Deprecated: Required parameter $code follows optional parameter $content in /home2/politicalstreet/public_html/wp-content/plugins/bdaia-shortcodes/inc/lists.php on line 6

Deprecated: Required parameter $code follows optional parameter $content in /home2/politicalstreet/public_html/wp-content/plugins/bdaia-shortcodes/inc/quote.php on line 6

Deprecated: Required parameter $code follows optional parameter $content in /home2/politicalstreet/public_html/wp-content/plugins/bdaia-shortcodes/inc/btn.php on line 6

Deprecated: Required parameter $code follows optional parameter $content in /home2/politicalstreet/public_html/wp-content/plugins/bdaia-shortcodes/inc/tabs.php on line 6

Deprecated: Required parameter $code follows optional parameter $content in /home2/politicalstreet/public_html/wp-content/plugins/bdaia-shortcodes/inc/tabs.php on line 19

Deprecated: Required parameter $code follows optional parameter $content in /home2/politicalstreet/public_html/wp-content/plugins/bdaia-shortcodes/inc/tabs.php on line 25

Deprecated: Required parameter $code follows optional parameter $content in /home2/politicalstreet/public_html/wp-content/plugins/bdaia-shortcodes/inc/tabs.php on line 31

Deprecated: Required parameter $code follows optional parameter $content in /home2/politicalstreet/public_html/wp-content/plugins/bdaia-shortcodes/inc/toggle.php on line 6

Deprecated: Required parameter $code follows optional parameter $content in /home2/politicalstreet/public_html/wp-content/plugins/bdaia-shortcodes/inc/flip.php on line 6
مصر – الشارع السياسي https://politicalstreet.org الشارع السياسي موقع يهتم بأخبار السياسة في العالم العربي Fri, 25 Nov 2022 08:13:36 +0000 ar hourly 1 https://politicalstreet.org/wp-content/uploads/2021/05/cropped-logo-32x32.jpg مصر – الشارع السياسي https://politicalstreet.org 32 32 لماذا فشلت الدعوة للاحتجاج في 11 نوفمبر؟ محاولة للفهم والتقييم!! https://politicalstreet.org/5606/?utm_source=rss&utm_medium=rss&utm_campaign=%25d9%2584%25d9%2585%25d8%25a7%25d8%25b0%25d8%25a7-%25d9%2581%25d8%25b4%25d9%2584%25d8%25aa-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25af%25d8%25b9%25d9%2588%25d8%25a9-%25d9%2584%25d9%2584%25d8%25a7%25d8%25ad%25d8%25aa%25d8%25ac%25d8%25a7%25d8%25ac-%25d9%2581%25d9%258a-11-%25d9%2586%25d9%2588%25d9%2581%25d9%2585%25d8%25a8%25d8%25b1%25d8%259f https://politicalstreet.org/5606/#respond Fri, 25 Nov 2022 08:13:36 +0000 https://politicalstreet.org/?p=5606 لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يدعوا فيها نشطاء بالخارج المجتمع المصري إلى التحرك ضد النظام الحاكم في مصر، فقد تكررت هذه الدعوات، خلال السنوات السبع الماضية، عشرات المرّات، كان من أبرزها ما عُرف بثورة الغلابة 11 نوفمبر 2016، ومظاهرات سبتمبر 2019، وسبتمبر 2020.

هذه الدعوات كان يقف خلفها عادة نشطاء سياسيون ونشطاء إعلاميون غير محسوبين على أياً من القوى السياسية التقليدية المعروفة، فهم عادة نشطاء مستقلون ترتبط اسمائهم بهذه الدعوات فقط وليس لهم سجل سياسي سابق، هذه الدعوات عادة أيضاً لا يشارك في الدعوة إليها كيانات سياسية منظمة أو حركات سياسية أو قوى وجماعات دينية أو أحزاب أو جماعات ضغط، بشكل علني أو تعلن عن تبنّيها.

هذا النمط من دعوات الاحتجاج الذي لا يقف خلفه أحزاب أو جماعات سياسية ليست خصوصية مصرية، إنما هو نمط من الاحتجاج شهد انتشاراً في السنوات الأخيرة؛ فاحتجاجات السترات الصفراء في فرنسا، واحتلوا وول ستريت في الولايات المتحدة، وصولاً للاحتجاجات التي شهدتها العراق ولبنان، كلها احتجاجات شارك فيها المحتجون باعتبارهم أفراداً، دون وجود قوى سياسية كبيرة دعت لها، أو شاركت في تنظيمها، بل ويمكن القول أن الاحتجاجات التي شهدتها السودان وأسفرت عن سقوط نظام البشير تنتمي لذات النمط، وأن قوى إعلان الحرية والتغيير تشكلت في قلب الحراك ولم يكن وجودها سابقاً عليه.

الخصوصية المصرية تكمن في أن الداعين للتحرك ضد النظام في مصر، خلال السنوات الماضية، ليسوا مقيمين في القاهرة، إنما في خارج البلاد، ويسعون لتحريك الجماهير من المنفى.

اعتمدت الجهات التي تقف وراء الدعوة للخروج في 11-11 على مواقع التواصل الاجتماعي حصراً في الترويج لدعوتها، وشهدت الحملة تفاعلاً واسعاً على «فيسبوك» و «تويتر» و «أنستغرام» وغيرها، حيث تداول النشطاء دعوات النزول إلى الشارع من أجل الاحتجاج، وسرعان ما تصدرت اهتمام المصريين وأصبحت في صدارة الوسوم المستخدمة على «تويتر» و«فيسبوك» وغيرهما[1].

وقد استند الداعون للاحتجاج إلى عدة متغيرات افترضوا أنها قد تزيد من احتمالات نجاحهم، منها؛ أن دعوة التظاهر في 11-11 تأتي تزامناً مع موعد عقد قمة المناخ التي تستضيفه مصر في ذات التاريخ؛ بالتالي قد يساعد ذلك على إيصال صوت المحتجين للقوى الدولية[2]، وباعتبار ذلك قد يحمي المتظاهرين من بطش الأجهزة الأمنية.

كما جاءت الدعوة في وقت شهد غلاء في الأسعار، وزيادة نسب التضخم، وانهيار سعر صرف الجنيه، وتدني شعبية النظام، وارتفاع السخط الشعبي، وانخفاض الرضا العام حتى في الأوساط الشعبية التي ساندت النظام، كل هذه المتغيرات أغرت الداعين للاحتجاج باختيار هذا التوقيت دون غيره[3].

لكن في النهاية لم يستجب الشارع لهذه الدعوات هذه المرة، بعكس المرات السابقة التي شهدت استجابات من الشارع، حتى وإن كانت استجابات محدودة. بالتالي ما سنتناوله في هذه السطور، هو:

(1) محاولة الوقوف على الأسباب التي دفعت الشارع المصري للإحجام عن الاستجابة لهذه الدعوات، رغم التردي الشديد في الاوضاع المعيشية للمواطنين، ورغم السخط الشديد الذي يستشعره الشارع تجاه الحكومة وسياساتها.

(2) كما تسلط الورقة الضوء على الجدل الذي أثير بشأن الجهات الحقيقية التي تقف وراء الدعوات للاحتجاج في 11 نوفمبر؛ فقد اعتبر مراقبون أن عدم استجابة الشارع لدعوات الاحتجاج كان نتيجة أن الداعين للاحتجاج شخصيات مجهولة لا يُعرف عنها الكثير، وليس لها تجارب سابقة في العمل السياسي، كما أثار مراقبون مسألة أن هذه الدعوات قد يكون ورائها النظام المصري نفسه، أو أطراف ما من داخل الدولة العميقة، وأن هذه الشكوك هي السبب عن احجام الشارع عن الاستجابة.

(3) كما تتناول الورقة ردود فعل القوى السياسية المعارضة على هذه الدعوات، وتحاول الوقوف على محددات مواقف قوى المعارضة من هذه الدعوات.

 

لماذا لم يستجيب الشارع لدعوات التظاهر في 11-11:

بالطبع لم يعلن الشارع المصري بنفسه عن أسباب عدم استجابته لهذه الدعوات، كما أن استطلاعات الرأي تبدو غير ممكنة في ظل إغلاق المجال العام، بالتالي الاجابات التي قدمت عن أسباب احجام الناس عن الاستجابة هو استكناه قدمه مراقبون، بالاستناد إلى خبراتهم، وإلى تجاربهم في الاحتكاك بالمجتمع المصري.

وقد أشار هؤلاء إلى عدة متغيرات قد تسلط الضوء على أسباب عدم الاستجابة لدعوات التظاهر في 11 نوفمبر، منها:

أولاً: أن “الدعوات المؤثرة في مصر تأتي عادة من قوى سياسية معروفة”؛ أما هذه الدعوات فهي نداءات تصدر من جهات “مجهولة المصدر” تستهدف “شرائح اجتماعية غير مرئية”[4]، فهي دعوات صادرة عن شخصيات، غير معروف من يقف ورائها، كما أن هذه الشخصيات لا تملك في ذاتها مصداقية في الشارع، فـ “هؤلاء الدعاة للتظاهر ليسوا قادة أحزاب أو حركات سياسية لها منتسبوها على الأرض يمكن تنظيمهم وتوجيههم، والذين يمثلون النواة الصلبة لأي مظاهرة يلتف حولها الشعب لاحقا”[5]، و”طالما لا توجد حركة وطنية قوية ومنظمة فإنه لا يمكن الحديث عن حراك جماهيري، ناهيك عن انتفاضة أو ثورة أو تغيير”[6].

ثانياً: الثورة تحتاج إلى الطليعة الثورية، والتي لو خرجت سيخرج العامة، وقد يسبقونها بمراحل في الشارع، والطليعة الثورية هذه تحتاج إلى قائد جماهيري[7]. أما هذه الدعوات فقد أطلقها نشطاء في الخارج، من وراء الكاميرات، بالتالي لن يستجيب الناس لها.

ثالثاً: مياهًا كثيرة قد جرت منذ ثورة يناير، و30 يونيو 2013، والمواطنين لن يستجيبوا بسهولة لدعوات التظاهر ما لم يكن هناك إدراك واضح ولو نسبي للبديل، أو الهدف من التظاهر من الأساس، خاصة مع عدم وجود قيادة تلك الاحتجاجات تضمن لها الاستمرار حتى تحقيق أهدافها[8]. فإن دعوات 11 نوفمبر في حقيقتها “دعوة من مجهول، لا اسم لها ولا عنوان ولا خطة ولا تصوّر، ولا كيان سياسي يقف وراءها، ولا شيء سوى الغضب من أجل الغضب[9]“.

رابعاً: هذه الدعوات محاولة لاستنساخ تجربة يناير 2011؛ فلا يزال الخطأ الأكبر في حسابات المعارضة الجذرية للنظام الحالي في مصر، هو القياس علي نموذج ثورة يناير 2011، بغض النظر عن اختلاف غالبية الظروف، غير أن الأهم في الحالة المصرية هو الحقيقة الساطعة والبسيطة، التي تقول إنه من النادر جدا أن يقوم شعب ما بثورتين في جيل واحد[10].

خامساً: هناك من أحجم عن الاستجابة للدعوة  خوفاً من “أن يكون هذا الحراك مدفوعا من بقايا نظام مبارك، بعد ظهور جمال مبارك المتكرر في مناسبات عدة واستقباله بحفاوة لا تخطئها العين، وقد تكون وراءها قيادات عسكرية من الجيش بسبب غضبها على السيسي لأسباب مختلفة، والبعض الآخر يتخوف من وقوف تيار الإسلام السياسي ممثلا في جماعة الإخوان المسلمين خلفها، فتكون الدعوات غطاء يستخدم فيه الشعب لانقلاب على انقلاب أو تمكين الإسلام السياسي مرة أخرى”[11].

سادساً: الدور الذي لعبته الأجهزة ألأمنية في إجهاض محاولات الاحتجاج، من خلال شن حملات اعتقال موسعة في عموم البلاد، مع نشر قوات أمنية، ومخبرين سريين، وتوقيف عشوائي للمارة في الشوارع، وأخيراً مراقبة شبكات التواصل ورواد مواقع السوشيال ميديا وتتبع حساباتهم وملاحقتهم والقبض على أصحاب تلك الحسابات[12].

هذا فضلاً عن “إلغاء أي فعاليات جماهيرية كانت مقررة يوم الجمعة 11-11، سواء رياضية أو فنية، مع التنبيه على الأندية ومراكز الشباب في جميع المحافظات بغلق أبوابها في السابعة مساءً”، وقرارات أخرى عممتها الحكومة المصرية على الوزارات ذات الصلة، فقد أصدر الوزير أشرف صبحي تعميماً، تم توزيعه على جميع مراكز الشباب، بإلغاء وتأجيل كل الأنشطة الرياضية المقررة في 11 نوفمبر، و قرار رابطة الأندية المصرية، الخاص بتأجيل الجولتين القادمتين من الدوري المصري الممتاز لكرة القدم، في ظل وجود مباريات كانت محددة في 11 من الشهر الحالي.

وفي هذا السياق جرى تأجيل حفل الفنان محمد منير الذي كان مقرراً في مدينة الإسكندرية مساء الخميس 10 نوفمبر الحالي، ليصبح في 2 ديسمبر المقبل. كذلك كان هناك تعليمات أمنية لمقاهي القاهرة بالغلق في 11 نوفمبر، توجيهات للمسئولين عن مراكز الدروس الخصوصية في القاهرة والجيزة، أجيل الحصص الدراسية يوم الجمعة المقبل، مع التشديد على إلغاء أي مواعيد دراسية بتلك “السناتر”، للمرحلة الثانوية[13].

 

من يقف وراء دعوات التظاهر… محاولة لفهم ما حدث:

بصورة عامة ثمة وجهتي نظر حول الجهة الحقيقية التي تقف وراء الدعوة للتظاهر في 11 نوفمبر؛ وجهة النظر الأولى: أن النشطاء المعارضين بالخارج هم بالفعل أصحاب هذه الدعوة ومطلقوها، تولدت لديهم فكرة الدعوة ومن ثم نفذوها دون توجيه أو إيعاز من جهات أخرى. فالدعوات التي يطلقها أفراد غير منتمين لكيانات سياسية معروفة، ويستجيب لها الناس، دون وجود قيادة ميدانية، ودون وجود قوى تنظيمية تؤطر الحراك، ودون مطالب واضحة، إنما فقط للتعبير عن السخط والرفض لما يجري، هي ثمة كثير من الاحتجاجات التي يشهدها العالم كله في السنوات الأخيرة، ويمكن تصنيفها ضمن نموذج اللاحركات الاجتماعية[14].

وجهة النظر الثانية: أن السلطة نفسها هي من تقف وراء الدعوة للتظاهر في 11-11؛ بحثاً عن انتصار شكلي، وللإيهام بأن المجتمع لا يزال يدعمها رغم اخفاقاتها، وأن مروجي الدعوة مجرد أبواق تم استخدمها من جانب النظام في مصر، تلقفت الدعوة وروجت لها؛ ولعل مما يدعم هذا الطرح “أن أصوات الأبواق الإعلامية في الداخل المصري أعلى من صوت المعركة، وبدا الأمر كما لو كانت “تصويتاً” لها”؛ هذا التناول الإعلامي الواسع للدعوة، أعطى للشارع المصري شعور بأن هناك من سيتحرك ضد النظام ومن ثم دفعهم للاسترخاء انتظارا لما سيحدث[15].

داخل هذا الاتجاه الذي يرى أن الدعوة للتظاهر في 11-11 هي من صنيع السلطة، ثمة مكون يرى، أن تلك الدعوات المتكررة إنما هي بالونات اختبار مخابراتية من النظام، لقياس مدى جهوزية الشارع من جهة ومصداقية المعارضة وفصيلها الأكبر من جهة أخرى. ثمة مكون ثالث يرى أن هناك “سخط بين القيادات الأمنية يتزامن مع السخط الإقليمي للداعمين الأولين للانقلاب، فاستطاع النظام أن يستوعب الأول ويلعب على التناقضات في الثاني، ومن ثم كسب الرهان، وهو ما جعل المشهد خاليا في يوم التظاهرات المحدد، وهو ما يعني أن هناك أيضا من كان يحرك المشهد”[16].

وجهة النظر الأخيرة[17]: أن النشطاء الداعين للتظاهر هم أصحاب الدعوة الأصليين، دون إيعاز أو توجيه من أحد، لكن هناك جهات داخل جهاز الدولة غير راضية عن أداء النظام، من ثم حاولت توظيف الدعوة للتظاهر في تحريك الناس ضد النظام، وفي الترويج لفكرة أن النظام يواجه انقسامات داخل النظام قد تعصف به؛ ومن ثم تم تسريب معلومات عن استقالات بجهاز المخابرات، وعن إقالات، وعن وجود مجموعات من الضباط ساخطة وتتحرك لتغيير النظام القائم.

كما أن النظام نفسه استغل الدعوة، من خلال دفع النوافذ الإعلامية الداعمة له للتخويف من الدعوة وإظهار حالة من الذعر منها، ولما لم يستجب الناس للدعوة، روج النظام لذلك باعتباره دليل على تمسك المجتمع بالنظام القائم وتأييده له ولسياساته، كما وظف ذلك للإيحاء لمعارضيه بأن الوضع مستتب وأن هناك مكون شعبي كبير يؤيد النظام، وحتى المكون المعارض لن يتحرك ضد النظام القائم.

حتى المعارضة التقليدية، رغم أنها لم تعلن تأييدها الرسمي للحراك، ولا دعت الناس للاستجابة، بل إن بعض القوى السياسية أعلنت رفضها الدعوة ودعت الشارع إلى عدم الاستجابة لها، إلا أن جزء كبير منها روجت للدعوة ورحبت بها، علها تحرك المجال السياسي الراكد في مصر. فالمعارضة اختارت أن تناءى بنفسها عن الدعوة للاحتجاج في 11 نوفمبر، وأن تراقب الوضع من بعيد فإن استجاب الناس أسرعت للحاق بالركب، وأن فشلت الدعوة لم تتحمل تبعات هذا الفشل.

 

مواقف القوى السياسية من تظاهرات 11 نوفمبر ومحدداتها:

لم يعلن أي حزب أو جماعة من المعارضة دعمه تلك الدعوات، أو تأييده نزول المواطنين استجابة لها[18].

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أندفع بعضها يعلن رفضه للدعوة ويحذر منها؛ فعلى صعيد القوى المدنية: أعلن خالد داود، المتحدث الرسمي باسم أحزاب الحركة المدنية، في بيان له، أن الدعوات للتظاهر يوم 11- 11 مشبوهة ومرفوضة، مؤكداً أن الحركة لن تنساق وراء دعوات مشبوهة للتظاهر من دون هدف واضح ومحدد[19].

كذلك أعلن رئيس الهيئة البرلمانية لـ حزب التجمع رفضه الدعوة للتظاهر في 11-11، مشيراً إلى أن “أن الشعب المصري بخبرته التاريخية لا يستجيب لما يسمى بدعوات الخارج أو معارضة الخارج عبر التاريخ”، مضيفاً أن الدعوة بلا وجهة ولا قيادة ولا وجود على الأرض يلامس مصالح وطموحات الناس؛ فلن تكون هناك استجابة لها[20].

أما كمال أبو عيطة القيادي بحزب الكرامة فقد قال أن بالنسبة له ومن يعرف “لن يخرج أحد منا قدمه خارج بيته إلا وهو يعلم ما هي الخطوة التالية، فقد خطونا خطوات عديدة في حياتنا وقد أتت بنتائج عكسية، ولن نخرج إلا حينما نعرف أن الخروج سيؤدى إلى التقدم لا التأخر”[21].

أما  السيد البدوي، رئيس حزب الوفد الأسبق، فقد اعتبر هذه الدعوات إنما هي لإحداث الفوضى، مضيفاً أن الشعب المصري أذكى منها بكثير، مؤكداً “أن  يوم 11 نوفمبر يوم طبيعي في مصر، ومش عارف ليه خدت أكبر من حجمها في الإعلام المصري”[22].

كذلك أعلنت حركة شباب 6 إبريل، عدم مشاركتها في فعاليات التظاهرات المحتملة في 11 نوفمبر، داعية في الوقت ذاته النظام المصري إلى فتح المجال العام[23].

وعلى مستوى القوى الإسلامية: فقد أعلن حزب النور السلفي استنكاره ما أسماه “الدعوات الهدامة التي تستهدف النزول في مظاهرات يوم 11/11 للاحتجاج على سوء الوضع الاقتصادي الذي تعاني منه أكثرُ دول العالم الآن في الحقيقة”، مضيفاً أنه لا ينكر وجود بعض السلبيات “إلا إن علاجها يكون بالعمل على الإصلاح وتوجيه النصح والتعاون بين كافة طبقات المجتمع وقيام الجميع بدوره وتحمله المسؤوليةَ تجاه هذه السلبيات”، منوهاً إلى “أن كثيرًا ممن يقفون خلف هذه الدعاوى التي يتاجرون فيها بآلام الناس هم أنفسهم من كانوا في يوم من الأيام يسعون لصنع الأزمات التي تضر المجتمع وتعرقل مسيرته ليثور على النظام”[24].

واختار باقي القوى الإسلامي الصمت حيال الدعوة، دون رفضها والتشكيك فيها، ودون تأييدها والانخراط فيها.

 

الخاتمة:

من أبرز الملاحظات التي يمكن الخروج بها من الدعوة للتظاهر في 11 نوفمبر؛ أن أية تحرك ثوري حقيقي أحدث تغييراً يستلزم دعم واسع من المجتمع، وفي الوقت ذاته يصعب الحديث عن حراك ناجح بدون قوى سياسية حقيقية وإطار تنظيم يحمي أي حراك من الفوضى. بالتالي فإن معادلة التغيير تستلزم وجود عنصرين؛ الأول: أطر تنظيمية وقوى سياسية وفواعل منظمة تحمي الحراك وتوجهه وتهندسه من الداخل. الثاني: دعم شعبي واسع، حاضنة شعبية تغذي الحراك وتضمن استمراره رغم الضربات الأمنية ومحاولات الحصار والإجهاض المتوقعة.

في الوقت ذاته، لا يمكن القول أن هذه الدعوات للاحتجاج ضد النظام القائم والتي يطلقها نشطاء منفيون أنها بلا قيمة؛ فهي أشبه بإلقاء الأحجار في المياه الراكدة، أمام عجز القوى السياسية المنظّمة سواء كانت أحزابا أو جماعات أو حركات عن الفعل السياسي.

كذلك فهي تنتج حالة من الحراك السياسي، وتعزز روح الرفض والمعارضة للسياسات القائمة والمنظومة الحاكمة.

كما أن هذه الدعوات تحمل للنظام رسائل بأن الوضع غير مستقر، وأن الأمور ليست على ما يرام، وهو ما ينال بدرجات ما من منظومة استبداده، كذلك فإن الثورات الكبرى وحركات التغيير الرئيسة الحديثة والمعاصرة بدأت بدعوات فردية، وهذه الدعوات تحرك الكبت الكامن في الصدور وتكسب مؤيدين وداعمين جدد في رحلة التحرر والنضال[25].

 

[1] القدس العربي، دعوات تتصاعد في مصر للثورة مجدداً و11-11 يُهيمن على شبكات التواصل، 29 أكتوبر 2022، في: https://tinyurl.com/26j4al37

[2] أسماء دياب، لماذا تفشل دعوات “الإخوان” للتظاهر في مصر؟، مركز رع للدراسات الاستراتيجية، في: 29 أكتوبر 2022، في: https://tinyurl.com/22qsnrbh

[3] ياسر عبد العزيز، “13/13/2013″، عربي 21، 13 نوفمبر 2022، في: https://tinyurl.com/2lqtjfwo

[4] الحرة، دعوات جديدة للتظاهر “ضد النظام” .. ماذا تنتظر مصر في 11-11؟، 28 أكتوبر 2022، في: https://tinyurl.com/2y85jf5h

[5] قطب العربي، دروس 11 نوفمبر في مصر، عربي 21، 13 نوفمبر 2022، في: https://tinyurl.com/2g6l6vbb

[6] عربي 21، هل تنجح دعوات النزول للشارع في نوفمبر بتحريك المصريين؟، 10 أكتوبر 2022، في: https://tinyurl.com/29z4jlq5

[7] سليم عزوز، 11/11.. مَن وراءها؟!، عربي 21، 14 نوفمبر 2022، في: https://tinyurl.com/2gfopjgj

[8] خالد داود، هي الثورة الساعة كام لو سمحت؟ دروس 11/11 وغرق أوتوبيس الدقهلية، المنصة، 15 نوفمبر 2022، في: https://tinyurl.com/29888dea

[9] محمد طلبة رضوان، 11/11 أو غيرها، العربي الجديد، 8 نوفمبر 2022، في: https://tinyurl.com/272cbqcw

[10] عبد العظيم حماد، يناير لا يأتي في نوفمبر، مصر 360، 8 نوفمبر 2022، في: https://tinyurl.com/2pho664k

[11] ماجدة محفوظ، 11/11.. حراك أم شِراك؟!، عربي 21، 8 نوفمبر 2022، في: https://tinyurl.com/2pjksl9c

[12] ماذا وراء خلو الشوارع في مصر من احتجاجات “11/11″؟، عربي 21، 12 نوفمبر 2022، في: https://tinyurl.com/2prxq5ns

[13] العربي الجديد، استنفار أمني في مصر يسبق 11/11، 9 نوفمبر 2022، في: https://tinyurl.com/2jtlc74a

[14] يقصد بمفهوم اللاحركات الاجتماعية الأنشطة الجماعية التي يقوم بها فاعلون غير جمعيين  non-collective actors .  ويمكن تحديد أربع سمات رئيسية لها. تتمثل السمة الأولي في أنها عبارة عن ممارسات يشترك في القيام بها أعداد كبيرة من البشر العاديين دون اتفاق فيما بينهم. وتتعلق السمة الثانية بأنه ينتج عن تشابه ممارساتهم تغيير اجتماعيا ما. وتنصرف السمة الثالثة إلى أنه نادرا ما يتحكم في أنشطتهم أيديولوجية معينة. وتتعلق السمة الرابعة بأنه عادة لا تكون هناك قيادات أو منظمات معروفة، فهؤلاء الفاعلون يعملون بصورة تلقائية، ويبدأ تحركهم برد فعل فردي يتسم بالعفوية في تعاطيه مع متغيرات الواقع. أنظر: رضوى عمار، الزاحفون:|نموذج “اللاحركات الاجتماعية” في تحليل سياسات الشارع، السياسة الدولية، 2 مايو 2012، في: https://tinyurl.com/2lrzjg9o

[15] سليم عزوز، 11/11.. مَن وراءها؟!، عربي 21، مرجع سابق.

[16] ياسر عبد العزيز، “13/13/2013″، عربي 21، مرجع سابق.

[17] عربي 21، هل تنجح دعوات النزول للشارع في نوفمبر بتحريك المصريين؟، 10 أكتوبر 2022، في: https://tinyurl.com/29z4jlq5

[18] العربي الجديد، من وراء دعوات التظاهر في مصر؟، 24 أكتوبر 2022، في: https://tinyurl.com/2jly8trt

[19] القاهرة 24، متحدث الحركة المدنية: دعوات التظاهر في 11-11 مشبوهة ومرفوضة وتحركها جماعة الإخوان، 29 أكتوبر 2022، في: https://tinyurl.com/26o7j536

[20] القاهرة 24، حزب التجمع عن دعوات 11/11: بلا وجهة ولا قيادة.. ولا تلامس مصالح وطموحات الناس، 26 أكتوبر 2022، في: https://tinyurl.com/2bkun8ax

[21] القاهرة 24، كمال أبو عيطة عن 11/11: الدعوات السياسية يجب أن تصدر من سياسيين وليس مقاولين أو هاربين، 26 أكتوبر 2022، في: https://tinyurl.com/23wdp9pr

[22] القاهرة 24، السيد البدوي: دعوات 11 نوفمبر لإحداث الفوضى.. والشعب المصري أذكى منها، 28 أكتوبر 2022، في: https://tinyurl.com/27bev9l9

[23] الخليج الجديد، مصر.. حركة 6 أبريل تعلن عدم مشاركتها بمظاهرات 11 نوفمبر، 5 نوفمبر 2022، في: https://tinyurl.com/2ey44xpm

[24] القاهرة 24، نصحًا للأمة والمجتمع.. حزب النور يستنكر دعوات التظاهر 11/11، 30 أكتوبر 2022، في: https://tinyurl.com/2caefoed

[25] عصام عبدالشافي، حدود فاعلية الدعوات الفردية إلى التظاهر في مصر، العربي الجديد، 20 أكتوبر 2022، في: https://tinyurl.com/22logd6k

]]>
https://politicalstreet.org/5606/feed/ 0
مستقبل العلاقات المصرية التركية بعد لقاء السيسي وأردوغان https://politicalstreet.org/5601/?utm_source=rss&utm_medium=rss&utm_campaign=%25d9%2585%25d8%25b3%25d8%25aa%25d9%2582%25d8%25a8%25d9%2584-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25b9%25d9%2584%25d8%25a7%25d9%2582%25d8%25a7%25d8%25aa-%25d8%25a7%25d9%2584%25d9%2585%25d8%25b5%25d8%25b1%25d9%258a%25d8%25a9-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25aa%25d8%25b1%25d9%2583%25d9%258a%25d8%25a9-%25d8%25a8%25d8%25b9%25d8%25af-%25d9%2584 https://politicalstreet.org/5601/#respond Thu, 24 Nov 2022 11:46:48 +0000 https://politicalstreet.org/?p=5601 تحمل المصافحة التي جرت بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والجنرال  عبدالفتاح السيسي على هامش حفل افتتاح كأس العالم (قطر 2022) يوم الأحد 20 نوفمبر 2022 بالعاصمة الدوحة ثم اللقاء الثنائي الذي عقده الطرفان على هامش الاحتفال رسائل ودلالات مهمة بشأن مستقبل العلاقات الثنائية بين البلدين في ظل ثبات المحادثات الثنائية عند مستوى معين منذ بدئها في الشهور الأولى من سنة 2021م؛ فقد حققت هذه المباحثات اختراقا نسبيا في ملف تهميش المعارضة المصرية والفضائيات التابعة لها التي كانت تبث من أنقرة، بينما فشلت هذه المباحثات في تحقيق أي اختراق في ملفات أخرى أكثر أهمية وحساسية للطرفين أو لأحدهما كملف الغاز شرق المتوسط بالنسبة لأنقرة، والملف الليبي بالنسبة للقاهرة.

كيف نقرأ هذه المصافحة بين الرجلين؟ وما مستقبل العلاقات الثنائية بين البلدين بعد تلك المصافحة؟  وهل يمكن أن تصل إلى مرحلة التطبيع الكامل؟ وما مستقبل المعارضة المصرية في تركيا؟

الملاحظة الأولى والمهمة على هذه المصافحة أنه من الخطأ اعتبارها فجائية جاءت مصادفة على هامش احتفال رياضي كبير؛ فالصورة التي جرى تناقلها عبر وسائل الإعلام للسيسي وأردوغان  وكلاهما يمسك بيدي الآخر مصحوبة بابتسامة خفيفة، يتوسطهما الأمير القطري  تميم بن حمد تعلوه ابتسامة كبيرة؛ إنما تؤكد على أن اللقاء جرى الترتيب له عبر وساطة قطرية في ظل العلاقات الوثيقة التي تربط الدوحة بأنقرة من جهة، وتحسن علاقاتها بالقاهرة مؤخرا في ظل احتياج السيسي للدعم القطري ماليا واقتصاديا والذي أسفر عن زيارتين متبادلتين لكل من تميم للقاهرة في يونيو 2022، والسيسي للدوحة في سبتمبر، والدعم المالي القطري للقاهرة بنحو أربعة مليارات دولار خلال الشهور الماضية من سنة 2022، وتعهدها بضح استثمارات  في القاهرة قد تصل إلى نحو عشرة مليارات دولار أخرى.

الملاحظة الثانية، أن تلك المصافحة وهذا اللقاء يكتسب أهمية كبرى لأنه يأتي في أعقاب أسابيع قليلة من إعلان القاهرة  تعثر المباحثات مع أنقرة حول إعادة تطبيع العلاقات بسبب تجدد الخلافات بين البلدين حول الملف الليبي وشرق المتوسط. وكان وزير الخارجية سامح شكري، قد أعلن في نهاية أكتوبر/تشرين الأول (2022)، عن توقف الجلسات الاستكشافية المشتركة بين بلاده وتركيا بعد انعقاد جولتين منها، بحجة أنه “لم يطرأ تغيير على ممارسات الجانب التركي في ليبيا”.

وهو الموقف الذي جاء ردا من القاهرة على توقيع أنقرة وطرابلس (ليبيا) على اتفاق للتعاون في التنقيب عن الغاز والنفط في حدود مناطق اتفاق ترسيم الحدود البحرية الموقع بين البلدين، والذي يتعارض ويتداخل مع مناطق اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين مصر واليونان، وهو ما دفع البلدين (مصر واليونان) لإعلان رفض الاتفاق والتلويح بإجراءات لمنع أي تحركات تركية في المناطق المتنازع عليها، وإلى جانب عوائق مختلفة تتعلق بالتنافس الإقليمي والخلاف الجوهري المتعلق بجماعة الإخوان المسلمين ودعم المعارضة المصرية وقنوات المعارضة في تركيا وغيرها، كان ملف ليبيا وشرق المتوسط أحد أبرز الملفات الخلافية بين البلدين، إذ تدعم تركيا حكومة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، بينما لا تزال القاهرة تدعم برلمان طبرق والحكومات المنبثقة عنه ومعسكر الجنرال خليفة حفتر، علاوة على اصطفاف القاهرة إلى جانب اليونان في حسابات شرق المتوسط التي تعتبر حالياً بمثابة القضية الاستراتيجية الأولى لتركيا.[[1]]

وبالتالي فتلك المصافحة قد تفتح الباب إلى إمكانية عودة قريبة للمباحثات الثنائية التي توقفت والتي كان يتوقع أن تتطور لمباحثات دبلوماسية رفيعة ولقاء على مستوى وزراء الخارجية يمهد لعقد لقاء بين أردوغان والسيسي.

ويبدو أن السيسي أراد الانقلاب على هذا السيناريو والبدء بلقاء قمة مع أردوغان أولا قبل الشروع في التوافق على أي ملفات أخرى؛ لأن ذلك من شأنه أن يمثل إقرار بالسيسي ونظامه من أكبر زعيم عارض انقلابه وشكك على الدوام في شرعيته، ووجه لها انتقادات حادة على مدار السنوات الماضية.

الملاحظة الثالثة، أن المصالح هي التي تدفع جميع الأطراف إلى التلاقي رغم مرارة الأحقاد والضغائن والحروب الإعلامية والسياسية بين هذه الأطراف المختلفة؛  فالسيسي يحتاج إلى قطر ودعمها المالي واستثماراتها الاقتصادية في ظل حاجته الماسة إلى الأموال وتراجع مساعدات الحلفاء في الرياض وأبو ظبي عما كانت عليه من قبل، وقد دعمته الدوحة فعلا بنحو أربعة مليارات دولار كودائع في البنك المركزي المصري بخلاف تعهدها بضخ نحو عشرة مليارات أخرى كاستثمارات في عدد من الملفات والقطاعات المختلفة.

وقطر تحتاج إلى تركيا؛ فهي الدولة الوحيدة التي دعمت الدوحة بشكل مباشر وصريح ضد احتمالات الغزو السعودي الإماراتي المدعوم مصريا في منتصف 2017م،

ومدت النظام القطري بفرق عسكرية تركية  وأسلحة حديثة لحماية النظام ضد أي عدوان أو غزو محتمل، وأمير قطر لا ينسى أبدا هذا الموقف التركي النبيل والشجاع، وتقلبات السياسة وتحولاتها الدائمة تدفع قطر إلى ضرورة الحفاظ على هذا التحالف مع تركيا. أما أنقرة فتحتاج إلى القاهرة خاصة في ملف غاز شرق المتوسط؛ ولا تريد أنقرة من القاهرة سوى التوقيع على اتفاق ترسيم الحدود البحرية بما يضمن حقوق الدولتين في ثروات غاز المتوسط وحمايتها من الأطماع اليونانية والقبرصية والإسرائيلية، وقد صرح الرئيس أردوغان بذلك بشكل واضح.

 

مضامين التصريحات الرسمية

تذهب أغلب التقديرات إلى أن تلك المصافحة قد تمثل انفراجة في العلاقات الثنائية بين البلدين، وقد تذيب الجليد المتراكم الذي لم تذوبه اللقاءات الثنائية بين قيادات رفيعة بجهازي المخابرات في البلدين  منذ بداية التقارب في ديسمبر 2020م، ثم في الشهور الأولى من سنة 2021م. يبرهن على ذلك ردود الفعل على المستوى الرسمي والإعلامي في كلا البلدين.

فالجانب التركي كان سباقا في تسريب صورة المصافحة لكل وسائل الإعلام، كما أن الرئيس التركي أدلى بتصريحات حول لقائه بالسيسي يوضح فيها أن «هذه المقابلة لم تكن مقابلة قادة، بل كانت خطوة من أجل تطبيع العلاقات، ونريد أن ننقل هذه العملية إلى مستويات أعلى، بدءًا من لقاءات الوزراء ومن ثم إلى لقاءات المسؤولين في المستويات الأعلى».

ثم يحدد هدف بلاده من تحسين العلاقات مع القاهرة رغم  توترها على مدار السنوات الماضية منذ انقلاب السيسي على الرئيس محمد مرسي في يوليو 2013م، مضيفا «كل ما نريده منهم (من نظام السيسي) هو أن نقيم السلام من خلال هذه اللقاءات ضد من يقفون ضدنا في البحر الأبيض المتوسط»، وراح يبرر هذه الخطوة من زاوية أخرى. مشيرا إلى أن «الوحدة التي كانت بين شعبنا والشعب المصري في الماضي مهمة جدًا لنا، لماذا لا نبدأ من جديد؟ حاولنا في لقائنا هذا إعطاء إشارة لانطلاق هذه العملية». [[2]]

على الجانب الآخر اكتفت القاهرة ببيان صادر عن الرئاسة تؤكد فيه أن «المصافحة بين السيسي وأردوغان  تؤكد على عمق العلاقة بين البلدين. وأنه تم التوافق خلال هذا اللقاء على أن تكون هذه بداية لتطوير العلاقات الثنائية بين الطرفين».[[3]]

وبتحليل مضامين ردود أفعال أعلى مؤسستين في كلا البلدين، نجد أن ردود الفعل في القاهرة كانت مرحبة ومتحفظة في ذات الوقت؛ على عكس الموقف التركي المندفع نحو  التطبيع بكل سرعة وإصرار؛ والدليل على ذلك السبق في تسريب صورة المصافحة من جانب تركيا، واستخدام الرئيس التركي عبارات موحية بذلك التوجه مثل (التطبيع ــ  ننقل هذه العملية إلى مستويات أعلى)، وهي التصريحات التي أطلقها أردغان في الطائرة أثناء عودته من قطر، كما حدد بكل وضوح هدف بلاده من هذا التطبيع المرتقب (كل ما نريده منهم هو أن نقيم السلام من خلال هذه اللقاءات ضد من يقفون ضدنا في البحر الأبيض المتوسط).

علاوة على ذلك، على عكس أردوغان الذي أدلى بنفسه بالتصريحات الكاشفة عن اندفاع بلاده نحو التطبيع مع نظام الدكتاتور السيسي، اكتفت القاهرة ببيان صادر عن الرئاسة تضمن عبارات الترحيب المتحفظة مثل: (عمق العلاقة بين البلدين ــ المصافحة بداية تطوير العلاقات)؛ فأنقرة تتحدث عن تطبيع العلاقات والقاهرة تتحدث عن تطويرها. وكلمة التطبيع لها مدلول سيئ في العقلية الشعبية المصرية والعربية؛ لارتباطها بهرولة النظم العربية نحو التطبيع مع الكيان الصهيوني؛ فهي كلمة توحي بالانفتاح الكامل وبلا حدود أو قيود مع الطرف الآخر، أما التطوير فتعني مجرد تحسين العلاقات عما هي عليه.

مصافحة أردوغان للسيسي مهدت لها تصريحات للرئيس التركي  في يوليو 2022، حين قال إن تطبيع العلاقات مع مصر قد يأخذ دفعة، وأنه لا يوجد ما يمنع ارتقاء اللقاءات إلى المستوى الرفيع، مشيراً إلى أنه يتعين على كل من البلدين تجنب إصدار بيانات “تؤذي الآخر”.

ما يبرهن على تحفظ القاهرة وعدم اندفاعها رغم رغبتها في تطوير هذه العلاقات أنه بالرغم من أن هذه المصافحة تعتبر حدثا فارقا وغير مسبوق ولم يكن متوقعا قبل سنوات في ظل الانتقادات التركية المتواصلة ضد السيسي وانقلابه العسكري وجرائمه ضد الإنسانية، إلا أن القاهرة الرسمية وآلتها الإعلامية تعتبر هذه المصافحة انتصارا للسيسي والتحالف العربي  (السعودي المصري الإماراتي)، ورغم ذلك، لم يمنع هذا وزارة الخارجية بحكومة السيسي من استنكار الحملة العسكرية التركية ضد عناصر حزب العمال الكردستاني في شمالي سوريا والعراق؛ حيث أعربت الوزارة عن قلها الشديد مما وصفته بـ”الاعتداءات المتكررة على سورية والعراق”. وقال السفير أحمد أبو زيد، المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية.

في بيان مقتضب إن بلاده “تتابع بقلق شديد ما تشهده الدولتان العربيتان الشقيقتان العراق وسورية على مدار الأيام الماضية من اعتداءات من جانب إيران وتركيا تنتهك سيادة كل دولة على أراضيها”. وأضاف المتحدث باسم وزارة الخارجية، أن “مصر وهي تتابع التطورات باهتمام على مدار الساعة، تطالب بخفض التصعيد حقناً للدماء، ولتجنيب المنطقة المزيد من عوامل عدم الاستقرار”.[[4]]

 

مستقبل العلاقة بين البلدين

لا يكاد يختلف خبيران أو محللان سياسيان على أن هذه المصافحة بين الرجلين سوف تفتح  الأبواب الموصدة، وأن العلاقات الثنائية بين البلدين ستشهد مرحلة جديدة من الانفتاح والتوافق على كافة القضايا والملفات بما يضمن مصالح الطرفين؛ وبحسب الإعلامي التركي فى قناة Haber Türk محمد عاكف إرصوي، فقد تم الاتفاق على عقد قمة ثلاثية فى الأيام المقبلة بين (أردوغان- السيسي- تميم بن حمد) فى العاصمة القطرية الدوحة.

مع الإدراك الكامل أن  تقارب القاهرة وأنقرة يعني بشكل مباشر تباعد مصر عن اليونان وقبرص والإمارات. وتوقيع مصر على اتفاقية ترسيم للحدود البحرية مع تركيا سيمثل براجماتية عالية من جانب الطرفين وقد يحفظ  حقوق مصر المائية فى المتوسط، كما يمكن أن يعزز من مكانة مصر الإقليمية، ويجعل منها لاعباً أساسياً فى المنطقة.

أولا، على المستوى الاقتصادي، فإن هذه العلاقات  لم تتوقف حتى خلال السنوات التي شهدت توترا كبيرا بين البلدين؛ لكن هذه العلاقات شهدت قفزة  ملموسة منذ سنة 2020م؛ فقد أقدمت تركيا على سلسلة من الخطوات للتقارب مع مصر، من بينها زيادة قيمة الصادرات، لتبلغ عام 2021 نحو 4.5 مليار دولار، بزيادة 44.2%، مقارنةً بـ2020، في حين بلغت قيمة وارداتها من مصر 2.2 مليار دولار بزيادة 28.4%،[[5]]

لكن تلك المؤشرات الإيجابية لا تنفي وجود قضايا شائكة في العلاقة بين البلدين يحتاج حسمها إلى مشاورات معمقة وصريحة ووفق التزامات محددة، لذلك فإن الطريق لا يزال طويلاً للحديث عن استعادة العلاقات المصرية – التركية لكامل طبيعتها، فالأمر يمكن أن يعتبر خطوة لاستعادة الحوار؛ لأن هناك خلافات كثيرة وعميقة في رؤية البلدين لقضايا بالغة الأهمية، منها الوضع في ليبيا وأمن  ثروات المتوسط، بالإضافة إلي ملف المعارضة المصرية والعلاقات المصرية مع نظام الأسد في سوريا.

ثانيا، في ملف شرق المتوسط، اللقاء قد يشكل خطوة كبيرة على طريق استعادة العلاقات الكاملة بين البلدين، وحلّ الخلافات في وجهات النظر بين الطرفين، عبر المحادثات المباشرة”؛ فتركيا تأمل في أن تلعب مصر دورا محوريا في هذا الملف؛ لأن اليونان وقبرص تستقويان ضد تركيا بالعلاقات مع مصر؛ وتستهدف تركيا على الأقل تحييد الموقف المصري مبدئيا ثم التوصل إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية بما يضمن مصالح البلدين.

وكان للقاهرة موقف إيجابي سابق حين رفضت المساس بالمصالح التركية في المتوسط، أثناء مفاوضاتها مع كل من اليونان وقبرص حول تعيين الحدود البحرية”.[[6]]

ثالثا، في الملف الليبي، ترى القاهرة أن ليبيا منطقة نفوذ لها؛ وتعتقد أن تزايد النفوذ التركي تهديد لدورها وتأثيرها الإقليمي؛ وتضغط القاهرة من أجل تحجيم النفوذ التركي، وتطالب بإجلاء القوات التركية الموجودة في ليبيا، وترى في وجود هذه القوات سببا من أسباب عدم الاستقرار؛ وهو الأمر الذي ترفضه أنقرة، وتؤكد على أن وجود قواتها في طرابلس وجود شرعي بناء على اتفاقات مع الحكومة الليبية المعترف به دوليا، وترد تركيا بأن الحماس المصري ضد القوات التركية ليس بذات القدر مع القوات الأجنبية الأخرى في ليبيا مثل الوجود الروسي والفرنسي وحتى الإماراتي بخلاف الوجود المصري ذاته ودعم القاهرة لحفتر على مدار السنوات الماضية.

وبناء على ذلك، قد يمثل لقاء السيسي وأردوغان استعداد الطرفين للتفاهم؛ لا سيما وأن أنقرة لا تعارض أساسا المصالح المصرية في ليبيا. والخلاف الوحيد بينهما كان يتعلق بدعم القاهرة للجنرال خليفة حفتر والذي يرغب في إقامة نظام عسكري دكتاتوري في ليبيا، بينما تؤيد أنقرة إقامة نظام ديمقراطي منتخب بإرادة الشعب الحرة دون إقصاء أو تهميش أحد.

في هذا الشأن هناك تقارير (صحافية) تنقل عن مصادر مطلعة أن هناك “تقارير تم إعدادها من جانب هيئة الأمن القومي (تابعة للمخابرات العامة) تؤكد على عدم جدوى التمسك بدعم معسكر الشرق الليبي في مواجهة حكومة عبد الحميد الدبيبة، المعترف بها دولياً، وأنه من الأفضل التفاهم مع المعسكر الآخر الذي تدعمه تركيا، لا سيما وأن الأخيرة ليست لديها مانع في تحقيق المصالح المصرية في ليبيا والمتمثلة في إيفاد العمالة المصرية إلى هناك ومنح الشركات المصرية عقود إعادة الإعمار”.[[7]]

رابعا، في ملف  احتضان المعارضة في كلا البلدين، وهو الملف الذي استجابت فيه أنقرة لكثير من طلبات الجانب المصري؛ فقد تم تهميش المعارضة المصرية هناك، وتم وضع قيود صارمة على الفضائيات التي كانت تناهض نظام السيسي؛ حتى أُجبرت على الرحيل والبث  من دول أخرى؛  كما ألزمت الحكومة التركية رموز المعارضة المصرية  السياسية والإعلامية وحتى النشطاء السياسيين على وقف أي هجوم على مواقع التواصل الاجتماعي على النظام العسكري في مصر.

أمام هذا التضيق التركي؛ آثر كثير من المعارضين المصريين الرحيل عن أنقرة متجهين إلى بلدان أخرى يمارسون فيها دورهم وجهادهم ضد ظلم السيسي وطغيانه على نحو أفضل، وفي وضع  أكثر أمنا وحرية؛ شاكرين للحكومة التركية إيواءهم على مدار السنوات الماضية.

ورغم ذلك فتركيا حتى اليوم لم تسلم رموز المعارضة من الساسة والإعلاميين اللاجئين بها إلى نظام السيسي, على أمل تحقيق شيء من التوازن بين المصالح المتمثلة في التقارب مع نظام السيسي، والقيم والمبادئ المتمثلة في نصرة المظلومين وضحايا الاستبداد والطغيان.

لكننا لا نعرف إلى أي مدى يمكن أن تثبت هذه المعادلة وذلك التوازن الدقيق بين القيم والمصالح أمام ضغوط أجهزة السيسي التي تطالب أنقرة على الدوام بتسليم رموز معارضة من الإخوان المسلمين على نحو خاص.

لا سيما وأن الرئيس أردوغان مندفع في تبني فلسفة المصالح، وهو اتجاه لا يمكن التنبؤ بمداه وحدوده في التنازل والرضوخ لضغوط الطرف الآخر؛ فما كان يراه أردوغان قبل سنوات يخالف هذه القيم والمبادئ فعله اليوم، وما كان يعاير به الغرب قبل سنوات في انحيازهم لطغيان السيسي رغم جرائمه الوحشية وانتهاكاته المتواصلة لحقوق الإنسان، ها هو يفعل اليوم نفس السلوك ويتبني ذات الفلسفة التي لا تضع اعتبارا للمبادئ والقيم، ثم يضع يده في يد الرجل الذي تلطخت يداه بدماء الآلاف من المؤمنين الموحدين الذين يدافعون عن الإسلام وقيمه وشرائعه وأحكامه ويدافعون أيضا وفي ذات الوقت عن الحق والعدل والحرية والاستقامة وهي ذات القيم التي يتبناها الرئيس أردوغان.

خامسا، الملف السوري، حيث تنظر القاهرة إلى الوجود التركي في شمال سوريا باعتباره وجودا غير شرعي، في ظل دعمها لنظام الأسد؛ وبالتالي فنظام السيسي يريد على الأقل التوصل إلى صيغة لا تهدد نظام الأسد من الجانب التركي.

لكن تركيا ترد بأن الحماس المصري يقتصر فقط على القوات التركية في شمال سوريا ولا يمتد هذا الحماس إلى المطالبة بخروج القوات الروسية التي تحولت إلى قوات احتلال دائم ومستقر، وكذلك الوجود الإيراني والأميركي؛ ونظام السيسي لا يطالب بخروج هذه القوات، بما يعني أن الهدف ليس تحرير سوريا من القوات الأجنبية بقدر ما هو توجه مصري نحو تقليص النفوذ التركي لحساب الوجود الروسي والإيراني الداعم للأسد.

والراجح أن القاهرة تتخذ من الملف السوري ورقة ابتزاز ومساومة من أجل تحقيق مكاسب في الملفات الأخرى الأكثر أهمية.

 

الخلاصة

من الواضح أن قطر وتركيا تتبنيان منذ فترة سياسة (صفر مشاكل) مع دول الجوار والإقليم؛ فقطر تمكنت من تصفير مشاكلها مع المملكة العربية السعودية وحتى مع الإمارات، ثم نظام السيسي في القاهرة رغم الإهانات التي تعرض لها الأمير تميم ووالده الأمير حمد ووالدته الأميرة موزة من جانب الآلة الإعلامية للنظام، وقد كان مشهد حفل افتتاح كأس العالم حيث حضر ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ونائب رئيس الإمارات الشيخ محمد آل مكتوم، والجنرال عبدالفتاح السيسي وزعماء عرب آخرون برهانا على نجاح قطر في تصفير مشاكلها مع الجيران.

نفس الأمر ينطبق على تركيا، التي خففت كثيرا من التوتر مع فرنسا والغرب، واتخذت موقفا من الغزو الروسي لأوكرانيا يجعلها لا تفقد علاقتها مع أي دولة؛ وهو الموقف الذي ترحب به روسيا والغرب في آن واحد، ولم يتبق أمام تركيا لإنجاح سياسية “صفر مشاكل” سوى التصالح مع نظام السيسي في القاهرة واليونان وقبرص باعتبارهما الخصمان اللدودان لأنقرة. وقد تنجح الوساطة القطرية في ترميم العلاقات بين القاهرة وأنقرة؛ على أمل أن تعتمد أنقرة على القاهرة لاحقا في تسوية سياسية واقتصادية بشأن ملف شرق المتوسط مع كل من اليونان وقبرص، لا سيما وأن أنقرة أعادت شيئا من الدفء لعلاقتها بالكيان الصهيوني (إسرائيل) خلال الشهور الماضية.

في هذا السياق قد تجد جماعة الإخوان المسلمين نفسها أمام مشهد معقد ومتشابك، وقد تتعرض لضغوط من جانب حلفاء تقليديين للجماعة مثل قطر وتركيا، من أجل إتمام تسوية مع نظام السيسي تضمن الاعتراف بشرعية نظامه في مقابل الإفراج عن عشرات الآلاف من قيادات وشباب الجماعة، وهامشا من الحرية بما لا يهدد نظام السيسي العسكري.

وسوف تركز المساومات التركية والقطرية للجماعة على أن هذه الصفقة تمثل أفضل خيار للجماعة وللمعتقلين الذين فقدوا أي أمل في استنشاق هواء الحرية من جديد. وعندئذ ستكون الجماعة أمام اختبار قاس وعنيف قد يكون أشد مما مر عليها منذ إنشائها؛ لأن الاعتراف بشرعية السيسي سوف يضع الجماعة أمام حراب النقد وسهامه؛ فإذا قبلت الجماعة بمثل هذه التسوية[[8]]

فلماذا لم تقبل بها في بداية الأزمة وتتجنب كل هذه الدماء والمظالم؟ ألا يمثل ذلك اعترافاً ضمنياً بأن الدماء التي سالت على مر السنوات الماضية وآلاف المعتقلين والمطاردين في سبيل إسقاط منظومة الانقلاب المستبدة، لم يكن لها قيمة حيث عادت الجماعة إلى ما كان يمكن أن تقبل به مع إعلان الانقلاب في الثالث من يوليو 2013م؟!

من جانب آخر فإن القبول بمثل هكذا تسوية قد يخلق وضعا يكون أشد سوءا على الجماعة مما هي عليه اليوم؛ وقد يفضي ذلك إلى خسارة الجماعة كثيرا من مصداقيتها وحاضنتها الشعبية، كما أنه لا الجماعة لا حتى الوسطاء المحتملون لمثل هذه التسوية لا يملكون ضمانات كافية تجبر السيسي على احترام أي عهد فقد عهدناه مخلافا لوعوده غدارا في تعهداته لا كلمة له ولا عهد وقد جربنا عدره وخيانته آلاف المرات.

لكن الأكثر خطورة في مثل هذه التسوية إذا تمت هو القبول بالطغيان و التطبيع مع الاستبداد والتعايش مع الدكتاتورية؛ لتبقى مصر ترزح تحت سلطة عسكرية شمولية لعقود طويلة  قادمة.

على المستوى الداخلي التركي، فإن خطوة أردوغان قد تحظى ببعض التأييد لكنها في ذات الوقت تحظى بكثير من المعارضين حتى من داخل حزب العدالة والتنمية الحاكم؛ فخطوة أردوغان لن تقنع معارضيه بدعمه بل سوف يوظفون تقاربه مع السيسي باعتباره برهانا على خطأ سياساته سابقا وأنهم كانوا على حق عندما طالبوه بالاعتراف بشرعية انقلاب السيسي والتعامل معه.

لكن من المؤكد أن هذه الخطوة قد تقنع بعض حلفاء أردوغان وأعضاء حزبه بالتخلي عنه مع اقتراب انتخابات الرئاسة في منتصف 2023م؛ ليس بالضرورة من خلال دعم منافس له بل ربما يفضلون المقاطعة بما يهدد الرئيس التركي بخسارة عشرات وربما مئات الآلاف من مؤيديه؛ وقد يخسر الرئيس التركي عدة مئات آلاف أخرى جراء السخط الشعبي من تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية وتفشي الغلاء في كل دول العالم ومن بينها تركيا؛ وبالتالي فإن الرئيس التركي الذي نجح في الانتخابات السابقة بفارق طفيف قد يكون مهددا هذه المرة بالخسارة؛ الأمر الذي يجب أن تتحسب له المعارضة المصرية في تركيا وتعمل على إيجاد بدائل أكثر أمنا لها بعيدا عن تركيا التي باتت تتبنى فلسفة المصالح.ردأر

 

 

 

———————-

[1] إسلام زعبل/“مصافحة المونديال” بين السيسي وأردوغان.. هل ستكون صافرة البدء لعودة العلاقات المصرية التركية؟/ عربي بوست ــ 23 نوفمبر 2022م

 

[2] أردوغان عن لقائه بالسيسي: خطوة أولى لإطلاق مسار جديد بين البلدين..الرئيس التركي قال: مطلبنا الوحيد من مصر أنّ تقول لمن يعادينا في المتوسط “نريد إرساء السلام في المنطقة”/ الأناضول ــ 21 نوفمبر 2022م

[3] شادى عبدالله زلطة/ الرئيس يهنئ أمير قطر بنجاح افتتاح كأس العالم.. بسام راضى: توافق مصرى ــ تركى على تطوير العلاقات الثنائية/ الأهرام ــ الثلاثاء 28 من ربيع الثاني 1444 هــ 22 نوفمبر 2022 السنة 147 العدد 49659

 

[4] الخارجية المصرية: نتابع بقلق شديد الاعتداءات المتكررة على سورية والعراق/ العربي الجديد ــ الاربعاء 23 نوفمبر 2022

[5] أسامة السعيد/ إفادات من الجانبين أكدت أنها «بداية لتطوير العلاقات».. بعد مصافحة السيسي وإردوغان ما مستقبل علاقة مصر وتركيا؟/ الشرق الأوسط ــ الثلاثاء – 28 شهر ربيع الثاني 1444 هـ – 22 نوفمبر 2022 مـ رقم العدد [ 16065]

[6] انظر أيضا المصافحة بين السيسي وأردوغان، هل هي تمهيد لصفقة عنوانها الغاز في شرق المتوسط؟/ فرانس 24 ــ 21  نوفمبر 2022م

[7] مصافحة السيسي وأردوغان: انفتاح على مرحلة جديدة في العلاقات/ العربي الجديد ــ الثلاثاء 22 نوفمبر 2022

[8] (نفترض وجودها لأن النظام لم يقدم مطلقا تسوية للأزمة تتضمن التسليم بشرعيته  مقابل الإفراج عن كل المعتقلين السياسيين ورد الأموال المنهوبة وعودة الجماعة لنشاطها)

]]>
https://politicalstreet.org/5601/feed/ 0
التأثيرات الاجتماعية المحتملة لتآكل قيمة الدعم https://politicalstreet.org/5594/?utm_source=rss&utm_medium=rss&utm_campaign=%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25aa%25d8%25a3%25d8%25ab%25d9%258a%25d8%25b1%25d8%25a7%25d8%25aa-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25a7%25d8%25ac%25d8%25aa%25d9%2585%25d8%25a7%25d8%25b9%25d9%258a%25d8%25a9-%25d8%25a7%25d9%2584%25d9%2585%25d8%25ad%25d8%25aa%25d9%2585%25d9%2584%25d8%25a9-%25d9%2584%25d8%25aa%25d8%25a2%25d9%2583%25d9%2584 https://politicalstreet.org/5594/#respond Tue, 22 Nov 2022 12:19:30 +0000 https://politicalstreet.org/?p=5594 قبل اغتصاب الجنرال عبدالفتاح السيسي للسلطة بانقلاب عسكري في يوليو 2013م، كان المواطن المصري المسجل في منظومة الدعم[[1]] يحصل على دعم عيني عبارة عن (1.5 كجم زيت + 2 كجم أرز + 2 كجم سكر) في مقابل عشرة جنيهات فقط؛ حيث كان سعر عبوة الزيت (1 كجم) ثلاثة جنيهات، وسعر(1 كجم) من الأرز (1.5) جنيها، وسعر (1 كجم) من السكر جنيها وربع الجنيه.

هذا  بخلاف الخبز المدعوم؛ حين شرع وزير التموين الأسبق الدكتور باسم عودة الشهير بوزير الغلابة في تطبيق منظومة الخبز الجديدة في يناير 2013م بربط نصيب المواطن من الخبز على بطاقة التموين بما يسمى بفارق نقاط الخبز والتي تسمح للمواطن إما صرف الخبز(5 أرغفة وزن 130 جراما كل يوم) أو صرف الدقيق أو صرف سلع بديلة للخبز أو بما تبقى له من حقه في الخبز المدعوم.

وتم البدء بتطبيق المنظومة بدءا من محافظة بورسعيد لتقييمها ودراستها جيدا وتلافي ما يظهر بها من عيوب قبل تعميمها على باقي محافظات الجمهورية لاحقا؛ ولأول مرة يرى المصريون رغيف الخبز زنة (130) جراما؛ وهي الخطوة التي تضمن وصول الدعم إلى مستحقيه؛ وحققت المنظومة نجاحا كبيرا في تطبيقها ببورسعيد وقوبلت ترحيب واسع من الجماهير؛ حيث ساهمت هذه الخطوة في تقليل حجم الفساد كثيرا وضمنت للمواطن الحصول على  كثير من حقه المنهوب في منظومة الدعم من جانب مافيا الدولة العميقة.

وفي مايو 2013م، فتحت حكومة الدكتور هشام قنديل الباب أمام الفقراء والمساكين من محدودي الدخل إضافة أبنائهم إلى بطاقة التموين، وقد كان نظام مبارك قد أوقف ذلك منذ سنة 1988م لأسباب أرجعتها إلى عجز في موازنة الدولة.

كما كان استخراج بطاقة تموين قبل ثورة يناير أمرا بالغ الصعوبة وقد وضعت وزارة التموين في أغسطس 2008 شروطا تعجيزية لاستخراج بطاقة تموين لكن الرئيس محمد مرسي رفع هذه الشروط في مايو 2013، وأصبح الحصول على البطاقة التموينية مرتبطاً بدخل الفرد الذي يشترط ألّا يتجاوز 1500 جنيه للراتب الشهري و1200 جنيه للمعاش، حينها كان الحد الأدنى للأجور 1200 جنيه.

وسُهّلت الإجراءات واقتصرت على: صورة من بطاقة الرقم القومي لرب الأسرة ومفردات مرتّبه مختومة من جهة عمله أو “بحث حالة اجتماعية” من مكتب الشؤون الاجتماعية وصورة من بطاقة الرقم القومي لزوجته وصور كمبيوتر من شهادات ميلاد الأولاد ووصل غاز أو كهرباء وحوالة بريدية بقيمة 10 جنيهات. وبدأت الإجراءات الفعلية لإضافة مواليد ما بعد 2005 وحتى نهاية 2011 على البطاقات التموينية، الأمر الذي شكّل انفراجة حقيقية للمواطنين.[[2]]

لكن انقلاب الجيش في يوليو 2013م، عصف بالتجربة والمسار الديمقراطي كله؛ ولم يتمكن الرئيس مرسي وحكومته من استكمال تنفيذ برنامجه رغم العراقيل والعقبات التي وضعتها الدولة العميقة لإفشاله ثم الانقلاب عليه.

لاحقا فرض السيسي منظومة دعم جديدة بالتحول من الدعم العيني إلى النظام الخليط (العيني النقدي) في يوليو 2014م،  بتحديد قيمة نقدية ثابتة للفرد في بطاقات التموين (15 جنيها لكل فرد)، ثم تبنى في منتصف 2015 (منظومة الخبز الجديدة التي بدأها باسم عودة)؛ وهي الخطوة التي رحب بها كثيرون وقتها رغم تحذيرات كثير من الخبراء والمتخصصين من عيوب هذه المنظومة واحتمال تآكل قيمة مخصصات الدعم لاحقا بفعل التضخم والغلاء؛ لكن ضم فارق نقاط الخبز إلى بطاقات التموين وتعميم تجربة باسم عودة جعلت المواطنين يرحبون بالمنظومة لأنها حققت لهم وقتها مكاسب حيث باتوا يحصلون على كمية أكبر من السلع بسبب نقاط الخبز.

ومع إخفاق الدولة في السيطرة على ارتفاع الأسعار خلال السنوات التالية رفعت قيمة الدعم النقدي إلى 18، ثم إلى 21 جنيها، ثم إلى 50 جنيها لكل فرد بمعدل اربعة افراد فقط في كل بطاقة، وما زاد عن ذلك يحصل كل فرد على (25 جنيها فقط).

وفعلا صدقت توقعات الخبراء والمحللين؛ فقد ألحقت هذه المنظومة (منظومة الدعم النقدي للسلع) ضررا واسعا بفكرة الدعم ودور الدولة في حماية الفقراء والمساكين الذين يقدرون بعشرات الملايين، ورغم بقاء الدعم العيني في ملف الخبز إلا النظام تحايل على هذه المنظومة بتخفيض وزن الخبز مرتين الأولى في 2017 بتخفيض وزنه من 130 جراما إلى 110 جرامات، والثانية في 2020 بتخفيضه إلى 90جراما فقط؛ وبذلك فقد رغيف الخبز أكثر من 30% من قيمته ووزنه.

وبدلا من حصول المصري يوميا على 650 جراما من الخبز(5 ارغفة زنة 130جراما) بات يحصل يوميا على  450 جراما فقط (5 أرغفة زنة 90 جراما).

وفي أعقاب اتفاق السيسي مع صندوق النقد الدولي في نوفمبر 2016م؛ تآكلت قيمة الدعم بشدة؛ بفعل تراجع قيمة الجنيه إلى نصف قيمته  أمام الدولار وباقي العملات الأخرى من جهة، وارتفاع أسعار السلع الغذائية من جهة أخرى؛ حيث انخفضت قيمة الجنيه من 8 جنيهات إلى 18 جنيها في منتصف 2017م، إضافة إلى ذلك فإن مصر تستورد أكثر من 65% من غذائها من الخارج.

وفي 2022 قام نظام السيسي يتعويم الجنيه مرتين الأولى في مارس والثانية في أكتوبر؛ وتراجعت قيمة الجنيه مجددا  وانخفض خلال هذه السنة الكبيسة من 15.7 قرشا في بدايتها ليصل إلى 24.3 قرشا بمنتصف نوفمبر؛ وبذلك فقد الجنيه أكثر من 50% من قيمته مجددا؛ وهو ما ينعكس بشكل مباشر على منظومة الدعم التي تآكلت بعنف، ولم تعد تستر ملايين الفقراء والمساكين كما كانت في السابق.

وخلال هذه السنة (2022)، يواصل نظام السيسي إصراره على سحق الفقراء والمساكين بتقليص مخصصات الدعم باستمرار؛ فقد قرر وزير التموين الخميس (29 سبتمبر 2022م) برفع أسعار “8” سلع أساسية على بطاقات التموين اعتبارا من السبت غرة أكتوبر 2022م، وحسب قرار الوزارة فقد تقرر رفع أسعار زيت الطعام على بطاقات التموين المدعومة من 23 إلى 25 جنيهاً للعبوة (0.8 لتر)، والسمن الصناعي من 24 إلى 30 جنيهاً للعبوة، والعدس من 11 إلى 12 جنيهاً للكيلو، وصلصة الطعام من 4.75 إلى 6 جنيهات للعبوة.

كذلك ارتفع سعر عبوة الخل من 4.25 إلى 5 جنيهات، وعبوة الجبن (0.25 كيلو) من 7 إلى 7.5 جنيهات، وعبوة الجبن (0.50 كيلو) من 13 إلى 14 جنيهاً، ومسحوق الغسيل من 18 إلى 20 جنيهاً للعبوة، وصابون اليد من 5.5 إلى 6.5 جنيهات للقطعة، هذه هي المرة الرابعة التي تقوم فيها الحكومة برفع أسعار سلع التموين خلال هذه  السنة الكئيبة “2022”.

وكانت الحكومة قد رفعت أسعار 7 سلع تموينية على مرتين في 1 يناير و1 مارس الماضيين”2022″، كما رفعت أسعار 25 سلعة على بطاقات التموين من أصل 32 سلعة متاحة بنسب بين 5 إلى 15% في إبريل الماضي 2022م.

بهذه الزيادات الأربعة حتى الآن في سنة 2022م تكون أسعار السلع التموينية قد ارتفعت بنسبة 50% عما كانت عليه في “2021”، مع ثبات مخصصات الدعم للأفراد عند 50 جنيهاً لأول 4 أفراد مقيدين على البطاقة، و25 جنيهاً لما زاد عن ذلك.[[3]]

إزاء ذلك؛ إلى أين وصل الدعم اليوم مقارنة بما كان عليه قبل انقلاب يوليو 2013م؟ وكيف تآكلت قيمته؟ ولماذا يصر السيسي على تهميش دور الدولة في حماية الفقراء والمساكين رغم التدهور الحاد في مستويات المعيشة جراء السياسات المالية التي أرهقت البلاد وزعزعت استقرارها؟! وهل لهذه التحولات الضخمة تأثير على الوضع الاجتماعي؟ وما مدى وحجم هذا التأثير؟

 

نصيب الفرد من الدعم

حتى ندرك الفارق الضخم في تآكل قيمة الدعم اليوم في نهايات 2022 عما كانت عليه قبل انقلاب يوليو 2013؛ فإن الفرد في بطاقة التموين كان يحصل على دعم عيني عبارة عن (1.5 كجم زيت + 2 كجم أرز + 2 كجم سكر) في مقابل عشرة جنيهات فقط.

فإذا أراد أن يحصل على نفس الكمية فسوف يدفع (122 جنيها) وفقا لأسعار وزارة التموين للسلع المدعومة في نوفمبر 2022م؛ فزجاجة الزيت سعة 800م  بـ25 جنيها، والواحد كجم الأرز بـ(10.5 جنيهات)، والواحد كجم السكر بـ(10.5 جنيهات)؛ معنى ذلك أن هذا المواطن المسكين سوف يكتفي بعبوتي زيت فقط (1600 مل) بالخمسين جنيها المخصصة له.

أما الأرز والسكر فلن يحق له الحصول عليهما بأسعار الدعم وسيضطر لشرائها بالسعر الحر؛ فسعر الواحد كجم الأرز  بـ18 جنيها على الأقل ومرشح للزيادة بسبب الاحتكار. وسعر الواحد كجم السكر بنفس السعر (18 جنيها) أيضا في ظل شح المعروض.

وهكذا يتضح التآكل الضخم والهائل في منظومة الدعم النقدي؛ فالكمية التي كان يحصل عليها المواطن قبل الانقلاب بعشرة جنيهات فقط ؛ يتعين عليه الحصول عليها بنحو “122” جنيها  اليوم!! ولكي يتمكن النظام من توفير ذات كمية السلع في منظومة الدعم القديمة (1.5 كجم من الزيت + 2 كجم من الأرز + 2 كجم من السكر)؛ فإنه يتعين عليه اتخاذ ثلاثة إجراءات عاجلة:

  • الأول، السماح لكل فرد في منظومة الدعم السلعي بالحصول على ذات الكمية القديمة.
  • الثاني، زيادة مخصصات الدعم لكل فرد من خمسين جينها إلى 90 جنيها.
  • الثالث، عدم التفريق بين أفراد بطاقات الدعم إذا زادت عن أربعة أفراد؛ فيحصل الجميع على قيمة دعم متساوية؛ لأن التفريق في هذه الحالة يخالف القواعد الدستورية في ضرورة المساواة، ما دام الجميع ضمن فئة مستحقي الدعم.

وأمام هذه الحقائق والأرقام فإن مخصصات الدعم الاستثنائي التي قررتها الحكومة بمعدل 100 ج لبطاقات تموين تضم أسرة واحدة و200 ج لكل بطاقة تضم أسرتين، و300 جنيه لبطاقات تضم ثلاثة أسر، فإنها  قليلة مقارنة بقيمة تآكل الدعم ومؤقتة بمدة بتسعة شهور فقط، بدأت في سبتمبر 2022 وتنتهي في يونيو 2023، وهي من جهة ثالثة قاصرة على عدد محدود من المستحقين للدعم ولم تشمل كل المستحقين.

والأرقام المعلنة من الحكومة بهذا الشأن بأن عدد المستفيدين منها يصل إلى 34  مليونا هي أرقام مشكوك فيها لعدم وجود ما يؤكد صحتها في ظل انعدام الشفافية وغياب الرقابة الحقيقية على الحكومة.[[4]]

 

نموذج حالة

لمزيد من التوضيح لفهم أبعاد الصورة حاليا؛ يمكن ضرب نموذج حالة لأسرة مكونة من سبعة أفراد كلهم مقيدون في منظومة الدعم التمويني؛ فهذه الأسرة قبل انقلاب السيسي كانت تحصل على (14 كجم من الزيت + 14 كجم من الأرز + 14 كجم من السكر) وتدفع مقابل ذلك سبعين جنيها (70 جنيها).

فكم تدفع هذه الأسرة اليوم في نهايات سنة 2022م في مقابل الحصول على نفس الكمية؟

هذه الأسرة سوف تحصل على سلع بقيمة ما هو مخصص لها في بطاقة التموين (200 جنيها لأول أربعة أفراد + 75 جنيها للأفراد الثلاثة المتبقين بمعدل 25 جنيها لكل فرد من الثلاثة =  275 جنيها)، فكم يشتري هذا المبلغ اليوم  من سلع التموين وفق أسعار وزارة التموين في شهر نوفمبر 2022م؟

سوف تحصل هذه الأسرة على (11 عبوة زيت (800 مل) فقط) (11 عبوة × 25 جنيها سعر العبوة = 275 جنيها)! ويتعين على هذه الأسرة المسكينة أن تحصل على باقي الكمية من السلع كالتي كانت تحصل عليها قبل الانقلاب بالسعر الحر؛ وهذا يحتاج إلى توضيح وشرح مدعوم بالأرقام حتى نفهم الصورة على نحو كامل من كافة الأبعاد والزوايا.

أولا، تحصل هذه الأسرة حاليا  على 11 عبوة زيت سعة 800 مل وهي كمية تساوي نحو (8800 مل من الزيت). وللحصول على نفس الكمية السابقة من الزيت (14 عبوة سعة كجم = 14000 مل) تحتاج إلى أن تشتري بالسعر الحر 5 عبوات زيت سعة واحد ليتر، وهي تصل في المتوسط إلى نحو (40 جينها للعبوة الواحدة اليوم) بمعنى أن هذه الأسرة المسكينة سوف تدفع نحو 200 جنيه لكي تحصل على باقي كمية الزيت (14 عبوة سعة 1 ليتر).

ثانيا، لكي تحصل هذه الأسرة على 14 كجم من الأرز  فعليها أن تشتري هذه الكمية بالسعر  الحر؛ وسعر الأرز اليوم نحو 18 إلى 20 جنيها؛ وبذلك سوف تدفع الأسرة 250 جنيها.

ثالثا، لتحصل هذه الأسرة على 14 كجم من السكر بالسعر الحر أيضا؛ فيتعين عليها دفع نحو 250 جنيها أخرى؛  فسعر السكر في السوق الحر كسعر الأرز تقريبا بعدما شحت كلتا السلعتين بسبب الممارسات الاحتكارية ورغم أن مصر تحقق نحو 80% من الاكتفاء الذاتي من السلعتين!

معنى ذلك أن هذه الأسرة المسكينة لكي تحصل على نفس كمية السلع التموينية التي كانت تحصل عليها قبل انقلاب السيسي سوف تدفع نحو 700 جنيه تقريبا فوق مخصصات الدعم الخاصة بها(200 لباقي كمية الزيت + 250 جنيها مقابل 14 كجم من الأرز + 250 جنيها مقابل 14 كجم من السكر = 700 جنيه)!!

 

حقيقة أرقام الدعم في الموازنة

أولا، الأرقام تؤكد أن حجم الدعم (90 مليارا لدعم الخبز والغذاء) يمثل 2.9% فقط من حجم إنفاق الموازنة المصرية والبالغ ثلاثة تريليونات و66 مليار جنيه؛ فقد جاءت مخصصات الدعم التمويني بالموازنة الحالية (2022/2023) مماثلة إلى حد كبير لما كانت عليه في العام الماضي بزيادة 2.8 مليار جنيه، والتي تتضمن دعم الخبز، والسلع الغذائية التي يتم توزيعها على البطاقات التموينية والتي يستفيد منها 63.3 مليون مواطن، مقابل 103 ملايين هم مجمل السكان.

ثانيا، هذا الرقم المخصص لدعم الخبز والسلع التموينية (90 مليار جنيه)  يمثل نسبة 25 في المائة من مجمل مخصصات الدعم في الموازنة الجديدة والبالغ 356 مليار جنيه.

وحتى ندرك الحجم الضئيل لمخصصات الدعم فإن نمخصصات فائدة الدين الحكومي في الموازنة الجديدة 690 مليار جنيه، أي ثمانية أضعاف قيمة الدعم الغذائي (90 مليارا فقط)، في ضوء وجود ثلث السكان تحت خط الفقر حسب البيانات الرسمية الملعوب فيها، إلى جانب 965.5 مليار جنيه لأقساط الدين الحكومي خلال العام المالي الجديد، لتصل تكلفة الدين من فوائد وأقساط في عام واحد إلى تريليون و656 مليار جنيه، وهو ما يفوق جميع إيرادات الدولة المتوقعة في الموازنة والتي تصل إلى 1.55 تريليون جنيه.

ثالثا، حجم الدعم في الموازنة تم تضخيمه على نحو مضلل ومخادع؛ ذلك أنه يتضمن 127 مليار جنيه تمثل جزءا من قسط سنوي لمديونية هيئة التأمينات الاجتماعية لدى الخزانة العامة، ولهذا كان يجب أن يكون مكان القسط في الباب الثامن بالإنفاق والمتعلق بأقساط الديون على الحكومة.

كما يتضمن أيضا نوعيات عديدة غريبة من الدعم مثل دعم الصادرات والتي يحصل عليها رجال الأعمال، ودعم الإنتاج الحربي الذي تحصل عليه شركات الإنتاج الحربي، والمعونات المقدمة من مصر إلى دول حوض النيل، والمنح التي تحصل عليها الأندية الاجتماعية للعاملين في وزارات المالية والعدل والداخلية.

فقد بلغ نصيب وزارتي الداخلية والعدل من الدعم في الموازنة الجديدة 1.2 مليار جنيه، وكذلك لمباني وزارة الخارجية في الخارج وصندوق تطوير الطيران المدني، وجهازي الرياضة والشباب، إلى جانب عدد من الجهات التابعة لوزارة الثقافة على رأسها دار الأوبرا المصرية.

رابعا،يضا  بيانات أداء الشهور التسعة الأولى من العام المالي (2021-2022) تشير إلى انخفاض قيمة المنصرف على الدعم التمويني، بالمقارنة بما تم إعلانه من مستهدفات بنسبة 24 في المائة خلال تلك الشهور التسعة.

وكان الحساب الختامى للعام المالي السابق (2020-2021) قد أشار إلى انخفاض الإنفاق على إجمالي الدعم بنسبة 19 في المائة بالحساب الختامي عما تم إعلانه من مستهدفات.

وهي الظاهرة التي تكررت أيضا في العام المالي 2019-2020، بنسبة 31 في المائة لمجمل الدعم وبنسبة 10 في المائة للدعم التمويني. لكن الحساب الختامي الذي يمثل الواقع الفعلي للإنفاق، لا يجد اهتماما إعلاميا في ظل إعلام الصوت الواحد وغياب الدور الرقابي للبرلمان.[[5]]

 

التأثيرات الاجتماعية المحتملة

أولا، ارتفاع معدلات الفقر وتآكل الطبقة الوسطى، من المتوقع أن تفضي سياسات النظام بتقليص مخصصات الدعم من خلال تثبيت قيمة الدعم النقدي وتحريك الأسعار إلى أعلى باستمرار إلى تآكل قيمة الدعم؛ بما يفضي إلى زيادة أعداد الفقراء وانكشاف فئات كثيرة من الطبقة الوسطى؛ وسقوطها تحت خط الفقر.

ووفقا لآخر بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، حول معدلات الفقر في مصر، فقد تراجعت من 32.5% في 2018، إلى 29.7% في 2020، (نحو 30.6 مليون فقير)، وأرجع الجهاز ذلك إلى ما تسمى بالمشروعات القومية التي زادت معدلات التشغيل إلى جانب إجراءات الحماية الاجتماعية التي تقدمها الدولة، ومنها برامج “فرصة ومستورة وسكن كريم” وغيرها من المبادرات.

لكن هذه الأرقام تناولت الفترة من أكتوبر 2019 حتى مارس 2020؛ وبالتالي لم تتناول مطلقا تداعيات تفشي جائحة كورونا ثم تداعيات الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022، ثم قراري التعويم في مارس 2022م ثم التعويم الثاني في أكتوبر 2022؛ ومنذ ذلك الحين لم يصدر المركزي للتعبئة والإحصاء تقريرا جديدا بشأن معدلات الفقر في مصر؛ بما يعني ضمنيا أن المعدلات ارتفعت كثيرا بصورة تحرج النظام؛ فامتنع الجهاز عن إصدار بيانات جديدة بهذا الشأن.

وخلال سنة 2022 وحدها فقد الجنيه المصري أكثر من نصف قيمته بسبب التضخم والتعويم؛ وهو ما ينعكس تلقائيا على معدلات الفقر بالزيادة؛ لكن عدم الشفافية تجعل معرفة المعدلات الحقيقية للفقر في مصر أمرا عسيرا؛ رغم أن تقديرات البنك الدولي في 2019 وصلت بنسبة الفقر في مصر إلى 60%، وذلك كله قبل كورونا والغزو الروسي والتعويمين الجديدين! [[6]]

عزز من اقتراب تقديرات البنك الدولي من النسب الصحيحة للفقر، أن الجائحة قد تكفلت بانخفاض دخول نحو 91%  من القوة العاملة بمصر؛ وفقا لأحدث دراسات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في يناير 2022، حيث أوضحت الدراسة أن انتشار فيروس كورونا أثر على دخل الأفراد المشتغلين بنسبة 91.3% في حين أن 0.5% فقط زادت دخولهم بسبب الوباء.[[7]]

وكانت دراسة أعدها الجهـاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء الحكومي، صدرت في 20 يونيو 2020م، قد كشف أن (73.5%) من المصريين انخفض دخلهم، بينما أفاد حوالي “25% أن دخولهم ثابتة، وأقل من 1% أفادوا أن دخولهم ارتفعت.

وأن 26.2 % باتوا عاطلين عن العمل، و55.7% باتوا يعملون بشكل أقل من المعتاد، و18.1% باتوا يعملون بشكل متقطع.[[8]]

من جانب آخر فإن زيادة معدلات الفقر يعني  تلقائيا تآكل الطبقة الوسطى وهي الطبقة الأهم في أي مجتمع؛ فتركيبة المجتمع المصري قبل ثورة يناير 2011م، كان الأثرياء يمثلون نحو 10% بينهم من 1 إلى 2% يتمتعون بثراء فاحش، و30% فقراء، ونحو 60% كانوا يمثلون الطبقة الوسطى التي تمثل العمود الفقري في المجتمع، فهي الطبقة التي تضم غالبية الأطباء والمهندسين والمعلمين والصحافيين والتجار والمهنيين والحرفيين المهرة وهم الطبقة المثقفة في المجتمع والتي يمكن أن تنهض بالمجتمع، وهم الذين أشعلوا ثورة يناير وهي أيضا الطبقة التي يخشاها المستبدون والطغاة.

اليوم هذه الطبقة مهددة بالتآكل؛ وهناك تفسيرات ترى أن السيسي والنظام العسكري في مصر يستهدف هذه الطبقة ويريد تهميش دورها وإضعافها؛ لأن هذه الطبقة هي القادرة على القيام بأي ثورة  تستهدف النظام.

ثانيا، تزايد معدلات الجريمة، من التداعيات الناتجة عن الغلاء تزايد معدلات الجريمة؛ حيث تحتل مصر المركز الثالث عربيا والـ24 عالميا في جرائم القتل، بحسب تصنيف “ناميبو” لقياس معدلات الجرائم بين الدول.

وكشفت دراسة صادرة عن جامعة عين شمس، أن نسبة 92% من الجرائم تُرتكب بدافع العرض والشرف، فضلا عن العوامل الاقتصادية التي أصبحت من بين أبرز أسباب تضاعف معدلات القتل العائلي.[[9]]

وآخر تقارير الوزارة كان في يناير 2019م، حيث كشفت الوزارة معدلات الجريمة في البلاد وأسباب ارتفاعها، التي أرجعها إلى انتشار الأسلحة النارية، والإفراج عن عدد كبير من العناصر الإجرامية، وشيوع ظاهرة العنف الاجتماعي، والتأثيرات الناجمة عن الأعمال الفنية من الأفلام والمسلسلات، وانعكاسها على تقليد المواطنين لها، والظروف الاقتصادية والمتغيرات المحيطة بالدولة.

ويؤكد التقرير أن وراء زيادة معدل الجرائم، ظهور أنماط جديدة للجريمة، وتكوين تشكيلات عصابية جديدة من الشباب العاطلين، وسهولة تنفيذ البعض لجرائم السرقات بسبب قصور المواطنين في وسائل تأمين ممتلكاتهم، وغياب الوعي الاجتماعي والثقافي، بينما يعزو خبراء في علم النفس والاجتماع أسباب ارتفاع معدلات الجرائم مؤخرا إلى الفقر والبطالة والإدمان.[[10]]

وبحسب مؤشر الجريمة العالمي “نامبيو” سنة 2018، فإن هناك نحو 92 ألف بلطجي في مصر، كما ارتفع عدد المسجلين خطر بنسبة 55% حسب إحصائية رسمية صادرة عن وزارة الداخلية سنة 2017م.[[11]]

بينما تذهب تقديرات أخرى إلى أن عدد البلطجية في مصر وأرباب السوابق في مصر يصل إلى نحو 500 ألف بلطجي في سنة 2018م.[[12]]

ويتفق الخبراء والمحللون على أن زيادة معدلات الفقر والغلاء وتفشي البطالة سوف  تدفع بقطاعات واسعة إلى عالم الجريمة؛ بما يهدد تماسك المجتمع ويشيع الفوضى بين الناس ويضعف قبضة السلطة بشكل تدريجي على البلاد.

ثالثا،ارتفاع معدلات الانتحار، ارتفاع معدلات الفقر  وتقليص معدلات الدعم وتخل الدولة عن دورها في حماية الطبقات الفقيرة في المجتمع سوف يفضي أيضا إلى تزايد معدلات الانتحار.

وانتهى تقرير «مؤشر السعادة العالمي» لعام 2022م الصادر عن شبكة حلول التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة، والمدعوم ببيانات “جالوب” للإحصاءات، إلى أن مصر تأتي بالمركز 129 عالميا في مستوى سعادة الشعوب، ضمن قائمة احتوت على 148 دولة.

كما احتلت مصر المرتبة الأولى عربيا من ناحية معدلات الانتحار، بحسب إحصاءات منظمة الصحة العالمية، متفوقة في ذلك على دول تشهد نزاعات مسلحة وحروبا أهلية، حيث شهد عام 2019 وحده انتحار 3022 شخصا. [[13]]

وفي سبيل إخفاء معدلات الانتحار الحقيقية في مصر، لا تتعامل الحكومة بشفافية تجاه هذه الظاهرة، فلا تصدر وزارة الصحة أو الداخلية (الجهتان المنوطتان بتسجيل حالات الوفاة) إحصاءات واضحة بعدد حالات الانتحار، وأنها عادة ما تقصر دورها على نفي صحة الأرقام المتداولة عن معدلات الانتحار أو مقارنتها بمعدلات الانتحار عالميًا، لتؤكد انخفاض تلك المعدلات في مصر، الأمر الذي يدل على عدم الجدية في معالجة الظاهرة من ناحية، ويفتح الباب من ناحية أخرى أمام اجتهادات المنظمات الحقوقية ومنظمات المجتمع المدني في تقدير حالات الانتحار.

رابعا، ارتفاع معدلات الطلاق والتفكك الأسرى، وخلال السنتين الأخيرتين ارتفعت معدلات الطلاق في مصر على نحو ملحوظ؛ وأعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، ارتفاع عدد حالات الطلاق إلى 255004 حالات عام 2021 مقارنة بعام 2020، حيث كان 222036 حالة بنسبة زيادة 15%، وبلغت مساهمة المرأة في قوة العمل 15.2% من إجمالي قوة العمل فقط، كما بلغ معدل البطالة للإناث 16%.[[14]]

خامسا، تكريس الطبقية، تسببت موجات الغلاء المتتابعة في تكريس الطبقية في مصر على نحو كبير؛ وقد ساهمت السياسات النيوليبرالية التي يتبناها النظام في العصف بعشرات الملايين من المصريين تحت خط الفقر، في الوقت الذي تتمتع فيه قلة قليلة بمعظم المكاسب والعوائد الاقتصادية؛ ترتب على ذلك وجود أغلبية ساحقة من الفقراء وقلة من الأثرياء بل فاحشي الثراء.

وقد كشفت بيانات النشرة الشهرية للبنك المركزي الصادرة في بداية مارس 2022م، أن نحو 80% من ودائع البنوك مملوكة لنحو 2.5% فقط من المجتمع.

وبحسب بيانات «المركزي» فقد استحوذ القطاع العائلي (الأشخاص الطبيعين) على نحو  80% من إجمالي الودائع غير الحكومية، ما يقدر بـ4.1 تريليون جنيه (بالعملتين المحلية والأجنبية)، نهاية نوفمبر (2021).

وهو ما يؤكد تركز الادخار في شريحة معينة من المجتمع، كما يعكس ذلك تركز الثروة في يد شريحة قليلة من المصريين؛ بما يبرهن على انعدام العدالة في توزيع الثروة وتكريس سياسة اللا مساواة.[[15]]

سادسا، انتشار ظاهرة التسول، ترتب على الغلاء الفاحش وارتفاع الأسعار زيادة معدلات التسول وأعداد المتسولين مع سقوط ملايين المصريين تحت خط الفقر وعدم قدرتهم على الوفاء باحتياجاتهم الأساسية من الطعام والملبس والمأوى؛

وتقدر دراسة صادرة عن المركز القومي للبحوث الجنائية عدد المتسولين بحوالي 41 ألفا  بينما يصل عدد الأطفال الذين يتم استخدامهم في عمليات التسول حوالي “1.5” مليون طفل بحسب إحصائية كشفها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بحسب موقع “دوت مصر” التابع لجهاز المخابرات العامة سنة 2017.[[16]]

لكن “بوابة الأهرام” نشرت نتائج دراسة أخرى في يوليو 2017، أجراها قسم بحوث الجريمة، بالمركز القومي للبحوث الجنائية، عن أطفال التسول في شوارع مصر، ينزل بالرقم إلى 21 ألفاً و650 طفلاً متسولاً،[[17]]

كانت هذه الأرقام سنة 2017 و 2018، أما اليوم وفي ظل موجات الغلاء الفاحش حيث تراجعت دخول نحو 91% من المصريين بحسب الجهاز المركزي للإحصاء[[18]]

فإن مؤسسات الدولة أحجمت عن إصدار البيانات الرسمية الكاشفة عن معدلات الجريمة والتسول بتوجيهات أمنية صارمة خوفا من افتضاح الأوضاع ومدى تدهورها.

سابعا، الانفجار الاجتماعي، فتزايد معدلات الفقر والحرمان والجوع سوف تضغط على الطبقات الفقيرة التي تتزايد أعدادها بشدة؛ وفي ظل هذه الأوضاع المتدهور فإن حجم الضغوط قد تصل إلى مرحلة الانفجار وهو انفجار فجائي وتلقائي بعيدا عن الترتيبات السياسية كما جرى في الدعوة لمظاهرات 11/11/ 2022 والتي فشلت في حشد الجماهير بسبب القبضة الأمنية؛ لكن هذه القبضة لن تبقى على الدوام والضغوط كثيرة تحاصر النظام من كل جانب؛ وسقوطه حتمي حتى مع فشل الدعوة لمظاهرات 11/11.

وقد خرجت تقديرات موقف من مراكز بحث وتحليل تحذر بالفعل من انفجارات اجتماعية في الدولة الهشة كمصر وعدد من الدول العربية؛ وكان على رأس المحذرين البنك الدولي، الذي توقع اندلاع احتجاجات مشابهة لأحداث الربيع العربي بسبب التضخم وارتفاع الأسعار.[[19]]

وتؤكد صحيفة “التلجراف” البريطانية،  أن مصر ستواجه أزمة غذاء كبرى، وتنقل الصحيفة البريطانية عن البروفيسور “تيموثي لانج” الأستاذ الفخري المتخصص في سياسة الغذاء، تحذيراته مؤكدا أن «مصر صندوق بارود ينتظر الانفجار».[[20]]

ووفقا لتقديرات موقع «جيوبوليتيكال فيوتشرز»، فإن الاحتجاجات الجماهيرية تكاد تكون حتمية في مصر وشمال إفريقيا إذا ارتفت أسعار الغذاء إلى مستويات جديدة تفوق قدرة ملايين الفقراء. [[21]]

واستنادا إلى مؤلفات جاك غولدستون عالم الاجتماع السياسي الأميركي والأستاذ بجامعة جورج مايسون، فإن هناك احتمالات قوية لحدوث تمرد وانفجار اجتماعي جراء ارتفاع معدلات التضخم وارتفاع أسعار الغذاء.

بينما الحرمان النسبي قد يدفع إلى قيام الثورة وحدوث التغيير، فالشعور بعدم المساواة وانعدام الفرص -سواء في الدول الغنية أو الدول متوسطة الدخل- هو الذي يدفع باتجاه التفكير في الثورة، وذلك من أجل تغيير موازين القوى السياسية وتحقيق العدالة الاجتماعية، ويصبح الأمر أكثر إلحاحا عندما يدرك المواطنون أولا أن فقرهم ليس قدرا حتميا لأن بلادهم فقيرة ولكن نتيجة للسياسات الحكومية الفاشلة والفاسدة، وثانيا لأن هناك فئات وطبقات أخرى لا تعاني الفقر، بل تحتكر الثروات والموارد على حساب بقية المجتمع، وبكلمات أخرى، فإن فقرهم هو بفعل فاعل وليس أمرا قدَريا.[[22]]

خلاصة الأمر، تآكل مخصصات الدعم وتخلي الدولة عن دورها في حماية الطبقات  الفقير يحمل تهديدا مباشرا لاستقرار الدولة؛ ويزعزع أمنها  بشكل دائم ومستمر؛ أما أخطر التداعيات الاجتماعية فهي زيادة معدلات الفقر، وأمام الجوع يتجه الناس إما إلى الثورة والاحتجاج أو الجور على حقوق الآخرين وبالتالي تزاد معدلات الجريمة ويتفكك المجتمع في ظل انشغال الأجهزة الأمنية بأمن النظام على حساب أمن الوطن والمواطن، ومع تفشي اليأس والإحباط ترتفع معدلات الانتحار والطلاق والتفكك الأسرى والتسول، وهو ما تؤكده الأرقام الرسمية والبحوث والدراسات المتخصصة.

بينما يقف النظام عاجزا عن وضع حلول جذرية لهذا الأمراض والأزمات المزمنة، فمصر ــ تحت حكم الجيش ــ تغرق والجنرالات يتشبثون بالسلطة والمجتمع يتفكك وينهار، والتحولات الدولية تعصف بالجميع دون توقف ولن يسلم من هذه العواصف إلا الأمم والشعوب الحرة المتماسكة التي تحكمها نظم رشيدة اختارتها الشعوب فاستعدت لهذه الأوضاع الشديدة فحققت اكتفاءها من الطعام وبنت اقتصادها على أسس قوية وعادلة وصحيحة.

من جانب آخر فإن النظام يتجاهل دور الدعم في تحقيق الأمن والاستقرار الاجتماعي؛ ذلك أن الدعم إنما يحقق شيئا من العدالة المالية المفقودة داخل المجتمع، ويعتبر جدار حماية للمجتمع من الفوضى والانزلاق نحو صراع أهلي بين الفقراء المحرومين من كل شيء والأثرياء الذين يتمتعون بكل شيء.

وقد برهنت على ذلك دراسة عن سياسات الدعم الحكومي في مصر وأثرها على الاستقرار السياسي والاجتماعي، بعنوان « سياسات الدعم الحكومي في مصر وأثرها على الاستقرار السياسي والاجتماعي»، أعدها الباحثان محمد مصطفى عبدالباسط ونوير عبدالسلام، ونشرت سنة 2018م بمجلة كلية التجارة للبحوث العلمية بجامعة أسيوط.[[23]]

وكشفت الدراسة عن أثر سياسات الدعم الحكومي على حالة الاستقرار السياسي والاجتماعي، و«تبين وجود علاقة وطيدة بين الاستقرار السياسي وسياسات الدعم الحكومي، فكلما كانت سياسات الدعم أكثر انضباطاً ومناسبة للفئات المستحقة له كلما تمتع النظام السياسي بالاستقرار السياسي.

واختتمت الدراسة مؤكدة على إنه ليس من البديهي في ظل حالة من ارتفاع الأسعار أن تقوم الحكومة بوضع سياسة دعم تهدف إلى تخفيض عدد السلع المدعومة أو تقليل أعداد المستفيدين من الدعم، ففي هذه الفترة وفي ظل ارتفاع أسعار السلع الأساسية ستكون هذه السياسة أو هذا القرار عنيفا وقاتلاً لفئة عريضة من الفقراء ومحدودي الدخل، لذا يجب على متخذ القرار أن يبدأ البداية المناسبة حتى يجد صدي إيجابيا للقرار أو السياسة التي قام باتخاذها».

لكن السيسي ونظامه وأجهزته يناقضون كل هذه التحذيرات ويصر على تجويع ملايين المصريين من خلال تخفيض مخصصات الدعم؛ الأمر الذي يمكن أن يفضي إلى فوضى عارمة قد لا يتمكن النظام من احتوائها أو السيطرة عليها.

ولعل هذه المخاوف هي التي تدفع النظام نحو تشديد القبضة الأمنية من جهة، وتأجيل رفع أسعار الخبز المدعوم من جهة أخرى.

 

 

 

 

—————————-

[1] تعالج هذه الورقة منظومة الدعم السلعي على بطاقات التموين (الخبز ــ الزيت ــ الأرز ـ السكر) والتي يستفيد منها نحو 64 مليون مواطن دون غيره  من أشكال الدعم الأخرى التي جرى تحريرها  وبات المصريون يحصلون عليها بالسعر العالمي كالوقود والغاز وتعريفة الركوب في المترو والقطارات والمواصلات العامة والكهرباء والمياه.. كذلك لا تعالج الورقة صور دعم أخرى تعاني من الإهمال الجسيم حتى فقدت معناها ودورها كدعم الصحة (المستشفيات الحكومية) والتعليم (المدارس والجامعات الحكومية).

[2] انظر محمود عبد الرحمن/ الدّعم التمويني بعد 25 يناير: عقد من الحذف والإضافة/ المفكرة القانونية ــ 19 فبراير 2021م

 

[3] بعد شهر من صرف الدعم الاستثنائي..  بنسب تصل لـ26% «التموين» تعلن رفع أسعار 8 سلع تموينية/ مدى مصر ــ السبت غرة أكتوبر 2022م// حكومة مصر تسترد دعم التموين برفع أسعار 8 سلع على البطاقات/ العربي الجديد ــ 29 سبتمبر 2022

 

[4] رنا حمدي/ قيمة دعم التموين «الاستثنائي» لـ«الفرد والأسرة» خلال نوفمبر..  100 جنيها للأسرة الواحدة في قيمة الدعم الاستثنائي للتموين/ المصري اليوم ــ الجمعة  04 نوفمبر 2022م

[5] ممدوح الولي/ دعم السلع التموينية يمثل نسبة 3 في المائة من إنفاق الموازنة المصرية/ “عربي 21” ــ الأحد، 15 مايو 2022

[6] انظر: ممدوح الولي/ خط الفقر لا يكفي ساندويتشات الفول والطعمية.. كيف خلقت الحكومة المصرية “شعباً من الفقراء”؟/ عربي بوست ــ 16 مارس 2022م//طارق الشال/ هل تراجع معدل الفقر في مصر فعلاً كما تقول الحكومة؟ هذا ما يقوله الخبراء/ عربي بوست ــ 23 ديسمبر 2020م

[7] دعاء عبد اللطيف/ مصر.. انخفاض دخل 91% من العاملين بسبب تداعيات كورونا/ الجزيرة نت ــ31  يناير 2022م

[8] سمر السيد/«الإحصاء» يصدر دراسة عن آثار «كورونا» على الأسر المصرية وكيفية مواجهتها/ المال نيوز السبت 20 يونيو 2020

[9] منال الوراقي/ مصر تسجل ارتفاعا في معدلات الجريمة.. ما الذي يقف خلف تلك الزيادة؟/ بوابة الشروق ــ الأحد 15 أغسطس 2021

[10] المرجع السابق

[11] هايدي حمدي/ احتلت المرتبة الثالثة عربيًا.. سر ارتفاع معدلات الجريمة في مصر/ الدستور  السبت 0/يوليه 2019  (تابعة للمخابرات)//بسنت الشرقاوي / جرائم الأسباب «التافهة».. ما الدوافع النفسية وراء ذلك؟! / بوابة الشروق  الخميس 31 أكتوبر 2019

[12] الجريمة في مصر… أرقام مقلقة (إنفوغراف)/ “عربي “21” الخميس، 30 أغسطس 2018

[13] “تعاسة وانتحار”.. تقارير دولية توثق تزايد الاكتئاب في مصر/ “عربي 21” ــ السبت، 19 مارس 2022م// مصر الأولى عربيا في حالات الانتحار بـ2021.. ما هي الدوافع؟/ “عربي 21” ــ الثلاثاء، 04 يناير 2022م

[14] أميرة صالح/ الاحصاء : 48.5 مليون نسمة من السكان«إناث»/ المصري اليوم ــ الثلاثاء 08 مارس 2022م// حقوقيات مصريات يكشفن حقيقة وضع المرأة في عهد السيسي/ “عربي 21” ــ الثلاثاء، 08 مارس 2022

[15] أميمة إسماعيل/ ماذا يعني ارتفاع حجم الودائع البنكية 88% خلال 4 سنوات؟/مدى مصر ــ الثلاثاء غرة مارس 2022م// محمد عبدالله/ ماذا وراء القفزة في ودائع المصريين لدى البنوك؟/ الجزيرة نت ــ 07 مارس 2022م

[16] بالأرقام| 1.5 مليون «لله يا محسنين».. تسول الأطفال مسؤولية مين؟/ دوت مصر ـ الإثنين، 16 أكتوبر 2017

 

[17] إسراء أحمد عبدالفتاح/بالفيديو.. “بوابة الأهرام” تكشف بيزنس التسول بالأطفال.. إيجار “الأصم” 200 جنيه و 20 ألف قنبلة موقوتة بالشوارعبوابة الأهرام ــ  27 يوليو 2017

[18] دعاء عبد اللطيف/ مصر.. انخفاض دخل 91% من العاملين بسبب تداعيات كورونا/ الجزيرة نت ــ31  يناير 2022م

[19] احتجاجات وأعمال شغب.. البنك الدولي يحذر من “ربيع عربي” جديد/ الحرة نقلا عن رويترز ــ الخميس 10 مارس 2022م

[20] المصدر: روسيا وأوكرانيا: الجوع الشديد “يهدد” عائلات في الشرق الأوسط بسبب الأزمة بين البلدين – التلغراف/ بي بي سي عربي ــ 21 فبراير 2022

[21] جيوبوليتكال: أزمة الغذاء تهدد باشتعال موجات احتجاجية واسعة بالشرق الأوسط/ الخليج الجديد ــ  السبت 12 مارس 2022م (المصدر | أليسون فيديركا | جيوبوليتيكال فيوتشرز)

[22] خليل العناني/ هل يثور الفقراء؟!/ الجزيرة نت ــ 15 فبراير 2022م

[23] محمد، مصطفى عبدالباسط حسن (معد) ونوير، عبدالسلام (م. مشارك)/ سياسات الدعم الحكومي في مصر وأثرها على الاستقرار السياسي والاجتماعي/ مجلة كلية التجارة للبحوث العلمية بكلية التجارة جامعة أسيوط ــ سنة 2018م

]]>
https://politicalstreet.org/5594/feed/ 0
قرض صندوق النقد الدولي لمصر نوفمبر 2022 https://politicalstreet.org/5586/?utm_source=rss&utm_medium=rss&utm_campaign=%25d9%2582%25d8%25b1%25d8%25b6-%25d8%25b5%25d9%2586%25d8%25af%25d9%2588%25d9%2582-%25d8%25a7%25d9%2584%25d9%2586%25d9%2582%25d8%25af-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25af%25d9%2588%25d9%2584%25d9%258a-%25d9%2584%25d9%2585%25d8%25b5%25d8%25b1-%25d9%2586%25d9%2588%25d9%2581%25d9%2585%25d8%25a8%25d8%25b1-2022 https://politicalstreet.org/5586/#respond Mon, 21 Nov 2022 11:43:19 +0000 https://politicalstreet.org/?p=5586 بعد نحو 8 شهور، من المفاوضات والوساطات والتوسلات ومطالبة الوسطاء الاوربيين والخليجيين للضغط على صندوق النقد الدولي، توصلت بعثة الصندوقإلى ممصر مع الحكومة الدولي على اقراض مصر للمرة الرابعة في عهد السيسي، بقرض يبلغ 3 مليارات دولار، وذلك يوم الخميس 27 أكتوبر 2022، على مدى 46 شهراً، وفق ما أعلنت إيفانا هولر، رئيسة بعثة صندوق النقد الدولي إلى مصر، وذلك بعد وقت قصير من إعلان البنك المركزي المصري تحرير سعر الجنيه.

كما طلبت مصر أيضاً تمويلاً، في إطار تسهيل الاستدامة المُنشأ حديثاً، والذي يمكن أن يتيح مليار دولار لمصر، ووفق بيان الصندوق، “من المتوقع أن يُحفّز الاتفاق مع مصر حزمة تمويل تشمل حوالي 5 مليارات دولار في العام المالي 2022-2023”.

القرض الجديد تضمن  اشتراطات ضاغطة على المجتمع المصري ، حاول نظام السيسي التخلص منها، أو عدم الالتزام بها، وهو ما خفض قيمة القرض إلى 3 مليارات دولار فقط، فيما كانت تطالب مصر نحو 20 مليار دولار..

ومثل اقتصاد الجيش العقبة الكؤود أمام الاتفاق، حيث كان الصندوق يطالب بتقليص اقتصاد الجيش، عبر بيع شركاته وأصوله الاقتصادية..

الورقة التالية؛ تناقش القرض واثاره واشتراطاته وجدواه الاقتصادية في حلحلة الأزمة الاقتصادية التي تعايشها مصر…

 

أولا-سياق اقتصادي مأزوم :

1-انهيار اقتصادي غير مسبوق:

دخلت مصر مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي للحصول على حزمة دعم مالي، في مارس 2022، بعد فترة وجيزة من بدء الأزمة الأوكرانية الروسية، التي زادت من اضطراب مواردها المالية غير المستقرة بالفعل، ودفعت المستثمرين الأجانب إلى سحب ما يقرب من 20 مليار دولار من أسواق الخزانة المصرية في غضون أسابيع.

وهو ما حاولت مصر معالجته، عبر الحصول على قرض صندوق النقد الدولي، والذي قد يساعد البلاد التي تعاني من ضغوط اقتصادية، على تجنّب التخلف عن سداد الديون وكانت بيانات البنك المركزي قد أظهرت أنَّ نقص النقد الأجنبي أدى إلى انخفاض حاد في الواردات غير النفطية، التي تراجعت بنسبة 20% في الربع من أبريل إلى يونيو.

أدى ذلك إلى نقص في المدخلات لكل من المصانع وتجار التجزئة، وتراكم البضائع والسلع، وضمن ذلك القمح، في الموانئ. وشددت البنوك قيود السحب بالدولار من الحسابات المصرفية من الجنيه المصري وشهدت الأسعار ارتفاعاً منذ مارس 2022، ما زاد من الضغوط الاقتصادية على المصريين، رغم قول الحكومة إنها كثفت جهودها لمكافحة الغلاء.

2-انفاق بذخي واهدار أموال مصر في مشاريع بلا جدوى اقتصادية:

مؤخرا، اعترف السيسي بفشل مشروع مدينة الأثاث في دمياط، خلال حديثه بالمؤتمر الاقتصادي ورغم ذلك، عبرت تصريحاته عن  اصرار غريب في عدم اعتماد دراسات الجدوى على مشاريعه، متباهيا بأنه لو اتبع دراسات الجدوى ما أنجز 30% مما أنجزه!! وتكلفت مدينة الاثاث بدمياط -وفق تقارير صحفية تابعة للنظام- ما يقارب 3.6 مليار جنيه، ومن ضمن المشاريع التي تمت بلا دراسة جدوى واهدرت مليارات الجنيهات على مصر..

مشروع حفر تفريعة جديدة لقناة السويس، جمعت فيه الحكومة من المصريين نحو 64 مليار جنيه للبدء في المشروع (نحو 10 مليارات دولار وقتها)، ولم يكفِ المبلغ بسبب الرغبة في ضغط المدة لعام واحد (دون أي مبرر) فاقترضت الدولة نحو 850 مليون دولار من البنوك المحلية، بينما تحملت الميزانية العامة للدولة حوالي 7.6 مليار جنيه سنوياً، هي مقدار خدمة الدين لـ64 ملياراً جرى جمعها.

ومع أول ذكرى لافتتاحها، عقب تداول الأحاديث عن انخفاض إيرادات القناة الرئيسية، وكثرة التساؤلات عن جدوى التفريعة الجديدة، قال السيسي بحوار تلفزيوني في يونيو 2016، إن الهدف من المشروع كان “رفع الروح المعنوية للشعب المصري!” وايضا مشروع العاصمة الإدارية الجديدة، التي وصفت بكونها “ثقباً أسود” ابتلع موارد مصر عبر سنوات، دون وجود فائدة تذكر على المواطنين أو الاقتصاد، صرح المهندس خالد عباس، نائب وزير الإسكان للمشروعات القومية، والرئيس الحالي لشركة العاصمة الادارية بأن حجم الإنفاق به حتى شهر مارس 2021 بلغ من 400 مليار إلى 500 مليار جنيه وكذا مدينة العلمين الجديدة، التي كشف وزير الإسكان، العام الماضي، عن مجموعة أبراج بالمدينة، بلغت تكلفتها وحدها 38 مليار جنيه وبلغت تكلفة مشروعي المونوريل والقطار السريع -وفق تصريحات رسمية- 26 مليار دولار، أي ما يزيد على 400 مليار جنيه.

أما الطائرة الرئاسية الجديدة من طراز بوينغ (747-8) القصر الرئاسي الطائر، والملقبة بـ”ملكة السماء”، التي تعاقدت عليها حكومة السيسي، وتسببت أخبارها في صدمة للشارع المصري، بلغت تكلفتها نصف مليار دولار (9 مليارات جنيه بسعر الصرف وقتها) وهي تعتبر خامس طائرة رئاسية تشتريها مصر بزمن السيسي، ففي عام 2016 وقَّعت الحكومة المصرية عقداً مع شركة داسو الفرنسية لشراء 4 طائرات من طراز “فالكون إكس 7″ الفاخرة، الصفقة بلغت قيمتها 300 مليون يورو، أي ما يوازي قرابة 4 مليارات جنيه مصري، وتضاف جميعها إلى سرب طائرات رئاسية تملكه مصر يصل عددها إلى 24 طائرة. فضلاً عن شراء السيسي أيضاً قبل ذلك أنظمة مضادة تعمل بالأشعة تحت الحمراء لحماية طائراته الرئاسية بقيمة 104 ملايين دولار.

اضافة لصفقات شراء السلاح، التي جعلت من مصر، وفقاً لـ”معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام” (SIPRI) ثالث أكبر مستورد للسلاح بالعالم عام 2020، وأنفقت مصر عليها ما يقرب من 44 مليار دولار أمريكي (800 مليار جنيه مصري).

كما لم يقنع السيسي بما تملكه مصر من عدد 30 قصراً واستراحة رئاسية، فأضاف إليها قصراً في العاصمة الإدارية، مساحة السكن الرئاسي به (طبقاً لتقرير بموقع الجزيرة مباشر، اعتمد على صور ملتقطة بالأقمار الصناعية) تُقدر بـ50 ألف متر مربع، أي أنه 10 أضعاف مساحة البيت الأبيض، الذي تبلغ مساحته 5 آلاف متر مربع فقط.

يُضاف لها قصر رئاسي أسطوري، بمدينة العلمين الجديدة، على ساحل البحر المتوسط، ومجمع لرئاسة الجمهورية، بالغ الضخامة، يتم إنشاؤه قرب مدينة المستقبل بطريق مصر الإسماعيلية الصحراوي، كشفت عنه تقارير صحفية، رغم التكتم الرسمي بشأنه.

كما أراد السيسي تخليد اسمه ببناء مسجد أطلق عليه اسم “الفتاح العليم”، بالعاصمة الإدارية، تم افتتاحه في يناير 2019 ليُعد أكبر مساجد مصر بسعة 17 ألف مُصلٍّ.

وفور الانتهاء منه، تم البدء في مشروع بناء مسجد مصر، الذي سيعد رابع أكبر مساجد العالم بسعة تتجاوز 100 ألف مصلٍّ ويضم أعلى مئذنتين في مصر بارتفاع 140 متراً، وبتكلفة مبدئية قدرت بـ750 مليون جنيه.

بالإضافة لبناء أكبر كاتدرائية قبطية بالشرق الأوسط، تسمى كاتدرائية “ميلاد المسيح”، على مساحة 15 فداناً وتسع أكثر من 8000 آلاف فرد، وتتواجد كذلك بالعاصمة الإدارية كما تم بناء أعلى سارية علم في العالم بارتفاع 207.8 متر ويتخطى ارتفاعها برج القاهرة، تتكون من الحديد الصلب بوزن إجمالي 1040 طناً وتكلفة تجاوزت 55 مليون جنيه ويبقى الهوس الأعظم ببناء الكباري، السمة المميزة لعصر السيسي، الذي بشر المصريين في عام 2020 ببناء 40 كوبري جديداً في القاهرة وحدها تكلفة تنفيذها  تتخطى الـ16 مليار جنيه.

بينما نشرت وزارة النقل، في بيان لها في 29 يونيو من هذا العام، إنجازات الوزارة خلال 8 سنوات، فحدثتنا عن بناء 900 كوبري ونفق جديد في مختلف محافظات مصر وغير ذلك الكثير من المشاريع، التي أهدرت الأموال وضيعت الموارد، وجمدت الثروات في كُتل أسمنتية وحديدية، مع إهمال تام لأولويات المواطن من غذاء وصحة وتعليم.

والنتيجة، تضاعفت ديون مصر 3 مرات خلال سنوات حكم السيسي، وارتفع الدين الخارجي لها ليصل إلى نحو  160 مليار دولار. وارتفعت معدلات الفقر في البلاد، وفقاً لتقارير حكومية، لتصل إلى 32.5% من عدد السكان، بنهاية العام 2018، وما زالت تواصل الارتفاع.

وهوى الجنيه المصري إلى مستوى قياسي جديد أمام الدولار، ليتجاوز -حتى الآن- سعر الدولار الواحد  أكثر من 24 جنيهاً، عقب التعويم الثاني الذي شهدته مصر لعملتها هذا العام.

ثانيا: -أهداف الحكومة المصرية من الحصول على القرض:

1-سد الفجوة الدولارية وتسهيل الحصول على قروض أخرى:

وهدفت ادارة السيسي من وراء القرض، سد الفجوة الدولارية الحالية، وأن يمنح الاقتصاد المصري الثقة الغائبة، لهدف رئيسي، وهو الحصول على قروض أخرى من دول وبنوك ومؤسسات إقليمية ودولية حيث تتعاظم الفجوة الدولارية حتى نهاية العام المالي الجاري نحو 45 مليار دولار..

2-علاج الأزمة الاقتصادية الممتدة:

وسعت الحكومة من وراء القرض لحل مشكلة هبوط سعر صرف الجنيه المصري مقابل الدولار، وتراجع الاحتياطي النقدي الأجنبي وصدمات ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة وباقي الضغوط الاقتصادية الناجمة عن الحرب الروسية الأوكرانية واضطراب سلاسل التوريد.

3- تركيز حكومي على الاقتراض من الصندوق :

ووضعت الحكومة أملاً كبيراً في هذا القرض، فعلى مدار الشهور التسعة الماضية، لم يمر يوم واحد تقريباً دون أن يخرج مسؤولو الحكومة، وبالأخص وزير المالية، للحديث عن قرض صندوق النقد الدولي، ولم يفوّت أي فرصة للحديث عن آخر مستجدات المفاوضات التي كانت جارية بين مصر والصندوق وأيضا رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، لم يبخل بالإدلاء بتصريحات عن آخر تطورات القرض، وبالطبع فإن قرض صندوق النقد الدولي كان الملف الرئيسي لكل من طارق عامر محافظ البنك المركزي السابق، وحسن عبد الله رئيسه الحالي.

وبلغت ذروة ما يمثله القرض من أهمية لمصر، التي يعاني اقتصادها من أزمة اقتصادية غير مسبوقة، عندما طالب عبد الفتاح السيسي خلال زيارته إلى ألمانيا وساطة الدول الأوروبية ودعمها للضغط على صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للتخلي عن شروط الإقراض الصعبة ففي المؤتمر الصحفي الذي أقيم في العاصمة الألمانية برلين، في 18 يوليو 2022، دعا السيسي  “أصدقاءنا في أوروبا لإيصال رسالة إلى صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، بأن الواقع الموجود في بلادنا لا يحتمل المعايير المعمول بها خلال هذه المرحلة وحتى تنتهي هذه الأزمة”.

وزاد من رهان الحكومة على الحصول عل القرض، تراجع الاحتياطيات الأجنبية، وفجوة تمويلية تتراوح ما بين 40 و45 مليار دولار للأشهر الـ12 المقبلة، مما جعل هناك صعوبة في تغطية فاتورة الواردات دفعها إلى إغلاق الاستيراد، والأهم من ذلك ارتفاع الدين الخارجي.

-تعويض هروب 20 مليار دولار من السوق المصري:

وأيضا سعت الحكومة لتعويض الضربات الاقتصادية التي قصمت ظهرها، بعد هروب 20 مليار دولار من السوق المصري، خيث باع الأجانب السندات وأذون الخزانة المصرية بأقل من سعرها، هربا من الانهيار الاقتصادي، وطلبا لمزيد من الفوائد والأرباح بعد توجهات البنك الفيدرالي الأمريكي، لرفع الفائدة على الدولار، وهو ما جذب الأموال الساخنة إلى السوق الأمريكية من الأسواق الناشئة وفي مقدمتها مصر..

ومع فشل مشاريع الاستثمارات المحلية بعد أن غابت التنافسية عن السوق المصرية التي باتت في قبضة الجيش، وهو عامل اضافي لتطفيش رأس المال من السوق المصري، فلم يجد السيسي ونظامه أي مخرج سوى الاقتراض  من الصناديق الدولية التي باتت أكثر تشددا في اشتراطاتها أمام الاقتصاد المصري المنهار..

5-تعويض الانصراف الحليجي عن اقراض مصر:

وهو الأمر الذي اشتكى منه السيسي نفسه، خلال المؤتمر الاقتصادي مصر 2022، حيث أطد رفض الكثير من دول الخليج اقراض مصر أو تمويل البنك المركوي المصري بودائع دولارية لوقف نزيف الاقتصاد، مستعيضة عن ذلك بالتوسع في شراء الأصول المصرية من شركات رابحة، وهو ما تناغمت معه الحكومة المصرية باعلان نيتها لتنفيذ خطة واسعة لبيع الأصول المصرية والتخلي عن ملكية الدولة عن قطاعات عديدة، مسستهدفة جمع 40 مليار دولار ، حتى نهاية العام المالي الحالي…

وقد توسعت الامارات في شراء العديد من أصول الدولة المصرية، خاصة في مناطق قناة السويس والقاهرة ، والسيطرة التامة على قطاعات حيوية، باتت تقلق قيادات عسكرية، كقطاع الأدوية والصحة والموانئ والأراضي في المناطق الاستراتيجية..

ثالثا-اشتراطات صندوق النقد الدولي:

1-رفع أسعار الفائدة البنكية:

وضمن اتفاقات تمهيدية للموافقة على القرض، أعلن البنك المركزي المصري، يوم الخميس 27 أكتوبر الماضي، رفع سعري عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة، وسعر العملية الرئيسية للبنك المركزي بواقع 200 نقطة أساس، ليصل إلى 13.25% و14.25% و13.75% على الترتيب، كما تم رفع سعر الائتمان والخصم بواقع 200 نقطة أساس، ليصل إلى 13.75% وجاء ذلك بعد اجتماع “استثنائي” للجنة السياسة النقدية، والتي أشارت إلى أن القرار يأتي “من أجل دعم هدف استقرار الأسعار على المدى المتوسط”.

2- تعويم الجنية:

وترافقت موافقة  صندوق النقد الدولي على اقراض مصر، مع تعويم الجنية، حيث أصدر البنك المركزي بياناً، يوم الخميس 27 أكتوبر 2022، أعلن فيه إجراءات اسماها بـ”إصلاحية لضمان استقرار الاقتصاد الكلي، وتحقيق نمو اقتصادي مستدام وشامل”، تضمنت تحرير سعر صرف الجنيه المصري مقابل العملات الأجنبية الأخرى، وذلك بناء على قوى العرض والطلب.

وقرر البنك المركزي رفع سعر الفائدة (الائتمان والخصم) بواقع 200 نقطة أساس ليصل إلى 13.75%.

وأضاف البنك المركزي أن الهدف من رفع أسعار العائد هو احتواء الضغوط التضخمية الناجمة عن جانب الطلب وارتفاع معدل نمو السيولة المحلية والتوقعات التضخمية والآثار الثانوية لصدمات العرض وتابع البنك المركزي في بيانه: أنه تحقيقاً لذلك سيعكس سعر الصرف قيمة الجنيه المصري مقابل العملات الأجنبية الأخرى، بواسطة قوى العرض والطلب، في إطار نظام سعر صرف مرن، مع إعطاء الأولوية للهدف الأساسي للبنك المركزي، والمتمثل في تحقيق استقرار الأسعار، وبالتالي سيمكن ذلك البنك المركزي المصري من العمل على تكوين والحفاظ على مستويات كافية من الاحتياطيات الأجنبية.

البيان أضاف أنه سيقوم البنك المركزي المصري بإلغاء تدريجي للتعليمات الصادرة بتاريخ 13 فبراير 2022، والخاصة باستخدام الاعتمادات المستندية في عمليات تمويل الاستيراد، حتى إتمام الإلغاء الكامل لها، في ديسمبر 2022.

ويعد ذلك بمثابة حافز لدعم النشاط الاقتصادي على المدى المتوسط، كما سيعمل البنك المركزي على بناء وتطوير سوق المشتقات المالية، بهدف تعميق سوق الصرف الأجنبي، ورفع مستويات السيولة بالعملة الأجنبية.

3-تحجيم اقتصاد المؤسسة العسكرية:

وهو الشرط الذي تعثر الاتفاق عليه، على اثر خلاف بين القيادات العسكري والرئاسة المصرية، حيث رفض الجيش التخلي عن ما اسماه “عرق الجيش”، وهو أحد أسباب طول فترة التفاوض بين الصندوق والحكومة المصرية، وأيضا قلل حجم القرض من 20 مليار دولار إلى 3 مليار دولار…

وهو م سيؤثر سلبا على حركة الاستثمارات في مصر، لما يمقله من إهدار لقيم التنافسية والشفافية في الإجراءات الاقتصادية، حيث يتم ترسية المناقصات والمشاريع للجيش عبر الأمر المباشر، واعفائه من الضرائب والرسوم بجانب تشغيل المجندين بلمجان، ما يمثل ميزة كبرى تقتل التنافسية وتصعب منافسته من قبل الشركات الخاثة..

4-تقليص الدعم الحكومي:

وكانت الحكومة المصرية قد دخلت المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، بسقف طموحات مرتفع، بشأن قيمة القرض الذي ترغب في الحصول عليه.

وذلك بطلب قرض بقيمة 20 مليار دولار، قبل أن تنخفض القيمة تدريجياً خلال جولات المفاوضات، لتصل إلى الرقم المعلن عنه خلال المؤتمر الصحفي الخميس 2 أكتوبر والمقدر بـ3 مليارات مباشرة من الصندوق والسبب وراء تراجع قيمة القرض، كان عدم قدرة الحكومة المصرية على الالتزام بمجموعة من شروط الصندوق، كانت السبب الرئيس وراء هذا التباين الكبير بين ما طلبته من بعثة الصندوق، والرقم النهائي الذي تمّت الموافقة عليه..

أحد الأسباب الرئيسية وراء قرار تحديد الصندوق لرقم الثلاثة مليارات دولار، “مرتبط بعدم قدرة الحكومة المصرية على إلغاء بعض بنود الدعم المقدم للشرائح المجتمعية الأكثر عدداً في البلاد، وعلى رأسها دعم الخبز.

وذلك على الرغم من إيمان مستويات صناعة القرار في مصر، بضرورة التحلّل تدريجياً من الدعم المقدم من الحكومة للمواطنين، إلا أنها في الوقت ذاته تتعامل مع هذا الملف بحذر شديد، خصوصاً في ظلّ الأزمة الاقتصادية الراهنة، وتصاعد دعوات الاحتجاج، وتنامي حالة الغضب الشعبي بسبب تردي الأوضاع المعيشية، وارتفاع الأسعار لمستويات مرتفعة..

وكانت بعثة الصندوق تتمسك بضرورة تقديم الحكومة المصرية تصوراً أكثر صرامة تجاه ملف دعم الخبز والمواد التموينية والطاقة فيما الطرف الحكومي، شدّد على صعوبة المساس الحاد بهذه البنود نظراً لما قد تسبّبه من أزمة سياسية أعمق، تطاول السلام المجتمعي والاستقرار السياسي…

وفي منتصف يونيو الماضي، ذكر وزير المالية المصري محمد معيط أن الموازنة الجديدة تتضمن تخصيص 356 مليار جنيه (15 مليار دولار) لباب الدعم والحماية الاجتماعية، تضمنت تخصيص 90 مليار جنيه (حوالي 4 مليارات دولار) لدعم السلع التموينية ورغيف الخبز لضمان توفرها لنحو 71 مليون مواطن، و22 مليار جنيه لبرنامج “تكافل وكرامة”، تتضمن زيادة المستفيدين من البرنامج لأربعة ملايين أسرة.

وكانت الحكومة قد نفت مؤخرا، ما تردد من أنباء بشأن عزمها إلغاء الدعم العيني للخبز وتحويله إلى دعم نقدي، تزامناً مع الأزمة الاقتصادية العالمية.

وأكدت وزارة التموين والتجارة الداخلية، استمرار الدعم العيني للخبز كما هو من دون أي تغيير في المنظومة، حيث يتم صرف الخبز المدعم للمواطنين على البطاقات التموينية بواقع 5 أرغفة يومياً لكل فرد بمعدل 150 رغيفاً للمواطن شهرياً.

رابعا:أثمان باهظة للقرض:

1-قرارات غير مجدية للحماية الاجتماعية:

عملاً بمبدأ من “المداواة قبل الصدمة”، أعلنت الحكومة في 26 أكتوبر ، عن حزمة إنفاق اجتماعي بقيمة 67 مليار جنيه، ورفع الحد الأدنى للأجور الحكومية والمعاشات، بنحو 300 جنيه؛ ليصبح 3 آلاف جنيه بدلاً من 2700 جنيه.

فوفقاً لوزير المالية محمد معيط، سيتم إقرار علاوة “غلاء معيشة” استثنائية، تُصرف بفئات مالية مقطوعة بمبلغ 300 جنيه شهرياً لكل المستويات الوظيفية، بدءاً من الدرجة السادسة وحتى الدرجة الممتازة، لجميع العاملين بوحدات الجهاز الإداري للدولة، وهذه المنحة الاستثنائية تشمل أيضاً أصحاب المعاشات، على أن يتم تطبيق تلك الزيادات بدءاً من شهر نوفمبر 2022..

كما أرجأت مصر رفع أسعار المحروقات والكهرباء، ومددت برنامجاً لدعم السلع التموينية، إلا أنه في 27 أكتوبر، استيقظ المصريون على الصدمة المنتظرة بإعلان البنك المركزي المصري تحرير سعر صرف الجنيه أمام العملات الأجنبية، أصدر قرارات أخرى تضمنت رفع سعر الفائدة 2% على الإيداع والإقراض، بهدف مواجهة الارتفاع الجنوني للتضخم الذي سيحدث بعد انخفاض قيمة العملة.

وخلال الفترة المقبلة من المتوقع اتخاذ قرارات أكثر إيلاماً للمواطنين من قبيل زيادة أسعار البنزين والكهرباء والخبز المدعم وهو ما يقوض آثار الاجراءات الحمائية الحكومية لمواجهة انفلات الأسعار والتضخم بل إن مسئولين حكوميين، صرحوا بعدد من القرارات المقوضة لسلسلة الاجراءات الحمائية، من عينة عدم شمول موظفي القطاع الخاص المقدر عددهم بنحو 30 مليون مصري بااستحقاق صرف العلاوة الاستثنائية، المقدرة بـ300 جنيها، وأيضا عدم حثول الموظفين الحكوميين على العلاوة الاستثنائية من الذين يتقاضون بدل غلاء معيشة، وهو الأمر الذي أثار مزيدا من الغموض وعدم اليقين حول قرارات الحكومة..

2- زيادات سعرية غير مسبوقة وغير منضبطة:

ومع تزايد أعبء الديون والعجز في الموازنة المصرية، تبدو الحكومة عاجزة مستقبلاً عن تقديم الدعم الكافي للمواطن في ظل ارتفاع معدلات التضخم عالمياً ومحلياً، وذلك نتيجة تسخير أغلب إيرادات الدولة وتوظيفها في مخصصات أقساط الدين وفوائده على حساب المخصصات التي تلمس المواطن بالدرجة الأولى، كالدعم والأجور والصحة والتعليم.

فوسط تداعيات التضخم العالمي التي تنعكس على الأسعار في الداخل؛ تشهد السلع في السوق المصرية ارتفاعاً ملحوظاً، فنتيجة ارتفاع أسعار الأعلاف التي تستوردها مصر، والتي بلغ سعرها محلياً 11500 جنيه للطن بعد زيادته بنحو 2500 جنيه خلال شهر واحد، ارتفعت أسعار الدواجن واللحوم بنحو 5.4% خلال شهر أبريل الماضي، ومن المتوقع أن تشهد مزيداً من الارتفاع وتحركت أسعار مئات السلع لأعلى بنحو 30 %، وخاصة السلع الغذائية والزيوت والمنظفات والأدوية وفيرها.

فيما أوقفت الكثير من الشركات عملياتها التجارية والبيع، حتى اعتماد تسعيرة جدبدة وفق اسعار الدولار المتزايدة امام الجنية، ومنها شركات الحديد والصلب والسيارات والملابس وغيرها…

3-تأثيرات أكبر وأشد من قرار التعويم المترافق مع قر 2016:

ولمعرفة إلى أي مدى سيدفع المصريون ثمن القرض الجديد، والتعويم المرن الذي أقدمت عليه الحكومة، والذي يمكن توقعه مع مطالعة النتائج السابقة التي ترافقت مع قرض العام 2016، والذي وصلت قيمته إلى 12 مليار دولار وتضمن برنامج الصندوق الذي استمر 3 سنوات.

وبدأت مصر سريعاً في تنفيذ العديد من الإجراءات الصادمة، ومنها خفض دعم الطاقة، تحديد ضريبة القيمة المضافة، وتحرير سعر صرف الجنيه المصري وتركه للعرض والطلب، ورفع سعر الفائدة بنسبة 3%.

بالإضافة إلى حزمة أخرى من القرارات ذاق المصريون مرارتها، من تخفيض قيمة الدعم على المشتقات البترولية التي تشمل وقود السيارات والمنازل.

وكذلك رفع سعر تذكرة مترو الأنفاق والمواصلات العامة، وتخفيض الدعم على الكهرباء سواء للأغراض المنزلية أو الصناعية.وتمثلت صدامية هذه السياسات، في فقدان معظم المصريين قيمة مدخراتهم وانخفاض قيمة الدخل الأساسي إلى مستويات متدنية، ولا يمكن للأرقام والإحصاءات وحدها أن تصور كارثية تبني سياسات صندوق النقد الدولي على الأوضاع المعيشية للمصريين.

وأدى ما كان يدعى بالإصلاحات الاقتصادية إلى ارتفاع معدلات التضخم خلال الشهور التي تلت قرار التعويم حتى وصلت إلى نحو 35%.

وبعد أن كان قيمة الدولار 8.86 جنيه قبل التعويم، وهوى بعدها بشكل متسارع إلى 18.89 جنيه، وفي تقرير للبنك الدولي، أشار إلى أن الإصلاحات الاقتصادية التي انتهجتها الحكومة المصرية منذ 2016 أثرت سلباً على الطبقة المتوسطة، وأدت إلى ارتفاع نسبة الفقر إلى 32.5% بعد أن كانت 27.7%، وأن هناك تفاوتات جغرافية كبيرة في معدلات الفقر جعلتها تصل في بعض المحافظات إلى نسبة 60%.

وكان البنك الدولي قد أصدر بياناً في شهر مايو2019، يتناول فيه برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي يتم بالتنسيق مع صندوق النقد الدولي منذ 2016، وقال إن نحو 60% من سكان مصر إما فقراء أو عرضة للفقر.

تبدو هذه الأرقام أكثر صدمة، ولربما رعباً، عندما يضاف إليها توقع خبراء الاقتصاد بأن يزيد هذا العدد بشكل أكبر بعد القرارات التي اتخذتها الحكومة مؤخراً.

وأشارت دراسة للدكتورة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة بني سويف، هند مرسي، أن توزيع الدخل الحقيقي في مصر يظهر أن أكثر من 50% من المواطنين يعيشون تحت خط الفقر العالمي الذي يعادل ما يقرب من 31 جنيهاً يومياً للفرد.

وتشير الدراسة إلى أن ارتفاع خط الفقر القومي في مصر يعود إلى تدهور قيمة الجنيه بسبب السياسات الحكومية منذ 2014، التي أدت إلى تدهور مستويات المعيشة، وتحول فئات من الطبقة الوسطى المصرية إلى فقراء، بارتفاع قيمة خط الفقر.

لأن انخفاض قيمة الجنيه المصري يعني عملياً انخفاض القوة الشرائية للجنيه في مقابل السلع المختلفة محلياً وخارجياً. ما يؤدي إلى زيادة معدلات الفقر، واتساع نطاق الفئات والطبقات المهمشة وزيادة فرص عدم المساواة الاجتماعية.

4- زيادة التضخم:

وفي حين أنَّ السماح بتحديد سعر الصرف بناءً على قوى السوق يمكن أن يساعد في جذب المزيد من الاستثمار الأجنبي في مصر، يرجح المحللون أيضاً أنه سيزيد الضغط على التضخم، الذي وصل إلى أعلى مستوى له خلال أربع سنوات عند 15% في سبتمبر على خلفية ارتفاع أسعار الغذاء وتكاليف الوقود.

وتبقى  التكلفة قصيرة الأجل لتعويم الجنية هي مزيد من الألم للمستهلكين المصريين؛ نظراً لأن ضعف الجنيه يقوض قوتهم الشرائية، في ظل اعتماد السوق المصري على أكثر من 70 % من احتياجاته من الاستيراد من الخارج.

5- انهيار القوة الشرائية للجنية:

وبقرار التعويم الجديد الذي بلغت نسبته حوالي 16%، تصل نسبة انخفاض الجنيه المصري أمام الدولار خلال العام الحالي 46%، حيث جرى خفض قيمة الجنيه المصري أمام الدولار في مارس  الماضي بنسبة 16%، واستمر الانخفاض التدريجي خلال الشهور التالية بحوالي 8%، حتى الخفض الذي جرى .

6- زيادة تكلفة التمويل:

ويظل الأثر الأكبر الأسعار بالأسواق، في ضوء استيراد مصر حوالي 60% من الغذاء في مصر، وكذلك كون الصناعة المصرية تعتمد على نسبة 61% من مكوناتها من خلال الاستيراد، حسب بيانات النصف الأول من العام الحالي، مما يعني رفع الأسعار المحلية، والذي سيدعمه رفع نسبة الفائدة 2% مما يزيد من تكلفة التمويل أيضاً لدى الشركات.

ومع ارتفاع الأسعار يقوم الحرفيون ومقدمو الخدمات من أطباء ومحامين ومهندسين وغيرهم برفع أسعار خدماتهم، للحصول على دخل يكفل لهم الحصول على نفس سلة الغذاء والخدمات التي كانوا يحصلون عليها قبل التعويم، مما يزيد من نطاق ارتفاع أسعار السلع والخدمات حتى للسلع غير المستوردة.

7- تأخر مشروعات البنية الأساسية التي تقوم بها الحكومة:

وذلك نتيجة قيام وزارة المالية بخفض مخصصات الاستثمارات الحكومية، فزيادة نسبة الفائدة بمعدل 1% تزيد من تكلفة خدمة الدين الحكومي بالموازنة بنحو 28 مليار جنيه حسب بيانات وزارة المالية، وبالتالي فإن زيادة الفائدة 2% معناها إضافة 56 مليار جنيه إلى مخصصات الفائدة بالموازنة، البالغة قبل هذا الرفع للفائدة 690 مليار جنيه.

ولأن موازنة العام المالي الحالي 2022/2023 توجه نسبة 54% من الإنفاق بها إلى خدمة الدين الحكومي من فوائد وأقساط، فإن رفع الفائدة سيزيد من ذلك وهو ما يأتي على حساب خفض نفقات الدعم والاستثمارات، من مدارس ومستشفيات وطرق وبنية أساسية، وشراء السلع والخدمات التي تتجه للجهات الحكومية، مثل المستلزمات الطبية بالمستشفيات الحكومية والمستلزمات التعليمية بالمدارس الحكومية وحتى مدى توافر ورق الطباعة بالجهات الحكومية لأداء الخدمات وغير ذلك.

8 -خفض قادم لدعم المحروقات :

وإذا كانت الحكومة قد أجلت خفض دعم المحروقات، الذي كان مقرراً ببداية الشهر الحالي إلى بداية العام الجديد كما قالت، فربما تقوم برفع تلك الأسعار بعد انتهاء مؤتمر المناخ العالمي بشرم الشيخ في 18 نوفمبرالجاري، وكذلك بعد مرور توقيت الدعوة إلى التظاهر المقرر له يوم 11 نوفمبر، كما أجلت زيادة أسعار الكهرباء إلى يونيو من العام القادم، لتجزئة تنفيذ طلبات الصندوق بخفض الدعم.

وربما تعوض ذلك من خلال وقف المبادرات المصرفية التي تقوم على أسعار فائدة لبعض الأنشطة أقل من أسعار الفائدة بالسوق، أو فرض المزيد من الرسوم التي لم يتوقف فرضها منذ الاتفاق مع الصندوق عام 2016 وحتى الآن، سواء من جانب الوزارات والهيئات الحكومية أو المحليات، حتى كانت مثار شكوى رجال الأعمال خلال جلسات المؤتمر الاقتصادى الأخير لما تسببه من إرباك لحسابات الشركات.

سادسا: جدوى القرض الجديد في مداواة الأزمة الاقتصادية:

1-تدني قيمة القرض لـ3 مليار دولار أمام الفجوة التمويلية الكبيرة:

ولعل النظرة التقييمية الأولى لمردود القرض الجديد على الاقتصاد المصري، تبدو كارثية، نظرا لقلة قيمة القرض إلى 3 مليار دولار، وزيادة الفجوة التمويلية لنحو 45 مليار دولار.

وفي هذا السياق، كانت تقارير صندوق النقد الدولي خلال تنفيذ الإجراءات الاقتصادية  الصعبة على المواطنين، عقب قرض 2016، تثني على الاقتصاد المصري وانضباط الحكومة في تنفيذ برنامجها، على أساس أنه سيعود عليها بمزيد من النمو وارتفاع الاستثمارات الأجنبية وزيادة الصادرات المصرية.. ولكن أي الوعود الآن؟

فبعد قيام مصر في 2016 بتنفيذ “روشتة” الصندوق وتحرير سعر العملة، كان من شأن هذه الإجراءات الصعبة والضاغطة على حياة المواطنين، زادت من جاذبية مصر للمستثمرين الأجانب، بالنظر إلى أسعار الفائدة المرتفعة في مصر، وقام الأجانب بضخ مليارات الدولارات في سوق ديونها.

واعتمدت مصر على هذه الأموال في تسديد الديون وفوائدها وتمويل فاتورة الواردات المرتفعة، وقبل بداية عام 2022 كانت الحكومة متفائلة، وترى أن هذه الاستثمارات كانت نتيجة إيجابية للسياسة التي انتهجتها.

لكن كل شيء تغير مع بدء الحرب الروسية الأوكرانية، التي تسببت في هروب 20 مليار دولار من الأموال الساخنة، ووجدت الحكومة نفسها في ورطة سداد عشرات المليارات من ديون وفوائد لم تتوقع الاضطرار لها قبل الحرب، وخرج وزير المالية محمد معيط وأظهر أن الحكومة المصرية أخطأت، لأنها اعتمدت على الأموال الساخنة.

الأمر الذي يمكن أن يعني أن كل المعاناة التي تكبدها المواطن المصري، على أثر سياسات الحكومة الصادمة خلال تنفيذ برنامج الصندوق منذ 2016، والمرشحة الآن للتكرار، ذهبت بلا طائل بعد قيام المستثمرين الأجانب بالهروب بأموالهم من مصر، وبعد كل ما قدمته الحكومة المصرية من وعود بأن الاقتصاد المصري تحسن وأصبح أكثر جاذبية للاستثمار الأجنبي.

ظهر بعد ذلك أن المواطن تكبد المعاناة دون أن يجني الفائدة في تحسن أحواله المعيشية، أو تحسن الاقتصاد المصري، الأمر الذي يدعو إلى التساؤل عن الفائدة التي سيجنيها المواطن من تكبده الصدمة والمعاناة القادمة على أثر  قيام مصر مرة اخرى بتنفيذ سياسات الصندوق، وهل هي مثل سابقتها معاناة بلا جدوى أو فائدة؟

ومن المؤشرات المثيرة للقلق بالنسبة للاقتصاد المصري، أن القرض أقل بشكل كبير من القرض الذي تم خلال عملية التعويم الأولى في عهد عبد الفتاح السيسي، والذي تضمن قرضاً قيمته 12 مليار دولار على ثلاث شرائح من صندوق النقد وحده إلى جانب مليارات من القروض من شركاء مصر الدوليين من دول عربية وغربية إضافة للصين.

بينما في الوقت الحالي أصبح الاقتصاد المصري أكبر حجماً، كما زادت الديون الخارجية بشكل كبير؛ مما يجعل هناك حاجة لكتلة نقدية أكبر لحل الفجوة الدولارية.

ومع تكرار الأزمات، فإن القرض الجديد، يفاقم ديون مصر ويرفعها بصورة غير مسبوقة، تقدر بنحو 190 مليار دولار حتى نهاية العام، ولا يجذب استثثمارات جديدة لمصر ، في ظل عد الاستقرار المالي والاقتصادي، وجاذبية الأسواق الغربية الأكثر استقرارا عن مصر.

ويبقى الحقيقة الاقتصادية أن تحسن الاقتصاد مرتبط بزيادة الانتاج وتخليق فرص العمل  وزيادة الصادرات وتوطين الصماعات هو الحل الأنجع  للاقتصاد المصري المأزوم.

2-سياسات مالية فاشلة أمام أسعار صرف الجنية:

ولعل ما يضرب فكرة قدرة القرض الجديد على حلحلة الأزمة الاقتصادية، هو الخبرات المريرة لادارة اقتصاد مصر بعد الحصول على قرض الـ12 مليار دولار عام 2016، ويرى الخبراء أن مصر تراجعت عن التعويم الذي نفذ عام 2016 خاصة بعد أن تلقت شرائح صندوق النقد الثلاث.

فلقد تم تثبيت سعر العملة ليصبح في حدود 18 أو 17 جنيهاً للدولار لنحو عامين قبل أن يتراجع الدولار أمام الجنيه المصري ليستقر لبضعة أعوام عند سعر يدور حول 15.5 جنيه.

واعتبر كثير من الاقتصاديين في ذلك الوقت أن الحكومة بخفضها لقيمة الجنيه أمام الدولار، قامت بالخطوة الصعبة والمؤلمة، ولكنها عادت لتثبيته لسنوات، وهو ما يعني أنها قد تخلت عن المفهوم العلمي لتحرير سعر الصرف وهو أن يتحدد سعر العملة وفقاً لآليات العرض والطلب، وأنه لجأت بدلاً من التعويم إلى أشكال تثبيت سعر صرف الجنيه المصري أو التعويم المدار في أفضل التقديرات.

وأدى ذلك إلى انخفاض التضخم ولكنه في الوقت ذاته أضعف تنافسية الصادرات المصرية وعزز تنافسية الوارادت القادمة من الخارج.

وأدت قوة العملة المصرية خلال تلك السنوات، وارتفاع الفائدة عليها في ذلك الوقت، إلى تحول مصر إلى واحد من المقاصد المفضلة للأموال الساخنة، التي حققت أرباحاً لا مثيل لها من حيازة الجنيه المصري في تلك الفترة؛ حيث حققت مكسباً مزدوجاً من شرائها العملة المصرية رخيصة عند سعر 18 جنيهاً للدولار، ثم باعتها بسعر 15.5 مع بدء الأزمة الأوكرانية، إضافة للمكاسب المتحققة من سعر الفائدة المرتفع خلال هذه السنوات؛ مما جعل الاستثمار في العملة المصرية بين عامي 2016 و2021 أفضل من أي عملة أخرى.

ونتيجة لهذه السياسات النقدية التي صاحبها توسع في المشروعات القومية وتراجع دور القطاع الخاص، ارتفعت الديون بشكل كبير، وكانت مصر تلجأ لسوق الدين الخارجي لسداد الديون القديمة، ولكن مع حدوث الأزمة الأوكرانية هربت هذه الأموال الساخنة من الأسواق الناشئة، وبدأت مصر تعاني من نقص كبير في احتياطياتها الدولارية وزاد من هذه الأزمة أن مصر عليها التزامات خارجية تكاثرت بعد التعويم الأول بسبب التوسع في الاقتراض والذي أنفق أغلبه في مشروعات البنية الأساسية التي لا تدر دخلاً بالدولار.

وبعد الأزمة الأوكرانية، وتحديداً في 21 مارس 2022، نفذت مصر ما يمكن وصفه بالتعويم الثاني، ولكنه كان جزئياً؛ حيث خفضت قيمة الجنيه المصري أمام الدولار بنحو 15% ليصل الدولار إلى 18.15 و18.29، بحسب بيانات البنك المركزي، بدلاً من 15.74 جنيه. وتزامن ذلك مع رفع سعر الفائدة بنسبة 1%.

ومنذ ذلك الوقت، تزايد سعر الصرف الرسمي  للدولار أمام الجنيه بشكل بطيء، فيما فرضت الحكومة قيوداً شديدة على الاستيراد، أفضت لوقف فعلي لتوريد بعض المنتجات وارتفاع حاد في الأسعار.

وبدأت تعود السوق السوداء أو السوق الموازية فيما كان سعر الجنيه مقابل سعر الدولار يدور حول 19.7، فإنه كان يدور حول 22 جنيهاً في السوق الموازية، ووصل إلى 23 جنيهاً للدولار.

ولكن يعتقد أن من أسباب عدم ازدياد الفجوة بين السوق الموازية والسعر الرسمي بشكل كبير هو تقييد الحكومة المصرية بطريقة غير مسبوقة للواردات الخارجية، وهو الأمر الذي حال دون انحدار الجنيه، ولكنه أدى في المقابل إلى نقص للسلع وارتفاع في أسعارها في كثير من الأحيان بشكل رأى البعض أنه يفوق حتى قيمة الدولار في السوق الموازية، بل يفوق قيمة الدولار المفترضة لو تم تحرير الجنيه.

ومع التعويم الثالث، سيتأثر أسعار السلع الأساسية والتي كانت تفرض الحكومة تقييما ثابتا لها مرتبطا بأسعار البنوك الرسمية للدولار، وهو ما سيمس كل الشب المصري، وهو ما يؤكد تصاعد الأزمة الاقتصادية وليس حلها، مع زيادة التضخم في الأسواق..

سابعا: تحديات ما بعد التعويم:

وفي ظل تفاقم الديون الخارجية وهروب الأموال الساخنة، ستزداد الفجوة التمويلية، وقد تكون أكثر وطأة على الاقتصاد المصري من فجوة عام 2016، كما أن ردات فعل السوق السلبية على التعويم واحتمال حدوث انتشار حالة خوف من الجنيه المصري قد تؤدي إلى ارتفاع مبالغ فيه للدولار (وهي سمة أساسية لأزمات العملة).

في المقابل فإن تراجع دور القطاع الخاص في الاقتصاد وتراجع معدلات الاستهلاك الخاص وتأثير الأزمات السابقة، وارتفاع الضرائب والأسعار في السنوات السابقة، قد قلل السيولة في أيدي المواطنين والقطاع الخاص بشكل قد يحد من موجة التضخم المتوقعة، خاصة أن البنك المركزي قام بإجراءات لتقليل السيولة لدى البنوك.

فعلى عكس ما حدث في تعويم 2016، لم يلاحظ في مصر حالة تهافت على شراء العقارات والسيارات والتي تعد في نظر الكثيرين وسيلة للحفاظ على قيمة النقود.

لكن في الأزمة الحالية لم يحدث إقبال على العقار بينما حدث بعض الإقبال على شراء السيارات ولكن بمعدلات أقل، خاصة أن الحكومة استبقت الأزمة بفرض قيود على استيرادها في وقت مبكر.

كما كان لافتاً أنه على عكس أزمات سابقة لم يحدث إقبال كبير على شراء الدولارات من قبل المواطنين المصريين، وهي ظاهرة كانت واضحة في عام 2016 لدرجة أن ربات البيوت المصريات كن يحولن مدخراتهن إلى الدولار في ذلك الوقت.

في كل الأحوال، فإن المؤكد أن مصر سوف تشهد موجة تضخم جديدة، ولكنها قد تكون أقل من عام 2016، وذلك لأن جزءاً من التضخم قد حدث بالفعل خلال الأشهر الماضية (بعضه تضخم مستورد من الخارج)، كما أن عملية التعويم تتم بشكل تدريجي مقارنة بـ2016، حين أعلن محافظ البنك المركزي طارق عامر في ذلك الوقت، تخفيض الجنيه من سعره الرسمي آنذاك 8.9 للدولار إلى نحو 13 جنيهاً أي بنسبة تدور حول 50% ثم سرعان ما وصلت الدولار إلى 18 جنيهاً، أي أن الجنيه فقد 100% من قيمته أمام الدولار في ذلك الوقت.

ولكنه منذ التعويم الثاني في مارس الماضي، تسعى السلطات لإبطاء وتيرة تراجع الجنيه، حتى في السوق الموازية حتى لو كان الثمن نقص السلع.

ويظل التحدي الرئيسي أمام الحكومة المصرية هو قدرتها على إعادة الاستيراد لوضعه الطبيعي، وهل يؤدي ذلك الى تهافت على العملة الأجنبية يُفاقم تدهور الجنيه المصري، وأن يتم إجراء ذلك بشكل تدريجي وفعال بحيث يؤدي إلى فتح الأسواق وعودة الحركة التجارية بدون تهديد الجنيه المصري.

كما تواجه الحكومة المصرية تحدياً آخر هو استعادة ثقة المستثمرين الأجانب ومنهم حتى مستثمري الأموال الساخنة ليضخوا استثماراتهم في الأوراق المالية المصرية لمعالجة فجوة التمويل الموجودة حالياً لتمكين الحكومة من توفير الدولار للسوق المحلي وديونها الخارجية.

وفي الوقت ذاته، فإن الحكومة مطالبة بتوفير مناخ استثماري ايجابي لدخول رأس المال المباشر لتقديم قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد المصري، بعض التحديات قد تكون أكبر مما كانت عليه في 2016

بالطبع هناك شكوك من مجتمع الأعمال المحلي والدولي والدول الداعمة في مدى التزام الحكومة المصرية بهذه الأجندة هذه المرة، في ظل تراجعها عن التعويم الذي تم في 2016 وإخفاقها في توفير ظروف استثمارية ملائمة للقطاع الخاص المحلي والخارجي، مقابل صعود دور شركات الجيش والتركيز على المشروعات القومية الكبرى.

كما يزيد من الأعباء على الاقتصاد هذه المرة مقارنة بتعويم 2016، أن حجم قرض المقدم من صندوق النقد الدولي، أقل من المرة السابقة خاصة أن مصر قد استنفدت أرصدتها لدى الصندوق واضطرت إلى اللجوء إلى برامج جانبية من الصندوق لتمويل الحزمة الجديدة.

وتتطلع القاهرة إلى دعم دول الخليج العربية التي تحسنت موازنتها العامة بفضل ارتفاع أسعار النفط والغاز، ولكن من الواضح أن هذه الدول تميل هذه المرة إلى أن يكون دعمها لمصر في شكل الاستثمارات أكثر منه مساعدات اقتصادية.

وفي كل الأحوال، يظل تحقيق تنمية مستدامة لمصر مرتبطاً بسياسات اقتصادية مشجعة للإنتاج المحلي وللاستثمار الداخلي والخارجي ومحددة لدور الدولة في سياقه الطبيعي القائم على تنظيمها للمنافسة وتنفيذ مشروعات البنية الأساسية الواقعية والضرورية والمدروسة بشكل علمي بناء على احتياجات وإمكانيات البلاد.

ثامنا: مخاطر ما بعد التعويم والاقتراض:

وأمام التحديات  المستقبلية وما تستلزمه من معالجات اقتصادية ومالية، تبرز العديد من المخاطر حول مستقبل الاقتصاد المصري، في المرحلة المقبلة.. ومنها:

1-زيادة الديون:

ومع القرض الجديد، باتت مصر ثاني أكبر مستدين من صندوق النقد الدولي بعد الأرجنتين، ويعد القرض الجديد، هو  الرابع منذ تولي عبد الفتاح السيسي السلطة في انقلاب عام 2013.

وباتت مصر مدينة للمؤسسات متعددة الأطراف بنحو 52 مليار دولار. في السنوات العشر الماضية، وارتفع الدين الخارجي لمصر من 37 مليار دولار عام 2010 إلى ما يقرب من 158 مليار دولار في مارس الماضي، ويعتقد اقتصاديون أنه سيتجاوز 190 مليار دولار بحلول نهاية العام.

2-تراجع شامل للاقتصاد المصري وتحول النظرة الدولية له إلى سلبية:

ودفعت مخاطر التمويل وكالة “موديز” للتصنيف الائتماني، لتغيير نظرتها المستقبلية إلى الاقتصاد المصري من مستقرة إلى سلبية، مع إبقاء تصنيف القاهرة عند B2، خاصة مع تزايد مخاطر تراجع قدرة الدولة السيادية على امتصاص الصدمات الخارجية.

ويعد أبرز ما يقود الرؤية السلبية لمصر من قبل الوكالة العالمية، هو وجود توقعات بضعف التدفقات النقدية من الخارج، خاصة في ظل شروط التمويل العالمية المشددة؛ ما يعني زيادة أسعار الفائدة على القروض الخارجية التي تلجأ إليها القاهرة؛ ما يجعلها أقل قدرة على استدامة الديون.

وينذر هذا المؤشر السلبي الذي وضعته الوكالة باتجاه “موديز” مستقبلاً إلى خفض تصنيفها لمصر في تقييمات مقبلة للمرة الأولى منذ عام 2013؛ ما قد يدفع البلاد إلى تراجع نسبي في ثقة المقرضين الدوليين.

كما أن تغيير النظرة المستقبلية لمصر إلى سلبية يعني وجود شكوك لدى المؤسسات الدولية حول قدرة الدولة على استيعاب ما يحدث من أزمات اقتصادية في الوقت الحالي، وتحديداً ارتفاع أسعار الفائدة العالمية.

وهذا لأن اقتصاد مصر يعمل على تمويل احتياجاته من خلال الاقتراض، وبالتالي في الوقت الحالي مع ارتفاع أسعار الفائدة؛ فإن خدمة الدين أو بمعنى آخر الفوائد التي ستكون مصر مطالبة بتسديدها على قروضها القادمة سوف تكون مرتفعة.

ما يعني أن حجم الدين العام سوف يرتفع خلال الفترة القادمة، وأن أعباء الموازنة المصرية سوف تزيد أكثر في وقت تعاني فيه الموازنة من التهام أقساط وفوائد الدين لنحو أكثر من 85% من إيرادات الدولة؛ ما ينذر بأن تلك النسبة قابلة للزيادة، وبالتالي يزيد هذا المشهد من خطورة ارتفاع حجم الفوائد على مصر.

3-تنامي مخاطر الافلاس المالي:

وتأتي تلك المخاطر في ظل تنامي توقعات بضعف مصر في مواجهة وامتصاص الصدمات بشكل عام، وتحديداً قدرتها على سداد مديونيتها الخارجية في مواعيدها المحددة مسبقاً، ما قد يضطرها مستقبلاً إلى إعادة هيكلة تلك الديون، وهو ما قد يقرب البلاد من حد الافلاس.

ويأتي ذلك وسط ما تعيشه اقتصادات العالم من تضخم وأزمة في سلاسل التوريد، فضلاً عن ارتفاع تكاليف بعض السلع الاستراتيجية وأسعار الطاقة نتيجة الحرب القائمة بين روسيا وأوكرانيا؛ ما يزيد من أعباء الاقتصاد المصري الذي يعتمد على الخارج في ديونه واحتياجاته.

4-زيادة أعباء الموازنة المصرية:

وفي ظل اعتماد الاقتصاد المصري على تمويل احتياجاته، وبخاصة الاستهلاكية منها، عبر الاقتراض، فإن اتساع حجم الدين العام وتحديداً الدين الخارجي أصبح أمراً حتمياً، خاصة في ظل اقتصاد استهلاكي بالدرجة الأولى لا يعتمد على الإنتاج أو خلق قيمة مضافة حقيقية وهو الأمر الذي أدى إلى ارتهان الاقتصاد المصري للخارج، نتيجة عدم وجود موارد أو حلول اقتصادية محلية قادرة على إسعاف الاقتصاد المحلي في الأزمة الاقتصادية العالمية التي خلّفها وباء كورونا، ومن ثم الغزو الروسي لأوكرانيا.

وساهم ارتفاع الدين في زيادة الأعباء على الموازنة العامة للدولة عاماً بعد عام، فضلاً عن عجز الدولة عن القيام بدورها، حيث أصبحت خدمة الدين (فوائد الدين وأقساطه) تلتهم نحو أكثر من 85% من إيرادات الموازنة العامة فقد بلغ حجم أقساط الديون في مشروع الموازنة المالية لعام 2021-2022 نحو 593 مليار جنيه، والفوائد نحو 579.58 مليار جنيه، أي إجمالًا نحو تريليون و172.5 مليار جنيه من إجمالي إيرادات متوقعة بنحو تريليون و365 مليار جنيه، وسط توقعات بارتفاع هذه الأرقام بنحو 5% إلى 7% بسبب التضخم العالمي وما تفرضه الحرب الروسية الأوكرانية من أزمات.

ودفعت تلك المعطيات وكالة “ستاندرد آند بورز” العالمية للتصنيف الائتماني، إلى توقع وصول إجمالي الديون السيادية لمصر مع نهاية العام الحالي 2022 إلى 391.8 مليار دولار أمريكي، بعد أن كان 184.9 مليار دولار فقط عام 2017.

وأوضح التقرير الذي وصف الديون المصرية بـ”الكارثية”، أن مصر تستحوذ على 0.6% من إجمالي الديون التجارية في العالم، وهي نسبة مرتفعة إذا ما قورنت بالعديد من الدول المماثلة لمصر، أو إذا ما قورنت بالاقتصادات الناشئة بشكل عام.

كما توقعت وكالة “موديز”، وفق تقديراتها، أن يصل حجم الدين المصري الإجمالي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي من المرجح أن يصل إلى 93.5% في العام المالي 2022-2023.

وبالتالي أصبحت أيادي الدولة مكبلة بالقروض؛ ما جعلها عاجزة عن القيام بدورها من خلال دعم الاستثمار الحقيقي الذي يغنيها عن الاقتراض أو من خلال دعم الصادرات بشكل كافٍ، أو دعم صناعات كبرى ذات قيمة مضافة حقيقية، وبخاصة الصناعات التقنية، لخلق موارد دولارية، بل أصبحت تبحث عن آلية تدعم منهجها المتبع في سداد الديون المستحقة كترقيع الديون، من خلال اقتراض ديون جديدة لسداد ديون قديمة.

وهو الأمر الذي خلق حالة من العوز الدولاري من الخارج، خاصة أن مصر تستورد 70% من احتياجاتها وتعاني من عجز تجاري بنحو 35 إلى 40 مليار دولار سنوياً، كما أنها تعتمد في صناعتها المحلية المحدودة على السلع الوسيطة التي يتم استيرادها أيضاً، فضلاً عن تراجع الاحتياطي الأجنبي من 40 مليار في يناير الماضي إلى 37 مليار دولار مع نهاية أبريل الماضي.

4-  زيادة أرقام التضخم:

ومن أبرز المعضلات والمخاطر الحالة بالاقتصاد المصري، هو اتساع معدل التضخم العالمي الذي دفع البنوك المركزية في دول العالم، وبخاصة البنك الفدرالي الأمريكي إلى رفع سعر الفائدة ثلاث مرات، المرة الأولى في 16 مارس الماضي  بـ0.25%، والمرة الثانية بـ0.5% خلال شهر مايو الماضي، ليصبح إجمالي الفائدة 1% ثم في يوليو الماضي وسبتمبر وأكتوبر ليصل إجمالي الفوائد لنحو 3.5% وهو الأمر الذي أدى إلى جذب الأموال الساخنة التي تملأ الأسواق الناشئة والنامية مثل مصر، التي تعتمد على هذا النوع من الأموال لتمويل احتياجتها وبخاصة الدولارية، وخروجها إلى الأسواق الأمريكية بحثاً عن مكاسب أكثر ومخاطر أقل.

وأدت قرارات الفيدرالي الأمريكي إلى خروج نحو 20 مليار دولار من الأموال الساخنة منذ بداية العام من السوق المصرية، وفق تصريحات رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، ومن المتوقع أن يقوم الفيدرالي برفع الفائدة أكثر ولكن بشكل تدريجي خلال جلساته القادمة، ما يعني خروج مزيد من الأموال الساخنة من مصر.

ودفعت كل تلك المعطيات إلى خروج زمام المسكنات التي تستعملها الحكومة المصرية في تسيير أزماتها الاقتصادية عن السيطرة، والضغط على قيمة الجنيه المصري الذي ما زال يواصل نزيفه ليسجل  24.30 حتى كتابة تلك السطور..

تاسعا: التوغل العسكري في الاقتصاد عقبة كؤود أمام الاصلاح الاقتصادي:

وعلى الرغم من عظم التحديات المؤثرة على الاقتصاد المصري، سواء قبل القرض الأخير أو بعده، يبقى المتغير الأكثر تأثير والذي يمثل عقبة كؤؤد أمام أي خطط اقتصادية لتحفيز أو تطوير الاقتصاد المصري، والمتمثلة في سيطرة الجيش المصري على نحو 60% من الاقتصاد المصري، وهو الأمر الذي ترفضه المؤسسات المالية العالمية ويتصادم مع قواعد الاقتصاد الحر، علاوة على ضعف الإنتاج والاعتماد على الاستيراد في سد احتياجات الدولة المصرية، وهو ما يقتل أي فرص للتطور والتحديث والخروج من دائرة الديون والفقر..

وبحسب  هاميش كينير، المحلل في شركة Verisk Maplecroft الاستشارية للمخاطر، فيي حديثه لـ”نيزظزيط الأمريكية مؤخرا، “الأسئلة الأكثر تعقيداً هي إصلاح المؤسسات المملوكة للدولة، لا سيما تلك المرتبطة بالجيش.

إذ إنَّ ثقلها يشكل عبئاً على نمو القطاع الخاص، لكن الإصلاح الشامل يهدد المكانة المتميزة للجيش في الاقتصاد؛ ما يجعل مثل هذه الإصلاحات مستبعدة”.

ومؤخرا، جرت محاولات إقناع  الحلفاء الاستراتيجيين للنظام بإيداع أموال في البنك المركزي المصري لتعزيز فرص مصر في الحصول على القرض قوبلت بالرفض من قبل السعودية والإمارات، وطرحت الأخيرة تصوراً مثلت فيه استثمارات تابعة للقوات المسلحة بشكل مباشر 30% مما تستهدف الاستحواذ عليه.

وكان السيسي يعوّل كثيراً على طرح مجموعة من الشركات المملوكة للمؤسسة العسكرية في البورصة، في ظل اهتمام بالغ من جانب الصناديق الخليجية بهذه الفئة من الشركات، لكن يبدو أن خلافاً وتبايناً كبيراً وقع بين قادة المؤسسة العسكرية، والسيسي، بشأن خطوة طرح الشركات المملوكة للقوات المسلحة في البورصة، ما أدى لتأجيل تلك الخطوة التي كان مقرراً أن تكون أولى حلقاتها نهاية سبتمبر الماضي، ما أثر سلباً على حجم العوائد الدولارية التي كانت تعوّل عليها الحكومة المصرية في المفاوضات مع صندوق النقد، طالبت قيادات الجيش السيسي بأن يكون طرح شركاتهم هو الحل الأخير، وأن يعيد طرق أبواب الخليج مرة أخرى.

فيما  طلبت مصر من كل من السعودية وقطر والإمارات والكويت، الدفع بودائع دولارية تقدر بنحو 2.5 مليار دولار، هذا بخلاف مسار المفاوضات الجارية بشأن الاستحواذات الاستثمارية من جانب الصناديق الخليجية على عدد من الشركات المصرية، وأن القاهرة “تلقت ردوداً سلبية من كل من السعودية والإمارات بشأن المطلب الخاص بتقديم ودائع، مؤكدتين استعدادهما للانخراط الجاد في أية مفاوضات بشأن استحواذات جديدة تطرحها القاهرة”.

وفي هذا السياق يمكن تفهم الحركة المكثفة لرئيس الوزراء والوزراء لمحاولة الابتعاد عن الحل الأخير، فوفقاً لصحيفة اليوم السابع، بتاريخ ٢٥ أغسطس الماضي، غادر الفريق أول محمد زكي القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربي، على رأس وفد عسكري رفيع المستوى متوجهاً إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، في زيارة رسمية استغرقت عدة أيام، لم يبد الأمر مجرد لقاءات عسكرية روتينية، بل يرجح أن الأمر تطرق لفكرة شركات الجيش ومحاولة تخفيف الضغط الدولي من أجل طرحها في السوق أمام الاستثمارات العربية والدولية.

وعلى ما  يبدو أن الأمور لا تسير على هوى السيسي إذاً، لأن الجنرالات رفضوا طرح شركاتهم التي يعتبرونها عرقاً خالصاً للجيش، ويخافون من فقدان الامتيازات الاقتصادية التي كسبتها المؤسسة خلال فترة حكمه في سبيل الإبقاء عليه، كما أن الداخل الذي تحمل ما لم يتحمله شعب آخر طوال سنوات حكمه لم يعد قادراً على احتمال المزيد في إطار التنصل من أي وعود بالتحسن.

ومثل وضع المؤسسة العسكرية في الاقتصاد المصري، وسيطرتها على قطاعات متعددة، بالشكل الذي يتسبب في قلق لدى المستثمرين من الاقتراب من تلك القطاعات.. وخلال جولات التفاوض، لم يقتصر الأمر من جانب بعثة الصندوق على الحديث عن تواجد المؤسسة العسكرية فقط، بل إنه للمرة الأولى يتم التطرق إلى دور الأجهزة السيادية في الاقتصاد، وسيطرتها على قطاعات بعينها، وهو الأمر الذي يجعل من الصعوبة وجود تنافس حقيقي يسمح بمناخ استثماري آمن..

ومع هذا الموقف من قبل اصندوق، وجد صانع القرار المصري نفسه في موقف حرج، بين الضغط على المؤسسة العسكرية، والقبول بتخفيض قيمة القرض الذي لن يتجاوز تأثيره حد التسكين المؤقت للأزمة المالية الحاصلة، على أمل حدوث انفراجة في التفاوض مع بعض الدول الخليجية بشأن حزم مالية واستثمارية خلال الفترة المقبلة..

ومن ضمن دلائل الأزمات التي خلفتها جولات التفاوض مع بعثة الصندوق، إطاحة محافظ البنك المركزي السابق طارق عامر.  والذي كان متمسكاً بعدم تحرير سعر الصرف قبل تقديم الصندوق دفعة من القرض يمكن بها ضبط سعر الجنيه أمام الدولار الأميركي، وهو الأمر الذي رفضته البعثة، متمسكة ببدء الحكومة المصرية في خطواتها بتنفيذ الشروط أولاً.. وكان عامر منحازا لجانب المؤسسة العسكرية وتوغلها في الاقتصاد المصري..

وهو نا سيبجة أنه سيظل ملفا مفتوحا بين المؤسسات المالية الدولية ونظام السيسي في الفترة المقبلة..

خاتمة:

وأمام تلك المعطيات، يمكننا استنتاج أن القرض  لن يحل أزمات مصر، وهو ما يمكن استنباطه من تقصي تجارب الاقتراض من الصندوق في كل من لبنان والارجنتين وزامبيا وغيرها من الدول المدينة إذ أن المشكلة تكمن، في أن أغلب الدول المقترضة لا تملك أنظمة حكم ديمقراطية، بل العكس تمتاز بقدر كبير من الفساد، وانعدام الشفافية، فتذهب أموال القرض لتنفيذ مطالب الدول صاحبة الأموال (أغلبها الدول الأعضاء في صندوق النقد) الراغبة في الاستثمار بتلك الدولة، وبذلك بدلاً من أن تحسّن أوضاع الفقراء، تزيد من رفاهية الطبقة الحاكمة وأصحاب الأعمال داخل تلك الدولة، مما يزيد الإنتاجية والأسعار، مقابل زيادة شريحة الفقراء الذين تقطع من ضرائبهم الأموال لتسديد أموال القرض وفوائده.

وفي ظل نظام ديكتاتوري هو الأعنف في تاريخ الدولة المصرية، تكون مصر النموذج المثالي لفشل قروض الصندوق في علاج الازمة الاقتصادية.. ففي 11 نوفمبر 2016، اقترضت مصر 12 مليار دولار بهدف معالجة الاقتصاد وتعزيز النمو الشامل لخلق فرص عمل.

ففرض الصندوق شروطاً، منها تحرير نظام سعر الصرف أي تعويم الجنيه المصري، وخفض الإنفاق الحكومي، أي نزع الدعم عن المواطنين، وزيادة الضرائب.

فانخفضت قيمة الجنيه المصري بشكل أكثر مما توقعه خبراء صندوق النقد، مما أدى إلى ارتفاع جميع السلع الاستهلاكية الأساسية، بجانب ذلك فرضت الدولة رسوماً جديدة وضرائب جديدة كضريبة القيمة المضافة، مما زاد نسبة المصريين الفقراء من 27.8% في العام 2015 إلى أكثر 35% على الأقلّ.

في ظل نظام يقبع بمستنقع فساد، ولا يأبه بدراسات الجدوى ولا يعرف غير القوة، يتضح أن القروض لا تفيد، وإن وجدت فهي تدعم استمرار النظام القائم على إفقار المصريين وإهانتهم بوصفهم دائماً بـ”الفقراء أوي”، في مقابل زيادة الأغنياء من الجيش وأصحاب الأموال.

كما تعظم بيئة الاستبداد والقمع الحاكمة لمصر، من فرص الفقر والغلالاء وسط اسكات وثضم سلطوي للرأي وحريات التعبير، وهو ما قد يقود للانفجار المجتمعي إثر تصاعد الإسعار بصورة كبيرة وغياب الرقابة على الأسواق وانشغال المؤسسات الأمنية بتأمين كرسي الحاكم فقط دون معالجة الأوضاع الاجتماعية المضطربة بفعل الغلاء وتقلص المجخرات وانهيار الققوة الشرائية للجنية.

……………

مراجع:

بي بي سي، “النقد الدولي” يُقرض مصر 3 مليارات دولار، 2022/10/27

عربي بوست، الجنيه المصري يهوى لمستوى قياسي بعد التحوّل لنظام سعر صرف “مرن”،2022/10/27

رويترز، مصر تحرر سعر صرف الجنيه، 2022/10/27

العربي الجديد، رضخت لشروط صندوق النقد وعوّمت الجنيه.. هل ينقذ القرض الجديد مصر أم يفاقم أزمتها؟، 2022/10/27

عربي بوست، إلى أين يتجه الجنيه المصري بعد تعويمه الثالث.. وهل يؤدي لموجة تضخم مماثلة لما حدث في 2016؟،  2022/10/27

عربي 21، هل يحمي قرض صندوق النقد مصر من الثورة؟، 2016/11/15

نون بوست، لماذا وصل الاقتصاد المصري إلى هذا الحد من الانهيار؟، 2022/11/04

الخليج الجديد، ماذا يعني تغيير “موديز” رؤيتها للاقتصاد المصري من مستقر إلى سلبي؟ هذا ما سينعكس على القاهرة، 2022/05/31

عربي بوست، “أنا نفسي أعمل كتير لكن مش قادر”.. لماذا يصر السيسي على تنفيذ مشاريعه العملاقة دون دراسات جدوى؟، 2022/10/31

العربي الجديد، الإصلاح يتوقف على إزاحة الجيش من الاقتصاد”.. لماذا لن يحل تعويم الجنيه أزمة الاقتصاد المصري؟، 2022/10/29

عربي بوست، بعد تصريحاته “الجريئة” عن الأزمة الاقتصادية.. هل يستكمل السيسي الطريق لآخره؟ ، 2022/10/26

يسري عبد العزيز، “لم أقدم لكم وعوداً جميلة”.. هل كشف خطاب السيسي الأخير حقيقة الأوضاع بمصر؟، عربي بوست، 2022/10/25

عربي بوست، السيسي بين غضب الشارع وسطوة الجيش على الاقتصاد.. هل يتخذ الرئيس المصري القرار الصعب؟، 2022/11/01

الجزيرة، فشل في زامبيا ولبنان.. لماذا لن ينجح قرض صندوق النقد في تحسين حياة المصريين؟، 2022/10/31

عربي بوست، رغم أن ديون اليابان 20 ضعف ديون مصر! لماذا أنجحت القروض اقتصاد طوكيو وأفشلته في القاهرة؟، 2022/10/28

]]>
https://politicalstreet.org/5586/feed/ 0
دعوات الاحتجاج في (11/11).. أسباب الفشل والنتائج المتوقعة https://politicalstreet.org/5584/?utm_source=rss&utm_medium=rss&utm_campaign=%25d8%25af%25d8%25b9%25d9%2588%25d8%25a7%25d8%25aa-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25a7%25d8%25ad%25d8%25aa%25d8%25ac%25d8%25a7%25d8%25ac-%25d9%2581%25d9%258a-11-11-%25d8%25a3%25d8%25b3%25d8%25a8%25d8%25a7%25d8%25a8-%25d8%25a7%25d9%2584%25d9%2581%25d8%25b4%25d9%2584-%25d9%2588%25d8%25a7%25d9%2584%25d9%2586%25d8%25aa https://politicalstreet.org/5584/#respond Mon, 21 Nov 2022 11:15:21 +0000 https://politicalstreet.org/?p=5584 في تقدير موقف لدعوات التظاهر يوم الجمعة (11/11)، وقبل أسبوع من الموعد رفعت تقدير موقف عن الدعوة ومدى الاستجابة الشعبية المتوقعة  لها في هذا اليوم، وانتهيت فيه إلى أن مؤشرات الاستجابة لهذه الدعوات تكاد تكون منعدمة، وكتبت نصا «رغم أن المعطيات على الأرض محبطة إلا أن التنبؤ بما يمكن أن يحدث بشكل مطلق، غير منطقي ويتصادم حتى مع العقائد والأفكار الإسلامية، وكما أن ثورة يناير فاجأت العالم فلا أحد يدري ما الذي يمكن أن يحدث خلال الأسابيع والشهور المقبلة؛ لأن الوضع في مصر هش للغاية وفوضوي للغاية، وانخفاض قيمة الجنيه أمام الدولار يضغط على النظام ويضغط على المواطنين واحتمال اندلاع احتجاجات أمر كبير الاحتمال، فمصر تنتظر شرارة البدء، وليس بالضرورة في 11 نوفمبر المقبل، قد تكون في أي وقت ولسبب بسيط أو تافه يؤدي إلى اندلاع حريق كبير يوازي الآلام الناتجة عن لهيب الأسعار المرتفعة.

النظام من جانبه يدرك ذلك، ورغم قبضته الأمنية الباطشة وجيش الجواسيس والمخبرين في كل مكان إلا أنه مرعوب؛ نعم مرعوب من المستقبل ويخشى المجهول الذي لن يكون في صالحه في كل الأحوال؛ فكل السيناريوهات تؤكد انهيار نظام السيسي حتى لو فشلت الدعوات إلى التظاهر في 11/11».

إزاء ذلك، وبعد أن  تحقق ما توقعنا ومر يوم (11/11) هادئا دون أن أي احتجاجات في ظل حالة الرعب التي أبداها النظام؛ فلماذا فشلت دعوات التظاهر في 11/11؟ ولماذا لم تستجب الجماهير لهذه الدعوات رغم أن هناك شبه إجماع بين المصريين على ضرورة التخلص من نظام السيسي؟ وما النتائج المترتبة على فشل التظاهر؟

أولا،  يكن الجزم بأن الدعوة إلى التظاهر نجحت على مواقع التواصل الاجتماعي وأزعجت النظام فعلا، وبرهنت على أن الرأي العام مهيأ للتغيير ويرغب فيه بشدة؛ لكن هذه الدعوة فشلت فشلا حقيقيا على الأرض في الشوارع والميادين؛ فلم يستجب لنداءات التظاهر أحد؛ وليس من الحكمة في شيء أن نكابر وألا نقر بفشل دعوات التظاهر في هذا اليوم؛ ومحاولات البعض توظيف حالة الرعب التي بدا عليها النظام وأجهزته الأمنية في مواجهة دعوات التظاهر باعتبار ذلك نجاحا لدعوات التظاهر قبل أن تبدأ هو من قبيل التلاعب بمفردات اللغة؛ ولن ينفع مسار الثورة والإصلاح تلك العقليات التي تعمل على قلب الإخفاقات إلى نجاحات عبر قراءات فلسفية تعتمد على التلاعب بمفردات اللغة أكثر منها اعتمادا على الحقائق الموجودة على الأرض؛ فأول العلاج الإقرار بالخطأ أو المرض ثم دقة التشخيص حتى نستطيع أن نحدد الدواء المناسب، أما المكابرة وقلب الحقائق فلن تصل بنا إلى شيء.

ثانيا، عزوف الجماهير عن الاستجابة لدعوات التظاهر لم يكن أبدا لأسباب تتعلق برضا الجماهير عن سياسات النظام وتوجهاته السياسية والاقتصادية، ورغم الفرحة العارمة التي انتابت أنصار النظام رغم قلتهم إلا أن أحدهم لم يجرؤ على اعتبار ما جرى برهانا على دعم الشعب للنظام وسياساته وحبهم للجنرال المستبد.

فعزوف الناس عن التظاهر في هذا اليوم لا يعكس مطلقا أي قبول شعبي للنظام بقدر ما كان ترجمة وانعكاسا لحالة الخوف من البطش الأمني[[1]]؛

فقد شن نظام الجنرال عبدالفتاح السيسي حرب تخويف وإرهاب على المصريين جميعا؛ نشر الكمائن الأمنية في كل مكان، ووزع جواسيسه ومخبريه بملابس مدنية على كل الميادين والشوارع، فتش هواتف عشرات الآلاف من المارة عشوائيا، أوقف الآلاف لساعات طويلة، اعتقل المئات، نظم المئات من حملات الترهيب والتخويف والاعتقال؛ حيث كانت تطوف عشرات من سيارات الشرطة والمصفحات بأصوات سارينتها المزعج على معظم الشوارع من أجل بث الخوف والإرهاب بين الناس لمنعهم من الاستجابة لدعوات الاحتجاج؛ وتم منع أي نشاط جماهيري في هذا اليوم؛ فتم تجميد النشاط الرياضي وغلق المقاهي والسناتر التعليمية، بل تم الاكتفاء بنصف يوم فقط للفترة الصباحية في جميع المدارس يوم الخميس وإلغاء الدراسة للفترة المسائية.

هذا الخوف الشديد من جانب النظام مع هذه الإجراءات بعث رسالة تخويف وإرهاب إلى الناس؛ ففضل الكثيرون الاعتكاف في بيوتهم هذا اليوم خوفا من حدوث مكروه.

ومن أجمل ما قرأت في تلخيص هذا المشهد أن المصريين جميعا جلسوا بعد صلاة الجمعة أمام التلفاز يترقبون خروج المصريين للثورة على النظام!  فكلهم يريد الخلاص من هذا النظام لكنهم يكتفون بالفرجة ويترقبون مخلصا يخلصهم أو محررا ينقذهم غير مدركين أن تلك مهمتهم وهذا دورهم ولن يقوم به أحد غيرهم مهما طالت الأيام.

ثالثا، يمكن تفسير عزوف الجماهير عن الاحتجاج والاستجابة لدعوات التظاهر رغم قناعتهم بفشل السيسي وسقوط نموذجه الدموي الاستبدادي بعدم قناعة الجماهير كذلك بجدوى المسار الثوري؛ فقد قام الشعب بثورة عظيمة وأطاح بنظام حسني مبارك، وشارك بكثافة في جميع الاستحقاقات الديمقراطية بعد الثورة، وانحاز فيها جميعا لمعسكر الثورة سواء في انتخابات البرلمان أو الرئاسة أو الدستور، لكن الجيش انقلب على كل ذلك، ونسف بكل وحشية وعنف مسار الديمقراطية وعاد يفرض وصايته على الشعب في نسخة أكثر عنفا وإرهابا وتطرفا من نسخة حكم مبارك؛ فاختطف الرئيس المنتخب واعتقل أعضاء الحكومة ونواب البرلمان وعشرات الآلاف من أنصار الرئيس المنتخب، ونفذ عشرات المذابح التي راح ضحيتها الآلاف في مشهد عنف وإرهاب لم تشهد البشرية له مثيلا منذ عهود التتار والصليبيين.

علاوة على ذلك فإن تدهور الأوضاع المعيشية بعد الثورة عما كانت عليه أيام مبارك؛ دفعت معظم المصريين إلى الكفر بالثورة رغم أن الثورة لم تحكم فعليا  بل هي الثورة المضادة والدولة العميقة التي عرقلت التحول الديمقراطي ولم تترك للثورة والمسار الديمقراطي فرصة لتحكم؛  فالمتهم الحقيقي هو الثورة المضادة والحكم العسكري؛ لكن الدعاية الضخمة التي تروج الأكاذيب باستمرار بأن الثورة هي السبب وجد بعض الآذان الصاغية التي تخشى التغيير؛ لأن التغيير عندما جرى كان إلى الأسوأ ولم يكن أبدا نحو الأفضل.

وهذه خلاصة تجربة الشعب من ثورة يناير وانقلاب 3  يوليو، وينسى كثيرون أن الأوضاع الاقتصادية كانت جيدة  حتى 2016م رغم الفوضى السياسية والأمنية، لكن الأمور ساءت بشدة بعد اتفاق السيسي مع صندوق النقد الدولي وتراجع قيمة الجنيه أمام الدولار حتى انخفض إلى نصف قيمته ومنذ ذلك الحين بدأت مستويات المعيشة في التدهور الحاد ولم يتوقف هذا التدهور بل زاد سرعة وجنونا وطال أسعار كل شيء.

معنى ذلك أن الشعب أنهك بشدة خلال  السنوات العشر الماضية؛ أنهك سياسيا واقتصاديا ونفسيا؛ وفقد الأمل في كل شيء، وكانت عدم الاستجابة لنداءات الثورة والتظاهر تعبيرا عن هذا اليأس العميق وعدم الرغبة في فعل أي شيء كنتيجة لفقدان الأمل والإحباط.

رابعا،  قد تكون طبيعة المصريين عاملا من عوامل عدم الاستجابة لدعوات التظاهر؛ فالشعب المصري تعود على المقاومة السلبية في أغلب فترات تاريخه خاصة عندما يشعر بالعجز أمام سلطة دموية باطشة؛ حدث ذلك من قبل على مر التاريخ المصري؛ وهو ما يفسر خنوع المصريين للاحتلال الروماني نحو ثمانية قرون كاملة دون مقاومة تذكر، وحتى عندما جاء المسلمون لفتح مصر بقيادة الصحابي عمرو بن العاص في جيش قليل قوامه أربعة آلاف مقاتل، استطاع أن يهزم الحامية الرومانية الموجودة بمصر ويحرر البلاد من الحكم الروماني، لكن المصريين كانوا يكتفون بالفرجة وسط فرحة عارمة بتحريرهم من الرومان مرحبين بالحكم الإسلامي الذي منح الكنيسة المصرية حرية الاعتقاد والعبادة وأعاد الأنبا بنيامين إلى كرسي البابوية وكان مضطهدا من جانب الحكم الروماني.

وفي العصر الحديث ورغم بسالة المصريين أمام الغزو الفرنسي بقيادة نابليون بونابرت (1798 ــ 1801)، ثم ثورتهم على خورشيد باشا (1805)، ثم القضاء على حملة فريرز  الإنجليزية (1807) إلا أن الحكم الاستبدادي لمحمد علي وأسرته من بعده قتل في المصريين روح العزة والكرامة وأصابهم بداء المذلة واليأس والإحباط؛ فلما  جاء الإنجليز سنة 1882م وجدوا شعبا مقموعا مهزوما فاحتلوا مصر بكل سهولة وظلوا لنحو أربعين سنة دون مقاومة تذكر، حتى اندلعت ثورة (1919)! نفس الأمر يتكرر الآن فمصر تحكم بالحديد والنار منذ تأسيس جمهورية الضباط بانقلاب 23 يوليو 1952م، ومورس على الشعب جميع أشكال الاستبداد والطغيان؛ فأصيب باليأس والإحباط والهزيمة النفسية؛ وحتى عندما انتفض الشعب وقرر أن يتحرر من هذه القيود بثورة يناير 2011، التف الجيش على الثورة ودبر انقلابا دمويا أطاح فيه بالمسار الديمقراطي ونسف أحلام الشعب في الحرية والعدالة؛ اليوم تحولت مصر إلى سجن كبير؛ فكيف ننتظر من الشعب المقهور انتفاضة رغم تدهور المعيشة إلى مستويات غير مسبوقة؛ فلم تشهد البلاد غلاء طال كل شيء بقفزات مجنونة في الأسعار كما يحدث اليوم لكن يبدو أن منسوب القمع أكبر من منسوب التدهور في المعيشة فلا يزال الشعب ينتظر من يخلصه دون أن يتحرك لأنه يدرك أن الحراك على الأرجح سوف يقمع بشدة كما جرى في رابعة والنهضة وغيرها،  ولن يتحقق مراد الناس في الخلاص من الحكم العسكري البغيض.

خامسا،  التظاهر والاحتجاج وحده لن يسقط نظام السيسي؛ لأنه متجذر في مصر على نحو مفزع؛ إلا إذا كان ذلك ضمن مخطط لعصيان مدني شامل وممتد يضم جميع المدن والمحافظات المصرية؛ لكن ذلك  يحتاج إلى شروط واجبة للنجاح؛

ولكي ينجح تنظيم إضراب عام وعصيان مدني شامل؛ فلا بد من توافر شروط النجاح:[[2]]

  • الأول: النخبة المبدعة المحنكة التي تضع التصورات وتضبط الخطاب السياسي.
  • الثاني: القيادة الميدانية التي تحرك الجماهير وتشعل الحماس وتجند المناصرين للثورة.
  • الثالث، هي القاعدة الجماهيرية العريضة والتي لا تتحرك إلا بناء على (التكلفة والعائد والإمكانية) وهي عادة تحجم عن المشاركة في أي إجراء ثوري في بداية المطاف لكنها تلتحق لاحقا عند نقطة حدية. ويقصد بها اللحظة التي تتسم بالأمان النسبي نتيجة خفوت أو إخفاق المستبد فى شيء ولو طفيف، وهذا الأمان النسبي يقلل بالضرورة من معامل التكلفة ويزيد من معاملي العائد والامكانية مما يجعل تدخل الجماهير العريضة ممكنا ومحفزا، هنا يتغير كل شيء ويتحول مسار العصيان المدني نحو الحسم.
  • أن يكون عملا هادفا ومنضبطا غير فوضوي، وأن يتضمن مجموعة من المطالب المحددة والمفهومة.
  • عدم إيذاء الوجدان و الضمير الجمعي للمجتمع، لأن الهدف من العصيان المدني هو إيذاء النظام والضغط عليه وليس المجتمع؛ لأن القائمين على العصيان المدني حريصون على كسب الرأي العام لصالحهم لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الجماهير وهو ما يمثل ضغطا على السلطة من أجل التجاوب مع مطالب الجماهير والاستجابة لها.
  • أن يكون العصيان المدني في مجتمع يتمتع بهامش من الحرية ولو كان ضئيلا؛ لأن المجتمعات التي تعاني من القهر المطلق والحصار الشامل، تفتقد بطبيعة الحال إلى القيادة القادرة على تحريك الجماهير؛ لأنها إما في السجون أو بالخارج، كما أن مثل هذه السلطة عادة ما تقمع الشعب ولا تسمح مطلقا بوجود أي قوى سياسية أو نقابية قادرة  على المعارضة وهو ما تمكن النظام من خلقه في مصر بعد الانقلاب العسكري.

ويبقى التساؤل: هل تتوافر هذه المقومات لإدارة حالة عصيان مدني ناجح رغم هشاشة النظام وضعفه وتآكل شعبيته؟ الإجابة لا. فلا توجد نخبة مبدعة  محنكة تضبط الخطاب السياسي، ولا  قيادة ميدانية تقود الحشود، كذلك لا يتوافر البند السادس من شروط النجاح؛ لانعدام هامش الحرية بشكل كامل، وقتل أو اعتقال أو ملاحقة كل من له علاقة بثورة يناير باستثناء معظم الكتلة العلمانية التي انحازت للثورة المضادة.

 

النتائج المتوقعة

أولا، على المستوى الأمني؛ فإن فشل دعوات التظاهر  قد تجعل النظام أكثر جرأة، وبالتالي تتزايد حملات التفيش والاعتقالات وملاحقة نشطاء الثورة بهدف استنزاف فريق الثورة ودفعه نحو الهروب وإصابته بالمزيد من اليأس والإحباط والهزيمة النفسية. ونتيجة لذلك قد تتزايد معدلات الاعتقالات عما كانت عليه قبل دعوات التظاهر الأخيرة؛ لا سيما وأن هذه الدعوات كشفت عن حالة الرعب التي يمر النظام في ظل تدهور الأوضاع المعيشة على نحو لافت.

وعلى المستوى الإعلامي والخطاب الديني؛ فسوف يرفع النظام من وتيرة التهديد والتشويه والتخويف من الثورة والتظاهر، وسوف تزداد جرعات النقد والتجريح لثورة يناير والمنتمين لها، وسوف يبرز توظيف المؤسسة الدينية لإقناع الجماهير بالخنوع للحاكم بوصفه أمرا شرعيا دون النظر إلى مدى فشل وظلم وانحراف هذا الحاكم واغتصابه للسلطة بانقلاب من الحاكم الشرعي.[[3]]

ثانيا، قد يغري فشل دعوات التظاهر بعض  أجنحة النظام نحو اتخاذ تدابير وإجراءات أكثر قسوة على المستوى الاقتصادي  كتخفيض مخصصات الدعم ورفع أسعار الخبز المدعوم وزيادة بعض الرسوم والضرائب؛ ففشل دعوات التظاهر قد يبعث رسالة  للنظام أن الشعب في مرحلة الإنعاش وأنه ليس لديه أي رغبة في الثورة والتظاهر ضد النظام.

ثالثا، فشل دعوات التظاهر قد يعزز مكانة النظام على المستوى الدولي والإقليمي؛ وقد تراه مؤسسات التمويل الدولية برهانا على رسوخ النظام العسكري في مصر وأنه نجح بالبطش والقهر الأمني في فرض أجندته على الشعب ومنع الجماهير من التظاهر مجددا بعدما استوعب النظام درس ثورية يناير وأنه لن يسمح بتكرار ذلك مرة أخرى.

وبالتالي فقد يؤدي ذلك إلى مزيد من الدم الدولي لنظام السيسي بعدما تبرهن للجميع غياب أي بديل  له في ظل ضعف مكونات المعارضة بكل أطيافها.

رابعا، سوف تزداد مخاوف السيسي بمرور الأيام في ظل بؤس الأوضاع؛ وسوف يزيد من أعمال الرقابة على الجيش وأجهزة الدولة والإطاحة بكل شخص  قد يمثل تهديدا للنظام وأو لا يبدي أعلى صور الولاء لشخص السيسي. وبالتالي فقد تشهد الأيام والأسابيع المقبلة تغييرات كبرى في الجيش وجميع مؤسسات الدولة وأجهزتها.

خامسا، قد تكون السلطة العسكرية نجحت في وأد الحراك الجماهيري  المنظم؛ عبر قتل واعتقال عشرات الآلاف من  الإسلاميين ونشطاء الثورة؛ لكن المشهد على هذا النحو قد يكون أكثر قتامة؛ لأنه قد يفتح الباب على مصراعيه أمام انفجارات اجتماعية غير محسوبة من فئات مهمشة يقتها الفقر والجوع كل يوم؛ وبالتالي فإن النظام في الوقت الذي يغلق فيه جميع مسارات التغيير السلمية والثورية فإنه يفتح الباب أمام انتفاضة جياع  لا تبقى ولا تذر تدخل البلاد كلها في مرحلة من الفوضى العارمة لسنوات طويلة.

خلاصة الأمر، رغم فشل دعوات التظاهر على المستوى الميداني إلا أنها نجحت على الفضاء الإلكتروني ومواقع التواصل الاجتماعي، فقد ضجت هذه المواقع لتبرهن على أن الرأي العام يرغب في التغيير بشدة، وويذهب أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية الدكتور عصام عبدالشافي إلى أن الحديث عن فشل أو عدم فشل دعوات 11 نوفمبر، يرتبط بعدة اعتبارات، أولها هل كان لهذه الدعوات إيجابيات؟ وثانيها ما الذي فشلت فيه؟

ويرى أن “الدعوة كانت لها إيجابيات لأنها خلقت نوعاً من الاستنفار السياسي والإعلامي والأمني لدى النظام، الذي حشد قواته وأجهزته ومؤسساته، عبر كل المستويات، للتعاطي مع هذه الدعوات، وقام بتفتيش هواتف الآلاف واعتقال المئات، وإغلاق الميادين والشوارع الرئيسية”.

وكان لهذه الدعوات إيجابياتها أيضا ــ حسب عبدالشافي ـ على تيارات المعارضة السياسية، التي بدأت في التواصل من جديد، وتنظيم العديد من اللقاءات والفعاليات خارج مصر، وأصبحت أكثر اهتماماً نسبياً بتحولات الأوضاع في مصر، وطرح أطر للتفكير وبدائل للتغيير، وهو ما لم يكن قائماً خلال العامين الماضيين”.[[4]]

لكن في المقابل، فشلت هذه الدعوات في تحقيق الهدف الكبير منها، وهو خروج الناس إلى الميادين، وبالتالي تحريك المياه الراكدة داخلياً كخطوة لإسقاط النظام.

وهذا الفشل مرده إلى تفسيرات عدة، بتقدير عبد الشافي، أولها الوزن النسبي لأصحاب الدعوات، وامتناع التيارات والحركات السياسية الكبرى عن الدعم والمساندة.

وثانيها، بحسبه، العشوائية في الخطاب السياسي والإعلامي الذي قدمه بعض المحسوبين على هذه الدعوات.

وثالثها القبضة الأمنية القوية التي يستخدمها النظام.

ورابعها عدم وضوح الرؤية للكثيرين حول مرحلة ما بعد التظاهرات.

وخامسها، الاعتماد في الدعوات على شبكات التواصل فقط، من دون أن تكون هناك مكونات صلبة على الأرض تشكل الحاضنة الشعبية لهذه الدعوات.

وفي النهاية فإن عملية التغيير السياسي هي عملية تراكمية ومستمرة، وكل إجراء فيها ينال من بنية الاستبداد هو خطوة على طريق تفكيك هذه البنية على المدى المتوسط والبعيد، لأن هذا النظام بالأساس يمتلك في داخله مكونات فشله وسقوطه.

وسيكون خطئا فادحا إذا فهم السيسي وأجهزته من عزوف الجماهير على التظاهر أنه تعبير عن الرضا الشعبي لسياسات وتوجهات النظام؛ فالغضب قائم بالفعل والشارع محتقن بسبب الغلاء الفاحش وعدم قدرة الغالبية من الناس على الوفاء باحتياجاتهم الأساسية؛ وطالما بقيت مسببات الاحتقان الشعبي، فإن حالة الانفجار ستكون مؤجلة إلى حين.

وإذا  كان مسار التداول السلمي عبر صناديق الاقتراع مغلق بالضبة والمفتاح، ومسار العصيان المدني يفتقد إلى شروط النجاح، ومسار الانقلاب على الانقلاب محل شك كبير، بعدما فرض السيسي وصايته على المؤسسة العسكرية بشكل كامل؛ فإن النظام يفتح الباب على مصراعيه نحو انتفاضة جياع وهي في كل الأحوال مسار أشد خطرا على الوطن من كل السيناريوهات السابقة.[[5]]

 

[1] القبض على عدد من المواطنين بالإسكندرية رغم فشل دعوات التظاهر.. و«أمن الدولة» فقط تحبس 404 متهمين بسبب «11 نوفمبر» منذ أكتوبر/ مدى مصر ــ  السبت 12 نوفمبر 2022م// القبض على محامي متهمين في قضايا سياسية.. وحبس 300 على خلفية دعوات «11-11»/ مدى مصر ـ الثلاثاء 08 نوفمبر 2022م

 

[2] «العصيان المدني» هو «سحب الاعتراف بسلطة الدولة من كل مناحي الحياة العامة والخاصة» ويؤدي إلى شلل كامل في الدولة. ويظل العصيان المدني حقا مكفولا للمواطنين طالما أنه ظل سلميا ولكن في بعض الحالات ومع عناد السلطة الطاغية وتجاهلها للعصيان المدني ومطالب القائمين عليه؛ يضطر القائمون على العصيان المدني إلى استخدام العنف كرد فعل مشروع على عنف السلطة التي تلجأ كعادتها إلى القمع والبطش عبر أدواتها الأمنية، وبذلك يمثل استخدام العنف كرد فعل على عنف السلطة تصعيدا من جانب القائمين على العصيان المدني ويتحول بذلك إلى «عصيان غير مدني»، وهو صورة  أولية نحو أداة أخرى هي «الثورة» وبذلك يتحول النضال الشعبي من أساليب «المقاومة السلمية» إلى «المقاومة العنيفة» والتي يمكن أن تتحول إلى ثورة إذا نجح الثوار في الإطاحة بنظام الحكم وتأسيس نظام سياسي جديد يحقق أهداف الفئات الثائرة والجماهير الغاضبة.

[3] فاطمة الدسوقى/ المواطنون ضربوا المثل فى الوعى بالوجه القبيح للجماعة الإرهابية..أفراح بالشوارع تأييدا للقيادة السياسية/ الأهرام ــ السبت 18 من ربيع الثاني 1444 هــ 12 نوفمبر 2022 السنة 147 العدد 49649// وزير الأوقاف: المصريون صف واحد خلف رئيسهم وجيشهم وشرطتهم/ الأهرام اليومي ــ السبت 18 من ربيع الثاني 1444 هــ 12 نوفمبر 2022 السنة 147 العدد 49649

[4] انظر تصريحات الدكتور عصام عبدالشافي في تقرير (عبد الكريم سليم/ لماذا تجاهل المصريون دعوات مجهولة للتظاهر في 11/11؟/ العربي الجديد ــ الإثنين 14 نوفمبر 2022)

 

[5] لمزيد من التحليلات حول هذا الموضوع يمكن الاطلاع على التقارير الآتية: عبد الفتاح ماضي/ مصر: الأزمات بمفردها لا تصنع التغيير/ العربي الجديد ــ 05 نوفمبر 2022// تقادم الخطيب/ في مستقبل النظام المصري/ العربي الجديد ــ السبت 12 نوفمبر 2022// أحمد مولانا/ هل نحن على أعتاب ربيع عربي جديد؟/ عربي بوست ــ السبت 12 نوفمبر 2022م

 

]]>
https://politicalstreet.org/5584/feed/ 0
مظاهرات (11/11) .. متى يحسم المصريون خلافهم حول طريقة التغيير؟ https://politicalstreet.org/5572/?utm_source=rss&utm_medium=rss&utm_campaign=%25d9%2585%25d8%25b8%25d8%25a7%25d9%2587%25d8%25b1%25d8%25a7%25d8%25aa-11-11-%25d9%2585%25d8%25aa%25d9%2589-%25d9%258a%25d8%25ad%25d8%25b3%25d9%2585-%25d8%25a7%25d9%2584%25d9%2585%25d8%25b5%25d8%25b1%25d9%258a%25d9%2588%25d9%2586-%25d8%25ae%25d9%2584%25d8%25a7%25d9%2581%25d9%2587%25d9%2585-%25d8%25ad%25d9%2588 https://politicalstreet.org/5572/#respond Tue, 15 Nov 2022 10:46:01 +0000 https://politicalstreet.org/?p=5572 أحيانا يكون سبب تخلف البلاد السياسات الخاطئة والمسارات المدمرة، وأحيانا يكون السبب انعدام كفاءة وخبرة القائمين على حكم البلاد؛ وفي حالة الدكتاتور عبدالفتاح السيسي ونظامه وأجهزته، فإن مصر تعاني من الأمرين معا؛ فالنظام يفتقد إلى الخبرة والكفاءة والاحترافية وحتى الصدق والأمانة والولاء الحقيقي للوطن (الشعب ـ الهوية  والحضارة ــ  الأرض)، في ذات الوقت الذي يتبنى فيه النظام سياسات خاطئة بشكل كامل في الملفات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، وكلها عوامل تبرهن على خطأ مسار 3 يوليو الذي نسف فعليا مكتسبات ثورة 25 يناير، ودمر المسار الديمقراطي الوليد واسترد به الجيش ومافيا الدولة العميقة سيطرتهم الكاملة على البلاد والتي تمتد منذ الانقلاب الأول في 23 يوليو 1952م حيث تأسست جمهورية الضباط على يد الجنرال الأسبق جمال عبدالناصر والتي لا تزال قائمة حتى اليوم، ودفعت بمصر  إلى ذيل الأمم وأغرقتها في بحار الديون والظلم والطغيان.

ويكفي للتدليل على ذلك الغلاء الفاحش الذي طال كل شيء؛ حتى سقط عشرات الملايين من المصريين إلى ما دون خط الفقر، والتفريط في سيادة مصر على جزيرتي “تيران وصنافير”، وشرعنة بناء سد النهضة الإثيوبي الذي يهدد بحرمان مصر من بعض حصتها المائية، وإغراق البلاد في الديون والفشل في إدارة موارد الدولة حتى إن جميع موارد الدولة المتوقعة وفقا للموازنة الحالية (2022م2023) وقدرها (نحو (1.517) تريليون جنيه) لا تكفي لسد بند واحد في الموازنة وهو خدمة الدين العام والذي يصل إلى (690.1 فوائد الديون +  أقساط الديون965.48=1,655 تريليون جنيه)! بمعنى أن مصر كلها بجميع مؤسساتها بقناة سويسها وسياحتها وإنتاجها تعمل وكل مواردها لا تكفي لسداد فوائد الديون وأقساطها؛ فهل هناك انحطاط وفشل أكثر من ذلك؟!

بناء على ما آلت إليه أوضاع البلاد من تدهور حاد في كافة قطاعات الدولة؛ بات هناك شبه اتفاق بين المصريين على ضرورة التغيير؛ فلا أحد في مصر يريد بقاء نظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي، حتى المقربون من النظام ومن ضمنهم ما تسمى بأجهزة النظام السيادية (الجيش ـ المخابرات ـ الأمن الوطني) والذين ظلوا لسنوات يدافعون عنه باتوا على يقين كامل أن بقاءه واستمراره هو استنزاف وتدمير لمصر وشعبها وحضارتها، تدمير للحاضر والمستقبل على السواء؛ وإذا جاز لنا أن نستثني أحدا من هذا الإجماع فإنهم قلة لا تزيد باي حال عن (1%) واحد في المائة فقط من الناس؛ لكن هذا الـ(1%) هم الذين يمسكون مفاصل السلطة من الألف إلى الياء؛ وهؤلاء هم الذين ينتفعون من بقاء النظام باستغلال مناصبهم الحساسة في تكوين ثروات طائلة من الصفقات الحرام ونهب أموال الأمة؛ يزدادون ثراء بينما تزداد بهم مصر فقرا وجهلا وقبحا وتخلفا.

فهل هناك شبه إجماع على ضرورة التغيير؟ وكيف ينظر المصريون إلى طريقة تغيير النظام؟ وهل يمكن أن يطاح بالسيسي عبر صناديق الانتخابات أم بثورة شعبية أو انقلاب عسكري؟! وما احتمالات حدوث كل سيناريو من هذه السيناريوهات؟

 

الاختلاف حول طريقة التغيير

المصريون متفقون على ضرورة التغيير لكنهم مختلفون على آلية وطريقة التغيير.

الفريق الأول، يتبنى الحل الدستوري، بمعنى الإطاحة بالسيسي عبر الانتخابات؛ سواء كان ذلك عبر جمع توقيعات مماثلة لحركة تمرد التي أسستها المخابرات الحربية قبل الانقلاب على الرئيس الشهيد محمد مرسي، أو الاستعداد للانتخابات الرئاسية المقبلة في منتصف 2024م. وهو السيناريو الذي دعا إليه كتاب وسياسيون منذ سنة 2017م.[[1]]

قبل مسرحية الرئاسة في إبريل 2018م، وحاليا بعض القوى السياسية  المنخرطة فيما يسمى بالحوار الوطني والذي يقام بشروط النظام تتبنى هذا الطرح، وهو ما يتسق مع نظرتها للأحداث بوصفها  قوى علمانية دعمت انقلاب 03 يوليو وتصفه بالثورة على الإسلاميين الإرهابيين؛ وبالتالي فهذه القوى تتحرك من داخل مظلة النظام، لا تستطيع أن  تتبنى تصورا مغايرا؛ فهي تتحرك تحت السقف الذي وضعه النظام ولا تملك الانفلات منه.

ويدفع هؤلاء  على استحياء إلى الضغط على السيسي من أجل عدم الترشح في الانتخابات المقبلة، أو الدفع بمرشح قوى يمكن أن يفوز على الجنرال.

فهؤلاء على كل حال يفضلون التغيير عبر الصندوق وعبر الانتخابات تحت مظلة الدستور القائم، ويحذرون من التغيير بأي وسيلة أخرى في ظل تردي الأوضاع بعد تفشي جائحة كورونا وتداعيات الغزو الروسي لأوكرانيا، وأن الوضع لم يعد يحتمل تغيير بطريقة غير سلمية.

الفريق الثاني، يتبنى الحل الثوري، وهؤلاء أسرى ما جرى  في 25 يناير، ويريد استنساخ نفس التجربة بنفس الآليات، ويرى أنصار هذا الفريق أن الجماهير إذا خرجت بكثافة كما جرى في ثورة يناير، والإصرار  على عدم الرجوع وترك الميادين و الشوارع إلا بعد تحرير البلاد والإطاحة بالنظام العسكري الاستبدادي.

وهؤلاء يدفعون باستمرار إلى دفع الجماهير نحو الاحتجاج والتظاهر على أمل أن تخرج الجماهير ذات مرة ولا تعود إلا بعد تغيير النظام.

اتخاذ قرار بهذا التأثير يستوجب من القائمين على الحراك ويقودون الجماهير أن يكون مبنيا على تقدير موقف دقيق من كافة الأبعاد والجوانب، يستند إلى معطيات وحقائق لا أوهام وأمنيات؛ بخلاف التحديد الدقيق لموازين القوى محليا وإقليميا ودوليا ومدى تفاعل الجماهير والقوى السياسية والنقابية والعمالية مع هذا التحول وكذلك لا بد من العلم بمواقف أجهزة السلطة ومدى التوافق أو التبابين بينها والعمل على استقطاب أجنحة داخل السلطة لصف الحراك، وبث الفتنة بين مكونات السلطة لإضعافها والحد من قدرتها على المواجهة والصمود.

علاوة على ذلك ولنجاح الحراك لا بد أيضا من تحديد دقيق لمواقف القوى الإقليمية والدولية من هذا التحول وحجم تأثيرها على التدخل في صناعة القرار داخل السلطة المستبدة التي يراد الإطاحة بها، والقوى التي يمكن أن تؤيد أو ترفض الثورة وهل المشهد المحلي والإقليمي مهيأ لمثل هذا التحول أم أن ميزان القوى مختل لحساب  السلطة المستبدة؛ ذلك أن تجارب الربيع العربي كشفت عن تأثير عميق للقوى الإقليمية والدولية على صناعة القرار في معظم الدول العربية دون استثناء وأن نظم الحكم إنما تحكم وفق معادلة في غالبتها تقوم على حسابات وصفقات مع قوى خارجية مؤثرة وذات نفوذ كبير على صناعة وتصميم المشهد الإقليمي بما يخدم مصالحها ويحقق أهدافها.

الفريق الثالث، يتبنى الحل من داخل منظومة الحكم ذاتها، بمعنى أن تجربة سنوات ما بعد انقلاب 03 يوليو أوصلت أنصار هذا الفريق إلى مرحلة اليقين بانعدام التغيير بالطرق والآليات السلمية؛ فمن اغتصب السلطة بانقلاب دموي يستحيل أن يتركها بالصندوق؛ فتلك أوهام لا وجود لها في واقع الناس.

والقائلون بجدوى التغيير عبر الصناديق هم في نظر أنصار هذا الفريق واهمون غير واقعيين بالمرة، كذلك فإن القائلين بجدوى التغيير عبر الثورة واستنساخ ما جرى في يناير 2011 هو من قبيل الخفة والسطحية، لأن أنصار هذا الفريق يرون أن المؤسسة العسكرية هي المؤسسة الوحيدة القادرة على تغيير الأوضاع؛ فهي الوحيدة التي تملك القوة والسلاح، وأن السيسي في ظل انعدام رص التداول السلمي للسلطة، ومنع الناس من التظاهر والاحتجاج  عبر اعتقال عشرات الآلاف من أبناء ثورة يناير، فإنه لم يدع طريقا للخلاص منه إلا بذات الطريقة التي اغتصب بها السلطة (انقلاب عسكري).

ويرى هؤلاء أن المؤسسة العسكرية يمكن أن تطيح بالسيسي  إذا أدركت أن مصالحها في خطر وأن بقاء السيسي يهدد مشروعاتها وإمبراطوريتها الاقتصادية.

الفريق الرابع، هم عامة الناس والذين يمثلون الكتلة الكبرى؛ فهم يريدون التغيير بشدة؛ لأن الوضع الراهن أثر في مستوى معيشتهم بشكل حاد وعنيف ومؤلم، لكن أنصار هذا الفريق  لا يتبنون أي شيء، فهمهم هو لقمة العيش وتحسين  مستويات المعيشة؛ وما دام السيسي غير قادر على تحسين مستويات المعيشة، بل تسبب بتبنيه سياسات صندوق النقد الدولي في تدهور الأوضاع وسوء مستويات المعيشة؛ فليرحل وليأت نظام جديد قادر على إدارة موارد البلاد بشكل صحيح ويحسن مستويات المعيشة المتردية.

وهؤلاء لا يعنيهم الطريقة التي يمكن بها الإطاحة بالسيسي لكنهم متشوقون للخلاص منه بأي شكل، وسوف يؤيد هؤلاء الإطاحة بالسيسي بأي شكل سواء بثورة أو انقلاب أو حتى صناديق الانتخابات وإن كانوا غير واثقين من جدوى التغيير السلمي؛ لأن تجرية مصر منذ حكم أسرة محمد علي لا تعرف أي تغيير سلمي للسلطة على الإطلاق والمرة الوحيدة التي جرى فيها ذلك بعد انتخابات الرئاسة في منتصف 2012، اتضح أنه كان تداولا شكليا ضمن خطة نفذتها المؤسسة العسكرية لاستعادة السيطرة على حكم البلاد من جديد فلم يكونوا صادقين أبدا في تسليم السلطة لرئيس وحكومة منتخبة بإرادة الشعب الحرة.

 

مناقشة هادئة (مسار الانتخابات)

بالنسبة للفريق الذي يؤمن بالحل الدستوري عبر صناديق الاقتراع، يمكن أن نطرح عليه بعض الأسئلة حتى تتضح المسألة ويتحرر موضع النزاع:

من بيده السلطة؟ الجيش. وهل يؤمن الجيش بالتداول السلمي للسلطة؟ لا. فالجيش ينظر إلى مصر بوصفها إقطاعية عسكرية.

هل المجتمع الدولي لديه مشكلة في غياب الديمقراطية في مصر وسيطرة الجيش؟ لا. بل يرون الجيش حليفا استراتيجيا للسيطرة على مصر والمنطقة. وهل الداعون لانتخابات رئاسية مبكرة أو في موعدها (القوى المدنية الديمقراطية العلمانية) يؤمنون أصلا بالتداول السلمي للسلطة؟ الإجابة بالطبع (لا)؛ لأنهم دعموا انقلابا عسكريا دمويا لمجرد رفضهم لنتائج الديمقراطية التي يتمسحون بها.

هل يمكن أن تفضي أي انتخابات إلى الإطاحة بنظام جاء بانقلاب عسكري؟! سيقولون: من قال إن 30 يونيو انقلاب عسكري، بل هي ثورة شعبية أطاحت بنظام الإخوان.وهل أطاحت 30يونيو بالرئيس والحكومة المنتخبة أم بيان 3 يوليو العسكري؟ قد يردون: إن بيان السيسي في 03 يوليو هو ترجمة لمطالب الشعب في 30 يونيو.

وهل من صلاحية وزير الدفاع والجيش الإطاحة بالحكومة المنتخبة؟ وهل تقبلون بذلك في مستقبل البلاد وأن من حق الجيش الإطاحة بأي رئيس أو حكومة منتخبة؟! هنا سوف يتوقفون كثيرا قبل الإجابة؛ لأن التجربة برهنت على أن تدخل الجيش في السياسة هو أكبر خطيئة يمكن أن تحدث لأي دولة.

ألا تمثل تجربة مسرحيتي 2014 و2018 على أن أي انتخابات في ظل حكم عسكري قمعي هي إجراء شكلي لا يفضي مطلقا إلى تغيير حقيقي؟ وهل يمكن أن يقبل نظام السيسي بإجراء انتخابات حرة نزيهة؟ وهل يمكن أن يسمح من الأساس بمنافس قوي وقد رأينا جميعا مهزلة 2018 عندما تم اعتقال الفريق سامي عنان وأحمد قنصوة لأنهما تجرآ وأعلنا الترشح ضد السيسي، وكيف وضع أحمد شفيق رهن الإقامة الجبرية، وكيف جيء بأراجوز[[2]] ليقوم بدور المنافس للسيسي في مسرحية هزلية كشفت عن حجم البؤس والانحطاط في مصر؟!

الإجابة على هذه الأسئلة قد تبرهن على أن مسار الداعين إلى انتخابات رئاسية مبكرة أو في موعدها هو مسار عبثي والتداول السلمي للسلطة هي مجرد أوهام لا محل لها من الإعراب إلا في خيالات القوى المدنية العلمانية رغم أن هذه القوى نفسها هي من أعلنت المقاطعة في مسرحية 2018 ووصفتها بالشكلية؛ فلماذا يظنون أن المسرحية المقبلة قد تكون جادة في ظل هيمنة أجهزة السيسي الأمنية على المشهد من الألف إلى الياء؟!

 

الحل الثوري

يؤمن أنصار هذا المسار أن المقاومة المدنية السلمية ومنها التظاهر قد يغير شكل النظام هذه المرة، معتقدين أن الظروف باتت مواتية في ظل الانهيار الذي تعاني منها البلاد، وفي ظل تآكل شعبية النظام إلى ما دون الحضيض، لكن أنصار هذا الفريق يستدركون بأن «التظاهر وحده ليس كفيلا بهذا التغيير».[[3]]

فالتظاهر  في هذه الحالة لا بد أن يكون جزءا من حالة عصيان مدني وإضراب عام يحتاج لمن يديره ويحدد مساراته.

ورغم أن أنصار هذا الفريق كانوا مع التظاهر ضد النظام على الدوام إلا أن بعضهم قد راجعوا هذا الموقف وباتوا يدركون أن التظاهر الموسمي مع كل مناسبة قد يأتي بنتائج عكسية؛ لأنه قد يكون وسيلة لتفريغ تراكم الغضب عند الشعب، بخلاف الخسائر الناتجة عن الصدام مع أجهزة النظام واعتقال الآلاف من المتظاهرين بما يترتب على ذلك من مشاكل وأزمات، وأن السوابق لم تكن جيدة في هذا الملف، وهو ما يستوجب إعادة النظر في هذه الوسيلة.

وينتهي هؤلاء إلى أن التظاهر ما لم يكن جزاء من إضراب عام وعصيان مدني شامل ومتواصل وضاغط ومتنوع فلن تكون له الجدوى المنشودة، بل قد تكون خسائره أكبر من مكاسبه.

ولكي ينجح تنظيم إضراب عام وعصيان مدني شامل؛ فلا بد من توافر شروط النجاح:[[4]]

  • الأول: النخبة المبدعة المحنكة التي تضع التصورات وتضبط الخطاب السياسي.
  • الثاني: القيادة الميدانية التي تحرك الجماهير وتشعل الحماس وتجند المناصرين للثورة.
  • الثالث، هي القاعدة الجماهيرية العريضة والتي لا تتحرك إلا بناء على (التكلفة والعائد والإمكانية) وهي عادة تحجم عن المشاركة في أي إجراء ثوري في بداية المطاف لكنها تلتحق لاحقا عند نقطة حدية، ويقصد بها اللحظة التي تتسم بالأمان النسبي نتيجة خفوت أو إخفاق المستبد فى شيء ولو طفيف، وهذا الأمان النسبي يقلل بالضرورة من معامل التكلفة ويزيد من معاملي العائد والامكانية مما يجعل تدخل الجماهير العريضة ممكنا ومحفزا، هنا يتغير كل شيء ويتحول مسار العصيان المدني نحو الحسم.
  • أن يكون عملا هادفا ومنضبطا غير فوضوي، وأن يتضمن مجموعة من المطالب المحددة والمفهومة.
  • عدم إيذاء الوجدان و الضمير الجمعي للمجتمع، لأن الهدف من العصيان المدني هو إيذاء النظام والضغط عليه وليس المجتمع؛ لأن القائمين على العصيان المدني حريصون على كسب الرأي العام لصالحهم لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الجماهير وهو ما يمثل ضغطا على السلطة من أجل التجاوب مع مطالب الجماهير والاستجابة لها.
  • أن يكون العصيان المدني في مجتمع يتمتع بهامش من الحرية ولو كان ضئيلا؛ لأن المجتمعات التي تعاني من القهر المطلق والحصار الشامل، تفتقد بطبيعة الحال إلى القيادة القادرة على تحريك الجماهير؛ لأنها إما في السجون أو بالخارج، كما أن مثل هذه السلطة عادة ما تقمع الشعب ولا تسمح مطلقا بوجود أي قوى سياسية أو نقابية قادرة  على المعارضة وهو ما تمكن النظام من خلقه في مصر بعد الانقلاب العسكري.

ويبقى التساؤل: هل تتوافر هذه المقومات لإدارة حالة عصيان مدني ناجح رغم هشاشة النظام وضعفه وتآكل شعبيته؟ الإجابة لا.

فلا توجد نخبة مبدعة  محنكة تضبط الخطاب السياسي، ولا  قيادة ميدانية تقود الحشود، كذلك لا يتوافر البند السادس من شروط النجاح؛ لانعدام هامش الحرية بشكل كامل، وقتل أو اعتقال أو ملاحقة كل من له علاقة بثورة يناير باستثناء معظم الكتلة العلمانية التي انحازت للثورة المضادة.

 

سيناريو الانقلاب

أنصار هذا الرأي يعتقدون أن الخروج من حالة الجمود في المشهد المصري لن تحدث إلا بتدخل المؤسسة العسكرية؛ وهو سيناريو (الانقلاب على الانقلاب)، يقول الخبير الأمريكي المتخصص في شؤون مصر والشرق الأوسط، روبرت سبرنجبورج، في يونيو 2022 إن «هناك بلا ريب أناس داخل النظام نفسه يعتقدون أن هذا الرجل (السيسي) غير قادر على إخراج مصر من الوحل الذي توجد فيه حاليا، ولذا إذا ازدادت الأمور سوءا يصبح السؤال كالتالي: ماذا عساها تكون ردود أولئك الذين يملكون خلعه من الداخل؟ (..) ولا بد أن هذا الأمر يقلق السيسي، وسوف يحتاج لأن يقضي وقتا أطول يتحسب من الانقلاب وفي التأكد من أن أجهزة مخابراته يقومون بما يلزم من أجل حمايته وهذا سيزيد من صعوبة الأمر عليه».[[5]]

وحتى السفيرة الأمريكية بالقاهرة خلال فترة الانقلاب آن باترسون[[6]]، لم تستبعد في تصريحات لها خلال حديثها في ندوة خاصة نظمها مركز أبحاث أمريكي  في فبراير 2019م بشأن رد الفعل الأمريكي على أحداث الربيع العربي، أن يطيح الجيش بالسيسي قائلة: «إن الجيش المصري أطاح بالرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك، والسابق محمد مرسي، وقالت إذا كانت هناك جهة ستتخلص من السيسي فستكون الجيش المصري، مضيفة: “الأمر لم يكن عملية ديمقراطية».

والحق أن المؤسسة العسكرية هي مؤسسة انقلابية وتحكم البلاد منذ أكثر من سبعين سنة  من خلال انقلاب عسكري في 23 يوليو 1952م، أطلقوا عليه زورا (الحركة المباركة) ثم وصفوه بالثورة حين تم الإطاحة بالحكم الملكي.

وفي ظل الصراع على السلطة بين نجيب وعبدالناصر، انقلب الأخير على نجيب ووضعه رهن الإقامة الجبرية سنة 1954؛ لأن نجيب أراد إحياء الحياة الحزبية والسياسية وعودة الجيش إلى ثكناته وتسليم السلطة إلى حكومة مدنية منتخبة.

وفي أعقاب هزيمة 67 تصارع الجنرالات  على السلطة حتى قتل عبدالناصر صديقه الحميم عبدالحكيم عامر وزير الحربية، وبعد تنصيب السادات رئيسا في سنة 1971، كادت له مراكز القوى حتى أطاح بهم بحملة اعتقالات واسعة سنة 1971 أسماها بثورة التصحيح. وينظر أصحاب هذا الرأي إلى الإطاحة بمبارك باعتبارها انقلابا من الجيش، وحسب هؤلاء فلولا تدخل الجيش لما أطيح بمبارك في فبراير 2011م.

وحتى التجربة الديمقراطية الجادة والوحيدة انقلب عليها الجيش ودبر انقلابا دمويا وحشيا في منصف 2013م، ضد أول رئيس منتخب بإرادة الشعب الحرة النزيهة. ودبر الجيش عشرات المذابح الجماعية ووجه سلاح الشعب إلى صدور الشعب، واتخذ من نصف المجتمع عدوا، وأوغل في سفك الدماء على نحو مخيف حتى يسترد الجنرالات سيطرتهم على البلاد ووصايتهم على الأمة.

بعد كل هذه الحقائق؛ لماذا نستبعد انقلاب الجيش على السيسي؟! ألا يمكن للمؤسسة العسكرية أن تطيح به كما أطاحت بغيره خوفا على مصالحها وإمبراطوريتها الاقتصادية المترامية الأطراف؟ كل المؤشرات تؤكد أن الجيش سوف يتدخل للإطاحة بالسيسي حال أدرك أن بقاء الجنرال يمثل خطرا على المؤسسة وتهديدا لاقتصادها وشركاتها العلاقة، لذلك نجد أن السيسي تراجع على الفور عن خصخصة شركتي (وطنية وصافي) لأنهما تابعتان للجيش رغم إعلانه مرارا منذ 2019 أنه ينوي خصخصة الشركتين والحد من هيمنة الجيش على اقتصاد الدولة.

المؤيدون لهذا الرأي يستدلون عليه ببعض المؤشرات التي التيالتيتؤكد على تململ قطاعات مهمة داخل مؤسسات وأجهزة الدولية الأمنية؛ فموقع «أفريكا إنتلجنس» الاستخباراتي الفرنسي كشف في نهاية أكتوبر 2022 أن 6 ضباط كبار من جهاز المخابرات المصرية تقدموا باستقالاتهم في 23 أكتوبر 2022، بسبب سياسة التقشف التي يقودها السيسي أربعة منهم يحملون رتبة لواء.

وقال الموقع إن هذه ليست المرة الأولى التي يغضب فيها قادة المخابرات العامة من قرارات السيسي، إذ انزعجوا من بيع أصول الدولة حول قناة السويس الاستراتيجية للمستثمرين الإماراتيين. كما اشتكى بعض لواءات المخابرات العامة من تدخل الجيش في تسيير الاقتصاد المصري، وهو الدور الذي تعزز في ظل رئاسة السيسي بمشروعات مثل بناء عاصمة إدارية جديدة.[[7]]

كذلك خرجت تقارير تزعم أن عددا من ضباط الجيش السابقين وقوى وطنية وقطاعات مجتمعية مختلفة، بصدد صياغة مشروع جديد للتغيير في البلاد، داعية جموع المصريين إلى “المشاركة بقوة في احتجاجات الجمعة 11 نوفمبر 2022، تزامنا مع انعقاد المؤتمر الأممي السابع والعشرين لتغير المناخ (COP27) بشرم الشيخ المصرية.

وفي بيانها الأول  حمل عنوان “حرية 1″، قالت المجموعة إنها في تشاور وتواصل وتعاون مستمر مع بعض مَن وصفتهم بـ “المخلصين والشرفاء” في أجهزة ومؤسسات الدولة المختلفة، بالإضافة إلى بعض الشخصيات والقوى السياسية الوطنية داخل وخارج البلاد.

كما كشفت المجموعة عن أن مشروع التغيير -الذي تعكف الآن على بلورته بصورة نهائية- يرتكز على “مشاركة الجميع في بناء المستقبل المنشود بلا إقصاء أو استثناء لأي أحد، وذلك عبر تشكيل مجلس رئاسي يشمل المكون المدني أولا والعسكري ثانيا، ويعاون هذا المجلس فريق رئاسي متكامل”.[[8]]

بتحليل مضامين هذين الخبرين فإنها لا تشير مطلقا إلى  نية انقلاب؛ لأن من يعد لانقلاب لا يستقيل من منصبه الحساس بل يوظفه لنجاح انقلابه. أما الخبر الثاني فيشير إلى  مجموعة من الضابط المتقاعدين؛ والمتقاعدون لا ينفذون انقلابا عسكريا؛ وكل ما في الأمر أنهم قرروا النضال ضد السيسي ونظامه في ظل تردي الأوضاع على نحو خطير، بلا اي سلطات حقيقية قادرة على تعديل ميزان القوى المختل.

علاوة على ذلك فإن السيسي خلال السنوات الماضية تمكن من تفريغ المؤسسة العسكرية من كل القيادات القادرة على تحديه أو منافسته، واستبعد كل قيادة يمكن أن تمثل له تهديدا، وما ارتقى إلى سلم المناصب العليا في المؤسسة العسكرية إلا كل من يضمن السيسي ولاءه المطلق لشخصه قبل أي شيء.

ولا ننسى أن على رأس المؤسسة  اللواء محمد زكي الذي كان قائدا للحرس الجمهوري أثناء فترة الانقلاب؛ وهو من اختطف الرئيس المنتخب وشارك في جريمة الانقلاب على النحو الذي جرى؛ هل مثل هذا يمكن أن يقود انقلابا على السيسي؟! كذلك فقد عزز السيسي ترسانة الحرس الجمهوري من السلاح على نحو كبير حتى يضمن حمايته من غدر الرفاق.

 

خلاصة الأمر

مسار التداول السلمي عبر صناديق الاقتراع مغلق بالضبة والمفتاح، ومسار العصيان المدني يفتقد إلى شروط النجاح، ومسار الانقلاب على الانقلاب محل شك كبير، وحتى إذا كان احتمالا قائما، فهل يقبل الشعب بجنرال بديل للسيسي؛ بمعنى القبول بنسخة مخففة من الحكم العسكري؟!

الكاتب الصحفي عبدالناصر سلامة، رئيس تحرير الأهرام الأسبق، كتب مقالا يدعو فيه إلى القبول بحكم عسكري رشيد، واعتبر من يدعون إلى  حكم  مدني وإزاحة الحكم العسكري واهمين حالمين؛ لأن الحكم العسكري متجذر في مصر على نحو لا يمكن تصوره.[[9]]

يقول سلامة: «لنسعَ إلى البحث عن رجل عسكري رشيد، أو بتعبير أدق: عن “الحكم العسكري الرشيد” قدر الإمكان، الحكم العسكري الذي يؤمن بالتخصص كلٌّ في مجال عمله، يستمع إلى الآخر، أمرهم شورى بينهم، يؤمن بدراسات الجدوى، يدرك أهمية التعليم، أهمية المنظومة الصحية، أهمية بناء الإنسان، أهمية الثروة البشرية عموما، يعي فقه الأولويات، يستعين بأهل الخبرة، يدع الإفتاء لأهل الإفتاء، السياسة لأهل السياسة، الاقتصاد لأهل الاقتصاد، في هذه الحالة سوف يحصل القائد الرئيس العسكري، من الشعب على تعظيم سلام كل صباح ومساء عن طيب خاطر، وليس بقوة السلاح، أو التلويح بالمعتقلات وبناء مزيد من السجون».

لكن الحقوقي بهي الدين حسن، مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، يرفض هذا الطرح، ويرى أن وصف حكم عسكري بالرشيد يحمل الكثير من التناقض؛ قائلا: «من المستحيل الجمع في جملة واحدة بين “حكم عسكري” و”رشيد”. هذه صيغة متناقضة لا وجود لها في العالم.

والواقع المصري يقدم برهانا ساطعا على بطلانها على مدار 70 عاما منذ انقلاب تموز/ يوليو 1952. إنها أشبه بقول “اللص الشريف” أو “القاتل الوديع».

لكنه في ذات الوقت يؤكد على أنه على الأرجح لن يحدث انتقال من حكم السيسي إلى حاكم مدني أو عسكري آخر دون تفاوض، بمبادرة من جانب المدنيين والعسكريين، ليس في إطار “حكم عسكري رشيد”، ولكن للتفاوض البراجماتي على التنازلات والمكاسب والخطوط الحمراء والمراحل الانتقالية.

في هذا السياق، فإنه لا يمكن استبعاد أن يتوصل العسكريون حينذاك إلى أن المصالح بعيدة المدى للمؤسسة العسكرية تستوجب اتخاذ قرار بالتخلي عن حكم مصر للمدنيين وفق شروط معينة.[[10]]

لا يمكن اختيار سيناريو  لمستقبل مصر تحت حكم السيسي؛ ولا يمكن ترجيح سيناريو على آخر؛ فقد تتداخل  وتتشابك الاحداث على نحو يفضي إلى حدوث كل السيناريوهات؛ فقد تحدث احتجاجات لأي سبب من الأسباب ليس بالضرورة في 11/11، وقد تتدحرج الأحداث كما حدث في يناير 2011م، تفضي إلى تدخل الجيش والإطاحة بالسيسي، لكن الرهان على مشاركة واسعة في 11/11 أمر لا تدعمه الشواهد والأدلة.

وقد يتمكن النظام من قمع أي احتجاج لكنه سوف يسقط بالتداعي التلقائي؛ لأن السيسي لم يعد قادرا على حكم البلاد؛ فقد سقط بالفعل والإعلان عن سقوطه قد يحتاج إلى بعض الوقت؛ فهل سيظل يراهن على الاستدانة والاقتراض وبيع أصول الدولة إلى مالا نهاية؟! فمشكلات مصر المستعصية في الشق الاقتصادي قد تجبر الجيش على التخلي عن السلطة كما يتوقع المحلل السياسي يزيد الصايغ.[[11]]

ورغم أن المعطيات على الأرض محبطة إلا أن التنبؤ بما يمكن أن يحدث بشكل مطلق، غير منطقي ويتصادم حتى مع العقائد والأفكار الإسلامية، وكما أن ثورة يناير فاجأت العالم فلا أحد يدري ما الذي يمكن أن يحدث خلال الأسابيع والشهور المقبلة؛ لأن الوضع في مصر هش للغاية وفوضوي للغاية، وانخفاض قيمة الجنيه أمام الدولار يضغط على النظام ويضغط على المواطنين واحتمال اندلاع احتجاجات أمر كبير الاحتمال، فمصر تنتظر شرارة البدء، وليس بالضرورة في 11 نوفمبر المقبل، قد تكون في أي وقت ولسبب بسيط أو تافه يؤدي إلى اندلاع حريق كبير يوازي الآلام الناتجة عن لهيب الأسعار المرتفعة.

النظام من جانبه يدرك ذلك، ورغم قبضته الأمنية الباطشة وجيش الجواسيس والمخبرين في كل مكان إلا أنه مرعوب؛ نعم مرعوب من المستقبل ويخشى المجهول الذي لن يكون في صالحه في كل الأحوال؛ فكل السيناريوهات تؤكد انهيار نظام السيسي حتى لو فشلت الدعوات إلى التظاهر في 11/11.

 

 

———————

[1] انظر ما كتبته الصحفية مي عزام بصحيفة  المصري اليوم في 26 إبريل 2017م تحت عنوان: (افعلها ياريس ولاتترشح لفترة ثانية)، كما كتبت مقالا مماثلا في بداية 2018م، وتقول إنها عوقبت بعد ذلك بالمنع من الكتابة لفترة من الوقت. مي عزام/ افعلها ياريس ولاتترشح لفترة ثانية/ المصري اليوم ــ الأربعاء 26 إبريل 2017م

 

[2]  هو موسى مصطفى موسى، مهندس معماري ورئيس حزب الغد، و الذي كان قد أعلن عن دعمه للسيسي قبل أن تصله أوامر من الأمن الوطني باختياره مرشحا صوريا ضد السيسي حتى يمكن أن تتم الانتخابات لدرء الفضيحة أمام العالم..

[3] انظر تصريحات الدكتور عمرو عادل، رئيس المكتب السياسي للمجلس الثوري المصري، (محللون يقرأون حلولا مطروحة للتخلص من نظام السيسي/ “عربي 21” ــ السبت، 15 أكتوبر 2022)

[4] «العصيان المدني» هو «سحب الاعتراف بسلطة الدولة من كل مناحي الحياة العامة والخاصة» ويؤدي إلى شلل كامل في الدولة. ويظل العصيان المدني حقا مكفولا للمواطنين طالما أنه ظل سلميا ولكن في بعض الحالات ومع عناد السلطة الطاغية وتجاهلها للعصيان المدني ومطالب القائمين عليه؛ يضطر القائمون على العصيان المدني إلى استخدام العنف كرد فعل مشروع على عنف السلطة التي تلجأ كعادتها إلى القمع والبطش عبر أدواتها الأمنية، وبذلك يمثل استخدام العنف كرد فعل على عنف السلطة تصعيدا من جانب القائمين على العصيان المدني ويتحول بذلك إلى «عصيان غير مدني»، وهو صورة  أولية نحو أداة أخرى هي «الثورة» وبذلك يتحول النضال الشعبي من أساليب «المقاومة السلمية» إلى «المقاومة العنيفة» والتي يمكن أن تتحول إلى ثورة إذا نجح الثوار في الإطاحة بنظام الحكم وتأسيس نظام سياسي جديد يحقق أهداف الفئات الثائرة والجماهير الغاضبة.

[5] خبير أمريكي: السيسي يبيع مصر ويقود اقتصادها للانهيار (فيديو)/ “عربي 21” ــ  28 يونيو 2022

[6]  آن باترسون، عملت سفيرة لواشنطن في باكستان،  ثم تولت مهامها كسفيرة للولايات المتحدة بالقاهرة في يونيو2011 وأنهت فترة عملها بمصر في أغسطس2013، ثم عينت مساعداً لوزير الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأدنى في يناير 2014. وهي أقصر فترة يتولاها سفير أمريكي بالقاهرة.. ويلاحظ أنها جاءت بعد الثورة مباشرة ورحلت بعد الانقلاب مباشرة!

 

[7] موقع فرنسي: استقالات في مخابرات مصر بسبب السيسي / “عربي 21” ــ الثلاثاء، 01 نوفمبر 2022م

[8] حصري: ضباط مصريون سابقون يعلنون مشروعا جديدا للتغيير/ “عربي 21” ــ الأربعاء، 02 نوفمبر 2022م

[9] عبد الناصر سلامة/ لنعش الواقع.. ونبحث عن حكم عسكري رشيد/ “عربي 21” ــ الجمعة، 21 أكتوبر 2022

[10] طه العيسوي/ بهي الدين حسن: نشهد الآن الفصل الأخير من حكم السيسي/ “عربي 21” ــ الأحد، 30 أكتوبر 2022

[11] يزيد الصايغ يتحدث عن مستقبل حكم السيسي بمصر (شاهد)/ “عربي 21” ــ الثلاثاء، 14 يونيو 2022

 

]]>
https://politicalstreet.org/5572/feed/ 0
قراءة في مضامين مداخلة السيسي مع يوسف الحسيني https://politicalstreet.org/5569/?utm_source=rss&utm_medium=rss&utm_campaign=%25d9%2582%25d8%25b1%25d8%25a7%25d8%25a1%25d8%25a9-%25d9%2581%25d9%258a-%25d9%2585%25d8%25b6%25d8%25a7%25d9%2585%25d9%258a%25d9%2586-%25d9%2585%25d8%25af%25d8%25a7%25d8%25ae%25d9%2584%25d8%25a9-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25b3%25d9%258a%25d8%25b3%25d9%258a-%25d9%2585%25d8%25b9-%25d9%258a%25d9%2588%25d8%25b3%25d9%2581-%25d8%25a7 https://politicalstreet.org/5569/#respond Tue, 15 Nov 2022 10:30:59 +0000 https://politicalstreet.org/?p=5569 في مساء الثلاثاء 25 أكتوبر 2022م، أجرى الجنرال عبدالفتاح السيسي مداخلة مطولة مع برنامج “التاسعة” الذي يقدمه الإعلامي المحسوب على السلطة يوسف الحسيني على القناة الأولى الرسمية، وفي هذه المداخلة بدا السيسي عصبيا ويحاول إقناع المواطنين بجدوى المشروعات العبثية التي ينفذها بلا أي جدوى اقتصادية كما اعترف هو بلسانه من قبل من أجل الانتهاء منها في زمن قياسي بعد إسناد تنفيذها بالأمر المباشر للهيئة الهندسية بالقوات المسلحة وشركات الجيش الأخرى.[[1]]

الملاحظة الأولى في مداخلة السيسي أنها طالت بشكل غير مسبوق حتى استغرقت نحو 85 دقيقة، ظل خلالها يوسف الحسيني واقفا  احتراما منه لمقام الجنرال المستبد، وهو أمر غير مألوف من شخص يفترض أنه رئيس دولة؛ لأن مقام الرئاسة في الغالب لا يهدر وقته الثمين على مثل هكذا مداخلات تشبه قعدة المسطبة ولا تمت لوقار وهيبة الرئاسة بشيء.

الأكثر دهشة أن هذه المداخلة جاءت مساء نفس اليوم الذي ألقى فيه السيسي خطابا مطولا في الجلسة الختامية لـ«المؤتمر الاقتصادي.. مصر 2022» والذي تم تنظيمه في فندق الماسة التابع للجيش في العاصمة الإدارية في الفترة من الأحد 23 حتى الثلاثاء 25 أكتوبر.

وهو الخطاب الذي استغرق كثأكثر من ساعة ونصف الساعة؛ وبذلك فإن السيسي ظل يتكلم في هذا اليوم فقط (الثلاثاء 25 أكتوبر 2022) لمدة ثلاث ساعات و17 دقيقة سواء في خطابه بالمؤتمر الاقتصادي أو المداخلة الغريبة على الحسيني مساء.

الملاحظة الثانية، أن مداخلة السيسي جاءت في أعقاب  مداخلة السيدة/ جميلة إسماعيل، رئيس حزب الدستور، والتي يبدو أن كلامها استفز السيسي ودفعه إلى إجراء هذه المداخلة بهذه الكيفية العجيبة والغريبة.

والبرهان على ذلك أن القناة الأولى الرسمية  حذفت مداخلة السيدة جميلة إسماعيل  من حلقة البرنامج على موقع “يوتيوب”،  وهو الإجراء (مداخلة السيسي + حذف مداخلة جميلة إسماعيل) الذي جاء بنتائج عكسية ودفع الكثير من المصريين إلى متابعة ما جرى وتحليل مضامينه والرسائل والدلالات المتعلقة به، وكذلك تحليل ردود أفعال السيسي ونظامه وأجهزته وإعلامه.

وهو ما يبرهن على أن حديث السيسي عن فتح الاجواء أمام المعارضة والرأي الآخر مجرد أكاذيب يتم التسويق لها لاعتبارات تتعلق بشروط صندوق النقد الدولي الذي يضغط من أجل إجراء مصالحة مجتمعية شاملة لضمان سداد أمواله، وكذلك لغسل سمعة النظام قبل مؤتمر المناخ الذي سيقام في نوفمبر الجاري  بشرم الشيخ  تحت رعاية الأمم المتحدة.

الملاحظة الثالثة، مداخلة السيدة جميلة إسماعيل  في محتواها ومضامينها ثم بحذفها من حلقة البرنامج على اليوتيوب تمثل إدانة صريحة وصارخة لنظام السيسي؛ وتنسف أي دعاية يروجها النظام حول الحوار الوطني وما شابه؛ فالنظام لا يقبل أي رأي يخالف سياساته وتوجهاته ولا يقبل مطلقا بأي نقد لهذه السياسات التي أضرت مصر بشدة وأدخلتها في نفق مظلم لا يبدو أن له نهاية؛ حيث اشتملت مداخلة السيدة جميلة إسماعيل والتي تم تداولها على مواقع التواصل الاجتماعي على المضامين الآتية:

  • “من المهم إتاحة مساحة للأحزاب لتعمل وتتحرك في الشارع من جديد، وتنافس بشكل حقيقي على السلطة”، مضيفة أنه “من الضروري أيضاً أن يتم ذلك أولاً من دون ملاحقة وحصار ومعاناة عشناها منذ سنين طويلة، ثم يمكن الكلام بعدها على اندماج الأحزاب لتقوى”.
  • “دُعيت للمؤتمر الاقتصادي، وشرفت بحضور الجلسة الافتتاحية للمؤتمر، وللأسف لم أستطع حضور الجلسة الختامية، لكن عندي انطباعات وملاحظات، إذ كان عدد كبير من الحاضرين من المتخصصين، وانطباعي أن الإحساس العام كان أن الخطاب لم يكن موجهاً للجمهور في القاعة، بل للجمهور خارجها”.
  • “في المؤتمر الناس كلها جاية (أتت) عندها أمل تحقق شيء ما وعاوزة تسمع عن تصحيح بعض الأخطاء، أو تصحيح مسار ما، لكن المؤتمر على العكس كان الخطاب السائد فيه هو الدفاع عن السياسات القائمة ودا مقلق شوية، ماكنش فيه إشارة واحدة لتصحيح الأخطاء التي أدت بنا للحالة الي وصفها الرئيس وشعرنا معاها بالألم، حين سمعناه يقول إن الأشقاء في الخليج شايفين الدولة المصرية لن تستطيع أن تقوم من جديد، ودا كلام لأي مصري موجع جداً”.
  • “ماكنش فيه كلام عن أي أفق للتغيير، في حين كان فيه أحاديث عن التضحية اللي قدمت والعطاء والبطولات، ما سمعناش عن الناس العادية اللي بيدفعوا أثمان الأزمات، ودايماً بيسمعوا نفس الخطاب اللي بيلوم المواطنين، وكأنهم حزمة واحدة ويوجه ليها اللوم، أين الاحتياجات الرئيسية زي خفض تكلفة المعيشة، والدعم والصحة والتعليم والأفق لحياة أفضل؟”.[[2]]

الملاحظة الرابعة: في مداخلة السيسي يمكن رصد الرسائل والملاحظات الآتية:

  • أولا، الحالة التي بدا عليها السيسي في المداخلة؛ حيث بدا عصبيا وهاجم السيدة جميلة إسماعيل بشكل غير مباشر، كما أطلق سهام التهديد والوعيد لرئيسة حزب الدستور وليوسف الحسيني شخصيا وللإعلام كله؛ مستنكرا  مداخلة إسماعيل وما احتوت عليه من رسائل نقد للنظام وسياساته.

كما  تهرب من تحمل المسئولية عن حالة الخراب والدمار التي لحقت بمصر تحت حكمه محملا ذلك إلى شماعة الثورة!  يقول السيسي: «مش كفاية اللي حصل لمصر في 2011… ما شفناكمش (لم نراكم) ليه في 2013… كنتو تقدروا تعملوا حاجة؟… أنتو سبتوها لما اتحرقت واتخربت”.

كما توجه السيسي إلى مقدم البرنامج قائلاً “أنا التاريخ كله عندي يا يوسف… أنا كنت مدير المخابرات ومسؤول عن الأجهزة الأمنية الفترة دي كلها… وعارف كويس الناس كانت بتعمل إيه… أنا بكلمك عشان دور الإعلام… الإعلام بيعمل سياق إعلامي فكري مش هنرجع تاني. إيه ده؟!».

وقد تكون مشاركة جمال مبارك في نفس اليوم (الثلاثاء 25 أكتوبر2022)  في جنازة المحامي فريد الديب حيث هتف العشرات من انصاره له وناداه بعضهم بلفظ “الرئيس”، أحد أسباب حالة العصبية والنرفزة التي بدا عليها السيسي في مداخلته مع الحسيني.

البعض رأي في هذا الكلام وتلك التهديدات حول الذبح في الشوارع في معرض تحذيره من المظاهرات استدعاء لخطاب الحروب الأهلية والعنف، وهو خطاب لا يخدم مصر ولا شعبها ولا اقتصادها خلال هذه الفترة؛ إذ كيف سيشعر مستثمر أجنبي لو سمع ما قاله السيسي؟! وهل يمكن له أن يستثمر في بلد مضطرب مثل مصر رئيسها يخشى ثورة الجماهير ويواصل اعتقال الناس من الشوارع بخلاف عشرات الألوف في سجونه ومعتقلاته؟!

  • ثانيا، الخوف من الثورة والتظاهرات المرتقبة في 11 نوفمبر 2022م، يقول السيسي في مداخلته بشكل صريح: «مسار (ثورة) 2011 يخوفني، أنا أقدر الموقف وأقول إن هذا المسار يخوفني، أنا لست متضايقاً أنا خائف، وأنا مش خائف على نفسي، ولكنني خائف على الناس.. خايف على 100 مليون نسمة»، وهي عبارة بالغة الصراحة والوضوح تؤكد أن السيسي أكثر من مرعوب، ودعك من التمسح بعبارة “خايف على الناس”؛ لأن السيسي منذ أن اغتصب السلطة بانقلاب عسكري وهو يدوس على الناس ولا يبالي قتلا واعتقالا وإفقارا وتجويعا.

ويبدو أن دعوات التظاهر في 11 نوفمبر، تسبب للسيسي ولنظامه حالة رعب غير مسبوقة في ظل تردي الأوضاع وغلاء المعيشة، رغم غموض الجهات الداعية لهذه المظاهرات وعدم تبني أي قوى سياسية معروفة لها.

وكان السيسي قد قال في ختام كلمته بفعاليات المؤتمر الاقتصادي، والتي امتدت ساعتين تقريباً: “نجيب الشباب هنا نسمع منهم، ويزعقوا (يصرخوا) لنا، وإحنا ندافع، بدل ما يزعقوا في الشارع”.

كما تطرق في كلمته للعديد من الموضوعات البعيدة عن الاقتصاد، وركز فيها بشكل أساسي على أهمية تحقيق الاستقرار في البلاد. وهو ما يعكس بوضوح مدى انشغاله بدعوات التظاهر التي أطلقها ناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي، في 11 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، والذي أتبعه بمداخلة هاتفية مطولة مع التلفزيون المصري، قال فيها: “مسار (ثورة) 2011 يخوفني، وأنا مش خائف على نفسي، ولكنني خائف على الناس”.

لذلك أعاد النظام نشر كمائنه الأمنية خصوصا في وسط البلد (التحرير ــ عبدالمنعم رياض ــ طلعت حرب ــ رمسيس)، ويتم تفيش بعض المارة والاطلاع على هواتفهم المحمولة في مخالفة صريحة للدستور والقانون، وتم بالفعل اعتقال العشرات بهذه الطريقة وعرض نحو 65 شابا على نيابة أمن الدولة.

بخلاف حملات الاعتقال التي طالت نحو ألفين من عناصر الإخوان بعدد من المحافظات المصرية بحسب بضع التقديرات.

  • ثالثا، لايزال السيسي حتى اليوم يتباهى بانقلابه العسكري، ويراه وما تلاه من مذابح وحشية قتل فيها آلاف المصريين بخلاف اعتقاله ظلما عشرات الآلاف من الأبرياء؛ لا يزال السيسي لا يرى في ذلك أي جريمة، بل يرى أن ما فعله بطولة تستحق الإشادة والتقدير، وأن الله اختاره لينقذ مصر! يقول السيسي: «مصركانت ستحترق ولم تكونوا لتستطيعوا أن تفعلوا أي شيء»، مشيداً بتدخل الجيش بـ”يد من حديد”، مضيفاً بالقول: “أنا لا أمنّ على أحد، ولكن هذا الدور الذي وكلني به رب العالمين”، على حد تعبيره.

وراح يحقر من آراء العلماء والمفكرين ويدافع عن سياساته التي افقرت البلد؛ يضيف السيسي: «التشخيص الذي كان يطرح من المثقفين والمفكرين والإعلاميين والسياسيين لا ينطبق على الواقع، وخسرنا 477 مليار دولار، والبلد مش لاقية تاكل، والمفروض بعد التكسير نصلح».

ويتابع: «مش لما تكسروا تصلحوا، لازم كلنا نصلح ده، مش تقعد تقول لي أنت مش شايف شغلك ليه.. وريني همتك.. التعليم ما له كده.. المستشفيات بتاعتك ما لها خربانة.. أنا بصلح اللي انتو عملتوه»!.

فليس هو المسئول عن التخريب بل الشعب هو المسئول! وما يفعله السيسي هو عين الإصلاح حسبما يتصور هو ونظامه وأجهزته.

  • رابعا، دافع السيسي عن مشروعاته وخاصة مشروع العاصمة الإدارية؛ موضحا أنها تبلغ 175 ألف فدان وتساوي 750 مليون متر، مضيفاً: “إذا كان المتر يساوي 10 آلاف، تساوي 7.5 تريليون جنيه، وكل ما تم تنفيذه من المشروع 40 ألف فدان فقط، من أصل 175 ألف فدان”.

وهو تلاعب وتدليس فاجر بالأرقام؛ لأن السيسي فعليا أخد السيولة الموجودة بالبلد في هذا المشروع وغيره، وأقام بها عدة قصور ومباني معمارية بتكلفة عالية للغاية ثم يدعي أن هذه العاصمة تساوي حاليا نحو 7.5 تريليون جنيه وهو رقم يساوي كل الديون المحلية.

لكن هذه الأسعار هو الذي وضعها ولا يجد حاليا مشترين لها؛ لأن الناس قد أيقنوا بفشل المشروع؛ ومع الإطاحة بالسيسي فإن هذا المشروع سيموت تلقائيا وسيمثل عبئا باهظا للدولة المصرية من بعده.

وأضاف أن الدولة “تبيع أراضي للمطورين العقاريين، وقمت ببناء الحي الحكومي من فلوس الأراضي التي قمنا ببيعها”، مضيفاً أن “شركة العاصمة لديها 90 مليار جنيه في البنوك، ونحن نصنع كيانات اقتصادية تحقق أرباحاً كبيرة”.

مدعيا : «كسبنا من العاصمة الإدارية والمدن الجديدة 2 تريليون جنيه».

وتحدث السيسي عن فلسفته في هذه المشروعات العبثية بقوله: «هذه المشروعات تم إنشاؤها لفكرة “تحول الأرض من المتر الذي يبلغ 100 جنيه إلى ألف أو 10 آلاف”.

وأضاف: “عاوز اللي ما يعرفش ما يتكلمش علشان ما يظلمش ولا يعطي رأي عام خطأ يخليه يقوم يهد البلد، وهو متهيأ له إنه بيجيب حق البلد»! وهو منطق السماسرة وليس أبدا منطق الرؤساء والحكومات.

  • خامسا، رفضه لأي انتقاد لسياساته ومشروعاته؛ يقول السيسي: «عاوز اللي ما يعرفش ما يتكلمش علشان ما يظلمش ولا يعطي رأي عام خطأ يخليه يقوم يهد البلد، وهو متهيأ له إنه بيجيب حق البلد».

ويلمح إلى ضرورة التقشف مضيفا «إن هناك دولة بعد ما اضربت واتدمر شعبها كان بياكل بيضة في الأسبوع ورغيف في اليوم سنوات طويلة من أجل إعادة بناء نفسها.. ومع ذلك لم نطلب من الناس هذا، ونحن دخلنا حرب بقالنا 50 سنة جابت البلد على الأرض».

ورفض المقارنة مع تجارب مماثلة مثل ماليزيا وسنغافورة متابعا: «الكثير يتحدثون عن التجارب في ماليزيا وسنغافورة وكوريا الجنوبية، ولا يتحدثون عن السياق الذي صارت فيه تلك الدول حتى تصل لهذا المستوى، وهذا المسار والسياق استمرت فيه تلك الدول 30 عامًا من العمل والحشد حتى أصبحت متقدمة».

وهي إشارة إلى أنه يحتاج إلى ثلاثين سنة لكي ينجز مشروعاته ويحقق الرفاهية للشعب.

ويزعم أنه «يرحب بجميع الأفكار، ومن يرى أن لديه القدرة على العمل يتفضل وسوف نساعده على إنجاز أي ملف، وبعدما ينتهي من عملية النجاح هصفق له. وتابع: «البلد وظروفه في حتة، وكلام الآخرين في حته تانية خالص، وبالتالي لا يجوز الحديث بدون دراسة.

وهناك فرق كبير بين إننا غير قادرين، وإننا مش عاوزين نعمل هذا، ونحن غير قادرين بسبب الظروف»!.

سادسا، اعترف السيسي بشكل صريح أنه غير قادر على إصلاح منظومة التعليم؛ يقول نصا: « الدولة غير قادرة على تحسين تعليم 25 مليون طالب، ونستهدف حل مشاكل أخرى بجانب التعليم، وعندما يصل دخل الدولة إلى تريليون دولار سنوياً نستطيع نحسن التعليم (..) تريليون دولار يساوي 19 تريليون جنيه، وفي هذا الوقت نخرج تريليون جنيه للتعليم، وليس 250 ملياراً، ونستطيع إعطاء المدرس أجراً جيداً، ونأكل الأولاد بشكل جيد وننظم أنشطة جميلة رياضية وفنية وغيرها».

  • وأضاف أن “التعليم يحتاج إلى 60 ألف فصل في السنة، حتى نستوعب الزيادة الجديدة من المواليد”، مضيفاً أن “60 ألفاً يحتاجون إلى خدمات مثل دورات المياه وغرف للمدرسين، ومدرسة متكاملة، بتكلفة 60 مليار جنيه».
  • وهو ما يعني أن تكلفة الفصل الواحد تساوي مليون جنيه بحسب أرقام السيسي (60 مليار على 60 الف فصل).
  • كما أقر أيضا أن راتب المعلمين لا يمكن أن يقنعهم بأن يعلموا الطلاب بشكل جيد، مضيفاً: “أجور المعلمين تترواح ما بين ألفين وثلاثة آلاف وأربعة آلاف نأخذ منه إيه بهذا المقابل، وكيف نقنعه بأن يعلم الطلاب جيداً؟”.
  • لكنه يتهرب من المسئولية بقوله: «الدولة محتاجة بعد بناء المدارس إجراءات تشغلها بداية من المدرس في الفصل والعاملين في المدرسة، وزيادة عدد المدارس تحتاج إلى زيادة أعداد المدرسين”، مضيفاً: “لا أحد يعرف أنا بعمل إيه، وربنا اللي يعرف مين بيساعدني”، وفق تعبيره.
  • وتابع: “أنا دائماً شاكر ومكسوف إني مش عارف أشكره مظبوط، وبطلب منه الدعم والمدد، وأقول له لأجل خاطر الغلابة الموجودين ساعدني واجبر خاطري وخليني أعمل حاجة”.![[3]]
  • سابعا، الاعتراف بفشل إدارة المنظومة الصحية والتوجه نحو خصخصة المستشفيات، في ملف الصحة، قال «إن الأسرة الموجودة في وزارة الصحة هي 50% من المطلوب، لم نخفِ المعلومات ونعرض قدرتنا، وفي الفترة الماضية قمنا بمبادرة، وعرضنا على رجال الأعمال الحصول على المستشفيات وإداراتها ونحن ندفع الأموال التي نصرفها على المستشفى في مقابل علاج المواطنين ببلاش».[[4]]

وهو إقرار بالفشل من جهة وإصرار على خصخصة المستشفيات من جهة أخرى. وهو ما يجعل تكاليف العلاج تفوق قدرات الغالبية الساحقة من المصريين لأن الصحة والتعليم يتعامل معهما النظام باعتباره سلعا وليس ملفات حساسة من صميم الأمن القومي. وبالتالي فالسيسي يتعامل مع هذه الملفات بمنطلق المقاول وليس بمنطق الرئيس المسئول عن شعب غالبيته فقراء.

  • ثامنا، تجاهل السيسي في مداخلته عددا من الملفات الشائكة والحساسة؛ حيث تجنب أي ذكر لحجم الديون المتضخم (تصل حاليا الديون الخارجية إلى أكثر من 180 مليار دولار من 43 مليارا فقط في منتصف 2013م، أما الديون المحلية فتزيد عن 6 مليارات جنيه ارتفاعا من 1.4 تريليونا فقط في منتصف 2013)، كما لم يشر مطلقا إلى قرض صندوق النقد الجديد والذي يصل بديون مصر للصندوق إلى 23 مليار دولار، وهو القرض الرابع من نوعه خلال ست سنوات فقط، كما تجنب الحديث عن الغلاء الفاحش الذي طال كل شيء وتآكل قيمة الجنيه وسقوط عشرات الملايين من المصريين تحت خط الفقر. كما أهمل مشكلة سد النهضة التي تهدد الأمن القومي في الصميم.

كما تجاهل الأمن الغذائي ولم يعد مطلقا بتحقيق الاكتفاء الذاتي في ظل تفاقم مشاكل الغذاء عالميا. في الوقت الذي أشاد فيه بمشروعاته وأبزرها العاصمة الإدارية و40 مدينة جديدة (مخصصة للأثرياء)، وشبكة الطرق. وأن حل الازمة الاقتصادية لن يتحقق إلا بزيادة الإنتاج.

يقول السيسي: «إن حساب قدرة الاقتصاد وفقًا لسعر الدولار فكرة غير دقيقة، مضيفًا أن المطلوب توفير العملة التي تكفي كل طلباتك وزيادة، وعلى سبيل المثال، إذا كنا نستورد 100 مليار في العام، فيجب أن يكون لدينا ما يقرب من 130 مليارا، ثم يوضع الباقي في الاحتياطي، وكل عام نزيد الاحتياطي حتى ينعكس على قدرة الاقتصاد.

ذلك لن يحدث إلا بتقليل فاتورة الاستيراد وزيادة فاتورة التصدير عن طريق الصناعة، لافتًا إلى ضرورة صناعة الكثير من مستلزمات الإنتاج في مصر.

وأن مبادرة «ابدأ» الهدف منها إحلال مستلزمات الإنتاج التي نستوردها من الخارج بغيرها في مصر، وهذه العملية تأخذ وقتا كثيرا». لكنه لم يحدد الكيفية ولا المدة الزمنية لذلك. فهو يتحدث في الفضاء دون أي محددات زمنية أو خططية.

الخلاصة

بدا السيسي في مداخلته مع يوسف الحسيني منفعلا وغاضبا، وهو ما ينطوي على حالة نفسية سيئة يعاني منها الجنرال طول مدة المداخلة من جهة وطريقة الحديث من جهة ثانية، والتدليس في الأرقام وحالة الإنكار التي تستحوذ على السيسي من جهة ثالثة، كلها مؤشرات تدل على أن الرجل يعاني من مرض عضال؛ فهو غير متزن نفسيا، ويعاني من كوابيس ومخاوف جمة؛ فهو يخشى عواقب الجرائم الوحشية التي اقترفتها يداه، ويخشى غضبة الشعب الجائع الذي يئن من الفقر والجوع والمرض، وخروجه للكلام نحو ثلاث ساعات كاملة في يوم واحد يدل على الخوف الشديد وحالة الهلع التي يمر بها السيسي؛ فهو هذه  الفترة يتداعى تلقائيا بفعل الفشل في إدارة الدولة سياسيا واقتصاديا؛ وعجزه عن حماية أمنها القومي في ملفات المياه والاكتفاء الذاتي من الغذاء وحجم الديون التي جعلت مصر فعليا تحت حكم صندوق النقد الدولي؛ فكل تقارير المالية والاقتصاد تصل إلى  الصندوق قبل أن تذهب إلى البرلمان أو باقي مؤسسات الدولة.

حالة التماسك الظاهري التي حاول السيسي أن يتقمصها صباحا في المؤتمر الاقتصادي نسفتها مداخلة السيسي مساء مع يوسف الحسيني؛ حيث بدا مهزوزا ومهزوما، ويحاول بشتى الطرق أن يقنع المصريين بجدوى مشروعاته العبثية، لكن الناس تقيس مدى النجاح والفشل بمدى تحسين مستويات معيشة المواطنين وهو ما لم يحدث بل على العكس فقد سقط عشرات الملايين من المصريين تحت خط الفقر بفعل سياسات السيسي وتبينه شروط وإملاءات صندوق النقد الدولي وانحيازه على الدوام للنخبة الحكم  والأثرياء.

وبعد هذه المداخلة بات كثيرون ومنهم أجهزته الأمنية، على يقين كامل أن السيسي في طريقه إلى السقوط وأن ذلك مسألة وقت ليس أكثر.

 

 

 

 

 

[1] مداخلة السيسي مع يوسف الحسيني على القناة الأولى الرسمية.. https://www.youtube.com/watch?v=6DDzA4cue-E

 

[2] انظر خلاصة مداخلة السيدة جميلة إسماعيل رئيسة حزب الدستور، في التقرير التالي: رسائل للسيسي في المؤتمر الاقتصادي والمداخلات التلفزيونية/ العربي الجديد ــ الجمعة 28 أكتوبر 2022

 

[3] السيسي “خائف على مصر”.. حذر من تكرار سيناريو 2011 و2013 بمداخلة تلفزيونية استمرت نحو ساعة ونصف/ عربي بوست ـ 26 أكتوبر 2022م

[4] إبراهيم سعيد/ مداخلة الرئيس السيسي مع يوسف الحسيني كاملة (فيديو)/ المصري اليوم ــ الأربعاء 26 أكتوبر 2022م

 

]]>
https://politicalstreet.org/5569/feed/ 0 https://www.youtube.com/embed/6DDzA4cue-E مداخلة الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية خلال برنامج التاسعة nonadult
«خصخصة شركات الجيش» .. «3» سينايوهات محتملة https://politicalstreet.org/5548/?utm_source=rss&utm_medium=rss&utm_campaign=%25d8%25ae%25d8%25b5%25d8%25ae%25d8%25b5%25d8%25a9-%25d8%25b4%25d8%25b1%25d9%2583%25d8%25a7%25d8%25aa-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25ac%25d9%258a%25d8%25b4-3-%25d8%25b3%25d9%258a%25d9%2586%25d8%25a7%25d9%258a%25d9%2588%25d9%2587%25d8%25a7%25d8%25aa-%25d9%2585%25d8%25ad%25d8%25aa https://politicalstreet.org/5548/#respond Wed, 02 Nov 2022 11:07:45 +0000 https://politicalstreet.org/?p=5548 يجد الجنرال عبدالفتاح السيسي نفسه في ورطة كبرى، أو بالمعنى العسكري «بين فكي كماشة»، فهو محاصر من كل الجوانب بضغوط متضادة في الاتجاهات والمصالح؛ فالرئيس الإماراتي محمد بن زايد يستغل أزمة مصر الاقتصادي والمالية، ويضغط من أجل التعجيل في إنهاء عمليات الخصخصة التي ستفضي إلى أيلولة عدد من الشركات والأصول المصرية المهمة والحساسة إلى أبو ظبي، ومن هذه المواقع أصول وشركات تابعة للجيش تكاد تصل إلى 30% من جملة قائمة الأطماع الإماراتية.

وصندوق النقد الدولي اشترط أيضا خصخصة الشركات الحكومية وأبرزها شركات تابعة للجيش، وتخفيف قبضة الجيش على الاقتصاد بما يضر بمبدأ تكافؤ الفرص مع القطاع الخاص قبل الموافقة على القرض الرابع الذي تم الاتفاق عليه الخميس 27 أكتوبر2022م.

في المقابل تماطل المؤسسة العسكرية في القبول بسياسة خصخصة بعض شركات الجيش، وتصر على عدم التفريط فيما تراه امتيازات حصرية لها اكتسبتها على مدار العقود  الماضية، وأن هذا العرق «عرق الجيش بحسب توصيف اللواء محمود نصر، مساعد وزير الدفاع للشؤون المالية، في 27 مارس 2012م»، ليس من السهولة بمكان التفريط فيه لأي جهة حتى لو كانت وطنية أو عربية تحت لافتة الخصخصة لمساعدة الجنرال السيسي في أزمته المالية التي تعصف به وتهدد استقرار النظام الذي تعتبر المؤسسة العسكرية هي محوره وأساسه وركيزته الأساسية.

وحتى يتجنب السيسي الوقوع تحت الضغوط المتضادة والمتعددة في ظل الحاجة الماسة للسيولة الدولارية للتعامل مع الاحتياجات الملحة التي تفرض نفسها في الوقت الراهن، وفي مقدمتها تراجع المخزون السلعي لعدد من المحاصيل الاستراتيجية نتيجة تراجع السيولة الدولارية؛ فتح السيسي خطوط اتصال مع 4 أطراف خليجية، من أجل وضع كل طرف وديعة دولارية تقدر بنحو “2.5” مليار دولار، بخلاف مسار المفاوضات الجارية بشأن الاستحواذات الاستثمارية من جانب الصناديق الخليجية على عدد من الشركات المصرية”.

لكن القاهرة تلقت ردوداً سلبية من كل من السعودية والإمارات بشأن المطلب الخاص بتقديم ودائع، مؤكدتين استعدادهما للانخراط الجاد في أي مفاوضات بشأن استحواذات جديدة تطرحها القاهرة. وقدمت الإمارات تصورا بعيداً عن الفرص المطروحة من الجانب المصري، مثلت فيه استثمارات تابعة للقوات المسلحة بشكل مباشر، 30 في المائة”.[[1]]

ولعل هذا ما يفسر هجوم عمرو أديب على الجيش وسيطرته على الاقتصاد المصري في برنامجه على قناة “أم بي سي مصر” المملوكة للمخابرات السعودية في “24” أكتوبر 2022مك أكت.[[2]]

لكن مساعي الجنرال باءت بالفشل وبات مجبورا  على  الإذعان الكامل لإملاءات وشروط صندوق النقد الدولي حتى لو كانت على حساب «عرق الجيش» وشركاته وإمبراطوريته الاقتصادية المترامية الأطراف.

فقد تفاوضت حكومة السيسي على قرض بقيمة 12 مليار دولار، لكن الصندوق رفض منح القاهرة أكثر من 3 مليارات دولار فقط، إلى جانب تسهيل التفاوض حول مليار رابع بخلاف تسهيلات باقتراض خمسة مليارات أخرى من مؤسسات تمويل دولية أخرى، بما يعني أن حزمة التمويل سوف تصل إلى 9 مليارات دولار لمدة أربع سنوات.

ورغم ضآلة القرض إلا أن الصندوق وضع شروطه الخاصة:[[3]]

أولها، تحرير سعر صرف الجنيه بشكل كامل، وقد أذعن النظام للشرط الأول وقام بتحرير سعر الصرف فعليا  مرتين في سنة 2022م؛ الأولى كانت في مارس والثانية في أكتوبر، بخلاف (التعويم بالتنقيط) الذي استمر عدة شهور بين التعويمين حتى انخفض الجنيه من 15.7 في مارس إلى 23.2 في نهاية أكتوبر 2022م، بنسبة تراجع تصل إلى 48%!

ثاني الشروط، (الخصخصة)، وتخارج الدولة من إدارة عدة قطاعات اقتصادية حيوية وحساسة؛ وأبرزها خصخصة بعض شركات الجيش.

وقد أذعن السيسي لهذا الشرط أيضا، فقد أعلن في حفل إفطار الأسرة المصرية في 26 إبريل 2022م، عن تكليف الحكومة بالبدء في طرح حصص من شركات مملوكة للدولة في البورصة وطرح شركات مملوكة للقوات المسلحة في البورصة قبل نهاية العام الحالي، والإعلان عن برنامج بمشاركة القطاع الخاص في الأصول المملوكة للدولة، بمستهدف 10 مليارات دولار سنويا ولمدة 4 سنوات، بمعنى أن برنامج الخصخصة الجديد الهدف منه در نحو 40 مليار دولار على مدار أربع سنوات. [[4]]

في مؤتمر صحافي الأحد 15 مايو 2022م، للكشف عن رؤية الدولة للتعامل مع الأزمة الاقتصادية العالمية أعلن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي عن طرح مجموعة من الشركات التابعة للقطاع العام (الحكومي) في البورصة المصرية، من بينها 10 شركات لقطاع الأعمال العام، وشركتان تابعتان للقوات المسلحة (الجيش)، مدعياً أن 91% من الدين الخارجي لمصر هي ديون متوسطة وطويلة الأجل، ولا تمثل ضغطاً على الموازنة العامة للدولة.

وتحدث مدبولي عن دمج أكبر سبعة موانئ في شركة واحدة وطرحها في البورصة، وكذلك الحال مع عدد من الفنادق المملوكة للدولة، بالإضافة إلى طرح مشروعات النقل الحديث، وعلى رأسها مشروعا المونوريل والقطار السريع، في البورصة.

جاء ذلك في سياق أكبر من إطلاق ما يشبه مرحلة جديدة من الخصخصة، ستتضح ملامحها في خطة قال مدبولي إنها ستُعلن قريبًا لتمثل «وثيقة ملكية الدولة» التي ستحدد قطاعات اقتصادية كاملة تنوي الدولة التخارج منها لصالح القطاع الخاص، بالإضافة إلى قطاعات أخرى تنوي تقليص ملكيتها فيها، ومجموعة ثالثة من القطاعات التي تنوي الاستمرار فيها، خلال ثلاث سنوات.[[5]]

وكشف مدبولي أن حكومته انتهت من تقييم ما يمثل 9.1 مليار دولار من أصل عشرة مليارات دولار، تمثل قيمة الأًصول المملوكة للدولة التي تنوي طرحها في أول سنة ، وأن حكومته تعمل الآن على تقييم أصول جديدة تصل قيمتها إلى 15 مليار دولار.

ثالثا الشروط، تقليص الدعم، وهو ما عارضه النظام استنادا إلى تقديرات موقف أجهزته الأمنية التي تخشى من أن يفضي تقليص الدعم في ظل هذه الأوضاع إلى فوضى واحتجاجات قد تخرج عن السيطرة.

لكن النظام في  النهاية أذعن لهذا الشرط على أساس أن تحرير سعر الصرف سوف يفضي تلقائيا إلى تآكل مخصصات الدعم مقارنة بحجم مصروفات الموازنة أو إيرادتها.

ولاننسى أن الحكومة كانت قد رفعت أسعار سلع التموين على البطاقات المدعمة أربع مرات في سنة 2022م (يناير ـ مارس ـ إبريل ـ سبتمبر)؛ بمعنى أن سلع التموين المدعم ارتفعت بنسبة 50% عما كانت عليه السنة الماضية “2021” مع ثبات قيمة الدعم عند 50 جنيهاً لأول 4 أفراد مقيدين على البطاقة، و25 جنيهاً للفرد الخامس.

علاوة على ذلك فإن الرسمية الأرقام تؤكد أن حجم الدعم (90 مليارا لدعم الخبز والغذاء) يمثل 2.9% فقط من حجم إنفاق الموازنة المصرية والبالغ ثلاثة تريليونات و66 مليار جنيه؛ فقد جاءت مخصصات الدعم التمويني بالموازنة الحالية (2022/2023) مماثلة إلى حد كبير لما كانت عليه في العام الماضي بزيادة 2.8 مليار جنيه، والتي تتضمن دعم الخبز، والسلع الغذائية التي يتم توزيعها على البطاقات التموينية والتي يستفيد منها 63.3 مليون مواطن، مقابل 103 ملايين هم مجمل السكان.

وهكذا بلغت مخصصات الدعم التمويني شاملا الخبز وسلع البطاقات في الموازنة 90 مليار جنيه فقط، وهو ما يمثل نسبة 25 في المائة من مجمل مخصصات الدعم في الموازنة الجديدة والبالغ 356 مليار جنيه، وباقي المبلغ يذهب إلى الأثرياء.

 

السيسي بين الجيش وابن زايد

أولا، بحسب موقع الاستخبارات الفرنسي «AfricaIntelligence»، في تقرير له الأربعاء 19 أكتوبر 2022م،  فإن السيسي يجد نفسه في حيرة بين  الاستجابة لطلبات الرئيس الإماراتي الذي يحثه على الإسراع ببيع أصول الدولة للمستثمرين الإماراتيين، وقلق قيادات الجيش المصري الذين عبروا عن ارتيابهم من إجراءات الخصخصة على النحو الذي يعزز الوجود الإماراتي في مواقع استراتيجية مهمة كمنطقة قناة السويس التي يمر بها نحو 12% من التجارة العالمية سنويا.[[6]]

ويؤكد الموقع الاستخباراتي الفرنسي أن هذه الخلافات بشأن منطقة قناة السويس تأتي في موضع بارز من حرب التوترات هذه؛ فاللواءات المصريون لا ينظرون بارتياح للتحمُّس الذي تبديه الإمارات في السباق بين دول الخليج على تأمين استثمارات لنفسها على ضفاف قناة السويس.

ثانيا، أبو ظبي تستهدف ـ حسب الموقع الفرنسي ـ الاستحواذ على “الشركة الوطنية للبترول”؛ لأن الشركة  تملك أصولاً من الأراضي في منطقة شرق دلتا النيل، بالقرب من قناة السويس، ومن ثم، فإن بيع الشركة يمكِّن هيئة الإمارات للاستثمار، أي صندوق الثروة السيادي لدولة الإمارات، من أن يستحوذ استحواذاً مباشراً على أصول تقع على ضفاف القناة.

وهو ما يعزز الوجود الإماراتي على ضفتي القناة بعدما سيطرت أبو ظبي على ميناء العين السخنة في صفقة مريبة سنة 2018م. ويشير الموقع الفرنسي إلى أن أبو ظبي ترى في قناة السويس ركناً أساسياً في خطة تنمية التجارة البحرية التي تتمحور حولها استراتيجية الدولة الخليجية للخروج من عصر الاعتماد على النفط. كما  يضع  بن زايد عينه على «جزيرة الوراق» الواقعة في قلب النيل بين الجيزة والقاهرة، والتي تعمل الحكومة على طرد سكانها لإغراء المطورين العقاريين بالاستثمار فيها.

ويحتاج السيسي إلى موافقة الجيش على استحواذ الإماراتيين على الجزيرة؛ لأن السيسي كان قد أصدر مرسوما رئاسياً منح به القوات المسلحة ملكية عشرات الجزر على النيل، منها جزيرة الوراق. كما يتطلع الرئيس الإماراتي محمد بن زايد أيضاً إلى الاستحواذ على قطعة أرض تقع عليها ناطحة سحاب تابعة لوزارة الخارجية المصرية على ضفاف نهر النيل، ومن المقرر إخلاؤها بعد الانتقال إلى العاصمة الجديدة في موعد لم يُعلن عنه بعد.

 

موقف الجيش

السيسي من جانبه لا يجرؤ على رفع عينه في عيون الإماراتيين؛ فصاحب اليد السفلى دائما ذليل؛ أما قيادات جهاز المخابرات العامة، فيرون أن تزايد نفوذ الإمارات على هذا النحو يمثل تهديداً للسيادة المصرية في منطقة استراتيجية شديدة الحساسية، علاوة على أن القناة أحد مصادر الدخل الرئيسية في البلاد، فقد بلغت رسوم عبورها العام الماضي أكثر من 7 مليارات دولار.

أما المؤسسة العسكرية فإن السيسي جدد خلال الشهور الماضية محاولاته لإقناعها بضرورة التنازل عن بعض الأصول المملوكة لها وبيعها لدول خليجية، في محاولة للخروج من الأزمة السياسية التي تحيط بالنظام الحاكم في مصر نتيجة تدهور الوضع الاقتصادي في البلاد.

وكانت آخر تصريحات السيسي بهذا الشأن في الجلسة الختامية لـ(المؤتمر الاقتصادية.. مصر 2022) التي نظمت في الثلاثاء 25 أكتوبر 2022م؛ إذ قال السيسي: «أقول لكل الناس إن جميع شركات الدولة مطروحة للقطاع الخاص، بما فيها شركات الجيش، وهذه فرصة للكل، نحن نريد القطاع الخاص معنا في جميع المشروعات».[[7]]

كما يطالب السيسي المؤسسة العسكرية بإسناد الاحتياطي النقدي الأجنبي للبنك المركزي، والذي أصبح مهدداً بسبب عجز الموازنة الناتج عن ارتفاع أسعار الحبوب والمواد البترولية عالمياً، وهي السلع التي تستورد منها مصر كميات كبيرة.

تقديرات الموقف داخل المؤسسة العسكرية متباينة؛ وإذا كان هناك فريق يؤيد السيسي على طول الخط، فإن هناك فريقا آخر لا يظهر ذات الحماسة لتوجهات النظام وسياساته الاقتصادية والاجتماعية؛ وثمة مخاوف من أن تؤدي الأوضاع الاقتصادية المتردية  والإذعان الكامل لشروط وإملاءات صندوق النقد الدولي من انفلات سعر الدولار بشكل يضر بالملايين، بالإضافة إلى شرط الإسراع في تنفيذ برنامج الخصخصة، وتفكيك الهيئات الاقتصادية الحكومية وإعادة هيكلتها وطرحها للبيع، ما قد يضر بالكثير من الموظفين أيضاً.

وتقديرات الموقف التي رفعتها الأجهزة الأمنية إلى مكتب السيسي تحذر من عواقب الإذعان الكامل لشروط صندوق النقد، كما تخشى أيضا من  اقتناع الكثيرين بأن “سياسة الإصلاح الاقتصادي”، التي وضعها الصندوق وروّج لها النظام على مدار السنوات الماضية، أدت إلى زيادة الفقر وسوء توزيع الدخل وانعدام المساواة، على الرغم من محاولات النظام تحسين صورته الشكلية ببرامج اجتماعية مثل “تكافل وكرامة وحياة كريمة”.

والأهم أن هناك اقتناعاً داخل القوات المسلحة وأجهزة سيادية بالدولة بأن نتيجة القرض الجديد ستكون مزيداً من إفقار المواطنين، لا سيما الطبقة الوسطى منهم والفقراء. في ذات الوقت فإن هناك حالة من القلق تسود المؤسسة العسكرية مع تصاعد حدة الأزمة، خوفاً من أن تتحول إلى تظاهرات غضب جماهيرية يصعب التعامل معها، وقد تؤدي إلى انهيار النظام”.[[8]]

 

لماذا يتلكأ الجيش؟

برصد مواقف الجيش خلال السنوات الماضية، لا سيما من الإعلان عن خصخصة بعض شركاته وطرحها في البورصة وهو الإعلان الذي جاء على لسان السيسي -خلال افتتاح مصنعين تابعين لوزارة الإنتاج الحربي- في أكتوبر/تشرين الأول عام 2019م. ثم في ديسمبر 2020 أعلنت وزيرة التخطيط هالة السعيد تسمية شركتي “وطنية” لبيع وتوزيع المنتجات البترولية، والشركة الوطنية للمشروعات الإنتاجية “صافي”، التابعتين لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية التابع للجيش، تمهيدا للطرح بالبورصة؛  نجد أن الجيش غير متحمس لهذه السياسات.

هذه الخطوة (طرح بعض شركات الجيش في البورصة) جرى تفسيرها بأمرين:

  • الأول، أنها إذعان من جانب النظام لشروط صندوق النقد الدولي الذي يطالب بتخفيف وجود المؤسسات الحكومية -خاصة الجيش- في النشاط الاقتصادي.
  • الثاني، أنها محاولة لحفظ سمعة القوات المسلحة من الانتقادات التي تكررت مؤخرا على الصعيد الاقتصادي، بدخوله منافسة غير عادلة مع القطاع الخاص.

وكانت وكالة “بلومبيرغ” (Bloomberg) الأميركية، أشارت في يونيو/حزيران 2021، إلى تنافس بين شركة من الإمارات وأخرى سعودية للفوز بعقد استثماري في أول شركة مصرية مملوكة للجيش تُعرض على المستثمرين. وأوضحت الوكالة أن الشركة التي ستفوز في المزايدة، ستشترك مع صندوق الثروة السيادي المصري في الحصول على ملكية مشتركة كاملة لشركة “الوطنية” للبترول.

ووفق بلومبيرغ، فإن شركة “بترومين” (Petromin) وشركة “بترول الإمارات” الوطنية -المملوكة بالكامل لحكومة دبي- وشركة “أدنوك” (Adnoc) التي تضخ تقريبا كل النفط في دولة الإمارات وتعد ثالث أكبر منتج للنفط بمنظمة أوبك، وشركة الطاقة العربية، وهي شركة مصرية خاصة لتوزيع الطاقة؛ دخلت كلها في سباق مزايدة كان من المُتوقع أن ينتهى قبل نهاية 2021م.[[9]]

لكن شيئا من ذلك لم يحدث رغم مرور ثلاث سنوات على إعلان السيسي طرح شركات تابعة للجيش في البورصة؛ وهو ما يجري تفسيره بأنه تعبير عن رفض المؤسسة العسكرية التفريط في هذه الشركات المربحة للغاية. لكن رئيس الوزراء أعلن في يوليو الماضي (2022) عن قرب طرح هذه الشركات في البورصة.

 

قيمة اقتصاد الجيش

هناك تباين في تقدير نسبة هيمنة الجيش على الاقتصاد  المصري؛ فبينما يقدرها مصطفى مدبولي رئيس الحكومة بـ(1%) فقط. يرتفع بها السيسي  إلى (3%)، لكن جهات أخرى تصل بهذه النسبة إلى نحو 60% من نسبة الاقتصاد المصري؛ استنادا إلى أن الجيش ومنذ اتفاق كامب ديفيد سنة 1979م، كون إمبراطورية اقتصادية مترامية الأطراف؛ فالسادات من أجل إقناع الجيش باتفاق التطبيع مع الكيان الصهيوني بدعوى التسوية السلمية للصراع، أصدر سنة 1977 قرارا جمهوريا منح بمقتضاه حق امتياز إدارة جميع الأراضي غير الزراعية وغير المستثمرة للجيش، وهو القرار الذي جعل المؤسسة العسكرية أكبر قيِّم على الأراضي المصرية، وذكرت تقديرات أنها تصل إلى 87% من مساحة البلاد.[[10]]

بينما يقدرها آخرون بأكثر من ذلك؛ لذلك كان انقلاب 03 يوليو في بعض أسبابه مدفوعا بحماية بيزنس المؤسسة العسكرية سواء فيما يتعلق بسرية موازنة الجيش التي تكتب رقما واحدا في الموازنة العامة للدولة دون أي مراقبة من أي جهة، أو بالنسبة لشركات الجيش ومشروعاته والتي تقدر بين (40 إلى 60%) من جملة الاقتصاد المصري، وهي المشروعات التي تجاوزت حدود الاقتصاد الموجه لخدمة وحدات الجيش في أوقات السلم والحرب والتي لا اعتراض عليها مطلقا ما دامت تعزز من قدرة المؤسسة العسكرية على توفير احتياجاتها، إلى احتكار كل مفاصل الاقتصادي المدني المصري، وامتدت بنفوذها إلى السيطرة المطلقة على معظم  أوجه النشاط التجاري والاقتصادي.

وقد رأى الجنرالات أن الثورة والمسار الديمقراطي يمثلان تهديدا مباشرا لهذه الإمبراطورية، وقد أكد اللواء محمود نصر، مساعد وزير الدفاع للشؤون المالية، في  مؤتمر صحفي عقد يوم 27 مارس 2012م، عن هذه المخاوف مشددا بعبارات تهديد  «أموال الجيش ليست من أموال الدولة ولن نسمح للدولة بالتدخل فيها؛ لأنها ستخربها وسنقاتل دفاعاً عن مشروعاتنا، وهذه معركة لن نتركها، والعرق الذي ظللنا 30 سنة لن نتركه لأحد آخر يدمره، ولن نسمح لغيرنا أياً كان بالاقتراب من مشروعات القوات المسلحة».

وهناك 60 شركة تابعة للجيش تعمل في 19 صناعة، من إجمالي 24 مدرجة على جدول تصنيف الصناعات، وفق تقديرات البنك الدولي. ويسيطر جهاز مشروعات الخدمة الوطنية التابع للمؤسسة العسكرية على 32 شركة، تم إنشاء ثلثها بعد عام 2015، وفق تقرير لصحيفة “فايننشال تايمز” (Financial Times). ويملك الجيش 51% من أصول شركة تتولى تطوير العاصمة الإدارية الجديدة التي تقع على بعد 60 كيلومترا شرقي القاهرة، وتقدر استثماراتها بنحو 45 مليار دولار.

وفي 29 نوفمبر/تشرين الثاني 2020 بعثت منظمة “هيومن رايتس ووتش” (Human Rights Watch) و”مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان” و”مبادرة الحرية”؛ برسالة إلى المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي، داعية إياه إلى أن يطلب من الحكومة المصرية الكشف عن المعلومات المالية حول الشركات المملوكة للجيش كجزء من التقارير المطلوبة عن الشركات التي تملكها الدولة.[[11]]

 

سيناريوهات محتملة

كان السيسي يعول كثيرا على طرح مجموعة من الشركات المملوكة للمؤسسة العسكرية في البورصة، في ظل اهتمام بالغ من جانب الصناديق الخليجية بهذه الفئة من الشركات. لكن خلافاً وتبايناً كبيراً وقع بين قادة المؤسسة العسكرية، والقيادة السياسية المصرية، بشأن خطوة طرح الشركات المملوكة للقوات المسلحة في البورصة، ما أدى لتأجيل تلك الخطوة التي كان مقرراً أن تكون أولى حلقاتها نهاية سبتمبر/أيلول الماضي(2021)، ما أثر سلباً على حجم العوائد الدولارية التي كان يعوّل عليها السيسي  في المفاوضات مع صندوق النقد”.

والمشاورات الجارية بين المؤسسة العسكرية والقيادة السياسية، بشأن تحريك المشهد الاقتصادي لاسترضاء صندوق النقد الدولي وجهات التمويل الدولية، لا تزال مستمرة وسط تمسك من جانب قادة المؤسسة العسكرية بجعل تلك الخطوة آخر الحلول، وعقب نفاد كل الحلول الأخرى.

أما قادة القوات المسلحة المعنيين بهذا الملف، فينظرون إلى الكثير من الامتيازات الاقتصادية التي تم سحبها منهم أخيراً لصالح جهات سيادية أخرى، وأنه في الوقت الذي يتم فيه الضغط على القطاع الاقتصادي للقوات المسلحة، يسحب الكثير من امتيازاتهم لصالح جهات أخرى بدلاً من تعويضها”.

على كل حال، لا يمكن توقع ردود فعل الجيش على هذه السياسات التي يتبناها السيسي؛ لأن تركيبة الجيش مبنية منذ تأسيسه في عهد محمد علي باشا على يد سليمان باشا الفرنساوي على قواعد صارمة تجعل من المستحيل أن يدلي الجنرالات الكبار بأي شيء يمس السياسة العامة للدولة بما يخالف توجهات النظام الرسمية؛ فالجيش في مصر على الدوام هو سيف الحاكم وخادمه ما دام هذا الحاكم ينتمي إلى المؤسسة العسكرية.

إضافة إلى ذلك فإن القوى الخارجية لاسيما الأمريكية والأوروبية ستواصل الدعم لنظام السيسي، ولكن هذه القوى لاسيما الغربية تواجه إشكالية بسبب الظروف التي مرت بها بسبب جائحة كورونا واضطرارها إلى دعم اقتصاداتها المحلية وحاجتها للتعامل مع الآثار المترتبة على الحرب الأوكرانية.

وحول إمكانية استمرار نظام السيسي في الحكم، فإن رغم القوة الظاهرة للنظام وقبضته المشددة إلا أن الائتلاف الحاكم يعاني من الهشاشة وهو ائتلاف يضم الرئاسة من جهة وحلفائه من جهة أخرى وهم القوات المسلحة، وهي شريك وليست فقط تابعا له، ووزارة الداخلية والأجهزة الأمنية بشكل خاص، التي لها درجة من الاستقلالية من أجل مصالحها، فضلا عن كبار المدراء في الدولة مثل القضاء والشركات الكبرى التي لها مصالح خاصة.

«هذا الائتلاف الحاكم  ــ وفقا للمحلل السياس يزيد الصايغ ــ نجح منذ الانقلاب في تفريغ وتجفيف الساحة السياسية كليا من كل القوى سواء كانت حزبية أو نقابية أو طبقية أو اجتماعية، كالأحزاب ورجال الأعمال والشرائح العمالية”، كما أن البرلمان المصري أصبح  عبارة عن “دمية متحركة».

ويفسر ذلك أنه «عبر التاريخ، أي نظام شمولي أو سلطوي في العالم يحتاج دائما إلى حلفاء في المجتمع مثلما كان الحال مع ستالين أو هتلر أو صدام حسين مع الاختلافات الكبيرة بينهم». وينتهي إلى أن «المشكلة في مصر أن عملية تفريغ المشهد السياسي من أي قوى ذات مصداقية لا تعتمد على الدولة ولا على الرئيس بشكل زبائني أو نفعي، حتى الأحزاب التي كان يتفق معها السيسي لم يعد لها مكان فعلي، ما يعني استحالة أي انتقال سلمي للسلطة، حتى إلى المتعاونين مع النظام».

وبالتالي فهذه هي السيناريوهات المحتملة:

الأول، إذعان المؤسسة العسكرية وانصياعها الكامل لسياسات النظام حتى لو فرض شروطه عليها بخصخصة بعض شركاتها وطرحها في البورصة لمستثمرين خليجيين أو مصريين.

الثاني، هو التلكؤ في الاستجابة لرغبات النظام والمماطلة في طرح هذه الشركات إلا في إطار صفقة تضمن تعويض الجيش عن الشركات التي سيطرحها في البورصة حسب رغبة النظام.

الثالث، هو الصدام مع السيسي، ورفض توجهاته؛ لا سيما وأن هناك شبه إجماع داخل المؤسسة العسكرية أن المسار الحالي قد فشل بالفعل والتمادي في حالة الإنكار سوف يؤدي إلى مزيد من النزيف بما يجعل القدرة على معالجة هذ الأوضاع لاحقا شديد الصعوبة، وأن كل يوم يبقاه السيسي في الحكم هو مزيد من النزيف والخسائر.

المرجح بين هذه السيناريوهات في ظل المعطيات الحالية هو السيناريو الثاني، (التلكؤ في الاستجابة لرغبات النظام وعدم التفريط في شركات الجيش إلا في إطار صفقة تضمن تعويض المؤسسة العسكرية عن كل ما ستتنازل عنه).

ولكن يبقى التساؤل المهم: وهل يمكن أن تدخل المؤسسة العسكرية في صدام مع السيسي وتنقلب عليه وتطيح به إذا رأت في بقائه تهديدا لها ولمصالح جنرالاتها؟

يحب قادة المؤسسة العسكرية على الدوام التأكيد على أن الجيش مؤسسة وطنية ليس من أخلاقياتها تدبير الانقلابات العسكرية؛ لكن الحقيقة أن هذه ترهات وأكاذيب؛ لأن المؤسسة العسكرية تحكم مصر منذ عقود بالحديد والنار بانقلاب عسكري في 23 يوليو 1952م، وللتخفيف من حدة الوصف (انقلاب عسكري) جرى تسمية ما جرى بالحركة المباركة، للتغطية على الجريمة، ثم أطلقوا عليها (ثورة 23 يوليو)، مجازا أو سطوا للمعنى واغتصابا له؛ لأن الجيوش تقوم بانقلابات، بينما الشعوب هي من تقوم بالثورات.

وعندما ثار الشعب على حكم الجيش في 25 يناير 2011م، دبر الجيش انقلابا  جديدا أكثر وحشية وإجراما؛ ليسترد به الحكم والسلطة، ويعيد فرض وصايته على الشعب والأمة كلها.

وبالتالي فإن الجيش ممثلا في كبار قادته على استعداد لفعل أي شيء إذا وجد هؤلاء أن بقاء السيسي يمثل تهديدا لمصالحهم ومصالح المؤسسة.

قد يقول قائل: لكن فاروق ومرسي لم يكونا من أبناء المؤسسة كالسيسي؟ ا طأ أط

هذا صحيح، لكن أصحاب هذا الرأي يتجاهلون أن الجيش قد انقلب على أول رئيس للجمهورية بعد 23 يوليو وهو اللواء محمد نجيب، ابن المؤسسة وقائد الثورة الذي تغطي به الضباط الصغار، وتم وضعه سنة 1954 رهن الإقامة الجبرية.

كما تصارع قادة المؤسسة على الحكم وقتل بعضهم بعضا؛ كما جرى بين عبدالناصر وعبدالحكيم عامر بعد هزيمة يونيو 1967م، وكاد يحدث انقلاب عسكري على السادات في بدايات حكمه من جانب ما أسماها “مراكز القوى” لولا أنه سبقهم بخطوة واعتقل المتورطين جميعا في هذا المخطط (ثورة التصحيح 1971)، ثم تم اغتيال السادات على يد ضابط بالجيش في مشهد مريب قد تكون بعض أجنحة الجيش والمخابرات متورطة في هذه الجريمة بالتواطؤ على أقل تقدير، ويرى البعض أن الجيش انقلب على مبارك أثناء ثورة 25 يناير، وأن الجيش استغل ثورة الجماهير للإطاحة به عندما رأي الجيش أن الانحياز لمبارك يمثل تهديدا لمصالحه وإمبراطورتيه الاقتصادية، ولولا تدخل الجيش ـ بحسب هؤلاء ـ لما تم الإطاحة بمبارك؛ فهل يعز على الجيش أن يطيح بالسيسي إذا وجد في بقائه  تهديدا لمصالحه؟!

ويجب ألا ننسى في خضم هذا النقاش، أن المؤسسة العسكرية وفقا لتعديلات 2019 على الدستور بات من صلاحيتها الإطاحة بأي نظام سياسي إذا رأت أن هذا النظام يهدد المقومات الأساسية للدولة ومدنيتها؛ حيث تنص المادة (200) على أن «القوات المسلحة ملك للشعب، مهمتها حماية البلاد والحفاظ على أمنها وسلامة أراضيها وصون الدستور والديمقراطية والحفاظ على المقومات الأساسية للدولة ومدنيتها، ومكتسبات الشعب وحقوق وحريات الأفراد، والدولة وحدها هى التى تُنشئ هذه القوات، ويحظر على أى فرد أو هيئة أو جهة أو جماعة إنشاء تشكيلات أو فرق أو تنظيمات عسكرية أو شبه عسكرية».

وهو النص الذي يقنن فعليا  أي انقلاب عسكري قادم. وما يقوم به السيسي اليوم من إغراق البلاد في مستنقع الديون وعدم القدرة على إدارة البلاد على نحو صحيح، والعجز عن حماية أمنها القومي ممثلا في الأمن المائي وأزمة سد النهضة؛ فإن هذا أكبر تهديد  للمقومات الأساسية للدولة ومدنيتها. علاوة على ذلك فإن الاتفاق الأخير مع صندوق النقد الدولي تضمن فقرة مستفزة نصها «(سيلعب شركاء مصر الدوليون والإقليميون دورا حاسما، في تسهيل تنفيذ سياسات السلطات وإصلاحاتها»؛ ما يؤكد أن مصر باتت تحت وصابة صندوق النقد الدولي والشركاء الدوليون والإقليميون.[[12]]

فالمادة (200) من الدستور جعلت الجيش فعليا شريكا في الحكم ومهيمنا بل وصيا على النظام السياسي. وبالتالي فالجيش لا يحتاج إلى غطاء شعبي ليتحرك ضد السيسي إذا أراد قادته ذلك؛ لأن الغطاء الدستوري كاف للغاية، والوضع الراهن سيجعل الترحيب بهذه  الخطوة كبيرا قد تسترد به المؤسسة العسكرية بعض شعبيتها التي تآكلت.  وبينما يرى المحلل السياسي يزيد الصايغ، في مداخلة على قناة “مكملين” مساء السبت 18 يونيو 2022م، أن  مشكلات مصر المستعصية لا سيما في الملف الاقتصادي قد تجبر المؤسسة العسكرية على الانسحاب من المشهد السياسي والتخلي عن السلطة. [[13]]

إلا أن تجارب حكم الجيش تؤكد أن هذا سيناريو قد يكون مستبعدا؛ ولكن هل يقبل الشعب بجنرال جديد أقل فشلا واستبدادا وطغيانا من السيسي؟! أم أن الأوضاع آلت إلى نقطة حرجة لم يعد ينفع معها سوى الصدق ورد السيادة للشعب صاحب السلطة الحقيقي يفوضها لمن يشاء وفق آليات دستورية وديمقراطية حقيقية وليست مزيفة؟!

 

 

 

______________________________

[1] مصر: محاولات لإقناع المؤسسة العسكرية ببيع بعض الأصول/ العربي الجديد ـ 14 أكتوبر 2022// إبعاد الجيش عن الاقتصاد والغضب الشعبي .. خبير اقتصادي يكشف لـ«رصد» أسباب تعثر قرض صندوق النقد/ شبكة رصد ــ الخميس، 6 أكتوبر 2022

[2] https://www.youtube.com/watch?v=qhlt02eID9U

[3] «صندوق النقد» يجدد مطالبته لمصر بمرونة أكبر في سعر الصرف وتحجيم دور الدولة في الاقتصاد/ مدى مصر ــ الأربعاء 27 يوليو 2022م

 

[4] تم  استقاء هذه الأرقام والتصريحات من مانشيت الأهرام : انظر إسماعيل جمعة/ وطن يتسع للجميع.. الرئيس خلال حفل إفطار الأسرة المصرية: عهدى معكم دائما الصدق والإخلاص فى العمل والتجرد من أجل الوطن/ الأهرام اليومي ــ الأربعاء 26 من رمضان 1443 هــ 27 أبريل 2022 السنة 146 العدد 49450

 

[5] بيسان كساب/ موانئ ومشروعات نقل وفنادق وشركات.. الحكومة تعلن خطتها لبيع ممتلكاتها/ مدى مصر ــ الأحد 15 مايو 2022م

[6] الإمارات تضغط للإسراع ببيع أصول الدولة، وقادة الجيش المصري “يرتابون”.. موقع استخباراتي: السيسي في حيرة/ عربي بوست ــ 19 أكتوبر 2022م

 

[7] السيسي: جميع شركات الدولة مطروحة للقطاع الخاص.. ومن يتقاضى أقل من 10 آلاف جنيه لا يستطيع العيش / العربي الجديد ــ 25 أكتوبر 2022

 

[8] مصر: تعثر مفاوضات التمويل يضع الجيش بقلب الأزمة/ العربي الجديد ــ 03 مايو 2022

[9] عمرو جمال/ بعد 3 أعوام من وعد السيسي.. مصر تؤهل لأول مرة شركات تابعة للجيش للطرح في البورصة/ الجزيرة نت ــ 24 يوليو 2022م

[10] المؤسسة العسكرية في عهد السيسي من مالك إلى مستثمر للأراضي ساسة بوست بتاريخ 17/4/2016 

[11] عمرو جمال/ بعد 3 أعوام من وعد السيسي.. مصر تؤهل لأول مرة شركات تابعة للجيش للطرح في البورصة/ الجزيرة نت ــ 24 يوليو 2022م

[12] نص مثير باتفاق صندوق النقد.. هل أصبحت مصر تحت الحماية؟/ “عربي 21” ــ  الجمعة، 28 أكتوبر 2022

[13] يزيد الصايغ يتحدث عن مستقبل حكم السيسي بمصر (شاهد)/ “عربي 21” ــ الثلاثاء، 14 يونيو 2022

 

]]>
https://politicalstreet.org/5548/feed/ 0 https://www.youtube.com/embed/qhlt02eID9U مش هتصدق.. عمرو أديب يهاجم النظام بطريقة غير مباشرة ويتحدث عن احتكار الجيش للاقتصاد! nonadult
لماذا تتراجع أسعار الغذاء عالميا وترتفع في مصر؟ https://politicalstreet.org/5531/?utm_source=rss&utm_medium=rss&utm_campaign=%25d9%2584%25d9%2585%25d8%25a7%25d8%25b0%25d8%25a7-%25d8%25aa%25d8%25aa%25d8%25b1%25d8%25a7%25d8%25ac%25d8%25b9-%25d8%25a3%25d8%25b3%25d8%25b9%25d8%25a7%25d8%25b1-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25ba%25d8%25b0%25d8%25a7%25d8%25a1-%25d8%25b9%25d8%25a7%25d9%2584%25d9%2585%25d9%258a%25d8%25a7-%25d9%2588%25d8%25aa%25d8%25b1%25d8%25aa https://politicalstreet.org/5531/#respond Thu, 20 Oct 2022 06:36:45 +0000 https://politicalstreet.org/?p=5531 تواجه مصر حاليا مشكلة في أمنها الغذائي على نحو خطير وغير مسبوق، لا سيما في ظل شح الدولار وانخفاض قيمة الجنيه، وتزايد معدلات التضخم، فمصر تستورد نحو 65% من غذائها، وتصل بوابة الأهرام الحكومية بالنسبة إلى نحو 80%.

ووفقا للخبير الزراعي الدكتور نادر نور الدين فإن مصر تتربع على قمة الدول المستوردة للقمح بحجم 13.5 مليون طن سنويًا، ونُعتبر رابع أكبر مستورد للذرة الصفراء بنحو 10 ملايين طن سنويًا، وخامس أكبر مستورد لزيوت الطعام بنحو 3 ملايين طن سنويًا، ومعها 1.25 طن من السكر ونحو 50% من احتياجاتنا من اللحوم الحمراء والألبان المجففة، و100% من احتياجاتنا من العدس ونحو 80% من الفول.

مشيرا إلى أن ارتباط إنتاج الغذاء بالمياه هو ارتباط أكيد، وانضم إليهما فى المنظومة إنتاج الطاقة، التى تمثل نحو 33% من الإنتاج الزراعى، وبالتالى أصبحت منظومة «المياه والطاقة والغذاء» منظومة واحدة، ولا يصح علميًا أن نتحدث عن مستقبل إنتاج أى منها دون الاثنين الآخرين، بل انضم إليها أيضًا عدد السكان وتغيرات المناخ.

أمام هذه الحقائق؛

لماذا تتراجع أسعار  الغذاء عالميا وترتفع في مصر؟

وما أسباب ذلك؟

وما أبرز أبعاد مشكلة الأمن الغذائي المصري ومخاطره؟

وهل تؤثر هذه المخاطر على وفرة الغذاء وأسعاره؟

ولماذا  ارتفعت أسعار القمح في مصر إلى ضعف السعر العالمي في الأسابيع الأخيرة (سبتمبر وأكتوبر  2022)؟!

وهل يمكن أن تؤثر هذه التطورات على منظومة الدعم التي يستفيد منها نحو 65 مليون مواطن؟

 

غذاؤنا أعلى من السعر العالمي!

أولا، رغم تراجع أسعار المواد الغذائية في جميع أنحاء العالم إلا أنها على العكس ترتفع في مصر؛ فحسب التقرير الشهري عن الأسعار العالمية الصادر عن منظمة الأغذية والزراعة «الفاو» عن شهر يوليو 2022م، فإن هناك تراجعات كثيرة فى أسعار العديد من السلع بعدما ارتفعت في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022.

حيث انخفض متوسط أسعار الحبوب عموما بنسبة ٤٫١٪ عن مستويات شهر مايو (تراجعت لاحقا خلال الشهور التالية)، لكنه ما يزال أعلى بمقدار ٢٧٪ عن مستويات يونيو ٢٠٢١.

كما تراجع سعر زيت الصويا بنسبة ٢٣٪ فى يوليو  مقارنة بشهر مارس الماضى، وهبط سعر زيت الأولين المستخدم فى صناعة زيت الخليط «المستخدم فى القلى» بنسبة ٤٦٪ ليسجل سعر الطن ٩٧٥ دولارا مقارنة بـ١٧٩٤ دولارا فى مارس الماضى، وهبط سعر زيت عباد الشمس إلى ١٨٨٤ دولارا مقابل ٢٠٧٩ دولارا فى مايو، وتراجع سعر البن عالميا ليصل إلى ٥٫٧ دولار للكيلو مقابل ٦٫٤ دولار فى يونيو الماضى، والمتوقع تراجع سعر الكاكاو وكذلك الشاى.

فإذا كانت الأسعار تتراجع عالميا فلم لا تتراجع محليا؟! هذا الوضع المقلوب دفع كاتبا سلطويا[[1]] إلى البحث عن أسباب هذا الوضع المقلوب؛ فينقل عن مصدر بالغرفة التجارية عزوه للأزمة إلى ممارسات احتكارية، مستدلا على ذلك بسعر الأرز؛ إذ كيف يرتفع الأرز وهو منتج محلى بالكامل ولا علاقة له بالأسعار العالمية؟!! فقد وصل سعره في يوليو الماضي إلى 15 جنيها للكيلو، ووصل حاليا (أكتوبر 2022) إلى نحو 18 جنيها في  بعض المناطق.

علما أنه كان يباع قبل الأزمة الأوكرانية بما يتراوح بين ٥ ــ ٨ جنيهات فقط، وهو نفس المحصول الذى تم حصاده فى أغسطس من العام الماضى “2021”، وتم شراؤه من الفلاحين بأسعار زهيدة، وتم تخزينه بطريقة معينة ليتم التحكم بالأسعار حتى جاء موسم الحصاد التالي “أغسطس 2022).

أيضا زجاجة الزيت التى كانت تباع بـ٢٨ جنيها قبل الحرب ارتفعت إلى ٤٠ جنيها بعدها، والشركات والمصانع كان لديها مخزون لأربعة أشهر، لكن ورغم تراجع الأسعار عالميا، فإن السعر المحلى المرتفع ما يزال كما هو، والطبيعي أن تنخفض الأسعار بنحو عشرة جنيهات للعبوة اللتر.

 

لغز أسعار القمح والدقيق

ثانيا: لغز أسعار الدقيق؛ فقد ارتفع سعر الدقيق إلى مستويات جنونية ما أفضى إلى زيادة أسعار المخبوزات بكل أنواعها رغم تراجع الأسعار عالميا؛ ما يؤكد أن الارتفاعات الجنوبية لأسعار السلع الأساسية لدينا ليست نتيجة الظروف الخارجية والكوارث الطبيعية بدءا من الحرب الروسية فى أوكرانيا والحرب الأهلية فى اليمن وحتى جائحة كورونا، بل ناتجة عن أسباب محلية صرفة هذه المرة.

وينقل موقع “مدى مصر” عن مصادر مختلفة قولها إن استمرار أزمة شح الدولار رفعت أسعار القمح محليًا عن اﻷسعار العالمية بشكل ملحوظ، وهو ما ينذر بتأثر كافة الصناعات التي تعتمد على القمح ومشتقاته، مثل المخابز، واﻷعلاف، والمكرونة.

ومن المفارقات العجيبية جدا والتي تحدث لأول مرة في تاريخ مصر، أن الأسبوعين الماضيين شهدا ارتفاع أسعار بيع القمح «محليًا» قرابة 2500 جنيه للطن عن اﻷسعار العالمية.

ويبلغ السعر العالمي حاليًا نحو 356 دولارًا للطن، ما يساوي نحو 7120 جنيهًا بحساب سعر صرف 20 جنيهًا للدولار، في حين يتجاوز متوسط سعر الطن محليًا 9500 جنيه.[[2]]

لكن الكاتب الصحفي أشرف البرير بالشروق يؤكد أن سعر طن الدقيق المسلم للأفران الخاصة بلغ نحو 15 ألف جنيه وفى السوبر ماركت تراوح سعر الدقيق بين 16 و19.9 جنيها بما يعادل ما بين 16 ألفا و19.9 ألف جنيه للطن، بينما السعر العالمي يبلغ 374 دولارا بما يعادل 7480 جنيها أى ما يعادل 7.48 جنيه لكل كيلوجرام بافتراض أن سعر صرف الدولار يعادل 20 جنيها وهو أعلى من السعر الرسمى المعلن.

فإذا كانت هذه الأسعار العالمية بعد إضافة تكاليف الشحن والطحن لا يجب أن تزيد على 9 آلاف جنيه للطن، فكيف تصل إلى 19 ألف جنيه في مصر؟![[3]]

يعزو الكثير من الخبراء أسباب ذلك إلى تضخم الممارسات الاحتكارية في مصر.

لكنه بالطبع يتجاهل تواطؤ الجهات الحكومية وجهاز حماية المستهلك لأن شركات تابعة لجهات سيادية في الأغلب هي من تقوم بهذه الممارسات الاحتكارية أو لحساب شخصيات لها وزن داخل النظام ومؤسساته العسكرية والأمنية.

ولذلك ارتفع سعر طن الدقيق إلى ضعف السعر العالمي دون أي تحرك من جانب الدولة والحكومة!

 

المطاحن والمخابز الخاصة مهددة بالتوقف

ثالثا: باتت آلاف المصانع والمخابز المصرية مهددة بالتوقف بسبب تكدس شحنات القمح في الموانئ المصرية؛ نتيجة قيود الاستيراد التي وضعها البنك المركزي في مارس 2022م.

تجاوزت هذه الكميات حاليًا 800 ألف طن على أقل تقدير، مع استمرار وصول شحنات متفق عليها مسبقًا، والوضع يزداد سوءًا كل يوم مع استمرار أزمة شُح الدولار المتهم الرئيس في رفع أسعار القمح محليا عن السعر العالمي بشكل ملحوظ.

وكانت غرفة صناعة الحبوب خاطبت وزارتي التموين والصناعة بحكومة الانقلاب، والبنك المركزي، لإعلامهم بتوقف عمل 80% من مطاحن القطاع الخاص، إثر عدم دخول أي كميات قمح في السوق منذ مطلع سبتمبر الماضي “2022”، باستثناء كميات بسيطة.

كان لذلك أثر واضح على قطاع المخابز الحرة والسياحية، التي لجأ بعضها إلى تقليل وزن الرغيف، والبعض إلى زيادة السعر، بصورة أثرت نسبيًا على المبيعات خلال الأيام الماضية، وفقًا لعضو شعبة مخابز المنوفية، كريم حسين، الذي أكد أن ارتفاع الأسعار وتخبط السوق دائمًا ما يضر بالمبيعات، خاصة بعد أن تضاعف سعر الرغيف الفينو وزن 40 جرامًا إلى جنيه واحد من نصف جنيه سابقا، وسعر الرغيف الفينو 90 جرامًا إلى جنيهين من جنيه واحد قبل أسابيع قليلة.

 

صناعة الدواجن في خطر

رابعا: أزمة القمح أدت إلى إشعال أزمة النخالة التي أدت بدورها إلى زيادة في أسعار اﻷعلاف الحيوانية، وهي الصناعة المتأثرة بالفعل، والتي بلغ سعر الطن منها مستويات قياسية مؤخرًا عند 15 ألف جنيه للطن، إذ يحتاج كل طن علف نحو 120 كيلو جرام من نخالة القمح؛ وهو ما انعكس بالفعل على صناعة اللحوم والدواجن فارتفعت أسعارها من جديد، وهناك نحو 25 ألف مزرعة دواجن مهددة بالتوقف الكامل.

وكان رئيس اتحاد منتجي الدواجن، محمود العناني، أعلن مطلع في بداية أكتوبر 2022 أنهم تلقوا وعدًا ثلاثيًا من البنك المركزي ومجلس الوزراء ووزارة الزراعة بحل أزمة الإفراجات الجمركية بشأن واردات الذرة والصويا في الموانئ.

بحسب تقديرات العناني، يوجد نحو 1.5 مليون طن ذرة صفراء مُكدسة في الموانئ، ونحو 400 ألف طن فول صويا. فيما اقتربت كميات القمح المُكدسة من 900 ألف طن، مستمرة في الزيادة، وفقًا لمصدر بغرفة صناعة الحبوب باتحاد الصناعات.[[4]]

الأزمة أدت إلى توتر العلاقة بين منتجي الدواجن والدولة؛ وتدخل جهاز الأمن الوطني وألغى مؤتمرا كان مقررا صباح السبت غرة أكتوبر 2022م، والذي كان محددا لمناقشة أزمة توقف العمل بـ25 ألف مزرعة بعد انتهاء مخزون الدولة من العلف.

وبعد ضغوط شديدة تعرض لها الاتحاد من جانب الأمن الوطني؛ اكتفى الدكتور ثروت الزيني، نائب رئيس الاتحاد، بإصدار بيان صحفي يعلن فيه إلغاء المؤتمر، الذي دعا إليه، مؤكدا تفهم مجلس الوزراء ووزير الزراعة ومحافظ البنك المركزي للموقف الحرج الذي وصلت إليه صناعة الدواجن، دون تقديم أية مؤشرات لحل الأزمة الطاحنة التي تواجهها صناعة الدواجن، وأسواق بيع اللحوم البيضاء والبيض.

الأمن الوطني من جانبه، وفي سبيل احتواء الأزمة وإلغاء المؤتمر الذي كان سيسبب حرجا كبيرا لنظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي، وعد اتحاد منتجي الدواجن بالإفراج عن كميات هائلة من الأعلاف محتجزة بالموانئ، خلال أسبوع لم تستطع الشركات إدخالها للبلاد، منذ مارس الماضي، لعدم توفير البنوك العملة الصعبة.

لا سيما وأن الأزمة دفعت المنتجين وأصحاب المزارع إلى التخلص من الدواجن الحية مع عدم قدرتها على توفير الغذاء والأدوية اللازمة للتشغيل اليومي.

وبحسب أعضاء باتحاد المنتجين فإن السماح بخروج آلاف الأطنان، من الموانئ، يمكن أن يساهم في إعادة الإنعاش للصناعة التي أوشكت على الموت.

وتمثل الأعلاف 75% من تكلفة كيلو اللحوم البيضاء، وتستورد مصر 65% من احتياجات المزارع من أوكرانيا والأرجنتين البرازيل والولايات المتحدة سنويا.

توفر المصانع المحلية 35% من الأعلاف، بينما تحتاج إلى استيراد مكونات إضافية لا تنتج محليا، منها مضادات السموم وأملاح الخمير ومضاد كلوستريديا، لتكوين “عليقة” العلف التي تتكون من 70% من الذرة الصفراء و19.4% دقيق فول الصويا، و3.4% نخالة القمح، و1.9% مركزات أسماك ولحوم.

ويخشى منتجون من تدهور صناعة ضخمة، تبلغ استثماراتها نحو 100 مليار جنيه، ويعمل بها 3 ملايين شخص، تنتج نحو 95% من احتياجات البلاد من اللحوم البيضاء، بواقع 1.4 مليار طائر، تنتج 14 مليار بيضة، تكفي حاجات المستهلكين، وتصدر نسبة بسيطة من الإنتاج إلى الدول الخليجية.[[5]]

 

الحكومة تحتكر الأرز

خامسا، امتدت الأزمة إلى محصول الأرز؛ فقد بدأت الحكومة في إغلاق مضارب الأرز الخاصة، ومنعها من القيام بضرب (تقشير) وتسويق الأرز، ومصادرة أي كميات يجرى توريدها لغير مضارب ومخازن الحكومة؛ الأمر الذي يؤدي تلقائيا إلى ارتفاع أسعار الأرز رغم أنها ارتفعت بشكل جنوني في الشهور الماضية.

وذلك نتيجة تراجع المعروض في ظل إغلاق مضارب القطاع الخاص واحتكار الحكومة ضرب وتسويق الأرز، علاوة على ذلك فإن الطاقة التشغيلية لمضارب الحكومة تبلغ نحو 200 ألف طن أرز شعير، في حين أن المستهدف توريده من المزارعين 1.5 مليون طن.

وقد أبلغ رئيس شعبة الأرز بغرفة صناعة الحبوب، رجب شحاته، عددا من أصحاب المضارب الخاصة، أن قرار وزير التموين كان فجائيًا وصدر من دون علم الشعبة، وأنه حاول مقابلة وزير التموين على مصيلحي لمدة 3 أيام متتالية لكن محاولاته فشلت.

وكان وزير التموين قد أصدر قرارًا الخميس 29 سبتمبر 2022، ينص على أن الهيئة العامة للسلع التموينية، فقط، هي المختصة بتسويق محصول الأرز المنتج محليًا موسم 2022، من خلال شركة المضارب التابعة للشركة القابضة للصناعات الغذائية، والشركة القابضة للصوامع والتخزين، والبنك الزراعي المصري، وكذلك الجهات التي يتم اعتمادها من الوزارة بالتنسيق مع الهيئة القومية لسلامة الغذاء.

وحظر القرار نقل الأرز الشعير إلًا بتصريح معتمد من مديرية التموين والتجارة الداخلية بكل محافظة، مع تقديم ما يفيد بقيام المصرح له بتوريد الكميات المحددة إلى مخازن الحكومة (طن عن كل فدان).

وكانت الحكومة تستهدف توريد مليون ونصف المليون طن من الأرز بسعر 6600 جنيها للحبة الرفيعة و6850 جنيها للعريضة خلال موسم الحصاد (منتصف أغسطس حتى منتصف سبتمبر).

تضمن القرار أيضا بمعاقبة من يمتنع عن التوريد بعدم السماح له بزراعة الأرز في العام التالي، إضافة إلى عدم صرف الأسمدة والمبيدات الزراعية، بخلاف توقيع غرامة تقدر بـ10 آلاف جنيه عن كل طن لا يتم تسليمه.

ويتوقع أن يصل حجم الإنتاج هذا الموسم إلى حوالي 7 ملايين طن أرز شعير، من زراعة 1.8 مليون فدان، بزيادة 550 ألف فدان عن الموسم الماضي، تعطي 3.6 ملايين طن أرز أبيض، فيما يبلغ حجم الاستهلاك السنوي 3 ملايين طن.[[6]]

 

إهدار ملايين الأطنان سنويا

سادسا، من جوانب المشكلة أيضا كميات المحاصيل المهدرة والتي تقدر بملايين الأطنان سنويا رغم العجز الكبير في تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء والذي يقدر بنحو  30 إلى 40% فقط.

وحسب آخر بيانات أصدرها جهاز التعبئة والإحصاء عن الهدر في الفترة ما بين 2015 و2019م، فإن نسبة الهدر(الفاقد من السلع الغذائية نتيجة سوء التخزين وعوامل أخرى) تصل إلى 16% من الإنتاج السنوي، والتي تصل إلى نحو 5 ملايين طن سنويا.

وفاقد الغذاء٬ بحسب منظمة الأغذية للأمم المتحدة (فاو)٬ هو الغذاء الذي انسكب أو فسد قبل أن يصل إلى مرحلة المنتج النهائي أو البيع بالتجزئة، ويحدث الفاقد أثناء الإنتاج والتداول والتصنيع والتوزيع٬ ويسببه ضعف تقنيات الحصاد، والممارسات السيئة في التداول، وعدم فعالية نظم التسويق، وعدم وجود معدات تصنيع.

وتمثل نسبة الهدر في محصول القمح 15 ضعفًا مقارنة بمثيلتها في إنتاج الدول المتقدمة، والتي لا تتجاوز 2% من إجمالي الإنتاج، وفقًا لأستاذ الاقتصاد الزراعي، باسم فياض.

لا يقف هدر الحبوب ومنها القمح عند الإنتاج المحلي فقط، لكنه يُطال الكميات المستوردة، أثناء الشحن والتحميل من المواني والتفريغ في الصوامع والتحميل مرة أخرى نقلًا إلى المطاحن، وفقًا لدراسة نشرتها دورية ساستنبيليتي العلمية٬ التي قدرت الهدر على طول سلسلة القيمة للقمح بنحو 4.4 ملايين طن أو 20.62% من إجمالي المعروض من الإنتاج المحلي والواردات في 2017-2018، تقدر بسعر اليوم بنحو (1.7) مليار دولار سنويا.

خلاف قيمة الهدر «المباشر» في القمح، لدينا أيضًا هدر «غير مباشر» ربما يوضح حجم الخسائر السنوية بصورة أفضل، إذ أن هدر 4.4 ملايين طن قمح يعني خسارة 4.79 مليار متر مكعب من المياه استُخدمت لري المساحات التي أنتجت الكميات المُهدرة، وتمثل نحو 5.7% من استهلاك المياه العام لمصر سنويًا، بخلاف هدر 74.72 مليون جيجا جول من الطاقة، بحسب بحث «ساستنبيليتي».

يوضح البحث الذي شارك فيه المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة «إيكاردا»، ومركز البحوث الزراعية المصرية، أنه إذا تمكنت مصر من القضاء على الخسائر والهدر المتعلقين بالقمح أو تقليلهما بشكل كبير، فإن ذلك سيوفر غذاءً كافيًا لنحو 21 مليون شخص إضافي، وبالتالي خفض الواردات.

أما الأرز٬ الذي تكتفى منه مصر ذاتيًا بنحو 90% تقريبًا، فإنه فقد نحو 7.8% من إنتاجه الكلي في 2019، مترجمة الى 158 ألف طن من الأرز الأبيض.

كان يمكن أن توفر تلك الأطنان نحو 63% من واردات الأرز البالغة 250 ألف طن٬ تستوردها مصر سنويًا لاستكمال إجمالي 3.75 مليون طن نستهلكها٬ بحسب تقدير النائب السابق لرئيس شعبة الأرز بغرفة الحبوب، مصطفى السلطيسي.

الوضع نفسه يظهر في محصول الذرة الشامية٬ الذي يستخدم أيضًا في صناعة الأعلاف وإنتاج الخبز٬ والذي فقد أكثر من 12% في 2019، وفق بيانات التعبئة والإحصاء.

تستورد مصر من الذرة حاليًا أكثر من عشرة ملايين طن سنويًا، وكانت في حدود ثمانية ملايين طن في 2019، وفقًا لتقديرات اتحاد منتجي الدواجن.

وبعيدًا عن الحبوب، قدرت بيانات «الإحصاء» الهدر في محاصيل الخضروات خلال الفترة بين 2015 و2019 بواقع 4.5 مليون طن في المتوسط سنويًا، ظهر أبرزها في خسارة 22% من محصول الطماطم، و19% من البطاطس. كما قُدرت نسبة الهدر في محاصيل الفاكهة بنحو 1.5 مليون طن في الفترة نفسها، يأتي أغلبها في الموز بواقع 16% من الإنتاج، و19% للمانجو، و14% للعنب.[[7]]

 

أزمة السماد

سابعا،  في ظل هذه الظروف والغلاء الفاحش الذي طال كل شيء، أصبحت الزراعة مهنة غير مربحة لصغار الفلاحين الذين تقل حيازتهم عن خمسة أفدنة؛ جراء ارتفاع أسعار السولار ومدخلات الإنتاج والعمالة وشح السماد.

فقد رفعت الحكومة يوم الخميس 18 نوفمبر 2021 أسعار مساد اليوريا المدعوم للفلاحين بنسبة  50%، وهذا يمثل زيادة بواقع 1500 جنيه على السعر القديم. ورغم إلزام المنتجين (مصانع السماد) بتوجيه 65% على الأقل من إنتاجهم للسوق المحلية، على أن يتم بيع 10% بسعر السوق و55% بالسعر المدعوم البالغ 4500 جنيه، إلا أن معظم المنتجين رغم فائض الإنتاج الذي يصل إلى 11.5 مليون طن يفضلون التصدير لتحقيق مكاسب أكثر على حساب السوق المحلي.

وحسب تقارير لمنظمة الأغذية والزراعة فإن من الأفضل للدول المستوردة لنسب كبيرة من غذائها أن تهتم قبل كل شيء بتوفير الأسمدة النتروجينية لمزارعيها وبالكميات الموصى بها لزيادة إنتاجها من الغذاء وتقليل وارداتها بالعملات الأجنبية وتحسين ميزانها التجاري؛ لأن عدم توافر الأسمدة أو ارتفاع أسعارها واضطرار الفلاح إلى إضافة نصف الكمية المفترض إضافتها من الأسمدة النتروجينية فإن المحصول ينقص بنسبة 30%، وعند عدم إضافة الأسمدة كليا فإن المحصول يتراجع بنسبة 50%، وفى كلتا الحالتين فإن الدول الفقيرة سوف تضطر إلى استيراد ذات الكميات من الخارج بما يضغط على مواردها من العملات الأجنبية ويرفع أسعار السلع فى الأسواق المحلية بسبب تكاليف الشحن البحرى والتفريغ فى الموانى والنقل الداخلى والتخزين وغيرها.[[8]]

لكن الحكومة تشجع تصدير السماد للخارج لجلب الدولار. رغم أنها ستضطر إلى دفع أضعاف ذلك لاستيراد فوارق الغذاء.

 

تقلص مخصصات الدعم

في ظل هذه الأوضاع المحفوفة بالمخاطر، يعمل النظام على تقليص مخصصات الدعم باستمرار؛ فقد قرر وزير التموين الخميس (29 سبتمبر 2022م) برفع أسعار “8” سلع أساسية على بطاقات التموين اعتبارا من السبت غرة أكتوبر 2022م، وحسب قرار الوزارة فقد تقرر رفع أسعار زيت الطعام على بطاقات التموين المدعومة من 23 إلى 25 جنيهاً للعبوة (0.8 لتر)، والسمن الصناعي من 24 إلى 30 جنيهاً للعبوة، والعدس من 11 إلى 12 جنيهاً للكيلو، وصلصة الطعام من 4.75 إلى 6 جنيهات للعبوة.

كذلك ارتفع سعر عبوة الخل من 4.25 إلى 5 جنيهات، وعبوة الجبن (0.25 كيلو) من 7 إلى 7.5 جنيهات، وعبوة الجبن (0.50 كيلو) من 13 إلى 14 جنيهاً، ومسحوق الغسيل من 18 إلى 20 جنيهاً للعبوة، وصابون اليد من 5.5 إلى 6.5 جنيهات للقطعة.

وهذه هي المرة الرابعة التي تقوم فيها الحكومة برفع أسعار سلع التموين خلال هذه  السنة الكئيبة “2022”.

وكانت الحكومة قد رفعت أسعار 7 سلع تموينية على مرتين في 1 يناير و1 مارس الماضيين”2022″، كما رفعت أسعار 25 سلعة على بطاقات التموين من أصل 32 سلعة متاحة بنسب بين 5 إلى 15% في إبريل الماضي 2022م.

بهذه الزيادات الأربعة حتى الآن في سنة 2022م تكون أسعار السلع قد ارتفعت بنسبة 50% عما كانت عليه في “2021”. مع ثبات مخصصات الدعم للأفراد عند 50 جنيهاً لأول 4 أفراد مقيدين على البطاقة، و25 جنيهاً للفرد الخامس والسادس.[[9]]

الملاحظة الثانية، الأرقام تؤكد أن حجم الدعم (90 مليارا لدعم الخبز والغذاء) يمثل 2.9% فقط من حجم إنفاق الموازنة المصرية والبالغ ثلاثة تريليونات و66 مليار جنيه؛ فقد جاءت مخصصات الدعم التمويني بالموازنة الحالية (2022/2023) مماثلة إلى حد كبير لما كانت عليه في العام الماضي بزيادة 2.8 مليار جنيه، والتي تتضمن دعم الخبز، والسلع الغذائية التي يتم توزيعها على البطاقات التموينية والتي يستفيد منها 63.3 مليون مواطن، مقابل 103 ملايين هم مجمل السكان.

وهكذا بلغت مخصصات الدعم التمويني شاملا الخبز وسلع البطاقات في الموازنة 90 مليار جنيه، وهو ما يمثل نسبة 25 في المائة من مجمل مخصصات الدعم في الموازنة الجديدة والبالغ 356 مليار جنيه.

علاوة على ذلك فإن حجم الدعم في الموازنة تم تضخيمه على نحو مضلل ومخادع؛ ذلك أنه يتضمن 127 مليار جنيه تمثل جزءا من قسط سنوي لمديونية هيئة التأمينات الاجتماعية لدى الخزانة العامة، ولهذا كان يجب أن يكون مكان القسط في الباب الثامن بالإنفاق والمتعلق بأقساط الديون على الحكومة.

كما يتضمن أيضا نوعيات عديدة غريبة من الدعم مثل دعم الصادرات والتي يحصل عليها رجال الأعمال، ودعم الإنتاج الحربي الذي تحصل عليه شركات الإنتاج الحربي، والمعونات المقدمة من مصر إلى دول حوض النيل، والمنح التي تحصل عليها الأندية الاجتماعية للعاملين في وزارات المالية والعدل والداخلية.

فقد بلغ نصيب وزارتي الداخلية والعدل من الدعم في الموازنة الجديدة 1.2 مليار جنيه، وكذلك لمباني وزارة الخارجية في الخارج وصندوق تطوير الطيران المدني، وجهازي الرياضة والشباب، إلى جانب عدد من الجهات التابعة لوزارة الثقافة على رأسها دار الأوبرا المصرية. وحتى ندرك الحجم الضئيل لمخصصات الدعم فإن مخصصات فائدة الدين الحكومي في الموازنة الجديدة 690 مليار جنيه، أي ثمانية أضعاف قيمة الدعم الغذائي (90 مليارا فقط)، في ضوء وجود ثلث السكان تحت خط الفقر حسب البيانات الرسمية الملعوب فيها، إلى جانب 965.5 مليار جنيه لأقساط الدين الحكومي خلال العام المالي الجديد، لتصل تكلفة الدين من فوائد وأقساط في عام واحد إلى تريليون و656 مليار جنيه، وهو ما يفوق جميع إيرادات الدولة المتوقعة في الموازنة والتي تصل إلى 1.55 تريليون جنيه.

أيضا فإنيضا  بيانات أداء الشهور التسعة الأولى من العام المالي (2021-2022) تشير إلى انخفاض قيمة المنصرف على الدعم التمويني، بالمقارنة بما تم إعلانه من مستهدفات بنسبة 24 في المائة خلال تلك الشهور التسعة.

وكان الحساب الختامى للعام المالي السابق (2020-2021) قد أشار إلى انخفاض الإنفاق على إجمالي الدعم بنسبة 19 في المائة بالحساب الختامي عما تم إعلانه من مستهدفات.

وهي الظاهرة التي تكررت أيضا في العام المالي 2019-2020، بنسبة 31 في المائة لمجمل الدعم وبنسبة 10 في المائة للدعم التمويني. لكن الحساب الختامي الذي يمثل الواقع الفعلي للإنفاق، لا يجد اهتماما إعلاميا في ظل إعلام الصوت الواحد وغياب الدور الرقابي للبرلمان.[[10]]

خلاصة الأمر، أن أسعار الغذاء تتراجع عالميا وترتفع في مصر لأسباب لا علاقة لها بتفشي جائحة كورونا أو الحرب الروسية الأوكرانية؛ بل لأسباب محلية بحتة أبرزها على الإطلاق انعدام الكفاءة في إدارة البلاد، والفشل الصارخ في إدارة موارد الدولة على نحو صحيح، والتواطؤ مع مافيا الاحتكار التي تضخمت بشدة في مرحلة ما بعد انقلاب 3 يوليو 2013م، والبرهان على ذلك أزمة الأرز؛ فرغم أن مصر تحقق منه الاكتفاء الذاتي إلا أن أسعاره ارتفعت في غضون الشهور الأخيرة من 6 جنيهات للكيلو إلى 18 جنيها حاليا.

كما تسببت أزمة شح الدولار وقيود الاستيراد في ارتفاع سعأسعار القمح والدقيق عن الأسعار العالمية و هو ما يحدث لأول مرة في تاريخ مصر؛ فأسعار الخبز والدقيق أعلى من الأسعار العالمية وتصل إلى الضعف فالطن عالميا يصل إلى 9 آلاف جنيه بينما في مصر يدور بين 15 و16 حتى 19.9 ألف جنيه.

هذا الوضع المتدهور في الأمن الغذائي المصري يوجب على نظام الحكم إعادة هيكلة لتحويل الزراعة إلى مهنة مربحة للفلاح والحفاظ على الأراضى الزراعية وزيادة مساحتها والحد من توغل العمران عليها، ووضع استراتيجيات لإنتاج الغذاء تحت ظروف الشح المائى وتحت ظروف الاحترار العالمى وارتفاع درجات الحرارة واستهلاك الزراعة مياهًا أكثر لإنتاج نفس الكم الحالى من الغذاء والإنفاق على البحث العلمى لإنتاج غذاء أكثر من مياه أقل ومن حاصلات تتحمل العطش وزيادة درجات الحرارة.[[11]]

في ظل موجات الغلاء الفاحش وتآكل قيمة الأجور والمرتبات بفعل التضخم وانخفاض قيمة الجنيه أمام الدولار، كشف النظام عن وجه رأسمالي متوحش لا يليق بالدول والحكومات بل بالمافياوات المسعورة؛ فتم تقليص مخصصات الدعم حتى إنها لا تصل إلى 3% فقط من حجم إنفاق الموازنة العامة للدولة.

ويتجاهل النظام أن للدعم الحكومي للفقراء وظيفة أمنية كبيرة؛ ذلك أن الدعم إنما يحقق شيئا من العدالة المالية المفقودة داخل المجتمع، ويعتبر جدار حماية للمجتمع من الفوضى والانزلاق نحو صراع أهلي بين الفقراء المحرومين من كل شيء والأثرياء الذين يتمتعون بكل شيء.

وقد برهنت على ذلك دراسة عن سياسات الدعم الحكومي في مصر وأثرها على الاستقرار السياسي والاجتماعي، بعنوان « سياسات الدعم الحكومي في مصر وأثرها على الاستقرار السياسي والاجتماعي»، أعدها الباحثان محمد مصطفى عبدالباسط ونوير عبدالسلام، ونشرت سنة 2018م بمجلة كلية التجارة للبحوث العلمية بجامعة أسيوط.[[12]]

واستعرضت الدراسة تاريخ الدعم الحكومي في مصر، ومراحل تطور سياسات الدعم الحكومي في مصر وحجم الإنفاق الحكومي الموجه لها،

والتي تتمثل في مرحلتين، هما المرحلة الأولي من (1991 – 2011)، والثانية من (2011 – 2016).

كما كشفت عن أثر سياسات الدعم الحكومي على حالة الاستقرار السياسي والاجتماعي، و«تبين وجود علاقة وطيدة بين الاستقرار السياسي وسياسات الدعم الحكومي، فكلما كانت سياسات الدعم أكثر انضباطاً ومناسبة للفئات المستحقة له كلما تمتع النظام السياسي بالاستقرار السياسي.

واختتمت الدراسة مؤكدة على إنه ليس من البديهي في ظل حالة من ارتفاع الأسعار أن تقوم الحكومة بوضع سياسة دعم تهدف إلى تخفيض عدد السلع المدعومة أو تقليل أعداد المستفيدين من الدعم، ففي هذه الفترة وفي ظل ارتفاع أسعار السلع الأساسية ستكون هذه السياسة أو هذا القرار عنيفا وقاتلاً لفئة عريضة من الفقراء ومحدودي الدخل، لذا يجب على متخذ القرار أن يبدأ البداية المناسبة حتى يجد صدي إيجابيا للقرار أو السياسة التي قام باتخاذها».

لكن السيسي ونظامه وأجهزته يناقضون كل هذه التحذيرات ويصر على تجويع ملايين المصريين من خلال تخفيض مخصصات الدعم؛ الأمر الذي يمكن أن يفضي إلى زعزعة استقرار البلاد واندلاع ثورة جياع إذا استمرت الأوضاع ماضية على النحو القائم والكئيب.

[1] انظر: عماد الدين حسين/ لماذا لا تنخفض الأسعار؟/ بوابة الشروق ــ الأحد 31 يوليه 2022

[2] استمرار تكدس القمح في الموانئ.. وقفزات السعر محليًا تهدد المخابز والأعلاف والمكرونة/ مدى مصر ــ الأحد 02 أكتوبر 2022م

[3] أشرف البربرى/ لغز سعر الدقيق/ بوابة الشروق ــ الأربعاء 5 أكتوبر 2022

[4] «مُنتجي الدواجن» يُخاطب «المركزي» لزيادة الإفراجات الجمركية عن خامات الأعلاف/ مدى مصر ــ الأربعاء 05 أكتوبر 2022م

[5] عادل صبري/ أزمة دواجن طاحنة في مصر: توقف 25 ألف مزرعة عن العمل بعد فقدان العلف/ العربي الجديد ــ 01 أكتوبر 2022

[6] الحكومة المصرية تحتكر تسويق الأرز: إغلاق المضارب الخاصة/ العربي الجديد ــ 03 أكتوبر 2022

[7] شمس الدين عصام/هكذا يُهدر قمح وخضروات وفاكهة بملايين الأطنان سنويًا/ مدى مصر ــ 23 أغسطس 2022

[8] د. نادر نور الدين/ توفير الأسمدة يقلل استيراد الغذاء/ الأهرام اليومي ــ الأربعاء 9 من ربيع الأول 1444 هــ 5 أكتوبر 2022 السنة 147 العدد 49611

[9] بعد شهر من صرف الدعم الاستثنائي..  بنسب تصل لـ26% «التموين» تعلن رفع أسعار 8 سلع تموينية/ مدى مصر ــ السبت غرة أكتوبر 2022م// حكومة مصر تسترد دعم التموين برفع أسعار 8 سلع على البطاقات/ العربي الجديد ــ 29 سبتمبر 2022

[10] ممدوح الولي/ دعم السلع التموينية يمثل نسبة 3 في المائة من إنفاق الموازنة المصرية/ “عربي 21” ــ الأحد، 15 مايو 2022

[11] نادر نور الدين محمد/ تحديات المياه وإنتاج الغذاء في مصر/ المصري اليوم ــ الإثنين 01 مارس 2021مـ// نادر نور الدين محمد/ مستقبل أمن الغذاء فى مصر/ المصري اليوم ــ الخميس 11 يناير 2018مـ// عبد التواب بركات/ الزراعة: جريمة في مصر/ الجزيرة مباشر ــ 9 مارس 2021م

[12] محمد، مصطفى عبدالباسط حسن (معد) ونوير، عبدالسلام (م. مشارك)/ سياسات الدعم الحكومي في مصر وأثرها على الاستقرار السياسي والاجتماعي/ مجلة كلية التجارة للبحوث العلمية بكلية التجارة جامعة أسيوط ــ سنة 2018م

]]>
https://politicalstreet.org/5531/feed/ 0
الامتيازات التي تحظى بها تنظيمات السيسي الشبابية https://politicalstreet.org/5528/?utm_source=rss&utm_medium=rss&utm_campaign=%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25a7%25d9%2585%25d8%25aa%25d9%258a%25d8%25a7%25d8%25b2%25d8%25a7%25d8%25aa-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25aa%25d9%258a-%25d8%25aa%25d8%25ad%25d8%25b8%25d9%2589-%25d8%25a8%25d9%2587%25d8%25a7-%25d8%25aa%25d9%2586%25d8%25b8%25d9%258a%25d9%2585%25d8%25a7%25d8%25aa-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25b3%25d9%258a https://politicalstreet.org/5528/#respond Wed, 19 Oct 2022 16:48:30 +0000 https://politicalstreet.org/?p=5528 مع بداية الانعقاد للدورة السنوية الثالثة للبرلمان المصري مطلع أكتوبر 2022م، توافقت قيادات في جهاز المخابرات العامة مع رئيس مجلس النواب المستشار حنفي الجبالي، بشأن إعطاء مساحة أكبر من العمل تحت قبة البرلمان لأعضاء البرلمان  المنتمين إلى «تنسيقية شباب الأحزاب»، على صعيد المناقشات المرتقبة حول مشاريع القوانين سواء في أروقة اللجان النوعية أو فعاليات الجلسات العامة، لا سيما وأن جهاز المخابرات العامة هو الذي يرعى هذا الكيان منذ إنشائه في يونيو 2018م.

وجاءت تزكية  “11” نائباً من التنسيقية في هيئات مكاتب اللجان النوعية للمجلس، بالتنسيق مع الهيئة البرلمانية لحزب “مستقبل وطن” الحائز على الأغلبية، ليعطي دلالات واضحة حول الدور المنتظر لها، لا سيما مع توزيع هؤلاء النواب على أهم اللجان النيابية.

وأسفرت نتائج انتخابات اللجان النوعية لمجلس النواب، في بداية دورة الانعقاد السنوي (تتم في أكتوبر من كل عام)، عن تزكية رؤساء جميع اللجان البالغ عددها 25، للعام الثالث على التوالي، والإبقاء على 93 نائباً من أصل 100 في مناصبهم كرؤساء ووكلاء وأمناء سر اللجان من دون أي تغيير.

معنى ذلك أن الاتفاق بين المخابرات ورئيس البرلمان يضمن دورا أكبر لنواب التنسيقية بالبرلمان (32 نائبا) من أصل 596 عضوا.

وسوف يكون لهم دور أكثر أهمية خلال دورة الانعقاد الحالية في مناقشات التشريعات المقدمة من الحكومة والنواب، وستلقى اقتراحاتهم عليها دعماً ملحوظاً من جانب حزب الأغلبية (مستقبل وطن)، بما في ذلك بعض المواقف المعارضة لقرارات السلطة التنفيذية، وذلك للإيحاء بأن هناك تياراً شاباً مناوئاً للحكومة داخل البرلمان، بعد تغييب المعارضة عن تشكيل المجلس الحالي، والتي يقتصر وجودها فعلياً على 3 نواب فقط.[[1]]

معنى ذلك أن التنظيمات الشبابية الموالية لنظام الجنرال عبدالفتاح السيسي تحظى بامتيازات واسعة تحت إشراف النظام نفسه وأجهزته الأمنية؛ من أجل أن يكونوا  نخبة النظام السياسية وقاعدته الشعبية؛ يؤهلهم ويربيهم على عينه ويمنحهم الامتيازات ويفتح لهم أبواب الصعود إلى أعلى مناصب الدولة الحساسة؛ فمنهم نواب بالبرلمان ومحافظين ونواب محافظين ومساعدي وزراء؛ لكي يدافعوا عن النظام وينافحوا عن سياساته ومواقفه[[2]]؛

فما هي هذه التنظيمات؟ وكيف تأسست؟

وما الامتيازات التي تحظى بها  دون غيرها من شباب مصر؟

ولماذا تختصهم السلطة بهذه الامتيازات دون غيرهم من شباب مصر؟

 

تنظيمات السيسي الشبابية

هناك ثلاثة تنظيمات شبابية أسسها نظام ” 3 يوليو” ليكونوا قاعدته الشبابية التي يربيها على عينه وينشئها التنشئة الفرعونية التي يتبناها النظام العسكري ويسوقها ويريد أن يفرضها على المصريين فرضا بأدوات الدعاية والتضليل حينا والتدليس والغواية حينا آخر والبطش والإكراه  إذا فشلت الأداتان السابقتان.

فهم نخبته المستقبلية وقاعدته التي تحظى بكل الامتيازات من أجل أن يكونوا حكام مصر القادمين الذين يمضون على ذات الطريق الذي رسمه الآباء المؤسسون للدولة العسكرية في مصر منذ انقلاب “23” يوليو 1952م.

التنظيم الأول، هو شباب البرنامج الرئاسي، وهو التنظيم الأكثر أهمية وخطورة، وقد أطلق الجنرال عبدالفتاح السيسي تأسيس هذا التنظيم في سبتمبر 2015م بدعوى «تخريج قيادات شابة قادرة على الإدارة وتولي المسؤولية والمناصب القيادية وفقا لأساليب الإدارة الحديثة».

ويحصل المنخرط في البرنامج – حسب القائمين عليه – على 11 دورة خلال ثمانية أشهر، تشمل التثقيف السياسي والاقتصادي والإعلامي.

وحتى ندرك أهمية وخطورة هذا التنظيم فإن المخابرات العامة هي التي تشرف على شباب هذا البرنامج من الألف إلى الياء، وكان الضابط أحمد شعبان الذراع اليمنى للواء عباس كامل رئيس جهاز المخابرات هو من يشرف بشكل مباشر على شباب البرنامج الرئاسي في بداية المشروع.

وكان يعاونه فريق مدني من أعضاء هيئة التدريس بالجامعة الأمريكية والفرنسية، وعلى رأسهم وزير التعليم السابق الدكتور طارق شوقي، والذي تولى قبل الوزارة الأمين العام للمجالس التخصصية التابعة لرئاسة الجمهورية، وعميد كلية العلوم والهندسة في الجامعة الأميركية بالقاهرة، والدكتورة دينا برعي مستشارة التقييم وعميدة كلية التعليم المستمر بالجامعة الأميركية في القاهرة، وفي الواجهة يأتي الدكتور خالد حبيب أستاذ الدراسات العليا بالجامعة الفرنسية ESLSCA ومستشار التطوير المؤسسي والتنمية البشرية للمشروع، والذي يعرفه الإعلام الموالي للنظام على أنه مصمم البرنامج، والمهندسة سارة البطوطي ممثلة الشباب في البرنامج كما يعرفها الموقع الرسمي للبرنامج على الإنترنت.[[3]]

وحتى مايو 2017، كان قد تم تخريج “5600” شابا وفتاة، ويتضمن البرنامج ثلاثة أقسام هي العلوم الاجتماعية والإدارة المحلية والعلوم الإدارية والقيادية والعلوم السياسية والأمنية، وهو ما يقتضي منهم “رفع درجة الانتماء الوطني بين الشباب وفقا لرؤية النظام، وتعريفهم على حجم (الإنجازات) التي حققتها الدولة في ولاية السيسي”.[[4]]

ويتلقى شباب التنظيم محاضرات في “العلوم السياسية والأمنية”، كان يقدمها في بداية المشروع اللواء أركان حرب محمد صلاح الدين حسن، مدير كلية الدفاع الوطني، وتتناول حروب الجيل الخامس التي تُشكل تحدياً للدولة بحسب السلطة، وعن حتمية دعم المؤسسة العسكرية في حروبها الدائمة تجاه المؤامرات التي ينفذها ممولون داخل وخارج البلاد، بينما تضمّنت محاضرات العلوم الإدارية مُشاركة للواء مختار محمد علي، مدير الكلية العسكرية لعلوم الإدارة لضباط القوات المسلحة، والذي يتحدث في محاضرته عن أهمية الانضباط والالتزام داخل المؤسسة العسكرية، والذي ينبغي الاستفادة منه في كافة مناحي الحياة العلمية.

كما يحصل أعضاء التنظيم على دورة الدراسات الاستراتيجية والأمن القومي بكلية الدفاع الوطني في أكاديمية ناصر العسكرية العليا. وعلى الموقع الإلكتروني للبرنامج، وتحت عنوان «ماذا بعد التخرج»، قُسّم الخريجون لثلاث مجموعات، هي «المواهب المتميزة»، و «المواهب الواعدة»، و«المساهمون والسفراء».

حيث يحصل أصحاب المواهب المتميزة على وظائف قيادية، في مسار تصاعدي سريع مع كبار المسؤولين، بحد وصف الموقع، مع دراسات أعلى في مؤسسات أكاديمية عالمية.

أما فيما يخص المواهب الواعدة، فسيجري توظيفهم في قطاعات الوزارات والمحافظات، بالإضافة إلى فرص عمل في الشركات الراعية، أما المساهمون والسفراء، فلهم الفرصة الأولى في معارض التوظيف والتأهيل المستمر، مع استمرارهم في الحصول على المنح والمزايا.[[5]]

وحتى يناير 2021 كان قد تم تخريج نحو “1500” من شباب البرنامج الرئاسي بالمحافظات المختلفة.[[6]]

التنظيم الثاني، هو اللجنة التنسيقية لشباب الأحزاب،[[7]]

وهو تنظيم عابر للأحزاب ويضم مجموعات من شباب الأحزاب الموالية للسلطة وهو تنظيم تأسس بعد اجتماعات سرية في دهاليز المخابرات في الشهور الأولى من سنة 2018م، والهدف منه هو تكوين ظهير سياسي للنظام، وتولى الإشراف على تأسيس هذا الكيان الضابط أحمد شعبان الذارع اليمنى للواء عباس كامل رئيس جهاز المخابرات العامة، والذي اجتمع بشكل علني لأول مرة في 26 إبريل 2018، بعدد من ممثلي الأحزاب الموالية للسلطة في مقر جهاز المخابرات العامة  والتي فسرت حينها بأنها “محاولة من النظام لفتح صفحة جديدة مع شباب الأحزاب” بحسب ما نقله مشاركون في الاجتماع.[[8]]

حيث تحدث شعبان عن  العمل على دمج النشطاء في الأحزاب، وطالبهم بالعمل على تقديم ورقة عن كيفية تطوير العمل الحزبي، وتصور عن شكل الحياة السياسية في مصر وما يجب أن تكون عليه، وأفضت هذه الاجتماعات في دهاليز المخابرات الحربية إلى صدور  البيان التأسيسي لهذا التنظيم الجديد في 12 يونيو  2018م. [[9]]

وتعمل التنسيقية على ضم أعداد محدودة من الشباب، الذين ينتمون إلى أحزاب موالية للنظام لا تمتلك قواعد شعبية، شرط اجتيازهم الفحص الأمني، ونجاحهم في دورات “الأكاديمية الوطنية لتدريب وتأهيل الشباب” التابعة لمؤسسة الرئاسة.

التنظيم الثالث، هو «طلاب من أجل مصر»، ويختص هذا التنظيم بطلاب الجامعات؛ فهو الذراع السياسي للسلطة داخل الجامعات المصرية،  وظهر هذا التنظيم مع احتفالات جامعة القاهرة «بذكرى انتصارات حرب أكتوبر»، في 2017، «كمبادرة طلابية تعمل من أجل خدمة الجامعات، ولأجل خدمة أهداف التنمية المستدامة»، وفي حوار سابق بجريدة «الشروق» قال مؤسسها عمرو مصطفى٬ عميد كلية الزراعة بجامعة القاهرة، إنه اقترح فكرتها على إدارة «القاهرة» ووافقت عليها، ثم عرضتها على إدارات جامعات حكومية مختلفة، فرحبت بانطلاقها لديها. [[10]]

هذا التنظيم المدعوم أمنيا يشرف عليها جهاز الأمن الوطني من الألف إلى الياء؛ ويسيطر فعليا على جميع اتحادات الطلاب بكل الجامعات المصرية إما عن طريق التزكية لعدم وجود منافسين وهو الغالب، أو عبر انتخابات صورية معلومة النتائج مسبقا.

ويحصل جميع طلاب هذا التنظيم  على دورات مكثفة وتدريبات على «القيادة» بحسب أحمد شعلان٬ منسق «طلاب من أجل مصر» بكلية الحقوق في جامعة القاهرة السابق، والتي تعقد أثناء معسكرات الحركة الصيفية، أو للمنضمين حديثًا.

وتضم التدريبات أيضًا «بناء الشخصية القوية لمواجهة التحديات والتهديدات، والمخاطر التي تواجه الأمن القومي»، بحسب إسراء ضرغام٬ المُنسقة السابقة لـ«طلاب من أجل مصر» بجامعة دمنهور.

أما المحاضرات التي تنظمها الحركة فتتنوع مواضيعها٬ ما بين مشاركة الأساتذة الجامعيين لخبراتهم مع الطلاب، وندوات تحديات الأمن القومي، ومحاضرات عن كيفية تنفيذ الطلاب لمشاريعهم.

كما يشارك طلاب التنظيم في «ندوات تثقيفية تنظمها القوات المسلحة، ومؤتمرات الشباب، ومنتدى شباب العالم»٬ ويتم تنشئة طلاب التنظيم على الولاء للنظام والمؤسسة العسكرية والأمنية بوصف هذه الأجهزة هي الوطن نفسه؛ وبالتالي فالولاء لها هو الولاء للوطن والدفاع عنها هو دفاع عن الوطن.

لذلك تجد طلاب هذا التنظيم مثل باقي أعضاء التنظيمات الأخرى التابعة للسلطة ولاؤهم الأول والأخير لشخص السيسي وللنظام وأجهزته وقياداته وليس للوطن ذاته.

واللافت في تصريحات بعض قيادات هذا التنظيم أن له هرما تنظيما من قواعد التنظيم إلى قياداته من الطلاب والذين يشرف عليه بشكل مباشر ضباط بالأمن الوطني بالتعاون مع بعض القيادات الجامعية الموالية للسلطة.

وتبقى إدارات رعاية الشباب بالجامعات تحت خدمة هذا التنظيم بشكل كامل ومطلق.

 

الامتيازات المغرية

يحظى شباب هذه التنظيمات  بامتيازات واسعة؛ وتمارس معهم السلطة سياسة الإغراء والغواية وتغدق عليهم بالعطايا حتى يبقى ولاؤهم على الدوام  للنظام وأجهزته وسياساته ومواقفه والدفاع عنها حتى لو تبرهن لهم وللجميع أنها فاشلة وبلا أي جدوى.

أولا، شباب البرنامج الرئاسي، الصفحة الرسمية للبرنامج نفسه تؤكد أن الالتحاق بهذا البرنامج يؤهل صاحبه للقيادة؛ وفي الإجابة على سؤال: لماذا تنضم إلى البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب للقيادة؟ ذكر الموقع الرسمي للبرنامج  سبع عناصر منها «للترقي إلى مناصب قيادية في زمن قياسي».[[11]]

ولا تتوقف مزايا البرنامج عند حد الوظائف المميزة، إذ تحصل نخبة منتسبي البرنامج الرئاسي على فرصة مصاحبة عبدالفتاح السيسي في جولاته، التي يفتتح فيها مشروعاته (القومية العملاقة) بالمحافظات المختلفة.

ثانيا، التعيين في وظائف مرموقة بالجهاز الإداري للدولة، بداء من مساعدي ومعاوني الوزراء حتى نواب للمحافظين وغير ذلك من المراكز الحساسة في الدولة.

ويحظى هؤلاء الموظفين من التنظيمات الشبابية الموالية للسيسي في الحكومة والجهاز الإداري للدولة على مرتبات مجزية للغاية وصلت إلى 18 ألف جنيه شهريا في 2018م أما اليوم فإن مرتباتهم تقدر بعشرات الآلاف.

كما يتمتع هؤلاء بصلاحيات واسعة تتجاوز في بعض الأحيان الوزير الذي يعملون معه.

وجاء على موقع الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة في 2017م، أنه قد جرى اتخاذ القرار بشأن إلحاق خريجى البرنامج الرئاسى لتأهيل الشباب للقيادة في الجهاز الإداري للدولة، سواء كانوا من العاملين به، أو من غيرهم، وذلك وفق الكتاب رقم 5 لسنة 2017 الموقَّع من المستشار محمد جميل، رئيس الجهاز، وهو الكتاب الصادر في 5-4-2017.

وكان رئيس الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة قد أوضح فى الكتاب أن هناك أربع آليات لإلحاق هؤلاء الشباب بالجهاز الإداري للدولة وهي: نظاما الندب والإعارة، ونظام مساعدي ومعاوني الوزراء، بالإضافة لنظام التعاقد مع العمالة المؤقتة المقرر إصداره بقرار من الوزير المعني بالخدمة المدنية.[[12]]

في عام 2018، أتمّ رئيس هيئة الرقابة الإدارية، اللواء شريف سيف الدين، إجراءات تعيين دفعة جديدة من ضباط الرقابة الإدارية، ضمّت العشرات من خريجي أكاديمية الشباب والبرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب للقيادة، ضمن أول دفعة تعيينات بالهيئة لا تقتصر على ضباط الجيش والشرطة، وذلك بعد إجراء تحريات أمنية ورقابية مكثفة عنهم وعن عائلاتهم، لتضم الهيئة بذلك ضباطاً من خريجي الكليات المدنية، للمرة الأولى في تاريخها.

واعتمدت التعيينات الجديدة للرقابة الإدارية على القانون الجديد للهيئة الذي صدر في عهد رئيسها السابق، محمد عرفان، الذي أجاز للمرة الأولى تعيين أعضائها من خارج الجيش والشرطة، كما استثنى الهيئة من اتباع الإجراءات المعمول بها للإعلان عن الوظائف في الأجهزة الحكومية المختلفة، بحيث يتم التعيين من دون إعلانات مسبقة أو إجراء مسابقات تحظى بشيء  من الشفافية.

كما تم تعيين المئات من أعضاء التنسيقية، وخريجي البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب للقيادة في أكاديمية التدريب،(في فبراير 2020 من دون مسابقات) في وظائف إدارية وفنية عالية المستوى في وزارات هامة مثل الصحة والسكان، والتربية والتعليم، والبترول، والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، فضلاً عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، والجهاز المركزي للمحاسبات، وهيئة الرقابة الإدارية، والهيئة العامة للاستعلامات.[[13]]

كما عُيّن 10 نواب للمحافظين من أعضاء التنسيقية في نهاية عام 2019،[[14]]

وتم اختيار 32 منهم ليكونوا نوابا بالبرلمان، وتم اختيار 11 منهم ليكونوا رؤساء ونواب رؤساء لجان برلمانية مهمة تحت رعاية وإشراف جهازي المخابرات والأمن الوطني.

وفي منتصف 2020، أصدر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قرارات التشكيل الكامل للجانه المختلفة، وضم التشكيل اختيار أربعة من أعضاء التنسيقية غير المعروفين في الوسط الإعلامي، على الرغم من افتقارهم الخبرة المفترضة، وهم: المتحدثة باسم التنسيقية شيماء عبد الإله، عضواً في لجنة تراخيص المواقع الإلكترونية، وأحمد عبد الصمد عضواً في لجنة بحوث الرأي والمشاهدة، وأحمد مقلد عضواً في لجنة المصنفات وحماية حقوق الملكية الفكرية، ونشوى الديب عضواً في لجنة تراخيص الوسائل الإعلامية.

ثالثا، تكوين نخبة إعلامية من شباب هذه التنظيمات بدلا من النخبة الحالية التي شاخت واحترقت بسبب دفاعها المستميت عن النظام وسياساته ومواقفه.

وفي يوليو 2022، كشفت تسريبات أن شركة المتحدة للخدمات الإعلامية المملوكة لجهاز المخابرات العامة والتي تسيطر على شبكة واسعة من الفضائيات والصحف والمواقع؛ لن تجري أي مقابلات لاختيار طاقمها الإعلامي للفضائيات الثلاثة الجديدة التي تعتزم السلطة إطلاقها قبل نهاية 2022م؛ وأن تعيين الصحفي الشاب أحمد الطاهري رئيسا لهذه القنوات إنما جاء بتوجيه مباشر من العقيد أحمد شعبان، وأن الشركة قررت الاعتماد على “200” من شباب البرنامج الرئاسي  للعمل في هذه القنوات المرتقبة.

وتعيينهم في مجالات الإعداد وتقديم البرامج والنشرات بعد تدريبهم على أيدي متخصصين، رغم أنهم لا يملكون خبرة في مجال الصحافة والإعلام.

وهي الخطوة التي تأتي في سياق عام من تهميش الصحافيين المصريين وتجويعهم، والاعتماد بدلاً منهم على “أبناء الذوات” المُتحرّى عنهم أمنياً، ضماناً لعدم وجود صحافيين أو مذيعين “مستقلين” أو محايدين – إن جاز التعبير – سواء في قنوات الشركة أو في الإعلام المصري عامّة.

هذه السياسة جرى العمل بها في قناة إكسترا نيوز الإخبارية التابعة للشركة، إذ أصبح أغلب مذيعيها من أبناء لواءات الجيش والشرطة، وزوجات الضباط، وأقارب أعضاء مجلس النواب، على غرار دينا زهرة وخلود زهران وآية عبد الرحمن ونانسي نور ولؤي أباظة، في مقابل عدد محدود من الصحافيين المتخصصين الذين يقتصر دورهم على إعداد برامج الهواء.[[15]]

رابعا، يجري حاليا تدريب آلاف الشباب داخل هذه التنظيمات  من أجل الدفع بهم في انتخابات المحليات المرتقبة والتي يسوف النظام في إجرائها منذ سنوات  من اجل إعداد قاعدته السياسية التي سيدفع بها للسيطرة على المحليات بعد السيطرة على جميع مفاصل الدولة من الألف إلى الياء.

ولذلك تم إنشاء نادي لمدربي تنسيقية شباب الأحزاب من أجل انتقاء واختيار العناصر المناسبة بعد اجتيازها  الاختبارات والتحريات الأمنية والتي تعتبر أهم بوابة للالتحاق بهذه التنظيمات.

وبحسب النائبة هيام الطباخ، عضو مجلس النواب عن تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، في مداخلة هاتفية لبرنامج «السلطة التشريعية» المذاع على فضائية «اكسترا نيوز»، الخميس 04 أغسطس 2022م؛ فإن نادي مدربي التنسيقية حريص على نقل التجربة بشكل كامل للشباب حيث تم إجراء نحو 12 جولة تدريبية في مختلف محافظات مصر.

وقد وضع النادي عدة معايير دقيقة ومحددة لاختيار أفضل الكوادر في كل محافظة وتدريبهم للمشاركة بهم في انتخابات المحليات المقبلة، حيث تقدم لهم دورات التثقيف السياسي والمجتمعي.[[16]]

خامسا، يحظى طلاب “من أجل مصر” بكل الامتيازات الطلابية؛ فهم  يسيطرون على اتحادات الطلاب دون منافسة، ويحصلون على جميع مخصصات رعاية الشباب، من معسكرات ورحلات ترفيهية وجوالة وأنشطة فنية إلى درجة أن موظفي رعاية الشباب أنفسهم يقومون بالدعاية لهذا التنظيم وكلهم يبدون أعلى صور الخضوع لهؤلاء الطلاب بناء على توجيهات أمنية مباشرة.

وهناك امتيازات خاصة تُمنح لمَن يفوز بعضوية «طلاب من أجل مصر»، منها أولوية الحصول على المنح الدراسية، وعند مقابلة المسؤولين أو تمثيل الكلية يُختار ممثلو الطلاب منها، وصولًا لمعرفة طلابها أولًا بالرحلات المختلفة التي تنظمها الكليات. «الأمر وصل إلى أن أحد موظفي رعاية الشباب، في 2019، اعترف بوجود تعليمات من وزير التعليم العالي، بأنه لن يُتاح أي دعم أو تسهيلات مالية أو إدارية، سوى لطلاب من أجل مصر».

وفي حين يتمتع طلاب «من أجل مصر» بكل هذا الدعم، تعرّضت باقي الحركات الطلابية المُسيسة داخل الجامعات للتهميش، حتى وصل الأمر إلى عدم وجود حركة طلابية سياسية واحدة داخل الجامعة الآن لعدم الترخيص باستمرارها وتضييق الخناق عليها.[[17]]

الهدف من وراء هذه التنظيمات

أولا، يستهدف النظام بهذه الكيانات تكوين طبقة جديدة من السياسيين، أصغر سناً من قيادات الأحزاب الموجودة على الساحة، وأكثر إدراكاً لطبيعة التغيرات الاجتماعية والتقنية التي يعيشها الشباب، وفي الوقت ذاته أقرب إلى دائرة السيسي وأكثر قابلية لتنفيذ تعليماتها والانخراط في مشاريعها، حتى وإن كان ذلك بزعم “الإصلاح من داخل النظام”.

كما يستهدف النظام تجنيد مزيد من الشباب من توجهات مختلفة ليكونوا جزاء من منظومة الجواسيس والمخبرين الموالية للنظام مع إغوائهم ببعض المزايا والمكاسب وبذلك يصنع النظام له عيونا داخل كل الأحزاب رغم أنها تؤيده لكن النظام العسكري لا يثق في أحد ولا يرى غضاضة من التجسس على هذه الأحزاب والكيانات رغم ضعفها وهشاشتها.

وربما يفضي ذلك إلى اختراقات كبيرة وانقلابات داخل تلك الأحزاب برعاية أمنية تطيح بالسياسيين الكبار في السن لصالح هؤلاء الشباب الذين تربيهم الأجهزة الأمنية على عينها وتمنحهم مزاياها وعطاياها لخدمة النظام. وربما تستخدمهم السلطة للتخلص من الأحزاب الهشة عبر استقالات كبيرة من هذه الأحزاب دعما لحزب  السلطة «مستقبل وطن».

ثانيا، إضفاء مسحة من التنوع والاختلاف المصطنع على مؤتمرات السيسي الشبابية والتي تحولت إلى مكلمات لاجدوى من ورائها في محاولة لإيهام الغرب والعالم الخارجي أن ثمة احتواء للشباب ضمن منظومة نظام 30 يونيو السلطوي المتهم باستمرار بقمع الشباب ومصادرة الحريات والزج بعشرات الآلاف من النشطاء والمعارضين في السجون والمعتقلات وعدم التورع عن سفك دماء بعضهم بذريعة الحرب على  ما يسمى بالإرهاب.

ثالثا، تكريس تحكم السيسي ودائرته في الأحزاب المؤيدة، وكذلك في الأحزاب والتيارات المعارضة لسياساته لكنها تعترف بنظام انقلاب 03 يوليو /تموز 2013، وهي التي لا تجد غضاضة في التعامل مع السيسي حال منحها مساحة تحرك تناسبها دون تضييق، ومعظمها سبق وشارك بصور شتى في إعداد الدستور أو شاركت قواعدها في مسرحية الانتخابات الرئاسية ولم تنخرط في دعوات المقاطعة.

وقد يستهدف تأسيس هذه الكيانات أيضاً إلى خلق مساحة خفية غير معروضة على الإعلام، وغير متصلة بالمجال العام، تتداول فيها دائرة السيسي الآراء حول القضايا الشبابية والسياسية مع نوعيات مختارة بعناية، وبموافقة أمنية من شباب الأحزاب والتيارات غير الحزبية والمستقلين، بحيث تصبح هذه المساحة مجالاً للتنفيس وإبداء الرأي بدلاً من مواقع التواصل الاجتماعي والصحف التي أممها النظام لحسابه وللترويج لخطابه وسياساته.

رابعا، رغم تصدر حزب “مستقبل وطن” كظهير سياسي للنظام؛ إلا أن أجهزة السيسي تستهدف بهذه الكيانات الشبابية أن تكون كيانا عابرا للأحزاب والأيديولوجيا، وهي الفكرة التي تروق للسيسي كثيرا على غرار فكرة الحزب الواحد “الاتحاد الاشتراكي” والتنظيم الواحد “الطليعي”، التي كانت تعيشها مصر في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي قبل إنشاء المنابر الحزبية الثلاثة سنة 1976م والتي انبثقت عنها الأحزاب فيما بعد.

النظام يريد أن يكون له أكثر من ظهير سياسي؛ فحزب “مستقبل وطن” لاحتواء النخبة السياسية المقربة من السلطة حاليا والتنظيمات الشبابية من أجل تكون نخبة المستقبل التي ستكون أكثر ولاء وانتماء للنظام وأفكاره وأيديولوجيته العلمانية الممزوجة بالفرعونية التي يسعى النظام إلى تسويقها والترويج لها عوضا عن الهوية الإسلامية.

الخلاصة

أولا، تعيين شباب خريجي البرنامج الرئاسي وتنسيقية شباب الأحزاب في مناصب حساسة بالدولة، والذين لا تخرج دراستهم خلال ثمانية شهور فقط عن شؤون الإدارة والأمن والدراسة الاقتصادية والسياسية، يعد تمييزًا لهم – لضمان ولائهم- سواء عن العاملين في الجهاز الحكومي أو الخريجين، وحتى عن الحاصلين منهم على ماجستير ودكتوراه في شتى مناحي العلم، الذين لم يكفوا عن التظاهر، لسنوات وحتى الآن، طلبًا للعمل.

فلو كان الهدف هو الارتقاء بالجهاز الحكومي، فكان الأولى تعيين من قضوا سنوات طوالًا من التعلم في الجامعات المصرية على نفقتهم الخاصة للحصول على أعلى الدرجات العلمية في تخصصاتهم.

كما أن قرار الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، وكذلك قرار رئيس مجلس الوزراء، جاء بهما تمييز واضح لهذه الفئة ضد ملايين الشباب الباحثين عن عمل، وذلك بالمخالفة لقانون الخدمة المدنية والذي لم تكن قد مرت عليه سنة  واحدة على إعادة إصداره، وجاء في المادة 1 منه: «الوظائف المدنية حق للمواطنين على أساس الكفاءة والجدارة»، و«يحظر التمييز بين الموظفين في تطبيق أحكام هذا القانون بسبب الدين أو الجنس أو لأي سبب آخر».

فضلًا عن مخالفته للمادة 12 التي تنص على «يكون التعيين بموجب قرار يصدر من رئيس الجمهورية أو من يفوضه، على أساس الكفاءة والجدارة، دون محاباة أو وساطة من خلال إعلان مركزي على موقع بوابة الحكومة المصرية».

هذا بالإضافة لكونه أصلًا مخالفًا للمادة 14 من الدستور والتي نصت على أن «الوظائف العامة حق للمواطنين على أساس الكفاءة، ودون محاباة أو وساطة».

من جهة ثانية، يستهدف السيسي وأجهزته توصيل رسالة موجهة لكل شباب مصر والقوى السياسية الأخرى، مفادها أنه لا مكان في مستقبل إدارة البلاد إلا لهؤلاء الشباب الذين انتقاهم النظام عبر أجهزته الأمنية ورباهم على عينه على الولاء المطلق للنظام ومنحهم امتيازات هائلة دون غيرهم من الشباب؛ حيث يتم تسكين هؤلاء (شباب البرنامج الرئاسي ـ تنسيقية شباب الأحزاب ــ طلاب من أجل مصر) في مفاصل الدولة ليكونوا عيون النظام وجواسيسه في كل الوزارات والهيئات والمؤسسات والمحافظات والجامعات والمصانع، على خطى من سبقوهم في التنظيم الطليعي حيث كانوا يكتبون التقارير الأمنية في أي شخص حتى في أقرب أقاربهم.

هذه الخطوة تعد ترجمة مباشرة لأوامر وتوجيهات الجنرال السيسي للحكومة، وكان «الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة» (ديوان الموظفين) في مصر قد عمم قرارا  في أبريل 2017م، ببدء تعيين خريجي ما يُعرف بـ«البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب على القيادة» في وظائف الجهاز الإداري للدولة.

وأرسل الجهاز وقتها خطاباً إلى جميع الوزراء والمحافظين ورؤساء الهيئات العامة والأجهزة المستقلة ورؤساء الجامعات، ورؤساء وحدات التنظيم والإدارة بالهيئات والمحافظات، لتفعيل القرار، بداية من يوم الجمعة 07 أبريل 2017م.[[18]]

من جهة ثالثة فإن النظام يكرس حالة العسكرة بين الشباب، على مستويين:

  • الأول هو الإدارة والإشراف، فكما أشرف على شباب التنظيم الطليعي في عهد عبدالناصر الضباط علي صبري وسامي شرف وشعراوي جمعة وكان الصحفي السلطوي محمد حسنين هيكل، هو الواجهة المدنية لهذه الصبغة العسكرية؛ فإن الضابط أحمد شعبان هو من يشرف فعليا على شباب البرنامج الرئاسي ويعاونه خلية صغيرة من ضباط جهاز المخابرات العامة والأمن الوطني. وللتخفيف من حدة العسكرة يظهر في الصورة فريق مدني باعتباره من يدير البرنامج.
  • وكما تم تسكين شباب التنظيم الطليعي في مفاصل الدولة ومناصبها الحساسة (فتحي سرور ورفعت المحجوب وصفوت الشريف وعلي الدين هلال وفاروق حسني وعمرو موسى ومصطفى الفقي وأسامة الباز وحسن أبو باشا والصحفي محمود السعدني وغيرهم)  وهو عين ما يجري حاليا بالضبط.
  • أما المستوى الثاني، فيتعلق بماهية البرامج التي يتلقاها هؤلاء الفتية والفتيات، حيث يتلقى شباب تنظيم “البرنامج الرئاسي” محاضرات في  “العلوم السياسية والأمنية”، وتتناول حروب الجيل الخامس التي تُشكل تحدياً للدولة بحسب السلطة، وعن حتمية دعم المؤسسة العسكرية في حروبها الدائمة تجاه المؤامرات التي ينفذها ممولون داخل وخارج البلاد، بينما تضمّنت محاضرات العلوم الإدارية مُشاركة للواء مختار محمد علي، مدير الكلية العسكرية لعلوم الإدارة لضباط القوات المسلحة، والذي يتحدث في محاضرته عن أهمية الانضباط والالتزام داخل المؤسسة العسكرية، والذي ينبغي الاستفادة منه في كافة مناحي الحياة العلمية.
  • كما يحصل أعضاء التنظيم على دورة الدراسات الاستراتيجية والأمن القومي بكلية الدفاع الوطني في أكاديمية ناصر العسكرية العليا.

وفي ظل هذه الأجواء والامتيازات الضخمة لشباب التنظيمات السياسية الموالية للنظام فإن هذا النظام نفسه يواصل الانتقام من عشرات الآلاف من شباب ثورة يناير ولا سيما  الإسلاميين منهم، وفي ظل تعيين شباب البرنامج الرئاسي في مناصب الدولة الحساسة وتدليل شباب تنسيقية الأحزاب بالترفيه والمعسكرات والمؤتمرات فإن شباب مصر النبلاء يتم الزج بهم واعتقال الآلاف حتى ضجت الأرض بما يجري من ظلم صارخ وانتهاكات جسيمة وتعذيب وحشي بحق هؤلاء الشباب في جميع السجون والأقسام ومراكز الشرطة.

 

 

[1] مساحة أكبر لـ”تنسيقية شباب الأحزاب” في البرلمان المصري/ العربي الجديد ــ 06 أكتوبر 2022// انتخاب 11 نائبًا بـ”تنسيقية شباب الأحزاب” ضمن هيئات مكاتب اللجان النوعية/ فيتو ــ  الأحد 02/أكتوبر/2022

[2] نواب «التنسيقية» يهاجمون «داود» بسبب «بدلات الوطنية للانتخابات».. ورئيس المجلس: «لا يجوز التعقيب على حديثه»/مدى مصر ـ الإثنين 20 يونيو 2022م

[3] خالد عبدالعال/ برنامج السيسي للشباب… استنساخ عسكري لمشروع جمال مبارك/ العربي الجديد 11 مايو 2017

[4] خالد عبدالعال/ برنامج السيسي للشباب… استنساخ عسكري لمشروع جمال مبارك/ العربي الجديد 11 مايو 2017

[5] فاطمة رمضان/ خريجو البرنامج الرئاسي: كيف يخلق النظام نخبته الشبابية؟/ مدى مصر ــ 3 يوليو 2017

[6] محمود حسين/ رحلة نجاح لامعة طوال 5 سنوات.. البرنامج الرئاسى لتأهيل الشباب للقيادة انطلاقة للتمكين والمبادرات التنموية.. إتاحة الفرص للشباب ومنحهم مواقع قيادية وبناء كوادر فنية وإدارية مميزة.. وثمار التجربة تخريج 1500 شاب/ اليوم السابع ــ السبت، 09 يناير 2021

[7] كيان شبابي جديد عابر للأحزاب في خدمة أهداف السيسي/ العربي الجديد 12 أغسطس 2018 // رنا ممدوح/«تنسيقية شباب الأحزاب».. كوادر مطابقة للمواصفات/ مدى مصر ــ 9 مارس 2021

[8] أحمد عابدين/ الأحزاب السياسية في مصر… النظام يصطنع موالاته ومعارضته/ العربي الجديد 23 مايو 2018

[9] تنسيقية شباب الأحزاب تصدر بيانها الأول.. وتدعو للتكاتف خلف مشروع وطني/ بوابة أخبار اليوم الثلاثاء 12 يونيو 2018

[10] محمد أشرف أبو عميرة/«طلاب من أجل مصر».. رحلة إعداد «أبناء الدولة» تبدأ من الجامعة/ مدى مصر ــ 21 مايو 2021

[11] انظر الموقع الرسمي  لبرنامج الشباب الرئاسي

[12] فاطمة رمضان/ خريجو البرنامج الرئاسي: كيف يخلق النظام نخبته الشبابية؟/ مدى مصر ــ 3 يوليو 2017

[13] تصعيد شباب السيسي لإحكام السيطرة على الجهاز الإداري للدولة/ العربي الجديد ــ 28 فبراير 2020

[14] رئيس الوزراء: 10 نواب للمحافظين من شباب الأحزاب لأول مرة/ المال نيوز ــ  الأربعاء, 27 نوفمبر 19

[15] إعلام المخابرات المصرية: لا وظائف إلا لشباب البرنامج الرئاسي/ العربي الجديد  ــ 14 يوليو 202

[16] محمد أيمن سالم/«التنسيقية»: 12 جولة بالمحافظات لتدريب الشباب قبل انتخابات المحليات/ الوطن ــ الخميس 04 أغسطس 2022

[17] محمد أشرف أبو عميرة/«طلاب من أجل مصر».. رحلة إعداد «أبناء الدولة» تبدأ من الجامعة/ مدى مصر ــ 21 مايو 2021

[18] وليد مجدي/ «التنظيم والإدارة» يبدأ تعيين شباب البرنامج الرئاسى الجمعة/ المصري اليوم 05 أبريل 2017م

]]>
https://politicalstreet.org/5528/feed/ 0