النواب والدولة، طبقا للاتفاق السياسي. ففي الوقت الذي كان من المنتظر أن تعقد جلسة للمجلس الأعلى للدولة، فى 12 فبراير، لمناقشة اختيار مجلس النواب في طبرق لرئيس حكومة جديد، تم تأجيل الجلسة “لأسباب أمنية”، وخرج المشري في كلمة مباشرة لتوضيح موقف المجلس. وأهم ما أكد عليه المشري، أن حكومة الوحدة انتهت مهمتها في 24 ديسمبر 2021، وأصبحت منذ ذلك التاريخ حكومة تصريف أعمال إلى غاية اختيار رئيس حكومة جديد أو تجديد الثقة في الدبيبة. وأقرّ بوجود توافق بين مجلس الدولة ومجلس النواب في طبرق على خريطة طريق، وأكد على أحقية المجلسين في تغيير الحكومة، نافيا وجود سند قانوني يعطي الحق للمجلس الرئاسي بتغيير الحكومة. وأشار المشري إلى أن 52 عضوا في مجلس الدولة (نحو 39 بالمئة) منحوا تزكياتهم لباشاغا، و26 لخالد البيباص، و5 لمرشح آخر. في حين تم الاتفاق على أن المرشح لرئاسة الحكومة لا بد أن يحصل على 30 تزكية على الأقل من مجلس الدولة و40 من مجلس النواب، ولم يستوف هذا الشرط سوى باشاغا.

وخلاصة كلمة المشري، أن مجلس الدولة يعترف بباشاغا رئيسا للحكومة بدلا من الدبيبة، لكنه ترك خط الرجعة يتيح له مجالا للمناورة، عندما قال: “لن نقبل أن يكون هناك رئيس وزراء عليه طعن أو شكوك في طريقة الاختيار”. إذ أن عددا ليس بالقليل من أعضاء مجلس الدولة اعترضوا على خريطة الطريق التي أقرها مجلس النواب، وطالبوا بأن يكون تغيير الحكومة بعد الاستفتاء على الدستور وليس بالتزامن مع تعديل الإعلان الدستوري. كما أن المجلس الأعلى للدولة يتعرض لضغط شديد من الرأي العام في المنطقة الغربية، والكتائب المسلحة الداعمة للدبيبة، التي حشدت قواتها في طرابلس رفضا لتولي باشاغا رئاسة الحكومة. وهذا الضغط الشعبي وحتى العسكري، يدفع المجلس الأعلى للدولة، للتريث قبل إعلان موقفه النهائي والرسمي في هذه المسألة. وأصدر المجلس، فى 13 فبراير، بيانًا، أكد فيه أن “التعديل الدستور الـ12 الصادر عن مجلس النواب، وكذلك تغيير رئيس الوزراء قرارات غير نهائية”. ما يرجح أن المجلس الأعلى للدولة قد يتراجع عن دعم باشاغا، مع استمرار الضغط الشعبي والعسكري لأنصار الدبيبة، الذي دعاهم للخروج إلى الميادين في 17 فبراير، ذكرى الثورة على نظام معمر القذافي لرفض التمديد الذي يسعى إليه مجلس النواب في طبرق[7]. كما أكد المشري، في بيان له 16 فبراير، إن إصدار مجلس النواب قراراً بتكليف رئيس جديد للحكومة قبل عقد جلسة رسمية للمجلس الأعلى “إجراء غير سليم لا يساعد على بناء جسور الثقة بين المجلسين”.

ويأتى ذلك، بعدما أعلن 54 عضواً بالمجلس الأعلى للدولة الليبي بدروهم، رفضهم الكامل لقرار برلمان طبرق تكليف وزير الداخلية السابق فتحي باشاغا بشغل منصب رئيس الحكومة الجديدة، عوضاً عن رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، مشدّدين على أن “إجراء سحب الثقة من الحكومة جاء مخالفاً للإعلان الدستوري والاتفاق السياسي، مما يجعله باطلاً”. حيث قال هؤلاء الأعضاء، في بيان: “إن ما صدر عن مجلس النواب لا يعد إلا مقترحات إلى حين نقاشها والتصويت عليها بجلسة رسمية ومعلنة بالمجلس الأعلى للدولة”. البيان أكد أن “التعديل الدستوري الثاني عشر، أقر من مجلس النواب قبل عرضه بصيغته النهائية في جلسة رسمية بالمجلس الأعلى للدولة”، لافتاً إلى أن “التعديل الدستوري المقترح جاء مخالفاً للمادة 12 من الاتفاق السياسي والمادة 36 من الإعلان الدستوري بشأن آلية التصويت بالأغلبية الموصوفة وليس المطلقة كما صرح بذلك رئيس مجلس النواب في الجلسة المنقولة على الهواء”[8]. كذلك فأن التصريحات الفردية من قبل أعضاء المجلس الأعلى تسير فى هذا الاتجاه، فقد نفى عضو المجلس عبد القادر جويلي تصويت أعضاء المجلس بتزكية فتحي باشاغا لرئاسة الحكومة، وأكد أن المجلس الأعلى للدولة لم يجتمع بعد بخصوص قرار تزكية أحد المترشحين. وصرح عضو المجلس إبراهيم صهد بأنه لم يتم عرض برنامج كلا المرشحين لرئاسة الحكومة على المجلس الأعلى للدولة، ولم تكن الفرصة متاحة أمام جميع أعضاء المجلس لطرح تزكياتهم، مشيرًا إلى أنه لا علم لديه حول التزكيات التي تم تقديمها من المجلس الأعلى للدولة إلى مجلس النواب. فيما أعرب بعض أعضاء المجلس بشكل واضح عن رفضهم لقرارات مجلس النواب، مثل عضوي المجلس مصطفى التريكي وعبد الرحمن الشاطر[9].

خلاصة القول، أن مجلس الدولة، وإن كان أغلبية أعضائه يؤيدون باشاغا، خاصة أن وصوله إلى رئاسة الحكومة ربما يمهد الطريق للتوافق بين الشرق والغرب الليبي، والإسراع في ملف توحيد المؤسسات الليبية وتشكيل حكومة تمثل الأطراف كافة، بجانب ما يحظى به من نفوذ فى المنطقة الغربية وشبكة علاقات دولية وإقليمية واسعة[10]. والأهم من ذلك، هو إدراج الخارطة الجديدة التى وضعها البرلمان للمجلس الأعلى للدولة كطرف شريك بالتوافق في المرحلة المُقبلة دستوريًا. وهو ما قد حفز اتجاه المجلس لتقديم تزكيته للحكومة الجديدة، رغم نفي المتحدث باسم المجلس التوافق على هكذا خطوة مع مجلس النواب قبلها بساعات قليلة[11]. ووفقًا للتعديل الدستوري الذي تم إقراره من قبل البرلمان، بات الاستفتاء على الدستور هو الأولوية الأساسية في المسار السياسي الليبي، وصولًا إلى عقد الانتخابات الرئاسية والتشريعية، إلا في حالة ما إذا فشلت اللجنة المشكلة لمراجعة المواد الخلافية في مشروع الدستور الحالي، في إتمام عملها ضمن المهلة القانونية، حيث سيتم الذهاب في هذه الحالة مباشرة إلى انتخابات تشريعية ورئاسية. هذا المسار نتج بشكل أساسي عن التوافقات التي تمت خلال الفترة الماضية بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة اللذين -رغم تباين مواقفها حيال مصير حكومة الوحدة الوطنية، وخلافهما السابق حول أولويات المرحلة السياسية الحالية “انتخابات رئاسية – استفتاء على الدستور”- تمكنا من التوافق بشكل مبدئي، بحيث يقوم البرلمان بتغيير الحكومة الحالية -التي سحب عنها الثقة سابقًا- ويكون للمجلس الأعلى للدولة ما أراده من تأطير المسار السياسي المقبل، عبر تعديل دستوري جديد[12].

ومع ذلك، فإن المجلس الأعلى لم يعبر عن موقفه بشكل رسمى ونهائى فى ظل وجود أصوات غير قليلة داخل المجلس ترفض تغيير الحكومة، كما أنه يحاول تلافي الصدام مع حكومة الدبيبة والقوى المتحالفة معها بمصراتة وطرابلس، خاصة إذ تمكن الدبيبة من حشد الرأي العام في المنطقة الغربية والجزء الأكبر من كتائبها المسلحة ضد تغيير الحكومة والتمديد لمجلس النواب والدولة 14 شهرًا[13]. وفى ضوء ذلك، فقد ظهرت أحاديث عن وجود حالة من الانقسام بين جماعة الإخوان، خاصة تيار فتحي باشاغا وحزب العدالة والبناء اللذين تقاربا مع حفتر، وتيار المفتي الشيخ الغرياني الذي حافظَ على مناهضته للتحالف مع حفتر. هذا فيما بقي تيار خالد المشري رئيس المجلس الأعلى للدولة بين بينين، يحاول مسك العصا من المنتصف، يظهر عداءً لحفتر لكنه في الواقع موافق على الحكومة الجديدة، ما قد يثبت حقيقة الرؤية السياسية للتعاطي مع تغيُّرات الوضع الإقليمي، وإعادة التموقع من جديد للمحافظة على الكيان من الانزلاقات التي تشهدها الدول المجاورة، وهو ما انعكس على العلاقات داخل القيادات التي كانت بالأمس مقارعة لحفتر على الجبهات[14].

حكومة الدبيبة:

رفض عبدالحميد الدبيبة إقالته من رأس الحكومة الليبية، واتجه إلى تبني السياسات التالية:

1- رفض الاستقالة من منصبه: اعتبر الدبيبة، في 1 فبراير، أن ما يقوم به مجلس النواب يمثل محاولة يائسة لعودة الانقسام، مشيراً إلى أن حكومته مستمرة في عملها لحين الانتهاء من الانتخابات، كما استبق الدبيبة جلسة تصويت البرلمان بإلقاء خطاب لليبيين، في 8 فبراير الجاري، طالب خلاله الليبيين بالتظاهر والاحتجاج ضد خريطة الطريق التي أعلن عنها مجلس النواب. كما أعلن الدبيبة أنه سيشرع في مشاورات من أجل تقديم خطة عمل بشأن إجراء الانتخابات في يونيو المقبل، في محاولة لعرقلة النواب عن تنفيذ خطته[15]. وكان الدبيبة قد تحدث الدبيبة، فى 10 فبراير، عبر إحدى الفضائيات المحلية، مؤكدا أنه لا يزال يمارس عمله وفقًا للمدد الزمنية المنصوص عليها في خارطة الطريق المعتمدة من قبل ملتقى الحوار في تونس، مضيفًا أن المجلس الرئاسي هو من يحق له تغيير حكومة الوحدة الوطنية وفقًا لخارطة الطريق في جنيف، وجدد الدبيبة تأكيده السابق بأنه سيسلم السلطة لجهة منتخبة من الشعب الليبي. اللافت هنا أن الدبيبة حاول في تصريحاته هذه اللعب على وتر أن خارطة الطريق الجديدة هي وسيلة لتمديد تواجد مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة في الحياة السياسية الليبية، وأنها تسببت في تأجيل عقد الانتخابات، متهمًا لأول مرة بالاسم “الإخوان والعسكر” لأجل التمديد للبقاء في السلطة. ويعني دبيبة بالعسكر حلف عقيلة صالح وحفتر، بينما يقصد بـ”الإخوان” رئيس مجلس الدولة خالد المشري، واتفاقهما على خريطة طريق صوّت لها البرلمان بهدف تعديل الدستور. كما حاول أن يستميل الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور في صفه، عبر قوله إنها “الهيئة الوحيدة المنتخبة المتماسكة”[16].

2- الترويج بوجود انقسام برلمانى حول الإطاحة به: وهو ما ظهر فى اجتماع رئيس الحكومة الدبيبة مع أعضاء من مجلس الدولة، فى 8 فبراير. وفي تصريح صحافي عقب اللقاء، أكد الدبيبة أنه وهم رافضون أي عبث أو أي قرار أحادي الجانب يتخذ من قبل مجلس النواب، مشددا على ضرورة الدفع بالمسار الدستوري من أجل الوصول إلى الانتخابات. وجاء هذا اللقاء بعد يوم من إعلان مجلس النواب في طبرق، أن يوم 10 فبراير سيجري خلاله التصويت على اختيار رئيس الحكومة الجديد، الذي يتنافس عليه كل من المترشحين الرئاسيين فتحي باشاغا وخالد البيباص. وهو ما جعل المراقبين يرون فى هذا اللقاء محاولة لإيهام الرأي العام المحلي والخارجي بوجود انقسام بين البرلمان ومجلس الدولة بشأن مساعي تغيير الحكومة[17]. وينطبق الأمر نفسه، على الاجتماع الذي ترأسه النائب الأول لرئيس البرلمان الليبي فوزي النويري، وحضره 48 نائبا في العاصمة طرابلس، فى 6 فبراير. خاصة أن النويري، عقب هذه الجلسة التشاورية، أوضح أن “الأمر الذي يفرض على الليبيين أن ينتظروا تمثيلا في مجلس النواب من أجل الوصول لخارطة طريق تتضمن حلولا لكافة الأزمات والمسارات وفي مقدمتها المسار الدستوري، والذي من شأنه أن يوصل للانتخابات”. وهو بهذا التصريح يؤكد على أولوية الاستفتاء على الدستور أو على الأقل وضع قاعدة دستورية قبل إجراء الانتخابات، على خلاف خريطة الطريق التي يحاول رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، فرضها على الجميع، من خلال التركيز على تغيير الحكومة قبل الذهاب للانتخابات. فعقيلة، خصص جلسة البرلمان المقررة فى 7 فبراير، للنظر في ملفات المترشحين لرئاسة الحكومة، قبل اختيار رئيس حكومة جديد فى 10 فبراير، خلفا لعبد الحميد الدبيبة، متجاهلا طلب 62 نائبا من الداعمين للأخير من أجل تأجيل هذه الجلسة لمزيد من التشاور[18].

3- الاستناد على دعم الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور: كانت الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور هي صاحبة أول سهام النقد الموجهة لقرارات مجلس النواب، فقد انتقد عضوا الهيئة نادية عمران وضو المنصوري هذه القرارات، وعدّتها “اقتسامًا للسلطة” بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة. كذلك أعرب خمسة عشر عضوًا من أعضاء مجلس النواب، عن تشكيكهم في طريقة التصويت على التعديل الدستوري الجديد، والتي تمت عن طريق رفع الأيدي بشكل رأى المعترضون أنه كان متسرعًا وغير دقيق[19].

4- الاستعانة بالميليشيات المسلحة: زار الدبيبة في 12 فبراير مدينة مصراتة، حيث اتجه إلى الحصول على دعم ميليشياتها في مواجهة قرار مجلسي النواب والدولة، فقد أعلنت 65 كتيبة وتشكيلاً مسلحاً في مصراته رفضها اختيار باشاغا رئيساً للحكومة والتصويت على تعديل الإعلان الدستوري. كما وصلت فاقلة مكونة من أكثر من 100 مركبة إلى مدينة طرابلس قادمة من مصراتة، في مؤشر واضح أن الدبيبة لن يتخلى عن الحكم بسهولة.

5- محاولة جذب الرأى العام لصالحه: أعلنت مصادر مقربة من الدبيبة أن الأخير قد تعرض لمحاولة اغتيال فاشلة، في 10 فبراير الجاري، في خطوة فسرتها الكثير من التقديرات بأنها محاولة من قبل الدبيبة لتعطيل عملية تصويت مجلس النواب على اختيار رئيس الحكومة الجديدة، فضلاً عن مساعيه للترويج لفكرة أن القوى السياسية التي كان قد أعلن أنه يسعى لعدم استمرارهم في المشهد يسعون إلى الإطاحة به حتى من خلال الاغتيال[20]. كما أنه في نفس اليوم الذى أعلن فيه البرلمان عن تعيين باشاغا بديلًا عن الدبيبة، فقد زار عبد الحميد الدبيبة مركز تشخيص وعلاج أطفال مرضى التوحد في العاصمة طرابلس، وأعلن عن صرف منحة مالية قيمتها 600 دينار شهريًا لأولياء الأمور القائمين على رعاية أبنائهم المصابين بمرض التوحد. وقد شهدت مدينتا مصراتة وطرابلس، فى 11 و12 فبراير، فعاليات احتجاجية على قرارات مجلس النواب الأخيرة، فقد دعت  “الهيئة الطرابلسية” إلى مظاهرة رافضة لهذه القرارات في ميدان الشهداء بوسط العاصمة، تحت شعار “إسقاط البرلمان”، وقد تزامنت هذه المظاهرة مع أخرى في مدينة مصراتة، شارك فيها عبد الحميد الدبيبة، وأكد خلالها على استمراره في موقفه الحالي. وتم خلال هذه المظاهرة إصدار بيان قرأه أحد موظفي مكتب الدبيبة، أكد على رفض الحكومة الجديدة، وعلى جاهزية “القوة العسكرية” للدفاع عن الشرعية.

فيما شهدت العاصمة طرابلس مظاهرة لبعض داعمي الدبيبة أمام مقر المجلس الأعلى للدولة، تضمنت كلمة لرئيس مجلس حكماء مدينة مصراتة إبراهيم بن غشير، وتزامنت هذه المظاهرة مع تصريح لعبد الحميد الدبيبة دعا فيه الليبيين إلى الخروج في ذكرى السابع عشر من فبراير، وأعلن أنه سيعلن في هذا اليوم عن موعد عقد الانتخابات البرلمانية والاستفتاء على الدستور[21]. ويرفض كثير من الليبيين اختيار باشاغا، من منطلق رفضهم لفترة انتقالية خامسة، حتى لو اضطر الدبيبة للتنازل فإن قسمًا كبيرًا لن يرضى بأي حكومة أخرى، ليس لأن الدبيبة قادر على تنظيم انتخابات في أقرب وقت، بل لكون حكومة الوحدة يجب أن تكون الحكومة التي تسلِّم الحكم لحكومة منتخَبة، وفق تفاهمات جنيف، وغير ذلك قد يعني الاقتتال إذا تواصل عمل الحكومتَين المتوازيتَين دون أي أفق انتخابي[22].

ومع ذلك، يمكن أن يتجه الدبيبة للتنحي بشكل سلمي عن السلطة وتجنب التصعيد في مواجهة باشاغا، سواء لقلقه من الدعم العسكري الواسع الذي بات يحظى به باشاغا من الشرق والغرب، أو في محاولة للحفاظ على الدعم الشعبي الذي حققه خلال الفترة الأخيرة، والذي يمكن له التعويل عليه في الانتخابات المقبلة، وفى ظل ما يبدو من تنسيق وتوافق بين مجلس النواب والأعلى للدولة على الإطاحة به. ومن جهة أخرى، يمكن أن يكون للمحدد الخارجي دور رئيسي في هذا الإطار، من خلال ضغط حلفاء الدبيبة الخارجيين، خاصة الولايات المتحدة وتركيا، على الدبيبة لتجنب إشعال حرب جديدة تقسم قوى غرب ليبيا، خاصةً أن باشاغا يمكن أن يضمن مصالح مختلف الأطراف الخارجية[23]. كذلك يمكن قراءة اختيار باشاغا وتقاربه مع حفتر وعقيلة فى ضوء المصالحة الخليجية والتقارب التركى مع كل من مصر والسعودية والإمارات مؤخرًا.

ثانيًا: موقف المنطقة الشرقية:

تنحصر مواقف المنطقة الشرقية بصورة رئيسية فى كلًا من مجلس النواب ورئيسه عقيلة صالح، وقائد ما يسمى بقوات الجيش الليبى، خليفة حفتر، ويمكن توضيح موقف كلًا منهما كما يلى:

مجلس النواب:

يمكن قراءة موقف مجلس النواب الذى قام باختيار باشاغا بديلًا عن الدبيبة، بعدما ظهر أن البرلمان يرفع شعار “حوار ليبي – ليبي” كنسخة ثانية من الحوار الوطني بعد فشل النسخة التي أطلقت في جنيف بعد انتهاء معركة طرابلس، والتي يمثلها ملتقى الحوار السياسي، الذي تشكل وأديرت فعالياته تحت رعاية الأمم المتحدة، وهو الموقف الذي يعارضه البرلمان حالياً[24]. حيث يتمسك مجلس النواب بقيادة عملية صياغة خارطة الطريق بعد فشل استحقاق 24 ديسمبر الماضي، وهو يسعى لتعزيز موقعه بالمشهد السياسي عبر إخراج حكومة الوحدة من المشهد بعد أن ثبت لديه تعنتها ضده. وقد أبدى النواب مرونة في تعاطيه مع المجلس الأعلى للدولة في ملف الحكومة الجديدة، وظهر ذلك في تراجعه عن حصر تقديم التزكيات على نوابه وإتاحته لأعضاء الدولة، بالإضافة لتضمين مجلس الدولة كطرف شريك يجب التوافق معه حول التشريعات والقاعدة الدستورية المنظمة للانتخابات المُقبلة[25]. ويدرك مجلس النواب أن تضمين مجلس الدولة كطرف أساسي بالترتيبات المُقبلة هو فرصة وتهديد بذات التوقيت؛ إذ سيمثل ذلك اعترافًا بشرعيته ودوره في الانتقال الليبي، وهو ما قد يتحول إلى عقبة مُعطلة لتحركات النواب. لذلك، يحاول البرلمان تحقيق توافق نسبي مع مجلس الدولة، دون إشراكه تمامًا في كافة الملفات المطروحة، حيث التوافق معه حول القاعدة الدستورية والتشريعات الانتخابية والمناصب السيادية مع استثناء عملية تغيير الحكومة من هكذا توافقات. وفي ظل خلفية الصدام بين المجلسين، وطبيعة القوى والمكونات والأطراف المساندة لهما، يُرجح أن تبقى تلك التوافقات ضعيفة وقابلة للتعثر والسقوط أمام أية إشكاليات أو تباينات قد تتصاعد في الفترة المُقبلة[26].

ومن الجدير بالذكر هنا، أن أختيار باشاغا رئيسًا للحكومة وبقاء عقيلة صالح فى رئاسة مجلس النواب، هو إعادة إنتاج القائمة الخاسرة في جنيف قبل عام للانتخابات المُصغرة التي جرت بمنتدى الحوار السياسي، بعد أن انتزعت قائمة “المنفي-الدبيبة” رئاسة السلطة الموحدة من قائمة “عقيلة-باشاغا”[27]. كما تُظهر خارطة الطريق التى طرحها البرلمان بأن الفترة السابقة للانتخابات أطول من الإطار الزمني الذي طرحته المستشارة الأممية “ستيفاني وليامز” يونيو المُقبل؛ إذ ذهبت لجنة “خارطة الطريق البرلمانية” في تقديراتها إلى أن إعداد القاعدة الدستورية والتشريعات الانتخابية واستكمال تنقيح سجلات الناخبين ستُنجز خلال عام من تاريخ الشروع فيها، أي أن الانتخابات لن تجرى قبل فبراير أو مارس 2023[28]. وهو ما يعنى ضمان مجلس النواب البقاء فى السلطة لفترة أطول، وبالتحديد حتى عام 2023، أي إلى حين إجراء انتخابات رئاسية وفق المسار المُعلَن الحالي. بقى الخطوة المقبلة للبرلمان الليبي، الذي ضمِن نوّابه البقاء لفترة أطول في مناصبهم، هي السعي لإقرار إطار موحد للقوى الأمنية، يمنع الاشتباك بين الفصائل المختلفة، ويمنح أعضاءها امتيازات. وسيرتهن ذلك، أيضاً، بمدى قدرة فتحي باشاغا، في حال تشكيله الحكومة، على التعامل مع قوّات حفتر التي رفضت أن تأتمر بقرارات الدبيبة، منذ وصوله إلى السلطة[29].

على جانب آخر، يعتبر الكثير من المراقبين أن الحوار الذي يجري في ليبيا خلال المرحلة الحالية لا يعكس نقاشاً وطنياً، بقدر ما يعكس مقاربات مؤسسية، ما بين مجلسَيْ النواب والأعلى للدولة، وبالتالي يهدف إلى إزاحة طرف فيما يتعلق بأزمة الحكومة، وتجاوز طرف آخر وهو “الملتقى السياسي”[30]. كما لا يبدو أن اتفاق مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة على خارطة طريق واحدة سيُفضي في النهاية إلى الانتخابات، فسبق أن انفرد عقيلة صالح بوضع قانون انتخاب رئيس الدولة في أكتوبر2021، ثم أرسله إلى المفوضية العليا للانتخابات وبعثة الأمم المتحدة في ليبيا دون أخذ رأي المجلس الأعلى، في تجاوز للاتفاق السياسي الذي منح الأخير سُلطة إبداء الرأي، إذ تبدو الهوة واضحة بين الشريكين في تصوُّر كلٍّ منهما للمستقبل السياسي للبلاد، فبينما يسعى البرلمان سعيا مُعلَنا لتمكين حفتر أو عقيلة صالح من رئاسة ليبيا، يُحذِّر المجلس الأعلى من تمكين الجنرال الليبي، وهو خلاف أيديولوجي بعيد المدى قد ينفجر في المراحل القادمة. أما ما يُعقِّد المشهد أكثر ويُهدِّد بعدم إتمام الانتخابات في موعدها الجديد بعد تأجيلها فهو التخوُّف المتأصل لدى كل طرف من فوز الطرف الآخر، لما قد يترتب على ذلك من تصفيات سياسية ستتوجَّه سهامها نحو الفصيل الخاسر عبر نصب المحاكمات الانتقامية، فالدبيبة ومَن حوله يسعون لإقصاء صالح، وتقديم حفتر المتورِّط في جرائم حرب للمحاكمة، بينما تواصل قوى الشرق دفع دفة الأحداث لصالحها سياسيًا، في وقت تحتفظ فيه بالورقة العسكرية حال أفضت الانتخابات إلى شخصية غير مرغوب فيها[31].

خليفة حفتر:

فور انتهاء جلسة مجلس النواب باختيار الدبيبة، أصدرت ما يسمى ب “القيادة العامة للجيش الوطني الليبي” التى يقودها حفتر بيانًا ترحب فيه بقرارات مجلس النواب، وبتكليف  فتحي باشاغا بتشكيل حكومة جديدة “تتولى قيادة البلاد نحو مستقبل أفضل وذلك بالعمل مع الجهات النظامية العسكرية والأمنية على فرض هيبة الدولة والحفاظ على مقدراتها وحماية المؤسسات السيادية من ابتزاز وهيمنة الخارجين عن القانون”، وهو موقف كان لافتًا في سرعته وليس في مضمونه، بالنظر إلى ما سبق ذكره حول التوافقات التي تضمنتها لقاءات حفتر مع أحمد معيتيق وفتحي باشاغا أواخر عام 2021 فى بنغازى[32]. وفى ضوء ما قد ينتج عن اختيار باشاغا رئيسًا جديدًا للحكومة من انقسام المنطقة الغربية، حيث لا يزال باشاغا يحظى بنفوذ واضح مَكَّنه من دخول العاصمة مؤخرًا دون اعتراض، وعلى الجانب الآخر، لا يزال الدبيبة مدعومًا من قبائل وأعيان مدينة مصراتة الذين انحازوا له، واعتبروا في بيان لهم أن تشكيل حكومة موازية يُعَدُّ تمكينا للانقلابيين، وشقًّا للصف الداخلي لإحدى أقوى الكتائب في ليبيا وأكثرها تسليحا. فطرابلس والمعسكر الغربي صارا منقسمين بين الدبيبة وباشاغا، وهو هدف طالما سعى حفتر وعقيلة صالح إلى تحقيقه. ليس هذا فحسب، فباشاغا بحسب التعهُّد المكتوب الذي اشترطه رئيس البرلمان الليبي لن يترشح للانتخابات الرئاسية القادمة، ما يعني أن الحرس القديم سيتخلَّص بسهولة من أبرز خصومه ومنافسيه المحتملين على كرسي الرئاسة، كونه وافق على المنصب الحالي وألزم نفسه قانونيًا بعدم الترشح للانتخابات[33].

ثالثًا: الموقف المصرى:

جاء الموقف المصري الرسمي حاسما بتأييد قرارات مجلس النواب، حيث كانت القاهرة في مقدمة القوى الإقليمية والدولية التي رحبت بإعلان باشاغا رئيسا للحكومة، مع تأكيدها في الوقت ذاته على التواصل مع كافة الأطراف، وأن مسار تسوية الأزمة يظل بيد الشعب الليبي وحده دون تدخلات أو إملاءات خارجية. وفي هذا السياق، ثمّن السفير أحمد حافظ المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية في بيان صحفي دور المؤسسات الليبية واضطلاعها بمسؤولياتها، بما في ذلك ما اتخذه مجلس النواب من إجراءات بالتشاور مع مجلس الدولة وفقا لاتفاق الصخيرات، آخذا في الاعتبار أن مجلس النواب الليبي هو الجهة التشريعية المنتخبة والمعبرة عن الشعب الليبي الشقيق، والمنوط به سن القوانين ومنح الشرعية للسلطة التنفيذية وممارسة دوره الرقابي عليها. وتنظر القاهرة إلى باشاغا باعتباره ضابط سابق فى سلاح الجو الليبى أى أنه ذو خلفية عسكرية مثل السيسى تجعله أقدر على فهم المخاوف الأمنية المصرية والعمل على مواجهتها داخل ليبيا، كما أنه شخصية توافقية حيث أن انتخابه قد جاء بعد تنسيق بين المجلس الأعلى للدولة والبرلمان الليبي وقوات حفتر، فضلًا عن علاقاته القوية مع تركيا، وهي خطوة تهدف إلى توحيد الصف الليبي لأول مرة في جيش واحد وقوات أمن داخلية يرأسها باشاغا، كما أن القوات التابعة له ومجموعات من مدينة مصراتة لها وزنها وثقلها قد تتعاون معه، وبالتالي خلق قوة تستطيع فرض الأمن وقادرة على طرد المرتزقة والقوات الأجنبية والجماعات المتطرفة[34].

ويبدو أن مصر قد لعبت دورًا هامًا فى اختيار باشاغا، ففي نوفمبر العام الماضي 2021، حطَّت طائرة فتحي باشاغا، وزير داخلية حكومة الوفاق السابق، بمطار القاهرة. وقتها، كان باشاغا أحد أهم القادة الذين أداروا المعارك ضد قوات حفتر المدعوم من مصر، بوصفه أحد أهم رجال حكومة الوفاق (بقيادة فايز السراج) قبل حلِّها، وعرّاب الاتفاق التركي الليبي الذي غيَّر خريطة الصراع. وبينما تغيب أي مصادر موثوقة عن أهداف تلك الزيارة، أو ما دار فيها، سرعان ما كشفت الأيام اللاحقة عن طرف من نتائجها، بعدما التقى حفتر وباشاغا وجها لوجه لأول مرة في زيارة للأخير إلى الشرق الليبي، ليُشكِّل الثنائي بعدها تحالف “أعداء الأمس” الذي أعاد كل الوجوه القديمة إلى المشهد من جديد. في تلك الأثناء، زار فتحي باشاغا القاهرة مرة أخرى، في زيارة غير مُعلنة، التقى خلالها مدير المخابرات المصرية اللواء عباس كامل. وبحسب ما نقله موقع “العربي الجديد”، تعهَّد الضيف بالالتزام بمصالح مصر مقابل توفير الدعم اللازم له خلال مهمته المرتقبة التي كانت واضحة للجميع، في ظل تحركات البرلمان الليبي لعزل الدبيبة، عقب سحب الثقة منه قبل مئة يوم من موعد إجراء الانتخابات، بدعوى فشل حكومته في المهام الموكلة إليها بمحاربة الفساد، وتوحيد مؤسسات الدولة وعلى رأسها الجيش. هذا وتنسجم التسريبات التي تناولت الترتيبات المصرية لتمهيد وصول فتحي باشاغا للحكومة مع مسارعة الخارجية المصرية لمنحه الاعتراف الرسمي حتى قبل حصوله على الثقة من المجلس الأعلى للدولة، وذلك في تعارض صريح مع تصريحات صدرت عن الأمم المتحدة جدَّدت الاعتراف بالدبيبة[35].

كما قام السيسي بسلسلة من المباحثات المكثفة حول الشأن الليبي خلال الأيام القليلة الماضية، سواء مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أو رئيسة الوزراء التونسية نجلاء بودن، وكذا مع وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بربوك[36]. فيما أكد موقع “العربى الجديد” نقلًا عن مصادره إن تنسيقاً مصرياً فرنسياً واسعاً جرى خلال الأيام الماضية لتمهيد الأجواء الدولية لباشاغا في الدوائر الأوروبية والأميركية، وعرقلة تحركات تركية سعت لمنع تلك الخطوة أو على الأقل تأجيلها، من أجل كسب مزيد من الوقت لحين إعادة ترتيب أوراقها في حال غياب رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة المتحالف معها من المشهد. ولفتت المصادر إلى أن القاهرة أدت دوراً في إقناع الجزائر بعدم معارضة خطوة رئاسة باشاغا في إطار تحرك مجلس النواب الليبي، مشدّدة على أن ذلك ساهم بدرجة كبيرة في تسريع الإعلان من جانب مجلس النواب. ولفتت إلى أن الاتصال بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الجزائري عبد المجيد تبون قبل أيام، أنهى كافة الأمور العالقة بشأن موقف الجزائر من تلك الخطوة. وأضافت أن “القاهرة بدأت تتفهّم أخيراً وجهة النظر الجزائرية بالنسبة إلى ليبيا، والتي تميل إلى ضرورة إشراك القوى الإسلامية في الحكم، وهو ما كانت ترفضه مصر في السابق بإيعاز من حلفائها في الخليج العربي خاصة الإمارات”[37]. وقالت مصادر جزائرية لـ”العربي الجديد” إن الجزائر قد لا تبدي اعتراضا على المسار الجديد لسببين، الأول كونه خلاصة تفاهمات ليبية طالما أن الجزائر تركز في مقارباتها على دعم الحل الليبي الليبي من دون تدخل خارجي، والثاني لكون الجزائر ليس لها اعتراض على شخص باشاغا، الذي يرتبط بعلاقات جيدة مع الجزائر، وأجرى عددا من الزيارات إليها عندما كان وزيرا للداخلية، كما ساعدته الجزائر بتكوين فرق من الشرطة والشرطة الجنائية الليبية في مدارس الشرطة فيها[38].

ومع ذلك، فهناك تخوفات مصرية من أن تكون القاهرة قد تسرعت فى الإعلان عن دعمها لباشاغا ما يعنى معاداتها للدبيبة، وفى حالة ما إذا نجح الدبيبة فى الاحتفاظ بمنصبه فى ظل وجود دعم داخلى وأممى له، فإن ذلك سيؤثر بلا شك على المصالح المصرية فى ليبيا خاصة فى ملفى إعادة الاعمار وعودة العمالة المصرية. وفى هذا السياق، فقد نقل موقع “العربي الجديد” نقلًا عن مصادره، إن هناك حالة من الاستياء المصري بسبب فشل فرنسا في تنفيذ اتفاق مسبق بين القاهرة وباريس، بشأن اطلاعها على تغيير موقف المستشارة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة عن ليبيا ستيفاني وليامز، وإقناعها بقبول خطوة مجلس النواب، وهو ما لم يتحقق. حيث كشفت المصادر أن وليامز أودعت تقريراً لدى الأمم المتحدة تضمن التنبيه إلى خطورة التطور الأخير، معتبرة أنه لا يصب بأي حال في مصلحة استقرار المنطقة، بل جاء بمثابة سكب الزيت على النار، مستطردة بأن التحركات الأممية الداعمة لحكومة الوحدة الوطنية، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، باتت قريبة من تحقيق أهدافها بإجراء الانتخابات قبل يونيو المقبل. كما أكدت في تقريرها أنها توصلت إلى ضمانات مع الدبيبة لإجراء الاستحقاقات الانتخابية قبل يونيو، معتبرة أن تسمية رئيس جديد للحكومة الانتقالية من شأنه مد أجل الانقسام، وسيكون بمثابة إنهاء لمسار الانتخابات، بحسب المصادر. وتابعت أن القاهرة فوجئت بموقف وليامز، الذي جاء على الرغم من الوعود الفرنسية بتغيير موقفها، وكذلك إقناع الإدارة الأميركية بالتخلي عن الدبيبة.

وأوضحت المصادر أن “هناك استياء مصرياً من نوع آخر، ولكن هذه المرة تجاه باشاغا نفسه، لأن القاهرة ترى أنه ضللها بالتعاون مع فرنسا، بعدما أكد خلال زيارة سريعة للقاهرة سبقت جلسة مجلس النواب بـ48 ساعة، قيامه بالترتيبات كافة على المستوى الداخلي بشأن القوى الفاعلة في غرب ليبيا، لإعلانها دعم القرار فور الإعلان عنه، وعلى رأسها مكونات مصراتة، وهو ما ثبت عدم صحته”.فقد أعلنت مكونات عسكرية وسياسية وقبلية في مصراتة، عن تمسكها بحكومة الوحدة الوطنية، بخلاف مدن أخرى ذات ثقل في الغرب، وعلى رأسها الزاوية. وأشارت المصادر في هذا السياق إلى أن “الإمارات حافظت على مسك العصا من المنتصف، فرغم دعمها التحركات الخاصة بتكليف باشاغا برئاسة الحكومة، إلا أنها أبقت على قنوات تواصل داعمة مع تركيا لحكومة الدبيبة، حتى لا تجد نفسها في موقف تصادمي مع أنقرة، في وقت تشهد فيه العلاقات بين البلدين تطورات كبيرة”[39].

رابعًا: الموقف التركى:

لا يزال الجميع في ليبيا يترقب موقف تركيا، التي لا زالت تلتزم صمتاً محيراً لكثيرين، مع أهمية الشأن الليبي بالنسبة إليها، مع توقعات بأن يكون الصمت التركي علامة للرضى على التغيير السياسي الذي يحدث، خصوصاً بعد التقارب الذي حدث بينها وبين معسكر الشرق أخيراً[40]، والذى تجسد فى زيارة السفير التركي في ليبيا، كنان يلماز، لمدينة “لقبة” حيث التقى رئيس مجلس النواب ثم “بنغازي” والحديث حول إعادة فتح القنصلية التركية فيها والطيران المباشر إليها (يناير2022)، وما سبق ذلك من استقبال وفد لمجلس النواب في تركيا (ديسمبر2021)، تُعد إعلانًا عن انفتاح الشرق على الدور التركي[41]. وعلى الرغم من أن التنسيق المصري التركي في الملف الليبي من الصعب التكهن به حاليًا، لأن تركيا في حالة صمت تجاه ما يحدث، ولم تعلن دعمها لطرف على حساب آخر. لكن سرعة التنسيق وكثرته مع رئيس مجلس الدولة خالد المشري توحيان بأن تركيا تؤيد ضمنيًا خطوة تشكيل حكومة جديدة، خاصة أنها منذ فترة كان لديها تقارب كبير مع الشرق الليبي ومع حفتر وصالح. هذا الانفتاح من قبل الغرب على حلفاء مصر وانفتاح تركيا على الشرق يمكن تفسيره بوجود تفاهمات أو تهدئة بين تركيا ومصر في الملف الليبي، وربما يصل إلى تنسيق كامل حال تم الاعتراف بحكومة باشاغا أو تأييدها من المجتمع الدولي[42].

على الجانب الآخر، يرى البعض أن تركيا غير متحمسة لاختيار باشاغا، وربما رافضة له، فتركيا لم تعلن إلى الآن موقف مؤيد لاختيار باشاغا، على الرغم من أن الأخير كان حليفًا بارزًا لتركيا في عامي 2019 و2020، عندما شنت قوات “حفتر” حملة عسكرية ضد طرابلس، بدعم من مصر وروسيا والإمارات. لكن مع انطلاق العملية السياسية التي رعتها الأمم المتحدة، انخرط “باشاغا” في حوار وثيق مع مصر وفرنسا والولايات المتحدة. كما كان “باشاغا” معارضا صريحا لترشيح “الدبيبة” للرئاسة خلال الاستعدادات للانتخابات. وفي النهاية، تحالف “باشاغا” مع “حفتر” ورئيس البرلمان “عقيلة صالح” لتمهيد الطريق لتحرك 10 فبراير ضد “الدبيبة”. وقد تتسبب تحولات “باشاغا” في ضرر كبير بمصداقيته في نظر تركيا. كما أن اصرار الدبيبة على عدم تسليم التفويض إلا إلى حكومة منتخبة، يشير إلى وجود دعم دولى (تركى بالأساس). خاصة أن “فوزي النويري”، نائب رئيس البرلمان الذي يبدو أنه متحالف مع أنقرة، قد عقد اجتماعاً مع أكثر من  40 برلمانياً في طرابلس في محاولة لتشكيل كتلة لدعم “الدبيبة”. وفي 8 فبراير، انضم “الدبيبة” إلى قادة أتراك لحضور حفل تخرج عسكري في طرابلس، ما يعطي الانطباع بأنه يحتفظ بدعم تركيا[43]. فيما تحدثت تقارير إعلامية، عن عقد المسؤولون الأتراك لقاءات خلال الفترة الماضية تهدف بصورة أساسية إلى ضمان بقاء الدبيبة في منصبه، وذلك عبر محاولة حشد الدعم له من جانب قوى الغرب الليبي، ويبدو أن هذه الجهود لم يكتب لها النجاح. وفي المقابل، أشارت مصادر إلى أن هناك تنسيقاً مصرياً – فرنسياً واسعاً جرى خلال الأيام الماضية لتعبئة الدعم الأوروبي والأمريكي لباشاغا[44]. ويتزامن هذا مع تسرُّب وثيقة (لا يُعلم مدة صحتها) عززت المخاوف من هيمنة حفتر على الحقائب الوزارية، وتؤكّد مراجعة الاتفاقيات الدولية لحكومتَي السراج والدبيبة[45]. ويبدو في الوقت الحالي، أن أنقرة بعيدة عن موقفها المتشدد والمتدخل فى ليبيا كما في عام 2019، وإذا ثبت أن حماية “الدبيبة” مكلفة، فقد تختار الذهاب مع “باشاغا” وعقد السلام مع الشرق[46].

خامسًا: الموقف الأممى:

قبل اختيار باشاغا من قبل مجلس النواب، أكد  نائب المتحدث باسم الأمم المتحدة، فرحان حق، في تصريحات صحفية، أن إنشاء “حكومات موازية” سيعرقل توحيد المؤسسات التنفيذية والنظام المصرفي، مشيرًا إلى أن مجلس النواب يحاول تعيين رئيس حكومة جديد، على الرغم من وجود “شخص معين بالفعل”. وهو ما يشير إلى موقف أممي رافض لتوجهات مجلس النواب، وداعم لاستمرار حكومة الدبيبة[47]. وربما يرجع ذلك إلى تخوف بعثة الأمم المتحدة في ليبيا من أن يكون المسار الذى تم تبنيه من قبل مجلس النواب يمثل خطرًا على ما تم إنجازه من جهود للتسوية، فهو يشكل خارطة موازية بديلة لمسار جنيف التي تيسر أنشطتها البعثة، ويضع كامل أوراق اللعبة في أيدي المؤسسات الليبية التي طالما فشلت في التوافق على مخرج من الأزمة. وهذا الموقف الأممي تعزز بتراجع مستشارة الأمين العام “ستيفاني وليامز” عن تبنيها لامتلاك الليبيين صلاحية تحديد موعد الانتخابات، لتعلن لاحقًا أن الانتخابات قد تجري في يونيو 2022 وفقًا لتوقيتات خارطة جنيف[48]. وعقب اختيار باشاغا، شاب الموقف الأممي بعض الغموض الذي يمكن تفسيره في صالح حكومة باشاغا، ففي مساء يوم تكليف باشاغا، تناقلت وسائل الإعلام تصريحًا للمتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوجاريك، قال فيه إن الأمم المتحدة مازالت تعترف بحكومة الدبيبة، لكنه عاد وأوضح أن هذا التصريح مرتبط بما ستتوصل إليه مستشارة الأمين العام للأمم المتحدة ستيفاني ويليامز، خلال مشاوراتها مع الأطراف الليبية المختلفة. وتلا ذلك بيان صدر، فى 11 فبراير، أشارت فيه الأمم المتحدة إلى إحاطتها علمًا بانتخاب رئيس وزراء جديد وفقًا لقرار سيادي تحكمه القوانين الليبية، وأن رئيس الوزراء الجديد عليه تشكيل حكومة ونيل الثقة من البرلمان. وأشار البيان إلى عدم تدخل الأمم المتحدة في تعيين رؤساء وزراء الدول[49].

ومن جانبها، تراجعت المستشارة الأممية، ستيفاني ويليامز، عن موقفها الرافض لتنحية الدبيبة، فبعد أن شددت على تمسكها بحكومته، ورفض فكرة تشكيل حكومة جديدة، فإنها أبدت موافقة مشروطة عليها، إذ أعلنت أن قرار تغيير الحكومة هو أمر سيادي بيد المؤسسات الليبية، غير أنها طالبت بضرورة تحقيق الإجماع السياسي، وهو ما قد يشير إلى التفاهمات بين مجلسي النواب والدولة[50]. ووفقًا لصحيفة “العرب” فأن وليامز من أكثر الشخصيات الداعمة لفكرة ترشيح فتحي باشاغا مبكرا وتربطهما علاقة خاصة نمت في أثناء عملها كسفيرة للولايات المتحدة في طرابلس ثم نائبة لرئيس بعثة الدعم السياسي في ليبيا وحتى توليها رئاسة البعثة الأممية بالإنابة[51]. ولم تعلن الولايات المتحدة عن أي موقف رسمي عقب إجراءات مجلس النواب الأخيرة، وهو ما يعني أن واشنطن تترقب الموقف، وتدرس فرص نجاح باشاغا في تشكيل الحكومة القادمة، وهو ما يعني أنه في حالة نجاح باشاغا في تشكيل هذه الحكومة، فإنها سوف تعترف به[52].  ويبدو من ردود الأفعال الدولية أن هناك حالة من التريث والترقب لما ستؤول إليه الأوضاع على الأرض، ففى حالة نجاح باشاغا فى فرض تشكيل حكومته سوف يتم الاعتراف به، وفى حالة نجاح الدبيبة فى مقاومة حكومة الدبيبة فسوف تستمر الأطراف الدولية فى الاعتراف به. وما قد يدفع هذه الدول إلى التريث أكثر فى إعلان موقفها من دعم أى من الدبيبة أو باشاغا هو انشغالها الحالي بأزمة أوكرانيا والصراع القائم بين روسيامن جانب وأمريكا وأوروبا من جانب أخر. ومن المتوقع أن يدور الموقف الغربى حول أربعة نقاط رئيسية:

1- ستظل “حكومة الوحدة الوطنية” الحكومة المعترف بها دولياً، ولن تتغير وجهات نظرهم بشأن “حكومة الوحدة الوطنية” ما لم توافق جميع الجهات الفاعلة المحلية على تسليم سلمي للحكومة الجديدة – وإلا فإن النتيجة ستكون حكومة غير معترف بها ذات سلطة محدودة، والأهم من ذلك، ذات استمرارية مالية مقيّدة.

2- سيقوم الغرب بدعم عملية تتوسط فيها الأمم المتحدة لوضع أساس دستوري متفق عليه وجدول زمني للانتخابات. وبمعزلٍ عن التوصيات المعلّقة للجنة خارطة الطريق التابعة لمجلس النواب، والتفاوض على هذه العناصر مع “المجلس الأعلى للدولة”. وفي حال عدم اتفاق الجهات المتنافسة على عملية ما، ستعمل على تمكين الأمم المتحدة للتوصل إلى حل وسط بين اقتراح الدبيبة الذي تبلغ مدته أربعة أشهر والجدول الزمني الذي قدمه البرلمان والذي يمتد إلى أربعة عشر شهراً. وستركز الأمم المتحدة بصورة رئيسية على تحديد تسلسل وتوقيت الانتخابات.

3- ستعمل الدول الغربية على الحفاظ على الزخم الحالي المتعلق بالمسارين الاقتصادي والأمني. فالحوار الذي يهدف إلى توحيد مصرف ليبيا المركزي بفرعه الشرقي المنشق قد يعيد الرفاه الاقتصادي للبلاد وينهي بعض الممارسات التي زرعت بذور الانقسام، مثل دفع رواتب لجماعات مسلحة بوسائل غير مشروعة. علاوة على ذلك، لا يمكن أن تتحقق الوحدة من دون تعزيز الحوار الأمني الذي يهدف إلى ترسيخ اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في أكتوبر ٢٠٢٠، وإزالة القوات الأجنبية، وإعادة هيكلة قوات مسلحة وطنية موحدة. فمن شأن انقسام الحكومة أن يضرّ بهذا التقدم.

4- ستعمل واشنطن بالتحديد من أجل تعزيز قبول دولي أوسع لخارطة طريق انتقالية متفق عليها من خلال الاستفادة من تقارب العلاقات بين تركيا ومصر والإمارات – وهي الجهات الفاعلة الرئيسية التي كانت على الطرفين النقيضين من النزاعات الليبية الأخيرة[53].

ختامًا؛

يمكن القول أن خارطة الطريق التى أطلقها مجلس النواب قد أظهرت توجهان متعارضان: التوجه الأول، الذي تتبناه السلطات الانتقالية الحالية المتمثلة في تمديد صلاحياتها إلى حين تنفيذ المشروع الذي صممت له أصلاً، أي تنظيم انتخابات تحسم موضوع الشرعية السياسية في ليبيا. وقد عبَّر رئيس الحكومة الدبيبة بقوة عن هذا التوجه من خلال الحرص على الاستمرار في منصبه. في حين يبدو أن هيئة الأمم المتحدة والولايات المتحدة والمملكة المتحدة تدعم مقاربة السلطات الانتقالية وتطالب بتنظيم انتخابات شاملة في أسرع وقت ممكن. ويبدو أن النائب الأول للبرلمان فوزي النويري يرفض تغيير رئيس الحكومة ويحظى بدعم 62 نائباً من نواب البرلمان، كما أن قادة المجموعات المسلحة في طرابلس والغرب الليبي يسيرون في الاتجاه نفسه.

التوجه الثانى، الذي يتبناه التحالف الرباعي المكون من رئيس البرلمان عقيلة صالح وقائد الجيش الوطني الليبي خليفة حفتر، ووزير الداخلية السابق فتحي باشاغا ورئيس الحكومة السابق أحمد معيتيق. يقوم هذا التوجه الذي برز في خريطة الطريق الصادرة عن مجلس النواب على تعيين رئيس حكومة جديد لليبيا، وتشكيل لجنة من كبار القانونيين والاقتصاديين والإداريين لكتابة دستور جديد للبلاد، وتنظيم انتخابات في مدة قصيرة لا تتجاوز 14 شهراً حسب تقديرات المفوضية الوطنية العليا للانتخابات ومصلحة الأحوال المدنية.

وعلى الرغم من ميل الكفة لصالح التوجه الثانى، إلا أن هناك مصاعب وتحديات كبيرة تواجه خريطة الطريق التي بلورها البرلمان الليبي في تسوية الأزمة السياسية الداخلية أبرزها:

1) معارضة بعض أهم القوى السياسية في الغرب الليبي التي لا تزال متشبثة بحكومة دبيبة ورافضة لأي تغيير لها إلى حد تنظيم انتخابات عامة رئاسية وبرلمانية تنهي أزمة الشرعية القائمة في البلاد، رغم أن باشاغا له قاعدة قوية في الغرب الليبي من مكوناتها جانب واسع من التيار الإسلامي السياسي.

2) تحفُّظ المجلس الأعلى للدولة على هذه الخارطة.

3) رَفْض عدد من نواب برلمان طبرق يصلون إلى ثلث المجلس لخريطة الطريق، ما يضعف قاعدتها الشرعية المفتقدة للإجماع الوطني الواسع.

4) مع أن بعضاً من الأطراف الإقليمية دعمت خريطة الطريق (مصر على الأخص)، إلا أن الدول الكبرى وهيئة الأمم المتحدة لم تتحمس لها[54].

 

 

[1] “تجدد أزمة الشرعية في ليبيا”، معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، 14/2/2022، الرابط: https://bit.ly/3gRJksg

[2] “ليبيا | باشاغا مقابل الدبيبة: شبح الحكومتَين يعود”، الأخبار، 11/2/2022، الرابط: https://bit.ly/3sFmB8q

[3] “تجدد أزمة الشرعية في ليبيا”، مرجع سابق.

[4] “ليبيا | باشاغا مقابل الدبيبة: شبح الحكومتَين يعود”، مرجع سابق.

[5] “انقسام الغرب: تداعيات انتخاب فتحي باشاغا رئيساً للحكومة الليبية الجديدة”، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 15/2/2022، الرابط: https://bit.ly/3Jval14

[6] “عودة للثنائيات … المسار السياسي الليبي ومرحلة التسويات الداخلية”، المرصد المصرى، 9/2/2022، الرابط: https://bit.ly/3LBa9zb

[7] “ليبيا.. مجلس الدولة ينحاز لباشاغا لكنه يخشى تمرد حاضنته الشعبية (تحليل)”، الأناضول، 15/2/2022، الرابط: https://bit.ly/3HXGNbV

[8] “رئيس مجلس الدولة الليبي يحسم موقفه من تعيين باشاغا رئيساً للحكومة.. وصف ما حدث بـ”الإجراء غير السليم””، عربى بوست، 16/2/2022، الرابط: https://bit.ly/3GY3Dim

[9] “مفترق الطرق الليبي… بين التوافقات الكبرى وانفراط العقد”، المرصد المصرى، 12/2/2022، الرابط: https://bit.ly/3GRNScH

[10] “انقسام الغرب: تداعيات انتخاب فتحي باشاغا رئيساً للحكومة الليبية الجديدة”، مرجع سابق.

[11] ““الانتقالية السادسة”: جولة جديدة في المشهد الليبي المتأزم”، المركز المصرى للفكر والدراسات الاستراتيجية، 15/2/2022، الرابط: https://bit.ly/3gQvvKJ

[12] “مفترق الطرق الليبي… بين التوافقات الكبرى وانفراط العقد”، مرجع سابق.

[13] “ليبيا.. مجلس الدولة ينحاز لباشاغا لكنه يخشى تمرد حاضنته الشعبية (تحليل)”، مرجع سابق.

[14] ” حكومة باشاغا.. محاولة التفافية جديدة لحفتر؟”، نون بوست، 14/2/2022، الرابط: https://bit.ly/3gRKeoI

[15] “انقسام الغرب: تداعيات انتخاب فتحي باشاغا رئيساً للحكومة الليبية الجديدة”، مرجع سابق.

[16] “مفترق الطرق الليبي… بين التوافقات الكبرى وانفراط العقد”، مرجع سابق.

[17] ” الدبيبة يحاول ضرب التوافق بين البرلمان الليبي ومجلس الدولة بشأن تغيير الحكومة”، العرب، 9/2/2022، الرابط: https://bit.ly/3oUZK7S

[18] ” ليبيا.. إصرار عقيلة على الإطاحة بالدبيبة يقود البرلمان نحو الانقسام”، القدس العربى، 7/2/2022، الرابط: https://bit.ly/3rWfWaF

[19] “مفترق الطرق الليبي… بين التوافقات الكبرى وانفراط العقد”،مرجع سابق.

[20] “انقسام الغرب: تداعيات انتخاب فتحي باشاغا رئيساً للحكومة الليبية الجديدة”، مرجع سابق.

[21] “مفترق الطرق الليبي… بين التوافقات الكبرى وانفراط العقد”، مرجع سابق.

[22] ” حكومة باشاغا.. محاولة التفافية جديدة لحفتر؟”، مرجع سابق.

[23] “انقسام الغرب: تداعيات انتخاب فتحي باشاغا رئيساً للحكومة الليبية الجديدة”، مرجع سابق.

[24] “صراع المصالح: لماذا تتواصل الانقسامات السياسية داخل دول الأزمات؟”، الحائط العربى، 10/2/2022، الرابط: https://bit.ly/3oPLehK

[25] ““الانتقالية السادسة”: جولة جديدة في المشهد الليبي المتأزم”، مرجع سابق.

[26] “بين “الوحدة الوطنية” و”الاستقرار”: كيف يبدو المشهد الليبي القادم؟”، المرصد المصرى، 7/2/2022، الرابط: https://bit.ly/3uUZhGo

[27] ““الانتقالية السادسة”: جولة جديدة في المشهد الليبي المتأزم”، مرجع سابق.

[28] “بين “الوحدة الوطنية” و”الاستقرار”: كيف يبدو المشهد الليبي القادم؟”، مرجع سابق.

[29] “ليبيا | باشاغا مقابل الدبيبة: شبح الحكومتَين يعود”، مرجع سابق.

[30] “صراع المصالح: لماذا تتواصل الانقسامات السياسية داخل دول الأزمات؟”، مرجع سابق.

[31] باشاغا وصالح وحفتر.. كيف يعيد تحالف أعداء الأمس رسم مستقبل ليبيا؟”، ميدان، 15/2/2022، الرابط: https://bit.ly/3Jvd5vp

[32] “مفترق الطرق الليبي… بين التوافقات الكبرى وانفراط العقد”، مرجع سابق.

[33] باشاغا وصالح وحفتر.. كيف يعيد تحالف أعداء الأمس رسم مستقبل ليبيا؟”، مرجع سابق.

[34] “بين باشاغا والدبيبة.. أين تقف مصر؟ وهل نسقت مع تركيا في ليبيا؟ (سؤال وجواب)”، الجزيرة نت، 15/2/2022، الرابط: https://bit.ly/33pkmxm

[35] “باشاغا وصالح وحفتر.. كيف يعيد تحالف أعداء الأمس رسم مستقبل ليبيا؟”، مرجع سابق.

[36] “مفترق الطرق الليبي… بين التوافقات الكبرى وانفراط العقد”، مرجع سابق.

[37] “تنسيق مصري مهّد لاختيار باشاغا رئيساً للحكومة الليبية”، العربى الجديد، 12/2/2022، الرابط: https://bit.ly/3sOIORk

[38] “هل ساعد التنسيق الجزائري المصري في تحقيق المخرجات الأخيرة في ليبيا؟”، العربى الجديد، 11/2/2022، الرابط: https://bit.ly/3sJYRjp

[39] “خلافات في معسكر دعم باشاغا لرئاسة الحكومة الليبية”، العربى الجديد، 14/2/2022، الرابط: https://bit.ly/3GSfDlx

[40] ” باشاغا يواجه تحديات كبيرة لتشكيل حكومة متوازنة بوقت قصير”، إندبنتدنت عربية، 16/2/2022، الرابط: https://bit.ly/3GVk13p

[41] “بين “الوحدة الوطنية” و”الاستقرار”: كيف يبدو المشهد الليبي القادم؟”، مرجع سابق.

[42] “بين باشاغا والدبيبة.. أين تقف مصر؟ وهل نسقت مع تركيا في ليبيا؟ (سؤال وجواب)”، مرجع سابق.

[43] “تركيا تعيد التفكير في سياستها تجاه ليبيا.. باشاغا أم الدبيبة؟”، الخليج الجديد (مترجم)، 15/2/2022، الرابط: https://bit.ly/3GOBqux

[44] “انقسام الغرب: تداعيات انتخاب فتحي باشاغا رئيساً للحكومة الليبية الجديدة”، مرجع سابق.

[45] ” حكومة باشاغا.. محاولة التفافية جديدة لحفتر؟”، مرجع سابق.

[46] “تركيا تعيد التفكير في سياستها تجاه ليبيا.. باشاغا أم الدبيبة؟”، مرجع سابق.

[47] “عودة للثنائيات … المسار السياسي الليبي ومرحلة التسويات الداخلية”، المرصد المصرى، 9/2/2022، الرابط: https://bit.ly/3LBa9zb

[48] ““الانتقالية السادسة”: جولة جديدة في المشهد الليبي المتأزم”، مرجع سابق.

[49] “مفترق الطرق الليبي… بين التوافقات الكبرى وانفراط العقد”، مرجع سابق.

[50] “انقسام الغرب: تداعيات انتخاب فتحي باشاغا رئيساً للحكومة الليبية الجديدة”، مرجع سابق.

[51] “لماذا تدعم مصر حكومة باشاغا على حساب الدبيبة”، العرب، 13/2/2022، الرابط: https://bit.ly/3uWDwG9

[52] “انقسام الغرب: تداعيات انتخاب فتحي باشاغا رئيساً للحكومة الليبية الجديدة”، مرجع سابق.

[53] “تجدد أزمة الشرعية في ليبيا”، مرجع سابق.

[54] “مبادرة البرلمان ومستقبل الوضع السياسي في ليبيا”، مركز الإمارات للسياسات، 16/2/2022، الرابط: https://bit.ly/3I0OQVv

]]>
https://politicalstreet.org/4983/feed/ 0
قرار مجلس النواب بإسقاط حكومة الدبيبة: قراءة فى الدوافع وردود الأفعال https://politicalstreet.org/4951/?utm_source=rss&utm_medium=rss&utm_campaign=%25d9%2582%25d8%25b1%25d8%25a7%25d8%25b1-%25d9%2585%25d8%25ac%25d9%2584%25d8%25b3-%25d8%25a7%25d9%2584%25d9%2586%25d9%2588%25d8%25a7%25d8%25a8-%25d8%25a8%25d8%25a7%25d8%25b3%25d9%2582%25d8%25a7%25d8%25b7-%25d8%25ad%25d9%2583%25d9%2588%25d9%2585%25d8%25a9-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25af%25d8%25a8%25d9%258a%25d8%25a8%25d8%25a9 https://politicalstreet.org/4951/#respond Wed, 02 Feb 2022 11:59:14 +0000 https://politicalstreet.org/?p=4951  

دفع مجلس النواب الليبي بعدة قرارات جملة واحدة إلى مشهد البلاد السائر في متاهات الغموض، لتزيد من شدة غموض المراحل المقبلة، بدلاً من تحديدها وتوضيح مصيرها، ومن أبرز تلك القرارات انتهاء ولاية الحكومة، والاعلان عن تشكيل غيرها منفرداً، من دون إشراك المجلس الأعلى للدولة. فقد أنهى مجلس النواب جلستيه، فى 24 و25 يناير 2022، من دون أن يحدد مصير الانتخابات، التي تُركت مواعيدها مفتوحة، ومن دون أن يبين أساسها الدستوري، وحتى أمر الحكومة، التي أكد انتهاء ولايتها، وأعلن فتح باب الترشح لمنصب رئيس الحكومة، وتركه معلقاً من دون أن يحدد موعداً لتقديم الترشيحات. فضلًا عن اسقاط شرط تقاسم مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة تزكية المرشح لرئيس الحكومة بناءً على تصويت بين النواب، بواقع 30 صوتاً رفض الشرط مقابل 21 صوتاً قبل ببقائه، في خطوة اعتبرها العديد من المراقبين ضرباً جديداً للمسار التوافقي، وجهود التقارب الأخيرة مع مجلس الدولة[1]. ويمكن قراءة الدوافع التى تقف خلف قرار مجلس النواب باسقاط حكومة الدبيبة واستبعاد المجلس الأعلى للدولة من تشكيل الحكومة الجديدة، وكذلك ردود الأفعال التى أثارتها تلك القرارات، كما يلى:

أولًا: حكومة الدبيبة:

تأتى قرارات مجلس النواب باسقاط حكومة الوحدة الوطنية الحالية فى ظل الصراع الدائر بين رئيس مجلس النواب عقيلة صالح ورئيس الحكومة عبدالحميد الدبيبة، وهو الصراع الذى تحول إلى ما يشبه المعركة السياسية، والذى لجأ كلًا منهما إلى استخدام أوراقه وأسلحته لِلَي ذراع الآخر. فقد سبق أن صوت مجلس النواب، في سبتمبر 2021، على سحب الثقة من حكومة الدبيبة، بيد أن عملية تنفيذ هذا القرار تعثرت بسبب الرفض الدولي الواسع. وعلى الرغم من ذلك، لم تتوقف محاولات عقيلة لاسقاط حكومة الدبيبة، فقد عقد عقيلة صالح لقاءً مع نائب رئيس المجلس الرئاسي، عبد الله اللافي، في 15 يناير الجاري، لبحث مسار الانتخابات، وسرت إشاعات على مواقع التواصل الاجتماعي أنه تم الاتفاق على تشكيل حكومة تكنوقراط مصغرة، وعلى الرغم من نفي بعض أعضاء البرلمان صحة هذه الوثيقة، فإن مصادر حكومية وبرلمانية رفضت التعقيب عليها، وهو ما أضفى مصداقية عليها. كما أن ثمة أخباراً متداولة أشارت إلى وجود مساعٍ لتشكيل حكومة جديدة برئاسة فتحي باشاغا، خاصة بعد اللقاء الذى عقده مؤخرًا مع خليفة حفتر فى أواخر ديسمبر الماضى. وبعد يومين من لقاء عقيلة واللافى، فقد أعلن الأول، في 17 يناير الحالى، أن حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة لم تعد لها شرعية، مشيراً إلى ضرورة إعادة تشكيل حكومة جديدة تتولى قيادة المرحلة الانتقالية لحين إجراء الانتخابات. وجاءت هذه التصريحات خلال الجلسة الأولى، التي ترأسها صالح للبرلمان الليبي منذ عودته لمباشرة مهام عمله كرئيس للبرلمان. وجاءت هذه التصريحات بعد أن تقدم 15 نائباً من البرلمان الليبي بطلب رسمي إلى صالح لإقالة حكومة الدبيبة، وتشكيل حكومة تكنوقراط تكون محددة المهام، متهمين الحكومة ورئيسها بالفساد، ومطالبين النائب العام بضرورة فتح تحقيقات في هذا الشأن[2].

وليأتى، أخيرًا، اقرار مجلس النواب خلال جلستى 24 و25 يناير الحالى، تأسيسًا على إقرار تقرير لجنة خارطة الطريق المنبثقة عن المجلس، بانقضاء الولاية القانونية لحكومة الوحدة الوطنية في 24 ديسمبر الماضي، وتكليف اللجنة بتحديد آلية لاختيار رئيس الحكومة الجديد، بما يتضمن شروط ترشحه ومتطلبات التقدم للمنصب[3]. وقد شرع مجلس النواب فعلياً في تحديد الإجراءات الخاصة باختيار حكومة بديلة بوضع13  شرطاً للترشح لمنصب رئيس “حكومة الاستقرار”، التي تقرر تشكيلها في غضون أسابيع. وكانت أبرز الشروط التي حددها البرلمان، غير الشروط المتعارف عليها عادة في مثل هذه الحالات، أن يُقدم المرشح تعهداً مكتوباً بعدم ترشحه للانتخابات المقبلة، بعد الجدل الذى تسبب فيه الدبيبة بترشحه للانتخابات الرئاسية التي تعثر إجراؤها في ديسمبر الماضي[4]. وأكد أعضاء من مجلس النواب أن فتح باب الترشح وقبول المرشحين لرئاسة الحكومة الجديدة سيبدأ منذ الجلسة القادمة لمجلس النواب. وأن المجلس وضع شروطا واضحة للترشح، ومن تنطبق عليه هذه الشروط بإمكانه التقدم لمجلس النواب، الذي سيجري المفاضلة بين المتقدمين لتكليف أفضلهم بتشكيل الحكومة القادمة[5].

وفى المقابل، فقد تمسك الدبيبة بمنصبه كرئيس للحكومة، وأعلن عن تمسكه بمنصبه لحين تسليم السلطة لحكومة منتخبة، ومعتبرًا أن قرار اسقاط حكومته ما هو إلا قرار فردى من قبل رئيس مجلس النواب عقيلة صالح انتقامًا من الدبيبة الذى ترشح ضده فى الانتخابات التى كانت مقررة فى ديسمبر الماضى، ومشيرًا إلى عقيلة صالح باعتباره المتسبب الأول فى الأزمة الحالية التى تعيشها البلاد. وهو ما ظهر فى إعلان المتحدث باسم حكومة الدبيبة، محمد حمودة، في 17 يناير الجاري، أن تصريحات صالح (التى طالب فيها بإعادة تشكيل حكومة جديدة) لا تعبر عن موقف رسمي للبرلمان الليبي، وإنما هي مجرد رأي شخصي له، مشيراً إلى وجود عدد كبير من النواب يختلفون معه[6]. وسبق أن شددت حكومة الدبيبة في مناسبات عدة على استمرارها في عملها لحين التسليم إلى سلطة جديدة منتخبة[7]. كما اجتمع الدبيبة بعدد من النواب، في العاصمة طرابلس، فى 22 يناير الحالى، أصدروا مبادرة حملت توقيع 62 نائبًا، تضمنت دعوة رئيسي السلطتين التشريعية (عقيلة) والتنفيذية (الدبيبة) للتوقيع على خطة عمل المرحلة المقبلة، والتي تتضمن 8 نقاط. أبرز هذه النقاط دعم استمرار حكومة الوحدة، مع اشتراط إجراء تعديلات وزارية والالتزام بتمثيل كافة الدوائر (الإدارية)، ومنح الدبيبة حرية اختيار الوزراء الجدد، وتحمل مسؤولية خياراته. كما اقترحت المبادرة أن تتولى دول تركيا ومصر والإمارات وقطر “بالتنسيق في ما بينها، ومن خلال أطراف تتم تسميتها من طرفي الاتفاق، تشكيل تنسيقية دولية عليا تشرف على تنفيذ الاتفاق والنظر في كل ما تحتاجه عملية تنفيذها من متطلبات وتعديلات وفقا لما يتماشى وطبيعة المرحلة ومستجداتها وضروراتها”[8].

وهى المبادرة التى رفضها عقيلة صالح، لأن التعديل الوزاري الجزئي الذى تطالب به تلك المبادرة يُضعف موقف عقيلة، الذي يريد الإطاحة بالدبيبة، من خلال إنهاء ولاية الحكومة، وليس مجرد تعديل يعزز صلاحياته ونفوذه على الوزراء. كما أن الأمر الأكثرإثارة للاهتمام، هو اقتراح المبادرة أن تستغرق ولاية الحكومة عامين ابتداء من تاريخ توقيع الدبيبة وعقيلة على هذه المبادرة، في حال لم تجر الانتخابات خلال هذه الفترة. وهذه المرة الأولى التي يتم الحديث فيها عن تمديد ولاية حكومة الوحدة عامين، بينما يرى عقيلة أن ولاية الحكومة انتهت في 24 ديسمبر الماضي، بعد فشل إجراء الانتخابات في موعدها[9]. وفى إشارة ضمنية من جانب الدبيبة لتحميل رئيس مجلس النواب عقيلة صالح مسئولية الأزمة الحالية التى تعيشها البلاد، فقد أكد الدبيبة، فى 23 يناير الجارى خلال مشاركته في ندوة بعنوان “الدستور أولاً” في طرابلس، على الحاجة إلى دستور في البلاد قبل إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، مشيرًا إلى “محاولة أطراف تعميق الأزمة بدلاً من حلها وتقييد إرادة الشعب الليبي، من خلال تفصيل بعض القوانين لمنع أشخاص وتمكين آخرين، واليوم بعدما قال القضاء كلمته، تحاول الأطراف ذاتها الالتفاف من جديد عن أصل المشكلة، والذهاب في مسارات تطيل أمد الأزمة وتقفز على أصل مسبباتها”[10]. فى إشارة إلى قيام مجلس النواب بقيادة عقيلة بتفصيل قوانين الانتخابات الرئاسية التى كانت مقررة فى 24 ديسمبر الماضى لصالحه وحفتر ولمنع الدبيبة من الترشح، والآن يحاول عقيلة أيضًا أن ينفرد بإطالة الأزمة عبر تشكيل لجنة لصياغة مسودة دستور جديد بدلًا من الاستفتاء على مسودة الدستور التى وضعتها الهيئة التأسيسية المنتخبة فى عام 2017.

وأخيرًا، فهناك تأكيد من حكومة الدبيبة على وجود العديد من المخالفات القانونية والدستورية فى جلستى مجلس النواب المنعقدة فى 24 و25 يناير، والتى شهدت اتخاذ هذه القرارات، تتمثل فى؛ أن صالح، لما علم بعدم ضمان حصول النصاب الكافي لإسقاط الحكومة، لجأ إلى توكيل لجنة خارطة الطريق المُنبثقة عن مجلس النواب (22ديسمبر2021) بهذه المهمة، واستند إلى توصياتها وهذه المخالفة الدستورية الأولى. المخالفة الثانية؛ يُقال إن سحب الثقة من الحكومة تم برشاوى قُدمت للنواب، علاوة على قطع كلمات النواب المعارضين لقرار إسقاط الحكومة، وقطع البث المرئي للجلسة عدة مرات. المخالفة الثالثة؛ أن لجنة خارطة الطريق نصت على أن الحكومة تقع في مسار السلطة التنفيذية، والأخيرة قائمة مقفلة انتخبها ملتقى الحوار السياسي بأربعة رؤوس، ثلاثة في المجلس الرئاسي، وواحد لرئاسة الحكومة، فلا يجوز قانوناً إسقاط رأس والإبقاء على البقية، فالقائمة مقفلة تسقط كلها أو تبقى كلها[11]. كما أن عقيلة صالح هو الأخر كان مرشحاً رئاسياً، ويستخدم صلاحياته كرئيس للمجلس لإقصاء الدبيبة، أقوى خصومه في الانتخابات، فكيف له أن يعود لرئاسة مجلس النواب من دون أن يتنازل عن ترشحه للرئاسة، ويجمع بينهما في آن واحد؟[12]، مثلما يطالب عقيلة الدبيبة بعدم الجمع بين رئاسة الحكومة والترشح للانتخابات المقبلة.

ثانيًا: المجلس الأعلى للدولة:

فقد أثار تصويت مجلس النواب على استبعاد المجلس الأعلى للدولة من المشاركة في تزكية رئيس الحكومة الجديدة، الجدل مجددًا بشأن مستقبل العملية السياسية، رغم تأكيد استمرار التشاور بين المجلسين. وقد يعيد القرار البرلماني الاختلاف من جديد بين مجلسي النواب والدولة، اللذين يتنافسان على أحقية كل منهما في اختيار السلطة التنفيذية الجديدة بعد تعثر إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في موعدها يوم 24 ديسمبر الماضي[13]. وفي أول ردود الفعل من مجلس الدولة على قرار البرلمان تشكيل حكومة جديدة، وصف عضو المجلس، عبد الجليل الشاوش، ما حدث في جلسة البرلمان، بأن “مرشحاً رئاسياً، هو عقيلة صالح، رئيس البرلمان، يعاقب مرشحاً رئاسياً منافساً له، هو عبد الحميد الدبيبة، رئيس الحكومة”. وعبر الشاوش عن استغرابه “تصريحات عقيله صالح، وهو رجل قانون، بخصوص انتهاء ولاية الحكومة، على الرغم من أن ملتقى الحوار السياسي حدد نهاية ولايتها بانتهاء المرحلة الانتقالية وإجراء انتخابات حرة ونزيهة”. وأشار إلى أن “المادة الرابعة من الاتفاق السياسي تحدد آلية اختيار رئيس الحكومة، في حالة شغور المنصب، ولحد الآن ما من شغور في منصب رئيس الحكومة”[14]. وبعد ساعات من تصويت مجلس النواب على استبعاد المجلس الأعلى للدولة من مشاورات تشكيل حكومة بديلة لحكومة عبد الحميد الدبيبة، أعلن رئيس المجلس خالد المشري معارضته أي تعديل للسلطة التنفيذية لا يتلاءم مع الإعلان الدستوري. كما أكد ضرورة التقيد بالاتفاق السياسي المبرم في الصخيرات بالمغرب عام 2015 عند إجراء أي تغيير في السلطة التنفيذية. وفي وقت سابق، أكد المسؤول الليبي للمستشارة الخاصة للأمم المتحدة في ليبيا ستيفاني وليامز أن أي تعديل في السلطة التنفيذية في البلاد يجب أن يتوافق مع الإعلان الدستوري المؤقت ومع خارطة الطريق للحل السياسي الشامل في ليبيا. وبموجب اتفاق الصخيرات، فإن المجلس الأعلى للدولة يتشاور مع مجلس النواب في عدة حالات بينها سحب الثقة من الحكومة[15]. ويرى أنصار مجلس الدولة أن هناك مخالفات دستورية فى شابت عملية اصدار هذه القرارات منها؛ أن رئاسة مجلس النواب أعلنت عن انعقاد الجلسة بقوام 120 نائباً، لكن الذين شاركوا في التصويت على قرار استبعاد مجلس الدولة هم 51 عضواً فقط، وبواقع 30 صوتاً قبلوا استبعاد المجلس الأعلى للدولة من اختيار رئيس الحكومة الجديد مقابل 21 صوتاً رفضوا الاستبعاد، مما يؤكد على عدم شرعية ودستورية تلك الخطوة[16].

وقد أثار قرار مجلس النواب باستبعاد مجلس الدولة من تشكيل الحكومة الجديدة حالة استغراب شديدة، خاصة أن هذ القرار يأتى فى ظل الحديث عن نوع من التقارب بين مجلس النواب والأعلى للدولة. حيث بدا من تحركات مجلس النواب أنه بات أقرب للعمل في إطار بحث المسار الدستوري، وهو ما يجعله قريبًا من وجهة نظر المجلس الأعلى للدولة، وهذا يمكن اعتباره على المستوى التكتيكي تغيرًا جذريًا في توجهات رئيس المجلس المستشار عقيلة صالح الذي كان حتى أسابيع قليلة مضت يرى أن عقد الانتخابات الرئاسية والتشريعية هو المسار الأفضل. وقد ازدادت احتمالية حدوث هذا التقارب بين المجلسين خاصة بعد الأنباء التي تحدثت عن لقاء تم مؤخرًا في المغرب بين صالح والمشري[17]. لكن سرعان ما أزالت التطورات المتلاحقة هذا الاستغراب وذلك الالتباس، فعلى الرغم من قبول عقيلة بأولوية المسار الدستورى، إلا أنه لا يزال هناك اختلاف فى وجهتى النظر بين عقيلة والمشرى. ففى حين دعا عقيلة صالح خلال جلسة البرلمان في 17 يناير الجاري إلى تشكيل لجنة من 30 عضواً من المثقفين والمفكرين والقانونين من الأقاليم الليبية الثلاثة لصياغة دستور جديد للبلاد، وذلك خلال 30 يوماً من تاريخ تشكيل اللجنة. فقد تمسك المشري بالتنسيق مع الهيئة الدستورية، باعتبارها هيئة منتخبة من قبل الشعب، وعقد المشري، اجتماعاً في 18 يناير الجاري، مع لجنة التواصل بالهيئة التأسيسية لصياغة الدستور، حيث تم الاتفاق على ضرورة استكمال المسار الدستوري من خلال طرح المسودة التي صاغتها الهيئة على الاستفتاء الشعبي[18]. ويبدو أن وجهة نظر مجلس الدولة بالاستفتاء على مسودة الدستور الحالى بدلًا من إعداد مسودة جديدة أكثر منطقية لمجموعة من الأسباب منها؛ أن تعيين لجنة من 30 متخصصا، بدلا من هيئة منتخبة من 60 عضوا، من شأنه هدم مسار استغرق أكثر من 8 أعوام، وليس معروفا كم سيستغرق إنهاء اللجنة المقترحة لمسودة الدستور.. أشهرا أم سنوات. فلجنة الستين منحت عاما لإنجاز مشروع الدستور، لكنها لم تستكمله إلا بعد مرور نحو 3 أعوام ونصف، وإلى اليوم لم يتم الاستفتاء عليه. ما يعزز الاعتقاد أن لجنة الثلاثين المقترحة قد تستغرق هي الأخرى سنوات لإعداد مسودة الدستور، حتى ولو منحت مهلة أسابيع أو أشهر لإنجازها.

كما أن اختيار الأعضاء الثلاثين لإعداد مسودة الدستور، يحتاج موافقة كلًا من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، وهذا بحد ذاته يستغرق وقتا، فلحد الآن لم يتم تنفيذ الاتفاق على تقسيم المناصب السيادية السبعة، رغم أشهر طويلة من المفاوضات بين المجلسين، فما بالك بثلاثين عضو سيكون دورهم حاسما في تحديد طبيعة النظام السياسي للبلاد. كما أن فشل لجنة الـ75 في إعداد قاعدة دستورية (مستعجلة) فقط لإجراء الانتخابات وصلت إلى طريق مسدود، وليس هناك أي ضمانات بأن لجنة الثلاثين المقترحة لن تشهد نفس المصير. وحتى إذا تم التوافق حول تشكيلتها، فإنها مجبرة على تقديم مسودتها لمجلس النواب لتعديلها والمصادقة عليها، مع استشارة مجلس الدولة، فاللجنة المعينة ليس لها نفس الصلاحيات مقارنة بهيئة دستورية منتخبة (لجنة الستين). وبالنظر إلى الطريقة التي أصدرت بها رئاسة مجلس النواب لقوانين الانتخابات دون احترام الحد الأدنى من الإجراء الدستورية والنظام الداخلي للبرلمان والاتفاق السياسي، يجدد القلق لدى الليبيين من احتمال التلاعب بمشروع الدستور المقبل، بما يتوافق مع أهواء أفراد بعينهم أو لإقصاء أشخاص معينين، بما لا يتوافق مع روح أي دستور يفترض أن يفصل على مقاس أي شخص[19]. أضف إلى ذلك، فقد انتقدت الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور الدائم في ليبيا اقتراح رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، تشكيل لجنة جديدة لصياغة الدستور، وقالت إن هذه الخطوة تمثل “مخالفة صارخة للإعلان الدستوري”. ووقع نحو 43 عضوا في الهيئة من أصل 58، بيانا، فى 27 يناير الحالى، عبروا فيه عن رفضهم “القاطع لأي محاولات يقوم بها السيد رئيس مجلس النواب من شأنها تجاور مهامه، والتعدي على اختصاصات الهيئة التأسيسية المنتخبة”. وقال الأعضاء الـ43، في بيانهم، إن “ما صدر من تصريحات عن السيد رئيس مجلس النواب بشأن اقتراح تعيين لجنة لصياغة دستور دائم، بدلا عن الهيئة التأسيسية، يعد مخالفة صارخة للإعلان الدستوري”[20].

ثالثًا: البعثة الأممية:

تعكس المؤشرات الراهنة وجود تيارين أساسيين حاليًا يحاولان فرض وجهتي نظرهما فيما يتعلق بما يجب أن يتم التركيز عليه سياسيًا في المرحلة الحالية؛ التيار الأول يرى أن واقع الحال يفرض التوجه نحو الاستفتاء على الدستور أولًا، بالتزامن مع تشكيل خريطة طريق سياسية جديدة، في حين يرى التيار الثاني أنه لتفادي تفاقم أزمة الشرعية يجب الالتزام بخارطة الطريق الحالية التي تمخضت عن ملتقى الحوار الوطني، بحيث يتم على الأقل عقد الانتخابات التشريعية، قبل يونيو المقبل. التيار الأول يتصدره مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، وإن كان هناك اختلاف بينهما حول هذه النقطة كما تم توضيحه أعلاه،  في حين ترى البعثة الأممية في ليبيا أن التيار الثاني ربما يكون أكثر واقعية[21].ففى حين أعلن عقيلة صالح، في الجلسة الثانية للبرلمان، في 18 يناير الجاري، عن خريطة طريق جديدة تقوم لجنة “خريطة الطريق” برئاسة نصر الدين مهنا، بإعدادها، وبالتنسيق مع المفوضية العليا للانتخابات، ويبدو أن هذه الخريطة سوف تتضمن تأجيل الانتخابات عدة أشهر لحين الانتهاء من تسوية الملفات الخلافية والعراقيل التي حالت دون إجراء انتخابات 24 ديسمبر الماضي، وربما يعزز من هذا الطرح إعلان رئيس المفوضية العليا للانتخابات خلال جلسة مجلس النواب، في 17 يناير الجاري، أن استكمال عملية الانتخابات يحتاج لفترة تتراوح بين 6 – 8 أشهر. ففى المقابل تضغط القوى الدولية للتعجيل بإجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسة خلال عدة أشهر. وانعكس هذا الموقف الدولي في التصريحات الأخيرة لبعثة الاتحاد الأوروبي إلى ليبيا، فضلاً عن الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، للأطراف السياسية في ليبيا لإجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية في أقرب وقت ممكن. كما تدعو البعثة الأممية للإبقاء على حكومة الوحدة الوطنية لتجنب تمديد الفترة الانتقالية، وإجراء الانتخابات قبل نهاية يونيو المقبل. فثمة قلق متنام لدى البعثة الأممية من فكرة تشكيل حكومة ليبية جديدة، حيث أعلنت مستشارة الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفاني ويليامز، أن خريطة الطريق التي وضعها ملتقى الحوار الليبي تمتد حتى يونيو المقبل، مما يعني ضرورة استمرار الحكومة الحالية في مباشرة مهامها حتى نهاية هذه المدة. كما أعربت ويليامز عن قلقها من استبدال الحكومة الحالية، مشيرة إلى أن هذا لن يشكل حلاً للأزمة الحالية.

من ناحية أخرى، تعكس مواقف القوى الدولية المنخرطة في الملف الليبي وجود دعم لفكرة استمرار حكومة الدبيبة لحين إجراء الانتخابات الرئاسية، وهو الموقف الذي أيدته بوضوح السفيرة البريطانية لدى ليبيا، كارولين هرندال[22]. ولكن ما قد يزيد الأمور تعقيدًا، ويقوى من موقف عقيلة صالح الذى يطالب باسقاط حكومة الدبيبة، إنه لا يوجد اتفاق في مجلس الأمن على تعيين مبعوث جديد للأمم المتحدة وعلى هيكلية عمل البعثة في طرابلس. ففي الوقت الحالي الأمم المتحدة حاضرة على الأرض من مستشارة الأمين العام للأمم المتحدة ستيفاني ويليامز، والتي تولت في السابق رئاسة البعثة الأممية، وجرى تعيينها كمستشارة في محاولة لتجنب الفيتو الروسي. ومن الواضح أن ويليامز لن تصبح مبعوثا للأمم المتحدة نظرًا للرفض الروسي[23]. ولذلك فقد اقترحت بريطانيا، خلال جلسة مجلس الأمن فى 27 يناير الجارى، مشروع قرار لتمديد مهمة بعثة الأمم المتحدة لسنة أخرى، فقد رأت لندن أن تسوية الخلاف بين موسكو وواشنطن حول ليبيا مستحيلة قبل انتهاء ولاية البعثة في 31 يناير الحالى وفضلت تبني مشروع مقتضب جداً يقتصر على تمديدها حتى سبتمبر المقبل. ويُفترض أن يُتبنّى النص خلال تصويت الخميس، 27 يناير الحالى. وظهرت انقسامات بين الغرب وروسيا بشأن تمديد المهمة السياسية، فقد رفضت موسكو مشروع القرار البريطانى، وتمسكت بضرورة تعيين مبعوثاً جديداً، وهددت موسكو باستخدام حق النقض (الفيتو) ضد القرار خاصة أنه قد أشار إلى ضرورة انسحاب المرتزقة من ليبيا. وعليه فإن الخلاف الذي تعمق مرة أخرى بين أعضاء الأمم المتحدة ليس مؤشراً جيداً لليبيين ولن يساعد ستيفاني وليامز في مهمتها[24].

ختامًا؛ يهدف رئيس مجلس النواب عقيلة صالح من خلف هذه القرارات إلى خلط الأوراق بهدف إبعاد موعد الانتخابات إلى أكثر من عام على الأقل، ما يعنى استمراره فى منصبه كرئيس لمجلس النواب لفترة أطول. فيما تؤكد ردود الأفعال على قرارات مجلس النواب بأن الدبيبة لن يقبل بتسليم السلطة، مدعومًا من البعثة الأممية، وكذلك فلن يقبل المجلس الأعلى للدولة باستبعاده من اختيار رئيس الحكومة الجديد، خاصة أن مجلس النواب قد طرح تغيير الحكومة دون التوافق على خطة طريق متكاملة محددة الملامح والمدد. وفى ظل هذا الوضع فهناك ترجيح حول إمكانية أن يعود مشهد الانقسام السياسي مرة أخرى فى حالة تشكيل حكومة موازية فى المنطقة الشرقية تلقى الدعم من جانب عقيلة صالح. لكن عمومًا ومهما يكن من أمر، فربما تتم بعض الترضيات من خلال تغيير بعض الوزراء في حكومة الدبيبة مع بقائه هو على رأسها، أما خيار الحرب الشاملة فبات مستحيلًا، بحكم المشهد الدولي والتقارب المصري التركي والخليجي، بل الليبي نفسه بعد زيارة نواب موالين لحفتر إلى تركيا، وتكريم عقيلة صالح للسفير التركي مؤخرًا، في عقر داره بمدينة القبة، فضلًا عن اعتزامه زيارة أنقرة نهاية يناير الحالي[25].

 

 

[1] “قرارات تزيد من غموض المشهد الليبي: إسقاط الحكومة وإقصاء مجلس الدولة”، العربى الجديد، 26/1/2022، الرابط: https://bit.ly/3r1IFdN

[2] “مستقبل الدبيبة: أبعاد التوتر الراهن بين مجلس النواب والحكومة الليبية”، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 20/1/2022، الرابط: https://bit.ly/3H4znTP

[3] “خارطة برلمانية: كيف سيتعامل مجلس النواب الليبي مع تأجيل الانتخابات العامة؟”، المرصد المصرى، 25/1/2022، الرابط: https://bit.ly/3H6y475

[4] “خلاف البرلمان والحكومة يهدد بإعادة الأزمة الليبية إلى المربع الأول”، إندبندنت عربية، 26/1/2022، الرابط: https://bit.ly/3g1ER5W

[5] “هل يهدد الخلاف بين مجلسي النواب والدولة مستقبل الحل السياسي في ليبيا؟”، الجزيرة نت، 26/1/2022، الرابط: https://bit.ly/3FXSldy

[6] “مستقبل الدبيبة: أبعاد التوتر الراهن بين مجلس النواب والحكومة الليبية”، مرجع سابق.

[7] “ردا على قرار البرلمان الليبي.. المشري يرفض استبعاد المجلس الأعلى للدولة من مشاورات تشكيل الحكومة ويتمسك بالاتفاق السياسي”، الجزيرة نت، 25/1/2022، الرابط: https://bit.ly/3AH8umD

[8] “62 برلمانياً ليبياً يدعمون استمرار حكومة الدبيبة بشرط وحيد”، العربى الجديد، 23/1/2022، الرابط: https://bit.ly/3KJYj5j

[9] “ليبيا.. الدبيبة ينجح في شق موقف مجلس النواب من الحكومة (تحليل)”، الأناضول، 25/1/2022، الرابط: https://bit.ly/3rVdu33

[10] “رئيس الوزراء الليبي يطالب بدستور جديد قبل إجراء الانتخابات”، إندبندنت عربية، 23/1/2022، الرابط: https://bit.ly/3FY82kY

[11] قرارات تزيد من غموض المشهد الليبي: إسقاط الحكومة وإقصاء مجلس الدولة”، مرجع سابق.

[12] “مصالح عقيلة صالح”، العربى الجديد، 27/1/2022، الرابط: https://bit.ly/3u5Y8eY

[13] “هل يهدد الخلاف بين مجلسي النواب والدولة مستقبل الحل السياسي في ليبيا؟”، مرجع سابق.

[14] “خلاف البرلمان والحكومة يهدد بإعادة الأزمة الليبية إلى المربع الأول”، مرجع سابق.

[15] “ردا على قرار البرلمان الليبي.. المشري يرفض استبعاد المجلس الأعلى للدولة من مشاورات تشكيل الحكومة ويتمسك بالاتفاق السياسي”، مرجع سابق.

[16] “قرارات تزيد من غموض المشهد الليبي: إسقاط الحكومة وإقصاء مجلس الدولة”، مرجع سابق.

[17] “خلط الأوراق… ليبيا بين أزمة الشرعية واختلاف الأولويات”، المرصد المصرى، 20/1/2022، الرابط: https://bit.ly/3tZD49O

[18] “مستقبل الدبيبة: أبعاد التوتر الراهن بين مجلس النواب والحكومة الليبية”، مرجع سابق.

[19] “ليبيا.. مقترح تشكيل لجنة لصياغة الدستور عرقلة للانتخابات (تحليل)”، الأناضول، 21/1/2022، الرابط: https://bit.ly/3g6SuRf

[20] ” “دستور ليبيا” ترفض لجنة موازية.. وبحث دمج تشكيلات مسلحة”، عربى21، 27/1/2022، الرابط: https://bit.ly/3G0FXcF

[21] “خلط الأوراق… ليبيا بين أزمة الشرعية واختلاف الأولويات”، مرجع سابق.

[22] “مستقبل الدبيبة: أبعاد التوتر الراهن بين مجلس النواب والحكومة الليبية”، مرجع سابق.

[23] “ليبيا تخلق حالة عدم توافق داخل مجلس الأمن الدولي”، عين ليبيا، 26/1/2022، الرابط: https://bit.ly/3IC4IO6

[24] ” الأمم المتحدة ستمدد مهمتها في ليبيا وسط انقسام حاد حول الدستور والانتخابات”، تى أر تى عربى، 27/1/2022، الرابط: https://bit.ly/3H8XsJ8

[25] ” قفزات عقيلة صالح.. هل تطيح بحكومة الوحدة الليبية؟”، نون بوست، 23/1/2022، الرابط: https://bit.ly/3IGVkJi

]]>
https://politicalstreet.org/4951/feed/ 0
لقاء عقيلة والمشرى.. هل ينجح فى وضع خارطة طريق جديدة لحل الأزمة الليبية؟ https://politicalstreet.org/4923/?utm_source=rss&utm_medium=rss&utm_campaign=%25d9%2584%25d9%2582%25d8%25a7%25d8%25a1-%25d8%25b9%25d9%2582%25d9%258a%25d9%2584%25d8%25a9-%25d9%2588%25d8%25a7%25d9%2584%25d9%2585%25d8%25b4%25d8%25b1%25d9%2589-%25d9%2587%25d9%2584-%25d9%258a%25d9%2586%25d8%25ac%25d8%25ad-%25d9%2581%25d9%2589-%25d9%2588%25d8%25b6%25d8%25b9-%25d8%25ae%25d8%25a7%25d8%25b1%25d8%25b7 https://politicalstreet.org/4923/#respond Thu, 20 Jan 2022 07:27:34 +0000 https://politicalstreet.org/?p=4923  

أشار تقرير صادر عن وكالة “سبوتنك” الروسية عن لقاء سري جري في 2 يناير 2022 بين رئيس مجلس النواب الليبي والمرشح الرئاسي، عقيلة صالح، ورئيس المجلس الاعلى للدولة، خالد المشري، في المغرب؛ في محاولة لحلحلة الملفات الخلافية بين الجانبين والتوصل إلى ملامح لخريطة طريق جديدة. وأضافت “سبوتنيك” أن اللقاء فرضت عليه السرية نظرًا لعدم عودة عقيلة صالح لمنصبه حتى الآن في رئاسة مجلس النواب، وأن هناك رغبة في تحقيق تفاهم أولي بين الطرفين لعقد اجتماعات موسعة خلال الفترة المقبلة[1].

وعلى الرغم من عدم إعلان أيًا من مجلسى الدولة والنواب عن عقد هذا اللقاء، إلا أنهما أيضًا لم ينفيا ذلك. بل إن المشري كان قد أعلن، في 18 ديسمبر 2021، عن وجود ترتيبات لتنظيم لقاء يجمعه بصالح لتسوية الأزمة السياسية الراهنة. وعلى الرغم من نفي مصادر من داخل مجلسي النواب والدولة أن يكون قادتهما قد اتفقوا على عقد لقاء في الرباط، فإن موقع الجزيرة أكد وصول صالح والمشري إلى المغرب استجابة لوساطة مغربية[2]. وسوف نتناول فى السطور القادمة؛ دوافع هذا اللقاء، وأهم ما اتفق عليه الطرفان خلاله، ومدى إمكانية تنفيذ ما تم الاتفاق عليه..

أولًا: دوافع اللقاء بين المشرى وعقيلة:

يسعى كلا من المشرى وعقيلة من خلف هذا اللقاء إلى العمل على تجنب تراجع دورهما مقابل تصاعد دور ملتقى الحوار السياسى، فمنذ عودة ستيفاني ويليامز بدأت مساعي مكثفة من أجل إعادة دور ملتقي الحوار الليبي، والذي كانت قد ساهمت ستيفاني في تشكيله قبل مغادرتها منصب المبعوث الأممي في يناير 2021، حيث تعول ويليامز كثيراً على أعضاء هذا الملتقى، نظراً لإنخراطها في وقت سابق في اختيار عناصره، فضلاً عن الدور الذي قام به الملتقى في اختيار السلطة الانتقالية الحالية والتوصل إلى خريطة الطريق التي حددت موعد الانتخابات.

وقد تسعى ويليامز لتجميد دور مجلسي النواب والدولة، وإعادة تفعيل دور ملتقى الحوار، وهو الأمر الذي دفع المجلسين إلى العمل على حلحلة الخلافات القائمة بينهما لضمان استمرارهما في المشهد وإطلاعهما على صياغة ملامح خريطة الطريق الجديدة، وهو ما عكسته تصريحات خالد المشري الأخيرة، التي ألمح فيها إلى أن ثمة تفاهمات تم التوصل إليها مع المستشار عقيلة صالح بشأن العمل بعيداً عن البعثة الأممية[3].

وهو ما تم التأكيد عليه أيضًا، بعد اللقاء الذى جمع رئيس مجلس النواب المكلف فوزي النويري بالمشري، في طرابلس، فى 8 يناير 2022، لـ”بحث المسار الدستوري وسبل تسريع العملية الانتخابية”. فقد  نقل بيان المجلس الأعلى للدولة، عن المشري والنويري “تأكيدهما “رفضهما للتدخلات الخارجية في الشأن الليبي”، وأن العملية السياسية “ملكية وطنية، وحل الأزمة لن يكون إلا ليبيا – ليبيا، وعبر الأطراف الليبية مباشرة”[4].

ومن العوامل التى دفعت لعقد اللقاء بين المشرى وعقيلة، ظهور سيف الإسلام القذافي وإعلانه الترشح للانتخابات الرئاسية، وهي الخطوة التي دفعت العديد من الأطراف الداخلية إلى إعادة النظر في تحالفاتهم لتجنب الخسارة، في ظل المؤشرات التي تمتع سيف الإسلام بشعبية غير هينة تؤهله لاحتلال مركز متقدم في أي انتخابات قادمة[5].

ثانيًا: أهم ما تم الإتفاق عليه خلال اللقاء:

ذكرت عدة تقارير إعلامية أن لقاء عقيلة والمشرى هدفه الرئيسى يتمثل فى وضع خارطة طريق جديدة لحل الأزمة الليبية، وذلك بعد فشل إجراء الانتخابات التى كانت مقررة فى 24 ديسمبر 2021؛ لعدة عوامل سبق ذكرها فى تقارير سابقة، وتمثلت أبرز بنود هذه الخارطة فى:

– أولوية الاستفتاء على الدستور وإشراك المجلس الأعلى فى تعديله:

حيث كان لافتًا التوصيات التى تقدمت بها اللجنة البرلمانية التى شكلها مجلس النواب، والمعنية بمتابعة تنفيذ العملية الانتخابية، فمن بين هذه التوصيات، دعوتها “لوضع خارطة طريق جديدة قابلة للتنفيذ، مضبوطة بمدد ومراحل وتواريخ في إطار دستوري، وتعديل مشروع الدستور عن طريق لجنة فنية يعينها مجلس النواب بإشراك عادل لمجلس الدولة”.

ومنذ فشل لجنة الحوار السياسي في إعداد قاعدة دستورية خلال اجتماعها بجنيف الصيف الماضي، تعد المرة الأولى التي يتحدث فيها مجلس النواب عن إشراك المجلس الأعلى للدولة في تعديل مشروع الدستور، دون الإشارة إلى قوانين الانتخابات، التي يطالب الأخير بأن يكون طرفًا أصيلًا فيها بناء على الاتفاق السياسي.

ولم تتحدث الصفحة الرسمية للمجلس الأعلى للدولة، عن اجتماع المشري وعقيلة، ولكنها نشرت، فى 5 يناير 2022، بيانًا لمكتب المجلس، جاء فيه أنه “تم التأكيد على الإسراع في اتخاذ الخطوات العملية لإنجاز العملية الدستورية والانتخابية، من خلال الاستفتاء على الدستور، وإصدار قوانين توافقية، وإنهاء المراحل الانتقالية”. والحديث عن “الإسراع” في اتخاذ “خطوات عملية”، يوحي بوجود اتفاق ما بشأن إعطاء الأولية للاستفتاء، وقبول مجلس النواب بإشراك مجلس الدولة في إصدار قوانين الانتخابات[6].

– إعادة تشكيل السلطة التنفيذية الحالية:

ليس واضحًا ما هو المقابل الذي تحصل عليه عقيلة حتى تنازل عن إقصاء مجلس الدولة في إعداد قوانين الانتخابات، وأولوية الاستفتاء على الدستور قبل الذهاب للانتخابات. غير أن عقيلة صالح، من أنصار الإطاحة بحكومة الوحدة والمجلس الرئاسي، ولن يتم ذلك إلا بتوافق مع المشري ومجلس الدولة.

وفى هذا السياق، فقد تحدث المستشار السياسي السابق للمجلس الأعلى، أشرف الشح، عن اتصالات بين المشري وصالح، بمبادرة من وزير الداخلية السابق فتحي باشاغا، لتشكيل مجلس رئاسي جديد، يتولى رئاسته صالح بعضوية المشري، فيما يتولى باشاغا رئاسة الحكومة الجديدة، ويُدعى إلى تأجيل الانتخابات الليبية 24 شهراً إضافياً من أجل ترتيب الأوضاع، ويُضمن كل ذلك في الإعلان الدستوري.

وبالرغم من نفى المشري صحة سعيه لتشكيل سلطة تنفيذية جديدة، ولكنه أقر بوجود اتصال مع عقيلة، بـ”صفته رئيس مجلس النواب” لإيجاد حل للانسداد الحاصل في العملية الانتخابية، ورجح أن يلتقيه في تركيا أو مصر، قبل أن يجتمعا فيما بعد في المغرب[7].

وسبق أن أشار المشرى فى لقائه مع قناة الجزيرة، فى 29 ديسمبر 2021، فى إجابته على سؤال حول ما إذا كان التقارب بين المجلسين سيستهدف إعادة تشكيل السلطة التنفيذية الحالية، قال “تغيير رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة ورئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي مسألة تقديرية حسب المدد المتبقية والشكل القادم للمرحلة المقبلة”، مشيراً إلى أن “بعض الوزارات في الحكومة الحالية أصبح الأمر فيها لا يطاق”[8]. وهو ما قد يفهم منه أنه قد لا يمانع من تغيير رئيس المجلس الرئاسى أو رئيس الحكومة أو إدخال تعديلات على بعض الوزارات بها.

أكثر من ذلك، فقد ادعت مجلة “جون أفريك” الفرنسية أن اجتماع المشرى وعقيلة فى المغرب، ضم أيضًا بلقاسم” نجل خليفة حفتر”، والذى يؤدي دور المستشار الدبلوماسي لوالده. وبحسب الصحيفة، فإن اللقاء الثلاثي السري، يشكل تحالفًا لإزاحة حكومة الدبيبة[9].

تغيير رئيس المفوضية العليا للانتخابات:

كان المشري قد كشف خلال اللقاء الذى أجرته معه قناة الجزيرة، فى 29 ديسمبر، عن بعض أهداف اللقاء، موضحاً أنه سيتحدث مع صالح “عن المسار الدستوري وبعض المناصب السيادية”. وهناك ترجيحات بأن يكون حديث المشري وعقيلة حول بعض المناصب السيادية هدفه تغيير رئيس المفوضية العليا للانتخابات الحالي، عماد السايح، باعتبار رئاسة المفوضية من المناصب السيادية، كخطوة في طريق حل العراقيل الانتخابية[10].

ووفقًا لموقع “العربى الجديد”، فقد انتهى اللقاء إلى الاتفاق على الشكل والملامح العامة لخريطة طريق جديدة للمرحلة المقبلة، تمر على مراحل، أولاها تشكيل لجان ليبية لإطلاق حوار مجتمعي، ينتهي بتعديل مسودة الدستور المقرة من الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور عام 2017[11]، وتنتهي بإحالة الدستور، بعد تعديله والاستفتاء عليه من قبل الشعب، إلى مفوضية الانتخابات، للإعداد لعملية انتخابية جديدة، على أن تبدأ عملية الاقتراع في الانتخابات في يناير 2023.

وقد أكد الطرفين على الدفع بالمسار الدستوري إلى واجهة المشهد، باعتباره الحل والضمان لعدم تكرار أسباب فشل إجراء الانتخابات في موعدها الماضي يوم 24 ديسمبر 2021، وأن ذلك سيكون من خلال إعلان المجلسين عن اتفاقهما على حل الخلافات القانونية التي اعترضت إجراء الانتخابات في موعدها السابق، بإجرائها وفق دستور دائم للبلاد.

ويبدو أن الهدف من خريطة الطريق الجديدة هو القفز على خريطة الطريق المنبثقة عن ملتقى الحوار السياسي، حيث أن إجراء تعديلات على مسودة الدستور والاستفتاء عليه يستلزمان مدة أطول من عمر خريطة الطريق المنبثقة عن ملتقى الحوار السياسي الذي ينتهي في يونيو المقبل[12]، ما يعنى بقائهما فى السلطة أطول فترة ممكنة. كما أن ذلك يعنى انفرادهما بتصميم قاعدة دستورية تكون على مقاس شخصيات تضمن لهما مصالحهما[13].

ثالثًا: مدى إمكانية تنفيذ ما تم الإتفاق عليه:

يمكن القول أن هناك عدة أوراق يمتلكها المجلسان لفرض خيار لقائهما كحل محتمل للأزمة الانتخابية الحالية، فهما موجودان فعلياً على الأرض وأكبر الخصوم التي تمتلك أذرعا عسكرية. كما أن هناك مصالح أطراف إقليمية أيضاً يمكن أن تلتقي مع هذا الخيار وتدعمه، وربما يكون من نتائج التقارب المصري التركي المتزايد[14].

ولكن فى المقابل، يبدو أن هناك رفض من قبل المبعوثة الأممية إلى ليبيا ستيفانى ويليامز لبنود الاتفاق، فقد دعت وليامز، عبر اتصال مرئي مع الكتلة النسائية في ملتقى الحوار السياسي فى 9 يناير 2022، إلى :”احترام الجدول الزمني المنصوص عليه في خريطة طريق ملتقى الحوار السياسي الليبي، مشيرة إلى أن يونيو 2022 هو أقصى مهلة لتنفيذ المتفق عليه في ملتقى الحوار السياسي، أي إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية وتسليم السلطة”، مشددة على أن هذا هو “إطار العمل الذي أقره مجلس الأمن الدولي للحل الشامل لإنهاء الفترة الانتقالية الطويلة في ليبيا”.

وتنهي وليامز بذلك الجدل القائم حول مصير السلطة التنفيذية الحالية، خاصة الحكومة التي يقودها عبد الحميد الدبيبة، التي تطالب عدة قوى سياسية محلية بتعديلها أو إقالتها بالكامل، بعد انتهاء مدتها القانونية يوم 24 ديسمبر2021، وفشلها في إجراء الانتخابات في هذا الموعد. كما تصر وليامز من خلال تصريحاتها، وكان أخرها تصريح مع شبكة CNN الأمريكية[15]، على ضرورة أن يكون تأجيل الانتخابات لفترة قصيرة لا تتجاوز نهاية يونيو المقبل، وترفض دعوات ومطالب ترحيلها وإرجائها إلى العام المقبل[16].

وتملك وليامز العديد من الأوراق التى تمكنها من فرض خياراتها تتمثل فى الإبقاء على ملتقى الحوار السياسي في حالة استعداد للعودة، لإفشال أي خطوة في اتجاه تأجيل الانتخابات لمدة أطول. بجانب التمسك بالمجلس الرئاسي الذي لا يزال يمتلك شرعية لا يتحكم فيها مجلسا النواب والدولة، ويمكنه أن يشكل بديلاً عن ملتقى الحوار السياسي في فرض أي خطة جديدة للانتخابات في آجال قصيرة إذا فشل الملتقى[17].

علاوة على ذلك، فأن خبرة عقد مثل هذه اللقاءات بين المجلس الأعلى والنواب يوحى بأنه لن يحدث أى توافق بينهما، فعدد اللقاءات التي حدثت بين المجلسين طيلة السبع سنوات الماضية فاق العشرة لقاءات، وتمت خلالها حوارات لم تنتهِ إلى شيء. أكثر من ذلك، فأن مجلس النواب شكل لجنة لإعداد “خارطة طريق” ولم يشكلها ل”الحوار”، ما يعني، أن مجلس النواب لا يزال مصراً على التفرد بالقرارات، وأن تقاربه مع مجلس الدولة مجرد حديث إعلامي فقط[18].

 

 

 

[1] ” لقاء سرّي يجمع «المشري» و«عقيلة» في المغرب”، عين ليبيا، 2/1/2021، الرابط: https://bit.ly/3fjFQhr

[2] ” توازنات هشة: دلالات التحولات الراهنة في خريطة التحالفات في ليبيا”، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 5/1/2021، الرابط: https://bit.ly/3Fmg72L

[3] المرجع السابق.

[4] “لقاءات سياسية وعسكرية ليبية.. حوارات منفصلة أم توافق حول خريطة الطريق؟”، العربى الجديد، 9/1/2022، الرابط: https://bit.ly/3GlZ5ml

[5] ” توازنات هشة: دلالات التحولات الراهنة في خريطة التحالفات في ليبيا”، مرجع سابق.

[6] ” ليبيا.. خلفيات اللقاء السري بين المشري وعقيلة (تحليل)”، الأناضول، 7/1/2022، الرابط: https://bit.ly/3FkJX7y

[7] المرجع السابق.

[8] “أزمة الانتخابات الليبية.. هل تقارب المشري وصالح يؤشر لمرحلة جديدة؟”، العربى الجديد، 31/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3HWNzOS

[9] “مفاوضات سرية.. هل يسفر اجتماع المشري وعقيلة عن تحالف جديد في ليبيا؟”، صحيفة الاستقلال، 10/1/2022، الرابط: https://bit.ly/3zTTqSs

[10] “أزمة الانتخابات الليبية.. هل تقارب المشري وصالح يؤشر لمرحلة جديدة؟”، مرجع سابق.

[11] اختلف مجلسا النواب والدولة بشأن ضرورة طرح مسودة الدستور التى صاغتها الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور فى عام 2017 للاستفتاء منذ ذلك الوقت، ففى حين طالب مجلس الدولة بضرورة أن تكون أساساً دستورياً للانتخابات، رفض مجلس النواب ذلك بحجة وجود خلافات حول بعض مواد المسودة.

[12] ” اتفاق على مراحل خريطة طريق ليبية تتضمن تأجيل الانتخابات حتى 2023… وعقبة تعترض الإعلان”، العربى الجديد، 8/1/2021، الرابط: https://bit.ly/336ZTgT

[13] “أزمة الانتخابات الليبية.. هل تقارب المشري وصالح يؤشر لمرحلة جديدة؟”، مرجع سابق.

[14] المرجع السابق.

[15] ” وليامز: نعمل لإعادة العملية الانتخابية لمسارها في أسرع وقت ممكن”، بوابة إفريقيا الإخبارية، 12/1/2022، الرابط: https://bit.ly/3FeXRrS

[16] ” الأمم المتحدة تعلن موعد تسليم السلطة في ليبيا… تفاصيل”، حفريات، 10/1/2022، الرابط: https://bit.ly/34KMcVe

[17] “أزمة الانتخابات الليبية.. هل تقارب المشري وصالح يؤشر لمرحلة جديدة؟”، مرجع سابق.

[18] “ليبيا: حوار جديد بين مجلسي النواب والدولة… بحث حلّ أم سبيل جديد للمماطلة للبقاء في السلطة؟”، العربى الجديد، 6/1/2021، الرابط: https://bit.ly/3qu5mY1

]]>
https://politicalstreet.org/4923/feed/ 0
مستقبل العملية السياسية داخل ليبيا بعد الإعلان عن تأجيل الانتخابات https://politicalstreet.org/4807/?utm_source=rss&utm_medium=rss&utm_campaign=%25d9%2585%25d8%25b3%25d8%25aa%25d9%2582%25d8%25a8%25d9%2584-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25b9%25d9%2585%25d9%2584%25d9%258a%25d8%25a9-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25b3%25d9%258a%25d8%25a7%25d8%25b3%25d9%258a%25d8%25a9-%25d8%25af%25d8%25a7%25d8%25ae%25d9%2584-%25d9%2584%25d9%258a%25d8%25a8%25d9%258a%25d8%25a7-%25d8%25a8%25d8%25b9 https://politicalstreet.org/4807/#respond Tue, 04 Jan 2022 11:31:27 +0000 https://politicalstreet.org/?p=4807  

أعلنت المفوضية العليا للانتخابات الليبية، فى 22 ديسمبر 2021، عن تأجيل عملية الانتخابات التى كانت مقررة فى الخامس والعشرين من نفس الشهر، وأرجعت المفوضية هذا التأجيل إلى “الصعوبات التى واجهت العملية الانتخابية، والتى كان أبرزها مرحلة الطعون التى شهدت قصور التشريعات الانتخابية فيما يتعلق بدور القضاء في الطعون والنزاعات الانتخابية، والتى أوجدت حالة من عدم اليقين من أن قرارات المفوضية جانبها الصواب فيما يتعلق باستبعادها لعدد من المترشحين الذين لا تنطبق عليهم الشروط، كما أن التداخل القائم بين المعطيات السياسية والاحكام القضائية الصادرة دفع بقرار  الإعلان عن (القائمة النهائية) للمترشحين إلى ما يعرف بحالة (القوة القاهرة) التي أفضت إلى عدم تمكَن المفوضية من الإعلان عنها ومن ثم عدم قدرتها على تحديد يوم 24 ديسمبر يوماً للاقتراع  على الرغم من جاهزيتها الفنية الكاملة لإنجاز العملية في التاريخ المذكور”.

وأشارت المفوضية إلى أنه “وفقا لما ورد بالمادة (43) من القانون رقم (1) لسنة 2021 بشأن انتخاب رئيس الدولة وتحديد صلاحياته، وتعديلاته، والتي تنص على أن تُعلن المفوضية عن تأجيل عملية الاقتراع، ويحدد مجلس النواب موعداً أخر لإجراء عملية الاقتراع خلال (30) يوماً، فأن المفوضية تقترح بعد التنسيق مع مجلس النواب أن يؤجل يوم الاقتراع (للجولة الأولى) إلى 24 يناير 2022 عملاً بنص المادة أعلاه، على أن يتولى (مجلس النواب) العمل على اتخاذ الإجراءات الكفيلة بإزالة حالة (القوة القاهرة) التي تواجه استكمال العملية الانتخابية”[1]. وقد أثار هذا التأجيل الحديث عن مستقبل العملية السياسية داخل ليبيا، وتركزت التحليلات بصورة رئيسية على ثلاث قضايا مركزية هى: موقف حكومة الدبيبة من الاستمرار والاستبدال، ومدى إمكانية تعديل القوانين المنظمة للمرحلة الانتقالية، ومستقبل التحالفات بين المعسكر الشرقى والغربى.

أولًا: موقف حكومة الدبيبة بين الاستبدال والاستمرار:

يمكن تقسيم المواقف من استمرار حكومة الدبيبة إلى ثلاثة اتجاهات رئيسية:

الاتجاه الأول: الرافض لاستمرار الدبيبة: فبعد تأجيل عملية الانتخابات، تصاعدت الأصوات المنادية بضرورة استبدال حكومة الدبيبة بحكومة جديدة، وتمثلت تلك الأصوات بصورة رئيسية فى مجلس النواب، والمرشحين الرئاسيين خليفة حفتر وفتحى باشاغا.

فقد قرر مجلس النواب، فى 24 ديسمبر 2021، تشكيل لجنة من 10 أعضاء مهمتها وضع خارطة طريق للانتخابات المقبلة، خلال أسبوع، وتسليمه لرئاسة البرلمان. وقد عقد المجلس جلستين برلمانيتين، فى 27و28 ديسمبر؛ لمعالجة تداعيات تأجيل الانتخابات التي كان مقررًا إجراؤها في 25 من ذات الشهر، ولكن لم يتمكن المجلس من إجراء اقتراع على أى من الاقتراحات لمعالجة تلك التداعيات، وليقوم المجلس بتعليق جلساته إلى الأسبوع المقبل، وذلك بعد احتدام الجدل بعد  طرح العديد من المقترحات بشأن تحديد موعد جديد للانتخابات، وإعادة تشكيل حكومة الوفاق الوطني، وبحث إجراء تعديلات دستورية.

وقد أوصت تلك اللجنة، فى جلسة 27 ديسمبر، بتشكيل حكومة جديدة قبل تحديد موعد للانتخابات. وقالت اللجنة في تقريرها الذي رفعته إلى المجلس إن السلطة الحالية عجزت عن توفير الاستقرار اللازم لإجراء الانتخابات. كما انتقدت ترشح الدبيبة في الانتخابات، مشيرة إلى أن هذه الخطوة أدت إلى خلل في مبادئ العدالة والمساواة.

كذلك فقد صوت المجلس، فى جلسة 27 ديسمبر، على اعتبار سفيرة المملكة المتحدة شخصية غير مرغوب فيها، وطُرح أيضًا إمكانية طردها بعد أن قالت بريطانيا إن حكومة الوحدة الوطنية مازالت تتمتع بالشرعية إلى حين إعلان نتائج الانتخابات، وإن لندن لن تعترف بأي خطوة جديدة لتشكيل حكومة موازية[2].

وكان مجلس النواب قد منح الثقة لحكومة الدبيبة في مارس الماضي حتى 24 ديسمبر، ثم عاد وحجب الثقة في سبتمبر الماضي، وصيرها حكومة لتصريف الأعمال. وتحدثت تقارير عن وجود مساع كانت تُعِد للإطاحة برئيس الحكومة الحالي، عبد الحميد الدبيبة بعد تأجيل الانتخابات، وتعيين شخصية سياسية أخرى بدلا عنه، مشيرة إلى أن هذا الاتجاه تشكل أثناء لقاء عدد من المترشحين للرئاسة، في بنغازي، بدعوة من خليفة حفتر، وأن وزير الداخلية الأسبق فتحي باشاغا حظي بإجماع المشاركين في الاجتماع على توليه رئاسة الحكومة، على أن يتولى عقيلة صالح دعم هذا الاتجاه بقرار من مجلس النواب[3]. وما يدعم مصداقية هذه التقارير، أن باشاغا سبق وأن شدد، في تسجيل مصور، على أن شرعية حكومة الوحدة تنتهي في 23 ديسمبر، والساعة منتصف الليل، ودقيقة واحدة. أى أنه لن يقبل بأي تمديد لولاية حكومة الوحدة الوطنية ولو دقيقة واحدة[4].

وإذ حسم مجلس النواب مسألة تعديل تشكيلة أعضاء المجلس الأعلى للقضاء، بتولي رئيس إدارة التفتيش رئاسة المجلس بدلًا من رئيس المحكمة العليا، فقد ينجح ليس فقط فى الإطاحة بالدبيبة ولكن أيضًا سينجح في منع الدبيبة من الترشح للرئاسة[5].

كما تؤكد وسائل إعلام محسوبة على حفتر دعم مصر لفكرة الإطاحة بالدبيبة وسحب الشرعية من الحكومة الليبية الحالية، وتشكيل تحالف جديد بين حفتر وباشاغا لقيادة المرحلة المقبلة، وعلى الرغم من أن القاهرة لم تعلن أي موقف رسمي بهذا الخصوص، إلا أن استقبال المخابرات المصرية لباشاغا مباشرة بعد مصافحته لحفتر، يكشف مع أي جبهة تقف. فالنظام المصري يسعى لضمان مصالحه في ليبيا عبر تسهيل التحالف بين حفتر ورجل مصراتة القوي (باشاغا)، بعد أن وصل إلى قناعة بأن حليفه في الشرق لن يتمكن من السيطرة على ليبيا إلا بالتحالف مع كتائب مصراتة، لعزل الإسلاميين، والتخلص من الدبيبة، الذي يعتبره متابعون أقرب لتركيا منه إلى مصر[6].

الاتجاه الثانى: الداعم لاستمرار الدبيبة: وهو الاتجاه الدولى، حيث تدعم المستشارة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، ستيفانى ويليامز استمرار الدبيبة فى منصبه حتى إجراء الانتخابات، فقد أكدت المبعوثة الأممية، في مقابلة مع رويترز، إن الاهتمام الرئيسي بعد تأجيل الانتخابات التي كانت مقررة في ليبيا ينبغي أن ينصب على كيفية المضي قدمًا في إجراء الانتخابات وليس على مصير الحكومة[7].

وهو ذات الموقف الذى تتبناه كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، والذى جاء عبر بيان مشترك، في 24 ديسمبر 2021، أكد أن “نقل السلطة من السلطة التنفيذية المؤقتة الحالية (المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة) إلى السلطة التنفيذية الجديدة، يجب أن يتم بعد الإعلان عن نتائج انتخابات برلمانية ورئاسية فورية”. وهو بمثابة رفض دولي صريح لدعوة باشاغا ومؤيدي حفتر وعقيلة صالح، إلى سحب الشرعية من الحكومة الليبية، وحتى المجلس الرئاسي، وسعي مجلس النواب في طبرق لتشكيل حكومة جديدة برئيس جديد.

والملفت للاهتمام إصدار بريطانيا بيانًا آخرًا بشكل منفرد بعد وقت قصير على بيان الدول الغربية، يعكس إما تحفظها على بعض ما جاء فيه، أو إبراز ما لم يوضحه البيان الخماسي بشكل صريح. حيث شددت بريطانيا، على أنها “ستواصل الاعتراف بحكومة الوحدة الوطنية كسلطة مكلفة بقيادة ليبيا إلى الانتخابات”، وأنها لا تؤيد “إنشاء حكومات أو مؤسسات موازية”.

كما تدعم تركيا استمرار حكومة الوحدة لحين انتخاب رئيس وبرلمان جديدين، فقد أصدرت خارجيتها بيانًا، أوضحت فيه أنه “ينبغي ألا يحدث فراغ في الشرعية والسلطة في ليبيا، إلى أن يتم تشكيل حكومة جديدة عقب الانتخابات”.

ومع ذلك، فإن هناك أحاديث عن أن تمسك الدول الغربية باستمرار حكومة الوحدة الوطنية لا يعنى تمسكها بالدبيبة في شخصه لكنها تسعى للحفاظ على الاستقرار النسبي في السلطة إلى حين الاتفاق على مواعيد للانتخابات. بل وعلى العكس فهذه الدول تضغط عليه إما للتخلي عن رئاسة حكومة الوحدة أو عدم الترشح للانتخابات الرئاسية[8].

الاتجاه الثالث: المتذبذب بين الرفض والموافقة على الإطاحة بالدبيبة: ويمثل هذا الاتجاه المجلس الأعلى للدولة، الذى لا يزال موقفه من استمرار حكومة الدبيبة غامضًا. فعلى الرغم من تلميح رئيس المجلس الأعلى للدولة، خالد المشرى إلى رفض المقترحات بعزل الدبيبة، عندما أكد على أن “أي خطوة سيتخذها مجلس النواب بشكل منفرد ودون التوافق مع المجلس الأعلى للدولة، سيكون مآلها الفشل، سواء تعلقت بخارطة الطريق، أو بإقرار قوانين، أو بأي محاولة لتعديل السلطة التنفيذية”[9].

كما أن تحركاته تشير إلى تمسكه ببقاء الدبيبة، ففي مقابل صورة مصافحة باشاغا لحفتر في بنغازي، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، صورة الدبيبة رفقة المشري ويتوسطهما محمد قنونو، المتحدث باسم عملية بركان الغضب، التي هزمت مليشيات حفتر عند هجومها على طرابلس. والتقطت الصورة بمصراتة، في 20 ديسمبر، على هامش احتفالية بالذكرى الخامسة لتحرير مدينة سرت من تنظيم “داعش” الإرهابي[10].

ولكن فى المقابل، فقد تحدث المستشار السياسي السابق للمجلس الأعلى الدولة، أشرف الشح، عن قرب عقد لقاء بين المستشار عقيلة صالح ورئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري، مشيرًا إلى أن هذا اللقاء سيكون بهدف بحث تشكيل مجلس رئاسي وحكومة بديلة للإشراف على الانتخابات التي ستؤجل، حيث قال الشح أن محادثة هاتفية تمت بين المشري وصالح، وذلك عبر وساطة قادها المرشح الرئاسي فتحي باشاغا. المشري من جانبه أكد خلال سلسلة من التصريحات التلفزيونية، على تواصله مع المستشار صالح، بهدف إنجاز قاعدة دستورية وقوانين انتخابية وخارطة طريق لإجراء الانتخابات، وأضاف المشري أن مستشارة الأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا ستيفاني ويليامز، ستعلن خطة خلال الفترة المقبلة لإنقاذ العملية الانتخابية.

كذلك فقد قال عضو المجلس الأعلى الدولة، سعد بن شرادة، إنه يتم حاليًا دراسة سيناريوهان لحل الأزمة المرتبطة بالانتخابات الرئاسية. الأول مرتبط بعملية الانتخابات الرئاسية، والذي يتمثل بتأجيل الانتخابات لمدة شهرين حتى الاتفاق على القاعدة الدستورية للانتخابات. أما السيناريو الثاني، فيتمثل في تشكيل حكومة جديدة قوية، تتمكن من استعادة الاستقرار في الدولة والذهاب إلى الانتخابات بعد الاستفتاء على الدستور، على أن تستمر هذه الحكومة لأكثر من عام وتمتد إلى عامين، مُبينًا أن السيناريو الثاني قد يكون الأقرب حاليًا لحل الأزمة في ليبيا[11].

وعليه، فيبدو أن أكثر ما يهم المجلس الأعلى للدولة هو مشاركته فى وضع الدستور وتعديل القوانين المنظمة للانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وعدم استفراد مجلس النواب بها كما حدث فى السابق. بينما يأتى التمسك باستمرار الدبيبة فى منصبه فى درجة أقل، بل وربما يجعل المجلس الأعلى من موافقته على الإطاحة بالدبيبة كمقابل لموافقة مجلس النواب على إشراكه فى تعديل الانتخابات وفقًا لما يتناسب مع رؤيته. وما يدعم ذلك، أن المشرى نفسه لم يعارض صراحة الأحاديث المتصاعدة حول الإطاحة بالدبيبة، واكتفى فقط بالتأكيد على أن عملية تعديل السلطة التنفيذية من قبل مجلس النواب يجب أن تتم بالتوافق مع المجلس الأعلى للدولة، أى أنه لا يعارض التعديل بشرط أن يتم بالتوافق مع مجلسه.

ثانيًا: تعديل القوانين المنظمة للمرحلة الانتقالية (الدستور، وقوانين الانتخابات):

يمكن تقسيم المواقف من تعديل القوانين المنظمة للمرحلة الانتقالية إلى اتجاهين رئيسيين:

الاتجاه الأول: المتمسك بالتعديل (المجلس الأعلى للدولة): فقد أقترح رئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشرى أن تنظم الانتخابات البرلمانية أولًا ثم الاستفتاء على الدستور وأخيرًا الانتخابات الرئاسية. كما اشترط مجلس الدولة، أن يكون هناك توافق مع مجلس النواب بشأن القاعدة الدستورية وقوانين الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، التي أقرت من طرف واحد، وأحيانًا حتى بدون مصادقة النواب أو بلوغ جلسة التصويت النصاب القانوني[12].

وفي السياق ذاته، أكد المتحدث الرسمي للمجلس الأعلى للدولة الليبي محمد بنيس، أن المجلس لا يتوقع إجراء الانتخابات في 24 يناير المقبل، مرجحًا أن يتم إجراؤها في منتصف العام المقبل. وأوضح بنيس أن المجلس الأعلى للدولة في ليبيا يؤكد على أولوية الدستور في رسم معالم المستقبل الليبي، مضيفا أنه لا بد من دستور متفق بشأنه، وإذا تعذر ذلك فإنه يمكن اللجوء لقاعدة دستورية تقود لانتخابات يقوم خلالها مجلس النواب المنتخب بصياغة دستور جديد يحدد صلاحيات مجلس النواب ورئيس الدولة”.

وشدد المتحدث الرسمي في تصريحات صحفية، أن القوانين الانتخابية التي أصدرها مجلس النواب تمت بصورة أحادية بعيدة كل البعد عن الاتفاق السياسي الموقع عليه بين الفرقاء الليبيين وخاصة المادة الـ23 المتعلقة بكيفية إعداد وإصدار هذه القوانين. وأوضح أن النواب الذين حضروا جلسة التصويت على قوانين الانتخابات أكدوا “عدم الاتفاق على أي من فقراتها التي خضعت للتعديل أكثر من 9 مرات، وأنه تم إصدارها والتصويت عليها من دون مناقشتها، ما يجعل قانون الانتخابات برمته قانونا غير سليم ولا يمكنه أن يؤدي لانتخابات حرة ونزيهة”. وقال المسؤول الليبي إن العودة للحوار بين جميع الفرقاء السياسيين الليبيين واعتماد سياسة التوافقات هي السبيل الوحيد للوصول إلى حلول مقبولة ومرضية للجميع، بحسب تعبيره[13].

ويلاحظ أن بعض الأصوات المؤيدة لتوجهات المجلس الأعلى للدولة من أجل إقرار الدستور أولاُ قبل الانتخابات الرئاسية، قد بدأت في التزايد تدريجيًا، حيث تصاعد بشكل مفاجئ نشاط الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور، التي أرسلت مراسلات إلى كل من الأمين العام للأمم المتحدة، ومستشارته للشأن الليبي، ورئيس مجلس الأمن الدولي وأعضائه، تدعوهم فيها لدعم استكمال المسار الدستوري وعدم تجاوز اختصاصات الهيئة في أي خارطة طريق مستقبلية، كما أرسلت مراسلات مماثلة إلى كل من المجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة ومجلس النواب، تدعوهم فيها للتشاور والنقاش بشأن المسار الدستوري والدفع به، وشكلت لجنة من 8 أعضاء، بهدف التواصل مع كافة الجهات من أجل استكمال المسار الدستوري[14].

أيضًا فقد هاجم رئيس حكومة الوحدة، عبدالحميد الدبيبة قوانين الانتخابات التي وصفها بالمعيبة، وأوضح الدبيبة أن العملية الانتخابية تتطلب أولًا دستورًا دائمًا أو قاعدة دستورية، وثانيًا قوانين توافقية تضمن عملية نزيهة، وثالثًا ضمان القبول بالنتائج. ولفت الدبيبة، إلى أن غياب قاعدة دستورية وقوانين توافقية “سبب فشل هذا الاستحقاق الآن”.

الاتجاه الثانى: الرافض للتعديل (مجلس النواب): فمن غير المتوقع أن يقبل مجلس النواب بذلك؛ لأنه سيحُرم من فرصة التحكم في صناعة الرئيس القادم، ويمنح هذه الفرصة للبرلمان المقبل. بل اشترط مجلس النواب، في قانون الانتخابات البرلمانية، أن تجرى هذه الأخيرة بعد شهر من اعتماد نتائج الانتخابات الرئاسية. وهذا الشرط قد يسمح لمجلس النواب للبقاء شهر إلى عدة أشهر وربما سنوات، بالنظر إلى صعوبة اعتماد نتائج انتخابات الرئاسة إذا فازت شخصية جدلية بالانتخابات على غرار حفتر مثلًا، الذي قد يؤجل الانتخابات البرلمانية ما يطيل في عمر مجلس النواب، الذي تجاوز 7 سنوات، رغم أن فترته محددة بعام واحد فقط، لا تمدد إلا باستفتاء شعبي، وهو ما لم يحدث[15].

ونتيجة هذا الخلاف بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، تسعى المستشارة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، ستيفانى وليامز إلى إحياء ملتقى الحوار السياسي، الذي سبق أن شكلته في أكتوبر من العام الماضي، من 75 شخصية ليبية، لتجاوز حالة الانسداد السياسي التي وصلت إليها البلاد بسبب التعنت في مواقف مجلسي النواب والدولة.

حيث التقت وليامز مجموعة من أعضاء ملتقى الحوار السياسي، بمقر البعثة الأممية في طرابلس، فى 20 ديسمبر، وقالت إنها ناقشت معهم العملية الانتخابية وتنفيذ خريطة الطريق، مشددة على ضرورة “التزام دعم ومواصلة المضي قدماً بناءً على موقف مبدئي يستند إلى خريطة الطريق، والحاجة لانتخابات حرة ونزيهة وذات مصداقية”، وفق ما ذكرته في تغريدة على “تويتر”[16].  وبالتالى، فإن ويليامز قد تلجأ إلى سحب الاختصاص التشريعى من قبل مجلس النواب والأعلى للدولة ومنحه للملتقى السياسى.

ثالثًا: إعادة فرز التحالفات بين المعسكر الشرقى والغربى:

تعكس التحركات الراهنة وجود مشاورات قائمة بين الأطراف الداخلية والخارجية، مع ترجيح احتمالية أن تلجأ الأطراف الداخلية إلى عقد صفقات، غير تقليدية، خلال الفترة المقبلة لتعزيز نفوذها وضمان استمرارها في المشهد، وهو ما قد يفرز عن صفقات محتملة بين أطراف من شرق ليبيا وغربها. ويدخل في هذا الإطار:

1- اللقاء الذي جمع بين المرشح الرئاسي، خليفة حفتر، في بنغازي بأبرز منافسيه في الانتخابات الرئاسية، وتحديداً وزير الداخلية السابق فتحي باشاغا ونائب رئيس المجلس الرئاسي أحمد معيتيق في 21 ديسمبر 2021،[17] ويبدو أن الأمور تطورت بسرعة إلى درجة أن اللقاء بينهما لم يكن هاتفيًا ولا سريًا، بل وجهًا لوجه وأمام الملأ، ما يعكس أهمية هذا التنسيق الذي قد يتطور إلى تحالف بالنظر إلى قوة الخصم الذي يواجهانه (الدبيبة). فباشاغا سبق وأن ترشح لرئاسة الحكومة وخسرها أمام الدبيبة، ويتم تداول اسمه لرئاسة الحكومة المقبلة إذا نجحت جهوده في إزاحة رئيس الحكومة الحالي. بالمقابل، يتم تداول تولي حفتر رئاسة المجلس الرئاسي، أو على الأقل منحه صلاحية اختيار وزير الدفاع المقبل، ما يتيح له تعزيز نفوذه العسكري في المنطقة الغربية، ودعم مليشياته ماديًا وعسكريًا، وتقوية ملفه القانوني ضد الدعاوى المرفوعة ضده في الولايات المتحدة الأمريكية بتهم ارتكابه جرائم حرب.

وفي مقابل صورة مصافحة باشاغا لحفتر في بنغازي، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، صورة الدبيبة رفقة المشري ويتوسطهما محمد قنونو، المتحدث باسم عملية بركان الغضب، التي هزمت مليشيات حفتر عند هجومها على طرابلس. والتقطت الصورة بمصراتة، في 20 ديسمبر، على هامش احتفالية بالذكرى الخامسة لتحرير مدينة سرت من تنظيم “داعش” الإرهابي.

وعودة قنونو للظهور، يرجح أنه تلويح لمليشيات حفتر بأن أي تحرك عسكري نحو طرابلس، سيقابله عودة الكتائب المنضوية تحت لواء عملية بركان الغضب إلى جبهات القتال. ودلالة هذه الصورة تعكس تحالفًا جديدًا بين الدبيبة (سلطة تنفيذية) ورئيس المجلس الأعلى للدولة (سلطة تشريعية) وعملية بركان الغضب (سلطة عسكرية)، في مواجهة تحالف باشاغا وحفتر ورئاسة مجلس النواب.

ففي الوقت الذي يصر النواب الموالون لحفتر وباشاغا على تنحية الدبيبة، يتحصن الأخير بالمجلس الأعلى للدولة، باعتباره شريكا لمجلس النواب، واستشارته في اختيار رئيس الحكومة “ملزمة” طبقا للاتفاق السياسي. أما إذا لجأت مليشيات حفتر بالتنسيق مع الكتائب والأجهزة الأمنية الموالية لباشاغا، للقوة لخلع الدبيبة، فإن الأخير بإمكانه الاعتماد على معظم كتائب مصراتة والمنطقة الغربية التي تصدت لهجوم حفتر في 2019[18].

2- زيارة وفد من البرلمان الليبى إلى تركيا، حيث قام وفد من البرلمان الليبي، برئاسة فوزي النويري، القائم بأعمال رئيس مجلس النواب الليبي، بزيارة مفاجئة إلى تركيا في 15 ديسمبر الجاري، تضمنت اجتماعاً مع الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وأثارت هذه الزيارة العديد من الدلالات بشأن احتمالات تدشين مرحلة جديدة في علاقة أنقرة بشرق ليبيا، تنهي مرحلة الخلافات السابقة بين الطرفين، خاصةً أن تشكيلة الوفد الليبي قد تضمنت عدداً من الشخصيات المعارضة بشدة للانخراط التركي في ليبيا.

كما تمخضت عن هذه الزيارة مؤشرات مهمة بشأن فتح مجالات للتعاون السياسي والاقتصادي المشترك، إلى جانب الاتفاق على فتح المجالين البحري والجوي بين بنغازي وأنقرة، الأمر الذي قد يعكس وجود ترتيبات غير معلنة تتعلق بتهدئة الخلافات بين الجانبين خلال المرحلة المقبلة[19].

ولكن لا يعنى ذلك، أن تركيا انفتحت بصورة كاملة على الشخصيات المتحكمة فى المنطقة الشرقية، وهو ما أكده وزير الخارجية التركى جاووش أوغلو، فى 28 ديسمبر، فى تصريحات أدلى بها لصحافيين أتراك لتقييم عام 2021، عندما أشار إلى أن “عقيلة صالح طلب عدة مرات زيارة تركيا وتمت دعوته وتم تحديد المواعيد، ولكنه تراجع لاحقاً، فيما طلب حفتر مرة واحدة القدوم إلى تركيا وكان له شرط واحد وهو مقابلة الرئيس رجب طيب أردوغان”. وأردف “الرئيس أردوغان ونائبه فؤاد أوقطاي كلّفاني بأن ألتقي بحفتر، لأن حفتر ليس نظير الرئيس، وهو ليس شخصاً مسؤولاً في بلاده، ولكن حفتر لم يأت بسبب ذلك، ولو جاء كنا في وزارة الخارجية مستعدين للقائه”[20].

وفى سياق متصل، فقد قالت مصادر مصرية خاصة لموقع “العربى الجديد” إن الأيام القليلة الماضية شهدت توافقاً مصرياً تركياً، بشأن إجراء جولة مفاوضات استكشافية ثالثة على مستوى نائبي وزيري الخارجية في البلدين، وذلك منتصف يناير المقبل بهدف تطبيع العلاقات بين البلدين. وأن “أجندة الجولة الاستكشافية الجديدة المرتقبة يتصدرها ملف ليبيا”، مضيفةً أن “هناك تطورات إيجابية بشأن الملف الليبي الذي كان أحد أبرز العقبات في طريق تطبيع العلاقات بين البلدين”.

وتشير المصادر إلى أن هناك زيارة مرتقبة لباشاغا إلى تركيا، بعد إنجاز لقاءاته في القاهرة. وقالت المصادر إن زيارة باشاغا إلى مصر، التي يلتقي خلالها رئيس المخابرات العامة المصرية، اللواء عباس كامل، تهدف إلى التباحث بشأن ترتيبات المرحلة المقبلة، عقب تأجيل الاستحقاق الانتخابي الليبي الذي كان مقرراً في 24 ديسمبر الحالي، إلى 24 من الشهر المقبل.

وأوضحت المصادر، قبيل الزيارة، أن “عباس كامل سيؤكد على باشاغا ضرورة الالتزام بالمصالح المصرية، مقابل تقديم القاهرة كافة أوجه الدعم اللازم له في أي مهمة مرتقبة له خلال الفترة المقبلة”. وكشفت المصادر أن مصر “تلقت إشارات ورسائل إيجابية في وقت سابق عقب إعلان باشاغا ترشحه للانتخابات الرئاسية في بلاده، بعدم المساس بكافة الاتفاقيات الموقعة بين القاهرة وحكومة الوحدة الوطنية”. كما كشفت المصادر أن باشاغا من المقرر أن يتوجه لدى مغادرته القاهرة، إلى تركيا، متوقعة أن تتناول اللقاءات مع المسؤولين هناك رؤيته بشأن إدارة البلاد حال قيادته لحكومة انتقالية[21].

3- أيضًا، يأتى فى سياق التحالفات، التقارب الذي حدث مؤخرًا بين رئاستي أركان القيادة العامة التابعة للمجلس الرئاسى، الفريق محمد الحداد، والقائد المكلف بقيادة مليشيات حفتر، الفريق عبد الرزاق الناظوري. وعودة المحادثات واللقاءات بين محافظي البنك المركزي في طرابلس، الصديق الكبير، وفي البيضاء شرق البلاد، علي الحبري، بعد تراجعها لعدة أشهر، بمشاركة وليامز، “لبحث سير عملية توحيد مصرف ليبيا المركزي”[22].

رابعًا: توصيات:

– العمل على إجراء الاستفتاء على الدستور قبل إجراء الانتخابات؛ لأن ذلك هو الأساس الصحيح في بناء الدولة بعيداً عن “التوافق” الجزئي الذي قد ينتج نظاماً أو حتى استقراراً في مرحلةٍ ما، ولكنه حتما سيكون غير صالح لمرحلةٍ أخرى عند حدوث أي عثرة سياسية، أو حتى استغلال هذا التوافق “غير الحقيقي” في استقطاب سياسي مصلحي، يفسد أكثر مما يصلح على المدى البعيد للدولة[23].

– ضرورة تمسك المنطقة الغربية بدور المجلس الأعلى للدولة فيما يتعلق بالقوانين المنظمة للمرحلة الانتقالية، وعدم ترك الأمور لتحكم مجلس النواب منفردًا فى تفصيل هذه القوانين لصالح المنطقة الشرقية المحسوب عليها. كما يجب على المجلس الأعلى عند تعديله للقوانين المنظمة للانتخابات الرئاسية أن يكون متنبه للبنود التى سيتم وضعها لتحديد من يُسمح له بالترشح للانتخابات الرئاسية ومن سوف يتم استبعاده، بحيث إذا كانت هذه القوانين ستمنع الدبيبة من الترشح فإنها يجب أيضًا أن تمنع حفتر كذلك والعكس صحيح؛ وذلك لعد تكرار الخطأ مرة أخرى عندما تم الإطاحة برئيس الحكومة السابقة فايز السراج وكان هناك حديث وقتها بأنه سوف يتم فى المقابل إخراج حفتر ولكن ذلك لم يحدث.

– ضرورة العمل على التوفيق بين المرشحين فى المنطقة الغربية (الدبيبة وباشاغا) نظرًا لوجود ما يشبه التنافس والصراع بينهما، والذى وصل لدرجة لجوء باشاغا إلى حفتر (العدو التقليدى للمنطقة الغربية)، ما يهدد بتصدع الجبهة الغربية ضد الجبهة الشرقية التى تبدو أكثر تماسكًا فى ظل التحالف القوى بين حفتر وعقيلة، وهو التحالف الذى ظل صامدًا فى وجه تحالف السراج والمشرى سابقًا وتحالف الدبيبة والمشرى حاليًا.

– ضرورة الربط بين المسارين السياسى والعسكرى، بحيث أن أى تنازل للمنطقة الغربية فى أحد المسارين يجب أن يقابله تنازل من المنطقة الشرقية فى المسار الآخر. فمثلًا، يمكن أن يتم وضع قانون بأنه إذا فازت شخصية من المنطقة الشرقية بمنصب رئيس الدولة، فإن منصب قائد الجيش يجب أن يكون لشخصية من المنطقة الغربية والعكس صحيح. أيضًا، يمكن أن يتم توزيع منصبى رئيس الدولة ورئيس الحكومة وسلطاتهما بين المنطقتين، وكذلك فيما يتعلق بمنصبى وسلطات وزير الدفاع ورئيس الأركان.

– ضرورة عدم تسرع تركيا فى الانفتاح على الشخصيات الجدلية فى المنطقة الشرقية مثل خليفة حفتر وعقيلة صالح وعدم عقد لقاءات معهما سواء على مستوى الخارجية أو الرئاسة. وضرورة أن يرتبط هذا الانفتاح التركى بانفتاح مصرى مماثل على الشخصيات المدعومة من تركيا والمرفوضة من مصر وعلى رأسهم خالد المشرى رئيس المجلس الأعلى للدولة.

 

 

[1] “الموقع الرسمى للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات على الفيسبوك”، تاريخ الدخول 25/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3mFXPmC

[2] ” برلمان ليبيا يعلق جلساته دون انفراج الأزمة السياسية”، العرب، 29/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3FSUND7

[3] “ليبيا: “رسائل غربية” وراء عدم الإطاحة النيابية بحكومة الدبيبة”، العربى الجديد، 29/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3zcPlbF

[4] “ليبيا تدخل مرحلة إعادة فرز التحالفات بعد تأجيل الانتخابات (تحليل)”، الأناضول، 24/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3JuMRtF

[5] ” شهر لا يكفي.. تأجيل الانتخابات الليبية يفتح الباب أمام مرحلة انتقالية (تحليل)”، الأناضول، 24/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3Hpbqqh

[6] “ليبيا تدخل مرحلة إعادة فرز التحالفات بعد تأجيل الانتخابات (تحليل)”، مرجع سابق.

[7] “الدبيبة و”الأعلى للدولة” يهاجمان قانون الانتخابات.. البرلمان يعلق”، عربى21، 29/12/2021، الرابط: https://bit.ly/32JzOne

[8] “المجتمع الدولي يُفشل خطة البرلمان الليبي لتشكيل حكومة جديدة (تحليل)”، الأناضول، 28/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3qrMCXy

[9] المرجع السابق.

[10] “ليبيا تدخل مرحلة إعادة فرز التحالفات بعد تأجيل الانتخابات (تحليل)”، مرجع سابق.

[11] “التأجيل الحتمي … الانتخابات الرئاسية الليبية وضبابية المرحلة المقبلة”، المرصد المصرى، 23/12/2021، الرابط: https://bit.ly/31bhza4

[12] ” شهر لا يكفي.. تأجيل الانتخابات الليبية يفتح الباب أمام مرحلة انتقالية (تحليل)”، مرجع سابق.

[13] “الدبيبة و”الأعلى للدولة” يهاجمان قانون الانتخابات.. البرلمان يعلق”، مرجع سابق.

[14] “التأجيل الحتمي … الانتخابات الرئاسية الليبية وضبابية المرحلة المقبلة”، مرجع سابق.

[15] ” شهر لا يكفي.. تأجيل الانتخابات الليبية يفتح الباب أمام مرحلة انتقالية (تحليل)”، مرجع سابق.

[16] “الصفحة الشخصية لستيفانى ويليامز على موقع تويتر”، تاريخ الدخول: 25/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3qw77CA

[17] “توافق مفقود: المسارات المحتملة لتأجيل مجلس النواب الانتخابات الرئاسية الليبية”، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 25/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3z83E0U

[18] “ليبيا تدخل مرحلة إعادة فرز التحالفات بعد تأجيل الانتخابات (تحليل)”، مرجع سابق.

[19] “توافق مفقود: المسارات المحتملة لتأجيل مجلس النواب الانتخابات الرئاسية الليبية”، مرجع سابق.

[20] “أردوغان رفض طلب حفتر لمقابلته: “ليس نظيره””، العربى الجديد، 29/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3HDti0P

[21] “جولة استكشافية جديدة بين مصر وتركيا تتصدرها ليبيا”، العربى الجديد، 23/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3qFyMBk

[22] “خطة وليامز: تأجيل الانتخابات الليبية وإحياء المسارين الاقتصادي والعسكري”، العربى الجديد، 19/12/2021، الرابط: https://bit.ly/32JtE6T

[23] “ما بعد فشل الانتخابات الليبية”، العربى الجديد، 30/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3qzLYrl

]]>
https://politicalstreet.org/4807/feed/ 0
الانتخابات الليبية بين حتمية التأجيل وآفاق إنهاء الانقسام https://politicalstreet.org/4776/?utm_source=rss&utm_medium=rss&utm_campaign=%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25a7%25d9%2586%25d8%25aa%25d8%25ae%25d8%25a7%25d8%25a8%25d8%25a7%25d8%25aa-%25d8%25a7%25d9%2584%25d9%2584%25d9%258a%25d8%25a8%25d9%258a%25d8%25a9-%25d8%25a8%25d9%258a%25d9%2586-%25d8%25ad%25d8%25aa%25d9%2585%25d9%258a%25d8%25a9-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25aa%25d8%25a3%25d8%25ac%25d9%258a%25d9%2584 https://politicalstreet.org/4776/#respond Thu, 16 Dec 2021 07:57:32 +0000 https://politicalstreet.org/?p=4776  

بعد كثير من التجاذبات بين الفرقاء الليبيين، أعلنت المفوضية الوطنية العليا للانتخابات في ليبيا، في 11 ديسمبر 2021، عن تأجيل إعلان القوائم النهائية للمرشحين للانتخابات الرئاسية، بهدف مراجعة كافة الأحكام القضائية الخاصة بالطعون التي تم تقديمها من أو ضد المترشحين. وقد كان من المفترض -وفقاً للجدول الزمني المعلن للتجهيزات الخاصة بالانتخابات الرئاسية الليبية- أن يتم الإعلان عن القوائم النهائية للمرشحين يوم 6 ديسمبر الماضي، مع إغلاق باب الطعون النهائية وبدء الدعاية الانتخابية. وبتأجيل إعلان قائمة المرشحين يكون من المستبعد، عملياً، الالتزام بالموعد المقرر لإجراء الانتخابات فى 25 ديسمبر القادم أى خلال أقل من أسبوعين، وبذلك يكون ملف الانتخابات الليبية قد انتهى إلى المسار المرجح من قبل أغلب المراقبين، وهو إرجاء الانتخابات، ومن ثم إطالة أمد المرحلة الانتقالية[1].

أولًا: حتمية تأجيل الانتخابات:

يمكن القول أن تأجيل عملية إجراء الانتخابات الليبية عن موعدها المقرر فى 24 ديسمبر القادم أصبح أمرًا حتميًا؛ لمجموعة من الأسباب منها:

1- غياب التوافقات السياسية: فلايزال الانقسام بين الشرق والغرب على أشده، وكانت أخر تجليات هذا الأمر فى موضوع الانتخابات؛ الخلاف حول الأسس القانونية التى تقوم عليها تلك الانتخابات، والتى واجهت انقسامًا حادًا بين المجلس الأعلى للدولة بطرابلس ومجلس النواب بطبرق، حيث تجاهل مجلس النواب المجلس الأعلى للدولة (نيابي واستشاري) فيما يتعلق بإعداد قوانين الانتخاب الرئاسية والبرلمانية طبقا للاتفاق السياسي، بجانب الخلاف حول إجراء الانتخابات الرئاسية أولًا (كما يرغب مجلس النواب) أم إجراء الانتخابات البرلمانية أولًا (كما يرغب المجلس الأعلى للدولة)[2]. فضلًا عن رغبة مجلس النواب فى الاستفتاء على الدستور أولًا قبل إجراء الانتخابات وهو ما يرفضه مجلس النواب.

كذلك، فهناك الخلاف حول الشخصيات الجدلية، ففى حين ترفض المنطقة الغربية ترشح اللواء المتقاعد خليفة حفتر بدعوى ارتكابه جرائم حرب، وصدور حكم غيابي ضده بالإعدام من محكمة مصراتة العسكرية، وحمله للجنسية الأمريكية (وهى الأشياء الكفيلة باستبعاده من الانتخابات وفق القانون الخاص بالانتخابات الرئاسية). فإن المنطقة الشرقية ترفض ترشح رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة بدعوى أنه لم يتخلى عن منصبه قبل 3 أشهر من موعد الانتخابات (وفقًا لأحد بنود القانون الخاص بالانتخابات الرئاسية)، بجانب ترشحه للانتخابات بعد تعهده بعدم الترشح أثناء اختياره رئيسًا لحكومة الوحدة الوطنية فى فبراير الماضى من قبل ملتقى الحوار السياسى. ولتزداد الأمور تعقيدًا بعد ترشح سيف القذافى نجل الرئيس الراحل معمر القذافى بإعلان ترشحه، وهو ما ترفضه المنطقتين الشرقية والغربية، خاصة وأن سيف الإسلام مطلوب من قبل المحكمة الجنائية الدولية، ومحكوم عليه غيابيًا بالإعدام من محكمة طرابلس (2015)، ولكن يبدو أن القذافى يحظى بدعم فى المنطقة الجنوبية، وهو ما ظهر خاصة بعد ظهوره فى منطقة سبها تحت حماية مليشيات عسكرية تتبعها، وهو ما تأكد أكثر بعدما أعادته محكمة سبها القذافى للسباق الرئاسى.

وقد انتقل هذ الخلاف إلى القضاء، حيث ثبتت محكمة طرابلس الدبيبة في قائمة المترشحين رغم استبعاده في الطعون الابتدائية. وبالنسبة لحفتر، فأن محكمة الزاوية الابتدائية استبعدته من الرئاسيات ثم أعادته محكمة استئناف طرابلس للسباق الرئاسي مجددًا. وبالنسبة للقذافى، فقد استبعدته مفوضية الانتخابات ثم أعادته محكمة سبها للسباق الرئاسى مرة أخرى.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، ففى أحدث حلقات مسلسل تسيس القضاء، فقد أصدر مجلس النواب قانوناً بشأن تعديل بعض أحكام قانون نظام القضاء يجعل رئيس التفتيش القضائي رئيساً للمجلس الأعلى للقضاء، بعد أن كان رئيس المحكمة العليا هو من يتولى هذا المنصب، وبناء عليه لم يعد رئيس المحكمة العليا محمد الحافي رئيساً للمجلس، وهو القرار الذى رفضه الحافى[3].

2- اشتداد التوترات الأمنية: فقد واكب الاستعداد لعملية الانتخابات توترًا أمنيًا واضحًا، حيث أقدمت بعض المليشيات المسلحة على إغلاق مقرات المفوضية في الزاوية ثم طرابلس غرب البلاد، كما صاحبت عملية الطعن على ترشح سيف الإسلام القذافي في محكمة سبها جنوب البلاد ثم استئنافه مظاهر مماثلة، وبالتالي لا يمكن استبعاد تنامي مستوى التوتر الأمني، على نحو لا يتوافق مع إجراء الانتخابات في أجواء آمنة[4].

كذلك فقد اشتكت مفوضية الانتخابات من تعرض 5 مراكز تابعة لها لسطو مسلح، واختطاف موظف، والاستيلاء على عدد من بطاقات الناخبين في كلًا من طرابلس ومدينة العزيزية[5]. ما دفع وزير الداخلية الليبي خالد مازن إلى التحذير من أن استمرار عرقلة الخطة الأمنية الخاصة بالانتخابات سينعكس على الالتزام بموعدها في الرابع والعشرين من ديسمبر الجاري[6].

كما هدد قائد “لواء الصمود” في العاصمة الليبية طرابلس، صلاح بادي، بغلق كل مؤسسات الدولة في طرابلس، لأنها “تشتغل للخارج وليس للداخل”. جاء ذلك في مقطع مصور، جرى تداوله على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، ويظهر بادي وهو يتحدث خلال اجتماع مع مجموعة من قادة المجموعات المسلحة الليبية، وشن هجومًا عنيفًا على مستشارة الأمين العام للأمم المتحدة ستيفاني وليامز، واعتبر أن لها “دورًا إجراميًا” خلال الهجوم على طرابلس، قائلاً: “لن تبقى على أراضينا”. وتناقل نشطاء على مواقع التواصل أنباء تفيد بقيام مجموعة مسلحة لا يعرف تبعيتها بالسيطرة على مقر رئاسة الوزراء بطريق السكة في العاصمة طرابلس[7].

أيضًا فقد شهدت مدينة سبها عاصمة الجنوب الليبي، فى 14 ديسمبر، اندلاع اشتباكات مسلحة بين كتيبة الـ116 التابعة لـ”حكومة الوحدة الوطنية” التي يرأسها عبد الحميد الدبيبة، وكتائب تتبع القيادة العامة لـ”الجيش الوطني الليبي” الذي يقوده خليفة حفتر. هذا الاشتباك يُعتبَر تطوراً جديداً في الصراع بين القوتين المحليتين في سبها، فمنذ أن غيرت كتيبة الـ116 ولاءها عن حفتر وصارت تتبع الحكومة الجديدة في طرابلس، بدأ الاحتقان بينها وبين الكتائب الأخرى، ولكنه لم يُترجَم في الفترة الماضية إلى اشتباك مسلح[8].

3- الارتباك الأممي: لا شك أن استقالة المبعوث الأممي يان كوبيتش في توقيت حرج قبيل شهر من موعد الانتخابات تعد مؤشراً على حجم الإشكاليات والتحديات الداخلية والخارجية التي لم يتمكن معها كوبيتش من المضى قدماً في المسار حتى النهاية. ورغم تجاوز هذه العقبة، بإعادة ستيفاني وليامز المبعوثة السابقة بالإنابة إلى المشهد، كمبعوث خاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى ليبيا، في محاولة لإنقاذ الموقف، إلا أن ذلك لا يخفي الارتباك الأممي، على نحو بدا جلياً في تعثر عملية تعيين نيكولاس كاى، حيث أن تعيين مبعوث جديد سيستغرق المزيد من الوقت للتوافق عليه كما أنه سيكون في حاجة لوقت إضافي للتعرف على المشهد وأطرافه وأبعاده، في حين تمتلك وليامز خبرة كبيرة، إضافة لكونها الأكثر دراية بتفاصيل الملف بحكم أنها مهندس خريطة طريق عملية الانتقال السياسي، لكن فى الوقت ذاته من الصعوبة بمكان حلحلة الأزمة خلال أسبوعين فقط (الفترة ما بين انتهاء مهمة كوبيتش في 10 ديسمبر وبين موعد الانتخابات في 24 من الشهر ذاته)[9].

4- لا يشكل سيناريو تأجيل الانتخابات سابقة: ففي المشهد الليبي القريب، دخلت خريطة الطريق حيز التنفيذ الفعلي بعد إعلان وقف إطلاق النار (أكتوبر 2020) بعدة أشهر، وكان مخططاً أن تجرى عملية تشكيل السلطة التنفيذية الانتقالية (حكومة الوحدة الوطنية- المجلس الرئاسي) كخطوة أولى وفق جدول أعمال خريطة الطريق الانتقالية في يناير 2021، إلا أن تلك العملية استغرقت نحو 4 أشهر أخرى لهندسة الإجراءات بشكل سليم، في إطار توافقات سياسية وضمانات واضحة.

في المقابل، ستُرحَّل استحقاقات أخرى مدرجة ضمن خريطة الطريق إلى ما بعد الانتخابات، كملف توحيد المؤسسة العسكرية وإجلاء المرتزقة والمقاتلين الأجانب، حيث أثبتت الممارسة العملية أن هناك حاجة إلى ظروف وسلطة مختلفة لإنجاز هذه الملفات. ولم يؤد ذلك إلى إفشال المسار الانتقالي، بل على العكس من ذلك حفَّز الأطراف على الالتزام بوقف إطلاق النار، والبناء التدريجي على تلك الخطوة، ولو بشكل متباطىء[10].

5- تأجيل الانتخابات أفضل من إجرائها: يبدو أن تأجيل الانتخابات قد يكون أفضل بكثير من إجرائها بشكلها الحالى الذى قد يعمق من حالة الانقسام الليبى. ففى حالة فوز الدبيبة، فلن يعترف حفتر بشرعيته، وسيعرقل فرض سلطة الرئيس الجديد على مناطق سيطرته في الشرق. أما إذا فاز حفتر بالرئاسة، فلن تُمكنه كتائب المنطقة الغربية من دخول العاصمة طرابلس. بينما إذا فاز سيف الإسلام، فإن كلا من كتائب المنطقة الغربية ومليشيات حفتر، لن تقبل به رئيسًا على البلاد، وامتلاك القذافي الابن، شرعية رئاسية قد يدفع أنصاره للاحتشاد حوله أكثر خاصة في المنطقة الجنوبية، كما قد توفر له روسيا دعمًا عسكريًا عبر شركة فاغنر. وقد تنفجر الأوضاع حينها إلى حرب أهلية جديدة، يسيطر فيها حفتر على الشرق، والقذافي الابن بدعم من فاغنر على الجنوب، والدبيبة على المنطقة الغربية، ما قد يمهد لتقسم البلاد[11].

وبناءً على ما سبق؛ فإن أغلب المراقبين والسياسيين يرجحون تأجيل الانتخابات، ويتحدثون فقط عمن سيقوم بالإعلان عن هذا القرار، وهل ستقوم به المفوضية العليا للانتخابات أم المبعوثة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة ستيفانى ويليامز أم سيتم الإعلان عن قرار التأجيل عبر بيان مشترك من الجانبين؟. كذلك تتعدد الأحاديث حول مدة التأجيل؛ وهل سيكون تأجيلها لمدة شهر أم أثنين أم ثلاثة أم أربعة أشهر.

ثانيًا: تأجيل الانتخابات وآفاق إنهاء الانقسام:

لا يعنى تأجيل الانتخابات إعادة الصراع العسكرى بين الأطراف الليبية مرة أخرى، فقد ظهرت خلال الفترة الماضية مجموعة من الخطوات التى تهدف إلى إنهاء الانقسام بين الأطراف الليبية المتنازعة، والتى قد تكون مدخلًا لإنهاء الخلاف بينهما حول العملية الانتخابية؛ تتمثل أبرز هذه الخطوات فى:

1- عودة ويليامز: خلال توليها رئاسة البعثة الأممية في ليبيا بالإنابة، أظهرت ستيفاني ويليامز قدرة كبيرة على السيطرة على مسار المباحثات، وممارسة الضغوط اللازمة على اللاعبين المحليين لدفعهم نحو التوصل إلى صيغة مؤقتة للتوافق، بشكل أدى إلى إنهاء الانقسام وانتخاب سلطة جديدة. وقد استندت ويليامز في ممارسة هذا الدور إلى الدعم الأمريكي بالأساس، فضلاً عن استفادتها من التوازنات القائمة بين اللاعبين الخارجيين على الساحة الليبية، ووجود مساحة مشتركة من المصالح المرتبطة بتجميد الصراع العسكري. وخلق الإنجاز الذي حققته ويليامز حالةً من التفاؤل بإمكانية استكمال خارطة الطريق خلال فترة تولي خلفها في المنصب يان كوبيتش.

فعلى خلاف التوقعات، أظهرت فترة تولي كوبيتش لمنصبه حالةً من فقدان السيطرة على اللاعبين المحليين، الذين تمكّنوا في النهاية من التلاعب باستحقاقات الشهور الماضية، بشكل أفضى إلى كثير من التعقيدات، ومن ثمّ الوصول إلى الهدف المشترك بين كثير من الخصوم المحليين، وهو تأجيل إجراء الانتخابات.

ويمكن القول إن إعادة ويليامز إلى الساحة الليبية مرة أخرى تهدف إلى استعادة المجتمع الدولي زمام القيادة في إدارة المشهد الليبي. ولمزيد من التوضيح، تجدر الإشارة إلى أن مواقف الأطراف الخارجية والداخلية الفاعلة في الصراع خلال الشهور الماضية أظهرت وجودَ مساحات ممكنة من التوافق بين اللاعبين الخارجيين، في مقابل الطابع الصفري الذي يسيطر على مواقف الأطراف الداخلية؛ وهذه الرؤية الصفرية للصراع تدفع تلك الأطراف نحو عرقلة تنفيذ خارطة الطريق، أو العمل على تنفيذها بشكل يدفع الخصوم نحو انتهاج سلوكيات تصعيدية تربك المشهد السياسي بأكمله[12].

وفى ظل صعوبة استبعاد المرشحين حاليًا بالطرق القانونية لانتهاء فترة الطعون والاستئناف عليها، فإن هذا يفتح الباب أمام صيغ توافقية أو سياسية، سيتم من خلالها تمرير القائمة النهائية للمرشحين، سواء عبر انسحاب بعض المرشحين، وهو ما يمكن قراءته في اللقاءات المتتالية لمستشارة الأمين العام للأمم المتحدة في طرابلس ستيفاني ويليامز.

فمنذ وصول ويليامز إلى العاصمة طرابلس، التقت مع مجموعة كبيرة من الشخصيات السياسية والحكومية الليبية، منها خالد المشري رئيس المجلس الأعلى للدولة، ورئيس الأركان المعين من جانب حكومة الوفاق الوطني السابقة محمد الحداد، ورئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، ورئيس المجلس الأعلى للقضاء محمد الحافي، ورئيس مجلس النواب المكلف فوزي النويري، ووزيرة الخارجية نجلاء المنقوش، ورئيس المفوضية العليا للانتخابات عماد السايح، ووزير الخارجية خالد مازن، ورئيس المؤسسة الوطنية للنفط مصطفى صنع الله، والنائب بالمجلس الرئاسي موسى الكوني، ووزيرة العدل حليمة إبراهيم عبد الرحمن.

كما زارت ستيفاني مدينة مصراتة، ودخلت مقر المجلس البلدي الخاص بالمدينة. لقاءات ستيفاني المتعددة الاتجاهات، تشير بشكل واضح إلى رغبة أمريكية في الدفع قدمًا نحو عقد الانتخابات، لكن مع تنحية بعض المرشحين جانبًا، سواء عبر بعض التسويات السياسية، أو عبر الإقصاء خاصة أن القوائم النهائية للمرشحين لم تصدر بعد[13].

وفى السياق، تسعى ويليامز إلى حل النزاع الدائر حول القضاء، فقد عقدت لقاء مع رئيس مجلس القضاء الأعلى المقال من منصبه محمد الحافي، وحمل إشارات واضحة لرفض القانون البرلماني الذي أجرى تغييرات جذرية على المؤسسة القضائية، والذى بموجبه تم إقالة الحافى.

وقالت وليامز عبر حسابها على “تويتر”، “التقيت رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي محمد الحافي في مقر المحكمة العليا بطرابلس، واتفقنا على الأهمية الحاسمة للحفاظ على وحدة القضاء واستقلاليته بعيداً من كل النفوذ السياسي والخلافات”. وأشارت المبعوثة الأممية إلى رغبة البعثة الدولية في التحقيق بملابسات الأحداث التي رافقت إصدار الأحكام القضائية بحق المترشحين للرئاسة خلال الأسابيع الماضية، قائلة إن “الأمم المتحدة لن تتهاون مع الترهيب والاعتداء على القضاة والأجهزة القضائية”[14].

2- تنشيط عوامل التوافق: بالتزامن مع استقالة كوبيتش وعودة ويليامز، بدأت مجموعة من الخطوات على صعيد تنشيط عوامل التوافق، بعيداً عن الاقتصار على الجوانب الإجرائية المتعلقة بالعملية الانتخابية، وفي اتجاه إعادة الاعتبار للمسارين الاقتصادي والعسكري. فعلى الرغم من أن المسارين الأخيرين كانا يحظيان بالاهتمام اللازم، إلا أن التقدُّم الحاصل فيهما لم يكن كافياً لتوفير بيئة داعمة لإجراء الانتخابات. ومن أبرز التحركات الجديدة على المسارين الاقتصادي والعسكري ما يلي:

– اجتماع كل من رئيس المصرف المركزي، الصديق الكبير (الممثل لمصالح غرب ليبيا)، ونائبه علي الحبري (الممثل لمصالح الشرق الليبي) بتاريخ 6 ديسمبر، للاتفاق على إطلاق عملية “التوحيد الفعلي” لفرعيّ المصرف المركزي شرق وغرب البلاد، وهو الاجتماع الذي وصفه الحساب الرسمي للمصرف على موقع تويتر بأنه “الأهم” لتوحيد فرعيّ المصرف.

– اجتماع أعضاء لجنة 5 + 5 الخاصة بالمسار العسكري في كلٍّ من أنقرة وموسكو بتاريخ 4 و9 ديسمبر على التوالي، لبحث ملف انسحاب المقاتلين الأجانب. كما أجرت ستيفاني ويليامز، في أول نشاط لها بعد تعيينها في منصبها الجديد، اتصالاً مع أعضاء اللجنة فور وصولهم موسكو. وعلى صعيد آخر، استضافت مدينة سِرت، في 11 ديسمبر، اجتماعاً بين رئيس الأركان المكلف في شرق البلاد الفريق عبد الرازق الناظوري، برئيس الأركان التابع لسلطة طرابلس الفريق محمد الحداد؛ وهو الاجتماع الأرفع على المستوى العسكري بين الطرفين منذ بدء المباحثات حتى الآن.

يعكس هذا الحِراك النشط على المسارين الاقتصادي والعسكري، والمتزامن مع تعثُّر إجراء الانتخابات في موعدها، وعيَ المجتمع الدولي بأن التركيز المفرط على الالتزام بموعد إجراء الانتخابات أدى إلى اختلال العمل على المسارات الثلاثة للتسوية، بحيث ظلت العوامل الصلبة للانقسام قائمة، بشكل قد يُفرغ أي خطوات خاصة بالاستحقاق الانتخابي من أهميتها.

وفي مقابل التطورات الظاهرة على السطح الليبي، هناك جانب كامن من التفاعلات يُعد المحدِّد الرئيس لكل ما يحدث في واجهة المشهد في هذا البلد، وهو الخاص بالمساومات بين الطرفَين الدوليَّين الأكثر تأثيراً على الأطراف المحلية الرئيسة، أي موسكو وواشنطن؛ فبالتزامن مع التطورات الجارية انعقدت قمة افتراضية بين الرئيسين الأمريكي جو بايدن والروسي فلاديمير بوتين في 7 ديسمبر؛ وعلى الرغم من تصدُّر الملف الأوكراني المحادثات بينهما، ووجود ملفات أخرى أكثر حيوية مثل الملف النووي الإيراني والوضع في سورية، إلا أنه يصعب استبعاد حضور الملف الليبي كأحد أوراق المساومة لدى الطرفين.

ولعل الأمر المؤكد هنا هو الأهمية المتأخرة التي قد يمثلها الصراع في ليبيا بالنسبة للبلدين قياساً لحيوية الأوضاع في البؤر الصراعية الأخرى وانعكاسها على مصالح كل طرف، وهو ما يعني بالتبعية إمكانية تقديم تنازلات ما، ولو جزئية، من أحد الطرفين للآخر في الملف الليبي، الأمر الذي قد يعني أيضاً زيادة فرص حلحلة الأزمة، وتشديد الخناق على الأطراف المحلية المعرقِلة، في سبيل التوصل إلى صيغة ما من شأنها تحقيق الاستقرار خلال الفترة المقبلة[15].

وفى سياق متصل، وفي خطوة غير مسبوقة أعلنت الرئاسة التركية عن استقبال وفد يمثل نواب البرلمان في شرق ليبيا، وبحث إمكانية فتح قنصلية تركية في مدينة بنغازي، لتسهيل إجراءات الحصول على الخدمات القنصلية وتأشيرة الدخول لتركيا.

وضم الوفد رئيس مجلس النواب المكلف فوزي النويري، والوفد الرسمي المرافق له الذي ضم رئيس لجنة الشؤون الخارجية يوسف العقوري، ورئيس لجنة الطاقة عيسى العريبي، وأعضاء المجلس: سالم قنان وبدر النحيب وإدريس المغربي وزياد دغيم. واستقبل الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في المجمع الرئاسي بالعاصمة أنقرة، وفد مجلس النواب، وفق ما أعلنته الرئاسة التركية عبر حسابها على “تويتر”[16].

ويأتى هذا الانفتاح التركى على شرق ليبيا في إطار الحوارات التي بدأتها تركيا مع مصر من خلال تأسيس القاهرة علاقات مع الغرب الليبي، وهو ما يتطلب خطوات تركية أيضاً ببناء علاقات مع الشرق الليبي، تمهيداً لإجراء مصالحة في البلاد تتكلل بالانتخابات، ويرافق ذلك تفاهمات تركية مصرية، حيث يشكل الملف الليبي عقدة في العلاقات الثنائية[17]. كما يمكن تفهم هذا الانفتاح فى ظل حالة التقارب المتزايدة خلال الآونة الأخيرة بين تركيا والإمارات والتى تجلت فى زيارة ولى عهد أبو ظبى محمد بن زايد إلى أنقرة فى أواخر شهر نوفمبر الماضى.

3- إحياء ملتقى الحوار: فهناك إمكانية لتهميش دور كل من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، لصالح إحياء ملتقى الحوار الليبي مرة أخرى، بأعضائه الأربعة وسبعين. وتتزايد فرص ذلك في ضوء أن أعضاء الملتقى كان قد تم اختيارهم في السابق تحت رعاية ستيفاني ويليامز نفسها، وفي ضوء النجاح الذي تمكنت من تحقيقه من خلال الإشراف على عمل الملتقى. كما أن القوانين الانتخابية الصادرة عن مجلس النواب، وعلى الرغم من خلافيتها، يمكنها أن توفر أساساً لإجراء الانتخابات، بعد ما تم اتخاذه خلال الأسابيع الماضية من خطوات فعلية من قبل مختلف المرشحين، بما في ذلك المعارضين لتلك القوانين، وهو ما يُعد اعترافاً ضمنياً يمكن البناء عليه. لذا فقد تشهد الأوضاع، تحت وقع الضغوط الدولية، مرونةً من قبل مجلس النواب في إدخال بعض التعديلات المطلوبة على القوانين الانتخابية بغرض توسيع قاعدة التوافق.

4- تعزيز دور المجلس الرئاسي: يفترض هذا السيناريو إسناد دور أكبر إلى المجلس الرئاسي، وبدعم دولي واسع، على حساب الكيانات الرسمية الأخرى المتمثلة في مجلسي النواب والدولة وملتقى الحوار. والمنطق في ذلك هو محدودية عدد أعضاء المجلس الرئاسي (ثلاثة أعضاء فقط)، على خلاف الأعداد الكبيرة لعضوية الكيانات الأخرى، والتي يصعب بناء توافق بداخلها، وفق ما أظهرته تجارب الشهور والسنوات الماضية. ويتمثل الدور المنتظر في طرح مبادرات جديدة بشأن القاعدة الدستورية الحاكمة لصلاحيات الرئيس والبرلمان الذي سيتم انتخابهم؛ بشكل يتكامل مع القوانين الخلافية التي أصدرها مجلس النواب في هذا الخصوص، ويعمل على حشد التوافق بين الفرقاء الليبيين. وقد عبّر موسى الكوني، نائب رئيس المجلس الرئاسي، عدة مرات خلال الأشهر الماضية عن نيّة المجلس الرئاسي طرح مبادرات بشأن القضايا الخلافية، وعلى رأسها القاعدة الدستورية؛ كما أن محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي، كان قد لوّح بمبادرة تتضمن استبعاد الشخصيات الجدلية من الترشُّح للانتخابات[18].

 

 

[1] “”تأجيل” الانتخابات الرئاسية وآفاق المشهد الليبي”، مركز الإمارات للسياسات، 14/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3oUwWga

[2] ” العراقيل التي تحول دون إجراء الانتخابات الليبية”، البيان، 30/11/2021، الرابط: https://bit.ly/3DBE05k

[3] “السباق الرئاسي يجر القضاء الليبي إلى قلب الصراع السياسي”، إندبندنت عربية، 15/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3F0FCas

[4] “سيناريو محتمل: لماذا تصاعد اتجاه تأجيل الانتخابات الليبية؟”، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 12/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3DScv7T

[5] “ليبيا.. سطو مسلّح على 5 مراكز اقتراع واختطاف موظف”، الأخبار، 2/12/2021، الرابط: https://bit.ly/31vP9b3

[6] “فيتو أميركي يُقلص من مخاوف تأجيل الانتخابات الليبية”، العرب، 2/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3lGcduv

[7] “ليبيا..صلاح بادي يهدد بطرد “وليامز” وبرلمان طبرق يتصالح مع أردوغان”، البيان، 16/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3s9AGwd

[8] “اشتباكات مسلحة في سبها قبل 10 أيام من الانتخابات الليبية”، إندبندنت عربية، 14/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3GKcpkq

[9] “سيناريو محتمل: لماذا تصاعد اتجاه تأجيل الانتخابات الليبية؟”، مرجع سابق.

[10] المرجع السابق.

[11] “سيناريوهات إجراء انتخابات ليبيا بموعدها ليست أفضل من تأجيلها (تحليل)”، الأناضول، 10/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3ytVrUw

[12] “”تأجيل” الانتخابات الرئاسية وآفاق المشهد الليبي”، مرجع سابق.

[13] “تفاعلات متزايدة … المشهد الليبي والأيام العشر الحاسمة”، المرصد المصرى، 15/12/2021، الرابط: https://bit.ly/33tenHr

[14] “السباق الرئاسي يجر القضاء الليبي إلى قلب الصراع السياسي”، إندبندنت عربية، 15/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3F0FCas

[15] “”تأجيل” الانتخابات الرئاسية وآفاق المشهد الليبي”،مرجع سابق.

[16] “ليبيا..صلاح بادي يهدد بطرد “وليامز” وبرلمان طبرق يتصالح مع أردوغان”، مرجع سابق.

[17] “زيارة النويري إلى تركيا: انفتاح أنقرة على جميع الأطراف الليبية”، العربى الجديد، 15/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3F6sq3K

[18] “”تأجيل” الانتخابات الرئاسية وآفاق المشهد الليبي”، مرجع سابق.

]]>
https://politicalstreet.org/4776/feed/ 0
ليبيا.. الخلافات حول الطعون والاستئناف الخاص بالمترشحين، هل تدفع نحو تأجيل الانتخابات؟ https://politicalstreet.org/4763/?utm_source=rss&utm_medium=rss&utm_campaign=%25d9%2584%25d9%258a%25d8%25a8%25d9%258a%25d8%25a7-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25ae%25d9%2584%25d8%25a7%25d9%2581%25d8%25a7%25d8%25aa-%25d8%25ad%25d9%2588%25d9%2584-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25b7%25d8%25b9%25d9%2588%25d9%2586-%25d9%2588%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25a7%25d8%25b3%25d8%25aa%25d8%25a6%25d9%2586%25d8%25a7%25d9%2581 https://politicalstreet.org/4763/#respond Tue, 14 Dec 2021 12:25:39 +0000 https://politicalstreet.org/?p=4763  

على المستوى النظري، يبدو أن العملية الانتخابية فى ليبيا ستتم بموعدها المقرر فى 24 ديسمبر 2021، فقد تم التأكيد على ذلك من قبل القوى الدولية المجتمعة في المؤتمر الدولي حول ليبيا الذي عقد في باريس منتصف نوفمبر 2021، والذي هدد بفرض عقوبات على كل من يقف في طريق تحقيق ذلك. وضمن السياق ذاته تؤكد المفوضية الوطنية العليا للانتخابات في ليبيا استعدادها لتنظيم الانتخابات الرئاسية. ونشرت القائمة الأولى للمرشحين، وتقوم حاليًا بتوزيع بطاقات الناخبين، ما يجعل العملية تبدو طبيعية إلى حد ما.

لكن على المستوى الميداني، يبدو أن العملية الانتخابية تسير في حقل ألغام لا يمكن فيه التنبؤ بمصيرها[1]، فى ظل استمرار وتصاعد الخلافات بين الأطراف والقوى السياسية المختلفة داخل ليبيا، والذى كان أخرها تصاعد الخلاف القانونى حول عمليات الطعن والاستئناف الخاصة بكل من رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة، وقائد قوات شرق ليبيا خليفة حفتر، ونجل الرئيس الراحل سيف الإسلام القذافى، وقد تسببت تلك الخلافات فى عدم الإعلان عن القائمة النهائية للمرشحين، التي كان من المفترض أن تُعلن، فى 6 ديسمبر 2021، كآخر موعد لها وفق الجداول الزمنية التي أعلنتها المفوضية العليا للانتخابات.

أولًا: الخلافات حول الطعون والاستئناف الخاص بالمرشحين:

يزداد المشهد الليبي تعقيدًا مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية، والتطاحن القانوني على مستوى دوائر الطعون القضائية لإخراج ثلاث شخصيات جدلية رئيسية، تملك أكبر الحظوظ للفوز بكرسي الرئاسة. ويتعلق الأمر بعبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة الوحدة، وخليفة حفتر، قائد مليشيات الشرق، وسيف الإسلام القذافي نجل زعيم النظام السابق.

فالدبيبة، الذي قبلت مفوضية الانتخابات ملف ترشحه، تقدمت عدة شخصيات بطعون على ملف ترشحه، تمحورت حول عدم انطباق المادة 12 من قانون الانتخابات الرئاسية عليه حيث لم يقدم استقالته من منصبه قبل 3 أشهر من موعد الانتخابات، بالإضافة لاحتجاج الطاعنين بشأن ترشحه بوثيقة لملتقى الحوار السياسي وقع عليها الدبيبة وتعهد فيها بعدم ترشحه لانتخابات الفترة السياسية المقبلة أثناء اختياره رئيسًا لحكومة الوحدة الوطنية في فبراير الماضي[2]. وإن قبلت المحكمة الابتدائية في طرابلس الطعون المقدمة في حق الدبيبة، إلا أن استئناف الأخير للحكم أعاده مجددا إلى السباق الرئاسي رسميًا[3].

بينما يواجه حفتر حكمًا من محكمة الزاوية الابتدائية (غرب) باستبعاده من السباق الرئاسي، نظرًا لامتلاكه جنسية أمريكية، وصدور حكم غيابي ضده بالإعدام من محكمة مصراتة العسكرية. إلا أن محكمة الاستئناف بطرابلس قضت ببطلان حكم استبعاد حفتر من السباق الرئاسي، لتعيده للسباق مرة أخرى[4].

فيما كان استبعاد مفوضية الانتخابات لسيف الإسلام القذافي متوقعًا لأسباب سياسية وقانونية، خاصة بعد إبداء الولايات المتحدة الأمريكية تحفظها على هذا الترشح. بجانب، أن سيف الإسلام مطلوب من قبل المحكمة الجنائية الدولية، ومحكوم عليه غيابيًا بالإعدام من محكمة طرابلس (2015)، وهذا الحكم يحرمه من الحقوق المدنية مدى الحياة إلى غاية تنفيذ الحكم، وأولها حرمانه من المشاركة السياسية كمترشح أو كناخب.

ومع ذلك فقد طعن القذافي الابن أمام محكمة مدينة سبها (جنوب) حول قرار استبعاده من السباق الرئاسى، ولتقوم مليشيات حفتر بطرد القضاة وموظفي المحكمة، وحاصرت مقرها، لمنع إصدار الحكم. ورد أنصار القذافي بالتجمهر أمام المحكمة، كما أدانت روسيا استبعاد القذافي الابن من السباق الرئاسي، وانتقدت حكومة الوحدة عرقلة مليشيات حفتر للعملية الانتخابية. ولم تنسحب مليشيات حفتر إلا بعد انتهاء الآجال القانونية للطعن، ومع ذلك انعقدت المحكمة وأصدرت حكما بقبول الطعن، ما أعاد سيف الإسلام القذافي “مؤقتا” إلى السباق الرئاسي[5].

ثانيًا: هل تتسبب تلك الخلافات فى تأجيل الانتخابات؟:

تسببت تلك الخلافات حول الطعون والاستئناف الخاص بالمترشحين فى عدم الإعلان عن القائمة النهائية للمرشحين، التي كان من المفترض أن تُعلن، فى 6 ديسمبر 2021، كآخر موعد لها وفق الجداول الزمنية التي أعلنتها المفوضية العليا للانتخابات. ما يشير إلى إمكانية تأجيل الانتخابات الرئاسية إلى حين حسم الموقف القانونى – والأهم السياسى- من الشخصيات المترشحة.

وقد ظهرت مؤخرًا عدة مؤشرات على إمكانية تأجيل الانتخابات الليبية، منها؛ تأكيد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، بإن المنظمة الأممية “تريد أن تكون الانتخابات في ليبيا جزءًا من الحلّ وليس جزءًا من المشكلة”. بينما اعتبر رئيس مجلس الأمن الدولي، مندوب النيجر الدائم لدى الأمم المتحدة، عبده عباري، أن “الظروف ليست مواتية لإجراء انتخابات إيجابية”. وهى التصريحات التى قرئت على أنها تكشف عن قبول دولى وأممى لتأجيل الانتخابات[6]. وفى ذات السياق، فقد أشار موقع “العربى الجديد”، نقلًا عن مصادره، بوجود توافق إيطالى- فرنسى- مصرى على تأجيل الانتخابات الليبية، وأن هذه الدول الثلاثة تسعى إلى حث الجانب الأمريكى على القبول بتأجيلها[7].

كذلك باتت نية الأطراف الليبية لتأجيل الانتخابات تظهر للعلن بشكل واضح، فقد أعلنت المفوضية العليا للانتخابات في ليبيا مؤخرًا عن عدم وجود نية لتأجيل العملية الانتخابية التي ستجرى في موعدها المقرر بشهر ديسمبر الجاري، وقال سامي الشريف مدير المركز الإعلامي للمفوضية أن المقرر هو إجراء الانتخابات في موعدها إذا استمرت عملية الطعون والاستئناف وفقا لما تم إعداده في هذا الشأن، وذلك في ربط بين الالتزام بالموعد المحدد للانتخابات، وحسم موضوع الطعون والاستئناف وهو ما يعني ضمنيا إمكانية التأجيل في حالة عدم الانتهاء من الطعون، ورغم ذلك أوضح مدير المركز الإعلامي أن التأجيل قد يكون أربعة أو خمسة أيام فقط لحين الفصل في الطعون أو ما سماه «أسباب فنية»، وهو الحديث الذي أيده عماد السايح رئيس المفوضية من أن الموعد المقرر للانتخابات يعد من «المسائل الفنية» التي تخضع للمفوضية، وأن إمكاينة التأجيل واردة في حالة تأخر الفصل في الطعون المقدمة ضد المرشحين، ويرى بعض الحقوقيين الليبيين أن المفوضية تمتلك الحق في التأجيل بحسب الظروف الموجودة لأنها المسؤول الوحيد عن تنظيم إجراءات العملية الانتخابية[8].

وفى ذات السياق، فقد أكد رئيس مجلس الدولة، خالد المشرى، إلى أن انتخابات 24 ديسمبر، “لن تصل إلى محطتها الأخيرة.. وهي القبول والتسليم”[9]. كما اقترح المجلس الأعلى للدولة، فى 8 ديسمبر، تأجيل الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في 24 ديسمبر 2021 إلى فبراير 2022؛ بسبب الخلافات المستمرة بين المعسكرين المتنافسين، على أن يتم اجراء الانتخابات الرئاسية بنظام القائمة من رئيس ونائبين ورئيس حكومة، وأن تكون الدورة الزمنية لمجلس النواب والرئاسي أربع سنوات من تاريخ انتخابهم ولدورة واحدة وغير قابلة للتجديد. كما اقترح المجلس تنظيم الانتخابات الرئاسية فى فبراير بشكل “متزامن مع الانتخابات النيابية”[10].

ولا يبدو أن تأجيل الانتخابات مطلب خاص بالمجلس الأعلى فقط، فقد دعا مجلس النواب هو الأخر لجلسة طارئة استدعى إليها رئيسي المفوضية العليا للانتخابات والمجلس الأعلى للقضاء، لمساءلتهما حول ما وصف بـ”تجاوزات” بخصوص إجراءات قبول المرشحين للرئاسة. وذلك بعدما أبدى 70 نائبًا برلمانيًا، في بيان مشترك، قلقهم إزاء “التطورات السلبية للعملية الانتخابية”، وطالبوا بعقد جلسة برلمانية لمساءلة مفوضية الانتخابات والجهات القضائية المشرفة على العملية الانتخابية، واتهم النواب المفوضية بعدم تطبيق القوانين الانتخابية الصادرة عن مجلسهم، ما يعني إلغاء كل ما اتخذ من إجراءات لقبول المرشحين، والبداية من جديد، ما يعني أيضاً، تأجيل الانتخابات إلى موعد لاحق لضيق الوقت[11]. وهو ما أكدته بعض التقارير التى أشارت إلى أن هدف النواب المجتمعين هو تأجيل الانتخابات ومنع نشر القائمة النهائية لمرشحي الانتخابات الرئاسية[12].

ويبدو أن تلك المواقف التى تطالب بتأجيل الانتخابات لها ما يبررها على الأرض، إذ اشتكت مفوضية الانتخابات من تعرض 5 مراكز تابعة لها لسطو مسلح، واختطاف موظف، والاستيلاء على عدد من بطاقات الناخبين في كلًا من طرابلس ومدينة العزيزية[13]. ما دفع وزير الداخلية الليبي خالد مازن إلى التحذير من أن استمرار عرقلة الخطة الأمنية الخاصة بالانتخابات سينعكس على الالتزام بموعدها في الرابع والعشرين من ديسمبر الجاري[14].

ولكن فى المقابل، ووسط هذه المؤشرات على إمكانية تأجيل الانتخابات، إلا أن هناك ما يشبه الفيتو الأمريكى ضد تأجيلها. فقد أكد السفير الأميركي في ليبيا ريتشارد نورلاند في سلسلة تغريدات نُشرت على صفحة السفارة بـ”تويتر” إن “بلاده تشارك الليبيين والمجتمع الدولي مخاوفهم حول الانتخابات، وأنها تدعو كافة الأطراف إلى التهدئة وتخفيف التوترات واحترام العمليات الانتخابية القانونية والإدارية الجارية التي يقودها الليبيون”. وهو ما رأه مراقبون تمسك أمريكى بإجراء الانتخابات فى موعدها، خاصة أن تصريحات نورلاند جاءت في وقت تشتعل فيه معركة الطعون ضد مرشحين للانتخابات الرئاسية، ما أثار مخاوف من عرقلة الانتخابات بعد أن شملت تلك الطعون كلا من عبدالحميد الدبيبة وحفتر وسيف القذافى الذين نجحوا في العودة إلى السباق مرة أخرى[15].

كما أعلنت الأمم المتحدة عودة عرابة الاتفاق السياسي الليبي، الأميركية ستيفاني وليامز، إلى منصب المبعوث الخاص للأمين العام أنطونيو غوتيريش، وهو المنصب الذي شغلته ويليامز لفترة مؤقتة، بعد استقالة المبعوث الخاص اللبناني غسان سلامة، بداية العام الماضي، واعتبرت أفضل فترة لمبعوث أممي في البلاد، بنجاحها في التوصل إلى اتفاقين مهمين بين الأطراف الليبية على المستويين العسكري والسياسي، ووضعت خريطة طريق للخروج من الأزمة الليبية تنتهي بعقد الانتخابات العامة. وقد قرئت عودة ويليامز من قبل مراقبين بمحاولة أمريكية لإنقاذ العملية الانتخابية، قبل فوات الأوان[16]، ولقطع الطريق على متلاعبين سياسيين يراهنون على موظف أممي جديد لا يفهم في الملف قد ينساق وراء محاولات تأجيل الانتخابات.

ومع ذلك يقلل بعض المراقبين من أهمية عودة ويليامز في التأثير على مجريات الأمور في ليبيا؛ حيث يرى هؤلاء أن دورها سيكون محدودا وسيقتصر على تقديم المشورة لرئيسها غوتيريش ولن يسمح لها الجانب الروسي بالتدخل في إدارة البعثة الأممية بالفاعلية التي يطمح إليها الجانب الأميركي. وينظر متابعون إلى ما يجري في الأمم المتحدة من تطورات -بدأت باستقالة مفاجئة لكوبيش الذي يحسب على روسيا ويرجّح أنه تعرض لضغوط أجبرته على الاستقالة، ومن ثم تعيين ستيفاني ويليامز- على أنه دليل على استمرار الخلافات الدولية بشأن ليبيا. حيث أن تكليف ستيفاني مستشارة للأمين العام للأمم المتحدة من قبل الأمين العام نفسه وليس مبعوثة له بتكليف من مجلس الأمن مؤشر خطير يوحي بعدم التوافق الدولي حول ليبيا وخاصة بين روسيا وأميركا، كما يوحي هذا التكليف أيضا بالتحدي والقلق الذي تشعر به الإدارة الأميركية بشأن الأزمة في ليبيا والتدخل الروسي فيها، فلأول مرة تاريخيا تكون لموسكو قوات وقواعد عسكرية في ليبيا والدول المغاربية[17].

ثالثًا: هل تكون الانتخابات مخرجًا للأزمة الليبية؟:

لا يبدو أن تلك الانتخابات فى حالة إجرائها ستكون مخرجًا حقيقيًا للأزمة الليبية، وذلك فى ظل مجموعة من التحديات تتمثل أبرزها فى:

التحدى الأول، تنظيم الانتخابات، فالأسس القانونية التى تقوم عليها تلك الانتخابات تواجه انقسام حاد بين المجلس الأعلى للدولة بطرابلس ومجلس النواب بطبرق، حيث تجاهل مجلس النواب المجلس الأعلى للدولة (نيابي واستشاري) فيما يتعلق بإعداد قوانين الانتخاب الرئاسية والبرلمانية طبقا للاتفاق السياسي، وأن إجراء الانتخابات على أساسهما سيؤدي إلى الطعن فيهما، بجانب الخلاف حول إجراء الانتخابات الرئاسية أولًا (كما يرغب مجلس النواب) أم إجراء الانتخابات البرلمانية أولًا (كما يرغب المجلس الأعلى للدولة) أم إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بشكل متزامن (كما تنص الخارطة الأممية)[18].

التحدى الثانى، عودة شبح القذافي، ممثلاً بالجنرال خليفة حفتر أو بسيف الإسلام القذافي، وكلاهما مرشّح قوي في هذه الانتخابات التي قد تعيد ليبيا إلى الاستبداد الذي أطاحته ثورة الشعب الليبي عام 2011. وكلا الرجلين يجرّ وراءه ماضياً سيئاً. فحفتر ليس سوى جنرال فاشل في عهد القذافي، هو وجيشه الوطني متّهمان بارتكاب جرائم عديدة خلال العشرية الماضية، بما في ذلك استهداف مناطق مدنية، وإنشاء مقابر جماعية عُثر داخلها على رفات رجال ونساء وأطفال، وما زالت تلاحقه دعواتٌ تطالب بمحاسبته على تلك الجرائم التي ترقى إلى جرائم حرب.

وفي المقابل، عاد سيف الإسلام القذافي، مثل كابوس مزعج، عندما أعلن استعداده لقيادة ليبيا التي خرّبها والده بعد أربعة عقود من الحكم الاستبدادي، وذلك على الرغم من أنه مطلوب من المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وتحديداً دوره المزعوم في قمع الاحتجاجات في عام 2011، وهو متهم داخلياً أيضاً بتعاونه مع المرتزقة الروس.

التحدّي الثالث، وهو شفافية تلك الاستحقاقات، إذ يتخوف مراقبون كثيرون من محاولات تزوير نتائجها، ما سيفتح البلاد أمام صراعاتٍ داخليةٍ جديدةٍ، خصوصاً أنّ هذه الاستحقاقات ستجري في ظل استمرار الانقسامات التقليدية بين الغرب والشرق الليبيين، على الرغم من عملية السلام التي ترعاها الأمم المتحدة[19].

وقد زادت الشكوك حول إمكانية تزوير الانتخابات بعد الأحكام القضائية الأخيرة بخصوص المرشحين، وإظهار القضاة كطرف في الأزمة السياسية. فقد أصدرت محاكم طرابلس وسبها عدة أحكام تتعلق بالمرشحين لرئاسة البلاد، كان أشهرها الحكم بأحقية رئيس الحكومة الليبي، عبد الحميد الدبيبة، في الترشح، ورفض الطعن ضده، وكذلك رفض الطعن المقدم ضد المرشح خليفة حفتر، والحكم بعودة سيف الإسلام القذافي لقائمة المرشحين النهائية[20].

التحدي الرابع، قبول نتائج الانتخابات حتى لو كان التصويت نفسه نزيهاً، فكل طرف من القوى الفاعلة ما انفك يعلن بوضوح أنه لن يعترف بنتائج لا تصب في مصلحة مرشحه، وسيجد بالتأكيد ما يعتمد عليه في ذلك[21]. مثلا، في حال فوز خليفة حفتر المحسوب على الشرق الليبي، لن يقبل الغرب الليبي بنتائج الانتخابات. وفي حال فوز عبد الحميد الدبيبة المحسوب على الغرب الليبي فإن الشرق الليبي المُسَيطر عليه من حفتر وعقيلة صالح لن يقبل بنتائج الانتخابات. ويزيد من تعقيد هذه المسألة أنّ لدى كل طرف من طرفي الصراع الفصائل والمليشيات والجيوش القادرة على تنفيذ تهديده وعدم التسليم بالنتائج. وبالتالي، لن تكون القضية هنا إجراء الانتخابات بقدر ما تكون ضمان احترام جميع الأطراف نتيجتها، وهذه المسألة غير مؤكّدة في الواقع الليبي[22].

التحدّي الخامس، دور القوى الخارجية التي بفضل ضغطها تجري هذه الانتخابات، لكن لكل جهة منها حساباتها الخاصة من ورائها، وفي حال عدم تحقّقها، لن تسلّم بنتائجها بسهولة، وستعمل من خلال أدواتها في الداخل على تقويض عملية التحوّل الديمقراطي في ليبيا، وعرقلة كل محاولة الوصول إلى تسوية طويلة الأمد. يضاف إلى ذلك وجود أكثر من عشرين ألف مرتزق تحت إمرة أمراء الحرب الأهلية، ما زالوا يسيطرون على أجزاء مهمة من البلاد، في ظل استمرار الانقسامات بين الغرب والشرق، ما يهدّد بحدوث مزيد من الصراعات مستقبلاً، بناءً على نتائج هذه الانتخابات، من دون أن ننسى عشرات الآلاف من القوات الأجنبية الذين لا يزالون داخل ليبيا، على الرغم من الاتفاق على مغادرتهم[23].

أيضًا، فإن هذه القوى قد تدفع نحو تأجيل الانتخابات – بقصد أو بغير قصد- بالطرق الدبلوماسية، وهو ما يمكن تلمسه من استقالة السلوفاكي يان كوبيتش، من منصب المبعوث الأممي إلى ليبيا، ما يجعل المنصب شاغرا، في ظل خلاف دولي حول اسم الشخصية التي ستخلفه، قبيل أسبوعين من موعد الانتخابات الرئاسية.

وتتصارع على تسمية مبعوث أممي إلى ليبيا ثلاث كتل رئيسية، الأولى تتزعمها الولايات المتحدة وخلفها كل من بريطانيا وفرنسا، دائمتي العضوية، إضافة إلى دول أوروبية غير دائمة العضوية، والتي عارضت بشدة تسمية شخصية إفريقية لهذا المنصب، وتفضل أن يكون المبعوث الأممي أمريكيًا أو أوروبيًا.

أما الكتلة الثانية فتقودها روسيا وتدعمها الصين، وعارضت عدة مرات ترشيح الولايات المتحدة أسماء أوروبية، أو حتى التمديد للأمريكية ويليامز، ولو بالإنابة على رأس البعثة الأممية، وتفضل بالمقابل أن يتولى هذا المنصب شخصية عربية إفريقية.

وتتقارب مواقف روسيا مع الكتلة الإفريقية، التي لا تملك أي من دولها مقعدًا دائمًا في مجلس الأمن، لكنها تحوز مقعدين غير دائمين إلى ثلاثة مقاعد في المجلس (النيجر وكينيا تمثلان حاليًا الكتلة الإفريقية، إلى جانب تونس التي تمثل الكتلة العربية).

وتطالب الكتلة الإفريقية أن يكون المبعوث الأممي إلى ليبيا من القارة السمراء، خاصة وأنها بلد إفريقي، ومع ذلك لم يعين حتى الآن أي مبعوث أممي إليها من إحدى دول الاتحاد الإفريقي، وهو ما تعتبره تهميشا لها في أحد الملفات التي تعنيها بشكل مباشر.

وتداولت وسائل إعلام عربية وغربية عدة أسماء لخلافة كوبيتش، بينها الدبلوماسي البريطاني نيكولاس كاي، ومنسق البعثة الأممية في ليبيا، الزيمبابوي ريزدون زنينغا، وكذلك الأمريكية ستيفاني ويليامز، المبعوثة الأممية السابقة بالإنابة لليبيا.

وفي ظل صعوبة توافق أعضاء مجلس الأمن على شخصية بعينها، في أسرع وقت، لجأ غوتيريش إلى خيار ذكي، حيث عين الأمريكية ويليامز، مستشارة خاصة له في ليبيا، بدل اقتراحها رئيسة للبعثة الأممية في البلاد. ولجأ غوتيريش إلى هذا الخيار “لتجنب إجراء تصويت آخر مثير للجدل في مجلس الأمن”[24].

ومن بين العناوين الرئيسة للملفّ الأمني – العسكري، الوجود التركي على الأراضي الليبية، والذي توجهت اللجنة العسكرية المشتركة «5+5»، بصحبة وفد من الأمم المتحدة، إلى أنقرة لبحثه، قبيل مغادرتها إلى موسكو لبحْث المسألة نفسها. وبينما أبدت تركيا استعدادها لمغادرة ليبيا، «شرْط أن يتمّ سحْب قوات جميع المعنيين في الوقت نفسه»، برز موقف إماراتي – فرنسي لافت بالتشديد على ضرورة «انسحاب المرتزقة من ليبيا»، وذلك بعدما تمكّنت فرنسا، خلال زيارة رئيسها إيمانويل ماكرون لأبو ظبي (3 ديسمبر الحالى)، من تأمين أكبر طلب مشتريات لطائراتها الـ«رافال» والـ«كاراكال» بقيمة لا تقلّ عن 17 بليون يورو، في صفقة وصَفها ماكرون بأنها «أكبر عقد عسكري في تاريخنا». وتنبئ هذه الصفقة بأن التنسيق الفرنسي – الإماراتي الأمني في ليبيا وأفريقيا جنوب الصحراء، سيتعزّز بشكل كبير خلال المرحلة المقبلة، فيما يَظهر واضحاً أن واقع ما بعد الانتخابات الليبيبة سيكون محكوماً بتلك الترتيبات والتوافقات[25].

أضف إلى ذلك، استخدام ليبيا كورقة تفاوضية بين القوى الدولية المتصارعة (روسيا وأمريكا)، ففى ظل تصاعد الصراع الحالى بين روسيا من جانب وأمريكا والدول الأوروبية من جانب أخر على حدود أوكرانيا فى ظل الحديث الغربى عن حشود للقوات الروسية على حدود ‎أوكرانيا لاجتياحها.

فالتواجد الروسي في ليبيا ممثلا في المرتزقة الفاجنر وهم واجهة التدخل الروسي، يعتبر بالنسبة لأمريكا حصارًا لأوروبا من جنوبها وهذا يحدث لأول مرة في التاريخ، كما يمثل هذا التواجد العسكري، منفذا لروسيا إلى جنوب الصحراء الأفريقية حيث تتواجد القوات الأمريكية لمكافحة الإرهاب.

ويعبر عن القلق الأمريكي قائد القيادة الأفريقية في الجيش الأمريكي، الجنرال ستيفن تاوساند وتصريحه الذي أوردته محطة سي إن إن الإخبارية، حيث قال إذا سُمح لروسيا بتشكيل النتيجة النهائية للصراع الليبي فإن ذلك لن يعجب أمريكا والناتو وأوروبا، وأضاف تاوساند: تمامًا كما رأيتهم الروس يفعلونه في سوريا، يقومون بتوسيع رقعة وجودهم العسكري في أفريقيا باستخدام مجموعات مرتزقة مدعومة من الحكومة.

ولذلك فإن الوسيلة المجدية أمريكيا للخروج العسكري الروسي من ليبيا يتمثل في ثلاثة عناصر: الأول هو الاغراء الاقتصادي والمتمثل في تخصيص حصة من كعكة إعادة الاعماء للشركات الروسية. أما العنصر الثاني فهو انتخاب حكومة ليبية شرعية تدعو القوات الأجنبية للخروج وتكون دعوتها مؤيدة أمميا ودوليا. أما العنصر الثالث وهو العملي فيقوم على مقايضة روسيا في ملفات أخرى مثل الملف الأوكراني، وهذا يفسر التصعيد الأمريكي الأخير وتحريض الحكومة الأوكرانية على استفزاز روسيا باتهامها بالإعداد لغزو أوكرانيا، ومن ثم طلب الدعم الأمريكي الغربي لذلك الذي سيكون حينها مقابلا للانسحاب الروسي من ليبيا[26].

لذا، فالأولى هنا، وقبل إجراء هذه الانتخابات، أن يتم عقد جلسات حوار وطني جامع بين كل مكونات الشعب الليبي، ومن جميع المناطق، تكون مقدّمة لإنهاء حالة الانقسام السياسي والجهوي والمناطقي، وتعمل، في الوقت نفسه، على توحيد المؤسسات المنقسمة وسحب السلاح من المليشيات والقوات غير النظامية وإخراج المرتزقة، إلى جانب صياغة قوانين انتخاب تحظى بقبول الجميع، مع وضع سقفٍ زمنيٍّ لإنجاز كل تلك المتطلبات، قبل البدء بتدشين مرحلة جديدة لعهد جديد يبدأ بانتخاباتٍ حرّة ونزيهة وشفافة، تحظى باعتراف دولي وقبول شعبي؛ لأنه فى حالة إجراء الانتخابات بوضعها الحالى فإنها ستكون باباً جديداً للخلافات، الأمر الذي يعني العودة إلى نقطة الصفر، ودخول البلاد في دوامة سياسية أعنف من تلك التي حصلت عام 2014[27].

 

 

[1] “عودة التهديدات: هل تؤثر الاضطرابات الأمنية على مسار الانتخابات الليبية؟”، المركز العربى للبحوث والدراسات، 8/12/2021، الرابط: https://bit.ly/30cKV7u

[2] ” عودة الدبيبة إلى السباق الرئاسي: ترحيب شعبي واسع وجدل حول قانون الانتخابات”، العربى الجديد، 2/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3pEOnR2

[3] “ليبيا.. قائمة المرشحين النهائية تكشف ملامح الرئيس المقبل (تحليل)”، الأناضول، 6/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3ExSy7v

[4] ” عودة حفتر للسباق الرئاسي الليبي”، البيان، 6/12/2021، الرابط: https://bit.ly/33cyE47

[5] “ليبيا.. قائمة المرشحين النهائية تكشف ملامح الرئيس المقبل (تحليل)”، مرجع سابق.

[6]  المرجع السابق.

[7] “توافق على تأجيل الانتخابات الرئاسية الليبية ينتظر الموقف الأميركي.. ومصر تجهز لمؤتمر للمترشحين”، العربى الجديد، 5/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3dwZdTs

[8] “الانتخابات الليبية على صفيح ساخن بين الطعون والاستئناف… تدافع اللحظات الأخيرة يهدد العملية الديمقراطية”، المجلة، 6/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3lL27Zn

[9] “ليبيا.. قائمة المرشحين النهائية تكشف ملامح الرئيس المقبل (تحليل)”، مرجع سابق.

[10] “مجلس الدولة الليبي يقترح تأجيل الانتخابات الرئاسية”، البيان، 8/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3pB0LkW

[11] “بوادر التأجيل تحيط بالعملية الانتخابية الليبية قبل أيام من انطلاقها”، إندبندنت عربية، 7/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3GltzVb

[12] “عودة ستيفاني رسالة أميركية للمعرقلين: الانتخابات في موعدها”، العرب، 8/12/2021، الرابط: https://bit.ly/31GOBPl

[13] “ليبيا.. سطو مسلّح على 5 مراكز اقتراع واختطاف موظف”، الأخبار، 2/12/2021، الرابط: https://bit.ly/31vP9b3

[14] “فيتو أميركي يُقلص من مخاوف تأجيل الانتخابات الليبية”، العرب، 2/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3lGcduv

[15] المرجع السابق.

[16] “بوادر التأجيل تحيط بالعملية الانتخابية الليبية قبل أيام من انطلاقها”، مرجع سابق.

[17] “عودة ستيفاني رسالة أميركية للمعرقلين: الانتخابات في موعدها”، مرجع سابق.

[18] ” العراقيل التي تحول دون إجراء الانتخابات الليبية”، البيان، 30/11/2021، الرابط: https://bit.ly/3DBE05k

[19] ” في تحدّيات الانتخابات الليبية”، العربى الجديد، 24/11/2021، الرابط: https://bit.ly/3pzZnPv

[20] “حملة هجوم على القضاء الليبي.. هل تؤثر على الانتخابات؟”، عربى21، 8/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3IGmoZY

[21] “رئاسيات ليبيا من حرب الطعون إلى لحظة الاختيار”، العرب، 7/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3DwLo1V

[22] ” هل لا تزال الانتخابات الليبية أولوية؟”، العربى الجديد، 4/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3pzRMjX

[23] ” في تحدّيات الانتخابات الليبية”، مرجع سابق.

[24] ” وسط خلاف دولي.. ما بدائل غوتيريش لاختيار مبعوثه إلى ليبيا؟ (تحليل)”، الأناضول، 8/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3rNjlJq

[25] “انتخابات بلا آمال: ليبيا عالقة بالدوّامة”، الأخبار، 9/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3ICWp5p

[26] ” ‏ ليبيا وأوكرانيا… صفقة تبادلية”، البيان، 29/11/2021، الرابط: https://bit.ly/3oy9vJ9

[27] ” هل لا تزال الانتخابات الليبية أولوية؟”، مرجع سابق.

]]>
https://politicalstreet.org/4763/feed/ 0
كيف يمكن فهم الموقف المصرى من الانتخابات الليبية؟ https://politicalstreet.org/4698/?utm_source=rss&utm_medium=rss&utm_campaign=%25d9%2583%25d9%258a%25d9%2581-%25d9%258a%25d9%2585%25d9%2583%25d9%2586-%25d9%2581%25d9%2587%25d9%2585-%25d8%25a7%25d9%2584%25d9%2585%25d9%2588%25d9%2582%25d9%2581-%25d8%25a7%25d9%2584%25d9%2585%25d8%25b5%25d8%25b1%25d9%2589-%25d9%2585%25d9%2586-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25a7%25d9%2586%25d8%25aa%25d8%25ae%25d8%25a7%25d8%25a8 https://politicalstreet.org/4698/#respond Wed, 01 Dec 2021 10:23:33 +0000 https://politicalstreet.org/?p=4698  

على الرغم من أن مصر لم تعلن عن دعمها – تصريحًا أو تلميحًا – لأى من المرشحين للانتخابات الرئاسية الليبية المقررة فى ديسمبر 2021، إلا أنه يمكن الإشارة إلى نقاط أساسية قد تساعدنا فى فهم الموقف المصرى من هذه الشخصيات المترشحة، تتمثل فى:

1- المحدد الداخلى:

يمكن تصنيف الشخصيات المترشحة للانتخابات الليبية إلى ثلاثة تيارات: الأول؛ تيار الثورة (فتحى باشاغا، وعبدالحميد الدبيبة)، تيار الثورة المضادة (خليفة حفتر، عقيلة صالح)، تيار النظام السابق (سيف القذافى نجل الرئيس السابق معمر القذافى).

وبحسب هذا التصنيف، فإن مصر لا تفضل فوز مرشح محسوب على تيار الثورة، لا سيما وأن هذا التيار مرتبط بصورة أو بأخرى بجماعات الإسلام السياسى، وفى القلب منه جماعة الإخوان المسلمين، وتفضل فوز شخصية معارضة لهذا التيار. ومن هنا فإن مصر قد تراهن على تيارى الثورة المضادة والنظام السابق باعتبارهما من أشد الشخصيات المعارضة لتيار الثورة. وإن كانت القاهرة تراهن على تيار الثورة المضادة (عقيلة وحفتر) بصورة أكبر من مراهنتها على تيار النظام السابق (نجل القذافى)؛ نظرًا لأنهما ينتميان لنفس التيار (الثورة المضادة) الذى يعتبر نظام السيسى جزء منه، بجانب أن عقيلة وحفتر ينتميان للمنطقة الشرقية وهى المنطقة الأهم لمصر لكونها المنطقة الأكثر تأثيرًا على الأمن القومى المصرى بحكم جوارها الجغرافى معها، كما أن ترشح سيف القذافى نجل الزعيم الراحل معمر القذافى – وربما فوزه – قد يكون له تأثيرًا سلبيًا على النظام المصرى حيث أن تجربة نجل القذافى قد تدفع جمال مبارك نجل الرئيس الراحل حسنى مبارك إلى محاولة تكرارها داخل مصر، خاصة فى ظل الطموح السياسى لنجل مبارك ووجود دعم شعبى له، وربما نجده يترشح فى الانتخابات الرئاسية المقبلة ما قد يهدد استمرار السيسى فى منصب الرئاسة.

ومع ذلك، فإن النظام المصرى حريص على عدم الإعلان عن دعمه لأى من الشخصيات المترشحة سواء تصريحًا أو تلميحًا؛ خوفًا من إمكانية أن يصل إلى منصب الرئاسة أحد الشخصيات المحسوبة على الثورة الليبية ما قد يؤثر على توجهاتهم الخارجية مع مصر، خاصة أن تيار الثورة هو التيار الأكثر شعبية داخل ليبيا فى ظل الكثافة السكانية التى تميل لصالح المنطقة الغربية.

كما تدرك مصر حجم الرفض الشعبى لترشح وفوز كلًا من حفتر والقذافى واحتمالية خروجهما من السباق الانتخابى لارتكابهما جرائم حرب ضد مدنيين ليبيين، كما أنه فى حين أن مصر تدرك أن المنطقة الشرقية تمثل أهمية لها من الناحية الأمنية فإن المنطقة الغربية بحكم سيطرتها التاريخية على عملية صنع القرار فإنها تمثل أهمية كبيرة من الناحية الاقتصادية والتى كانت أحد الأسباب فى انفتاح القاهرة على حكومة الوحدة الوطنية عبر عقود إعادة الاعمار.

وإن كانت القاهرة تعول على إمكانية تزوير نتيجة الانتخابات لصالح الأطراف المحسوبة على قوة الثورة المضادة والذى ظهر مع قبول المفوضية العليا للانتخابات (التى تتولى الإشراف على العملية الانتخابية) بالقوانين التى أصدرها مجلس النواب (الذى يقوده عقيلة صالح) وبرغم رفض المجلس الأعلى للدولة (الذى يقوده الإخوانى خالد المشرى) لها.

2- المحدد الاقليمى:

ترغب مصر فى فوز الشخصيات القريبة منها والبعيدة عن منافسيها سواء المنافسيين المعاديين لها (تركيا)، أو المنافسيين المتحالفين معها (الإمارات). وفى هذا السياق، ترى القاهرة أن باشاغا والدبيبة أقرب إلى تركيا وأنهما قد يتمسكان بالاتفاق الامنى معها، خاصة أن الأول كان مهندسه والأخير كان من أشد المحافظين والمدافعين عنه، وإن كان الدبيبة مقرب من أنقرة بصورة أكبر من باشاغا، وهو ما يمكن تلمسه فى ترشح باشاغا إلى جانب عقيلة صالح (حليف القاهرة) فى أحد القوائم المتنافسة على منصب المجلس الرئاسى الحالى، كما أن موقف باشاغا الذى يفضل إجراء الانتخابات فى موعدها وإجرائها بناءً على القوانين الصادرة عن مجلس النواب قد تكون أقرب إلى وجهة النظر المصرية، وضد موقف الدبيبة الذى يتحفظ على إجراء الانتخابات بناءً على تلك القوانين وينادى بضرورة التوافق بين المجلس الأعلى للدولة ومجلس النواب حولها، كما أنه يفضل تأجيل الانتخابات وهو موقف أقرب إلى وجهة النظر التركية.

كذلك، فإن مصر قد تنظر إلى حفتر باعتباره حليفًا للإمارات بدرجة أكبر من تحالفه معها، وفى ظل وجود مؤشرات خلاف بين مصر والإمارات والتى تمثلت أبرزها فى شروع الإمارات وإسرائيل فى مشروعات تضر بقناة السويس المصرية، فإن القاهرة قد تضع بعض التحفظات أو الشروط على حفتر لتخفيف علاقته مع الإمارات قبل أن تقدم الدعم له.

كذلك فإن حالة الرفض الاقليمى لفوز حفتر بالانتخابات والذى يأتى بصورة كبيرة ومعلنة من قبل تركيا والجزائر قد يضع مزيد من الضغوط على مصر، وقد يجبرها فى النهاية إلى الوصول إلى حل وسط مع تلك الدول يتضمن الإطاحة بالشخصيات الجدلية وعلى رأسها حفتر والدبيبة والقذافى ودعم شخصيات توافقية مثل عقيلة صالح وفتحى باشاغا.

3- المحدد الدولى:

تعتبر المواقف الدولية، وفى القلب منها الموقف الأمريكى، من المحددات المؤثرة على الموقف المصرى. حيث أن مصر، وفى تماهى مع الموقف الدولى، تتبنى ضرورة إجراء الانتخابات فى موعدها المقررة فى ديسمبر المقبل وتحصينها مع ضرورة فرض عقوبات على المعرقلين لها، على الرغم من وجود أصوات تنادى بضرورة تأجيلها وضرورة حدوث توافق حولها، وإن كانت مصر ترى أن هذا الموقف الدولى يصب فى صالحها باعتبار أن تلك القوانين مفصلة لصالح شخصيات معينة (حفتر وصالح)، ومرفوضة من قبل الأطراف المعارضة لمصر.

ومع ذلك، فإن الموقف الأمريكى يبدو أنه على خلاف مع الموقف المصرى، فقد ترفض واشنطن ترشح وفوز أى من عقيلة أو حفتر أو القذافى باعتبارهم من الشخصيات المقربة من روسيا. وفى هذه الحالة، قد تجد مصر نفسها فى موقف حرج مع واشنطن فى حالة اصرارها على دعم اى من تلك الشخصيات.

وإن كانت القاهرة ستعول على الدعم الفرنسى لحفتر. بجانب ما ظهر من مؤشرات حول عدم معارضة واشنطن لترشح حفتر، وهو ما ظهر فى تاجيل النظر فى الدعاوى القضائية المرفوعة ضده فى أمريكا بدعوى ارتكابه جرائم حرب ضد مدنيين ليبيين، وهو التأجيل الذى يبدو أن إسرائيل – حليفة القاهرة – قد لعبت دورًا كبيرًا فى حدوثه، فى ظل محاولة حفتر الحصول على الدعم الإسرائيلى المؤثر على توجهات السياسة الخارجية الأمريكية فى المنطقة مقابل دخول حفتر – فى حالة فوزه بالانتخابات الليبية – إلى حظيرة التطبيع معها، وهو ما تقدم به نجل حفتر أثناء زيارته الأخيرة إلى تل أبيب.

وإجمالًا للقول، يمكن القول أن مصر وإن كانت حفتر وعقيلة كخيار فى الانتخابات المقبلة؛ لكونهما ينتميان لنفس تيار الثورة المضادة، مع تفضيل حفتر كخيار أول باعتباره يأتى من خلفية عسكرية مماثلة للسيسى ولكونه المسيطر على القوات العسكرية بالمنطقة الشرقية ذات الأهمية الاستراتيجية بالنسبة لمصر، فإن إمكانية الإطاحة بحفتر لأسباب قانونية قد تجعل من عقيلة الخيار الاول لها. ومع ذلك، فإن مصر لن تعلن عن دعمها لأى منهما؛ خوفًا من فوز أى من المرشحين الأخرين (الدبيبة وباشاغا)، وللحفاظ على حالة الانفراجة فى العلاقات المصرية مع المنطقة الغربية، والحفاظ على عقود عمليات إعادة الاعمار وعودة العمالة المصرية إلى ليبيا. أى أن مصر وإن كانت تدعم حفتر وعقيلة لأسباب شخصية وسياسية وأمنية فإنها ستتقبل فوز أى من الدبيبة وباشاغا لأسباب اقتصادية.

]]>
https://politicalstreet.org/4698/feed/ 0