Deprecated: Required parameter $code follows optional parameter $content in /home2/politicalstreet/public_html/wp-content/plugins/bdaia-shortcodes/inc/lists.php on line 6

Deprecated: Required parameter $code follows optional parameter $content in /home2/politicalstreet/public_html/wp-content/plugins/bdaia-shortcodes/inc/quote.php on line 6

Deprecated: Required parameter $code follows optional parameter $content in /home2/politicalstreet/public_html/wp-content/plugins/bdaia-shortcodes/inc/btn.php on line 6

Deprecated: Required parameter $code follows optional parameter $content in /home2/politicalstreet/public_html/wp-content/plugins/bdaia-shortcodes/inc/tabs.php on line 6

Deprecated: Required parameter $code follows optional parameter $content in /home2/politicalstreet/public_html/wp-content/plugins/bdaia-shortcodes/inc/tabs.php on line 19

Deprecated: Required parameter $code follows optional parameter $content in /home2/politicalstreet/public_html/wp-content/plugins/bdaia-shortcodes/inc/tabs.php on line 25

Deprecated: Required parameter $code follows optional parameter $content in /home2/politicalstreet/public_html/wp-content/plugins/bdaia-shortcodes/inc/tabs.php on line 31

Deprecated: Required parameter $code follows optional parameter $content in /home2/politicalstreet/public_html/wp-content/plugins/bdaia-shortcodes/inc/toggle.php on line 6

Deprecated: Required parameter $code follows optional parameter $content in /home2/politicalstreet/public_html/wp-content/plugins/bdaia-shortcodes/inc/flip.php on line 6
الرئيس مرسي – الشارع السياسي https://politicalstreet.org الشارع السياسي موقع يهتم بأخبار السياسة في العالم العربي Wed, 20 Jul 2022 10:14:29 +0000 ar hourly 1 https://politicalstreet.org/wp-content/uploads/2021/05/cropped-logo-32x32.jpg الرئيس مرسي – الشارع السياسي https://politicalstreet.org 32 32 الدور الخليجي في انقلاب 03 يوليو https://politicalstreet.org/5283/?utm_source=rss&utm_medium=rss&utm_campaign=%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25af%25d9%2588%25d8%25b1-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25ae%25d9%2584%25d9%258a%25d8%25ac%25d9%258a-%25d9%2581%25d9%258a-%25d8%25a7%25d9%2586%25d9%2582%25d9%2584%25d8%25a7%25d8%25a8-03-%25d9%258a%25d9%2588%25d9%2584%25d9%258a%25d9%2588 https://politicalstreet.org/5283/#respond Wed, 20 Jul 2022 10:14:29 +0000 https://politicalstreet.org/?p=5283  

 

لم تُخفِ دولة الإمارات شعورها بالغبطة من إزاحة الجيش بالرئيس المنتخب محمد مرسي في 03 يوليو 2013م، وقال وزير الخارجية الإماراتي، الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان: “إن جيش مصر العظيم يثبت من جديد أنه بالفعل سياج مصر وحاميها ودرعها القوي الذي يضمن لها أن تظل دولة المؤسسات والقانون التي تحتضن كل مكونات الشعب المصري الشقيق” [[1]]. وبدت وسائل الإعلام في الإمارات المملوكة للدولة بشكل أو بآخر، في أعلى درجات الارتياح لإطاحة الجيش المصري بمرسي وإمساك القيادة العسكرية بمقاليد الأمور.[[2]] وقد جاء الموقفان السعودي والكويتي قريبين من موقف الإمارات. وكان لافتًا أن أول تهنئة للمؤقت عدلي منصور أتت من الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز، الذي أدلى ببيان يهنئ فيه الحكومة الجديدة؛ ما شكّل رسالة دعْم واضحة لانقلاب الجيش على مرسي. أما الكويت، التي لا يوجد فيها توجس من الإخوان كما هي الحال في بقية دول الخليج، فقد جاء موقفها أقل اندفاعًا من الموقفيْن السعودي والإماراتي، لكنه لم يختلف عنهما في جوهره؛ ونُقل عن الراحل الشيخ صباح الأحمد الصباح، أمير الكويت، إشادته بالقوات المسلحة المصرية على “الدور الإيجابي والتاريخي” الذي قامت به في الحفاظ على الاستقرار. وأعلنت الكويت أيضًا عزمها تقديم أربعة مليارات دولار لمصر من المساعدات العاجلة. وأتى الموقفان: البحريني والعُماني أقرب إلى التزكية الصامتة للإطاحة بمرسي، بدافع الصراع الداخلي في البلديْن مع القوى الإسلامية المحلية، فيما بقت قطر هي الدولة الوحيدة في الخليج التي تحفظت على الانقلاب ودعت إلى ضرورة حقن الدماء والبدء في مصالحة شاملة.

إزاء ذلك، كيف كان الدور الخليجي محوريا في انقلاب الجيش على الرئيس مرسي؟ وكيف تورطت حكومات خليجية في التحريض وإثارة الفوضى والفلتان الأمني كما أثبتت ذلك تقارير أمنية بالغة  السرية؟ وكيف تمكنت الإمارات والسعودية من شراء ذمم قيادات الجيش وتقدم ملايين الدولارت كرشاوي لإعلاميين ومسئولين وسياسيين من أجل إنجاح الانقلاب؟ وما تفسير ذلك؟ وما النتائج التي ترتبت عليه لاحقا في تصميم المشهد الإقليمي؟

أولا،  يعتبر محمد بن زايد ولي عهد أبو ظبي، والأمير السعودي بندر بن سلطان، رئيس المخابرت السعودية وقتها، هما مهندسا الانقلاب ومخططاه منذ أواخر 2012، بالتشارك مع جهاز الموساد الإسرائيلي وأجنحة داخل مؤسسات الحكم الأميركية مثل البنتاجون والخارجية والسي آي إيه. وقد عقدت مئات الاجتماعات في أبو ظبي والرياض وواشنطن وتل أبيب وحتى عواصم أوروبية من أجل الترتيب للخطة وتوفير سبل النجاح لها. وتولت السفيرة الأمريكية “آن باترسون” مهمة تعقيد الأوضاع أمام الرئيس مرسي وربط خيوط الانقلاب ببعضه،  تولت الامارات والسعودية عملية التمويل،  وتولت الدولة العميقة (قيادات الجيش والشرطة والمخابرات والقضاء والإعلام) مهمة التنفيذ على الأرض. وينقل عن  بن زايد قوله في جلسات خاصة «سنتكفل بإسقاط مرسي حتى لو كلفنا الأمر أكثر من موازنة أبو ظبي».[[3]] ولعل هذا ما يفسر تدفق ملايين الدولارات من الإمارات على مصر في صورة رشاوي لقنوات فضائية وصحفيين ومعارضين علمانيين كانوا رموزا في “جبهة الإنقاذ”، إضافة إلى حركة “تمرد” التي ولدت في دهاليز المخابرات المصرية بتمويل إماراتي كامل، حسبما كشفت تسريبات “مكملين” لعباس كامل مع اللواء صدقي صبحي،  رئيس هيئة الأركان وقتها، والتي تم بثها في فبراير 2015. هذا يعني أن الدور الأمريكي الإسرائيلي الخليجي قد وفر للسيسي والدولة العميقة كل شروط النجاح للانقلاب (أموال طائلة ــ غطاء دولي ــ إعلام تحريضي ــ كنيسة متحفزة معادية للإسلام والمسلمين ــ سلفيين مملون من السعودية ــ علمانيون متطرفون) وهؤلاء كانوا الغطاء المدني للانقلاب العسكري، كان الهدف هو 03 يوليو والإعلان السافر عن الانقلاب العسكري؛ لكن ذلك يحتاج إلى الغطاء المدني (30 يونيو)، من أجل تبييض صورة الانقلاب مقدما وصبغه  بصبغة مدنية ولو مزيفة ومدفعوعة الأجر أو بدافع الكراهية،  حتى يسمح ذلك للولايات المتحدة والغرب بمباركة الانقلاب ولو على محطات تدريجية وصولا إلى مباركته عمليا وتكريس وجوده والاعتراف به كما جرى لاحقا.

ثانيا، عملت عواصم الخليج على تحريض الأمريكان من أجل إسقاط  النظام الديمقراطي المنتخب بدعوى أنه نظام “الإخوان”، وبحسب الكاتب، دافيد دي كيركباتريك، المدير السابق لمكتب “نيويورك تايمز” الأمريكية في القاهرة، في كتابه “بين أيدي العسكر”، يؤكد أن السعودية والإمارات مارستا ضغوطا شديدة لإقناع واشنطن بأن الرئيس مرسي وجماعة الإخوان المسلمين يشكلون خطراً على المصالح الأمريكية. كما وجد المسؤولون الأمريكيون فيما بعد بأن الإمارات العربية المتحدة كانت توفر دعماً مالياً سرياً لتنظيم الاحتجاجات ضد الرئيس مرسي. ويفسر كيباتريك ذلك بأن حكام الخليج يخافون من فكرة الانتخابات ذاتها وينتابهم الذعر من فكرة وصول الإسلاميين إلى السلطة في دولة عربية كبرى كمصر عبر الديمقراطية.  يقول “كيباتريك”: «في مقابلة جرت في وقت مبكر من عام 2016، أخبرني السيد تشاك هيجل، وزير الدفاع الأمريكي، بأنه كان محاصراً بالشكاوى الموجهة ضد الرئيس مرسي من إسرائيل والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. وقال السيد هيجل إن ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد آل نهيان، الحاكم الفعلي للإمارات ورئيس قواتها المسلحة، وصف جماعة الإخوان المسلمين بأنها “باتت اليوم العنصر الأخطر على الأرض في الشرق الأوسط”. وفي لقاء السيسي وهيجل بالقاهرة، قال السيسي: «توجد بعض القوى الشريرة جداً على الأرض – أنتم لا تستطيعون فهمها كما نفهمها نحن هنا». في تأكيد على عداء السيسي للإخوان وتربصه بهم رغم أنه في ذات الوقت كان يبدي  أعلى صور الطاعة والإذعان للرئيس. ويبدو أن الضغوط الخليجية على واشنطن وجدت آذانا صاغية من قيادات رفيعة كوزير الدفاع ووزير الخارجية ورئيس السي آي إيه وغيرهم؛ وقد أخبر هيجل “كيباترك” أنه اتفق مع مخاوف الإماراتيين قائلا لهم: «إن الإخوان المسلمين خطرون – ونحن ندرك ذلك.” بينما خاطب السيسي قائلاً: “أنا لا أعيش في القاهرة، أنت تعيش فيها. عليك أن تصون أمنك وأن تصون بلادك.” في تحريض سافر على الانقلاب.

وحتى وزير الخارجية الأمريكي وقتها “جون كيري” والذي دافع عن انقلاب السيسي بشدة، واعتبره خطوة على طريق الديمقراطية، يؤكد كيباتريك أن  “كيري” ومنذ كان عضوا في مجلس الشيوخ الأمريكي يرتبط بعلاقات وطيدة ببعض أشد الناس عداوة للإسلاميين داخل العائلات الحاكمة في الخليج على مدى عقود قضاها داخل مجلس الشيوخ، حتى أنه كان في بعض الأوقات يرافقهم في رحلاتهم البحرية. كان باستمرار يرتاب من الإخوان المسلمين ويقول إنه لا يثق بهم كما أخبرني فيما بعد. وعندما زار القاهرة لأول مرة كوزير للخارجية في مارس من عام 2013، لم يعجبه الرئيس مرسي وشكل عنه انطباعاً سلبياً.[[4]] بل إن كيري أخبر كيباترك أن واشنطن لم تدفع نحو 80 مليار دولار كمساعدات  لمصر على مدار العقود الماضية من أجل أن يأتي نظام ديمقراطي يخالف ديمقراطية جيفرسون الأمريكية. في إشارة إلى أن النظام الديمقراطي في مصر يهدد المصالح الأمريكية والنفوذ الأمريكي في مصر الذي جرى تشييده على مدار عقود منذ اتفاقية “كامب ديفيد” في مارس 1979م. يقول كيري: «في مصر، ما هو البديل؟ لم تكن تلك ديمقراطية على نهج جيفرسون. على مدى كم من سنة وضعنا في مصر ما يقرب من ثمانين مليار دولار. ومعظم الوقت، كان ذلك هو شكل الحكومة التي وجدت لديهم – تقريباً معظم الوقت. والواقع هو أنه مهما تمنيت أن يكون الوضع مختلفاً إلا أنه لن يكون مختلفاً في الغد». ويؤكد كيري أن الولايات المتحدة كانت بحاجة إلى السعوديين والإماراتيين والإسرائيليين من أجل أولويات أخرى، وهو لم يكن يرغب “في الدخول معهم في مشاكسة حول أمر يتضح من التاريخ أنه الطريقة التي تعمل بها مصر.”

ثالثا، عملت أبو ظبي والرياض بإصرار على إسقاط التجربة الديمقراطية الوليدة في مصر؛ وشاركت في عمليات التحريض على الرئيس مرسي في أوساط الإعلاميين وفلول مبارك والعلمانيين والكنيسة وشراء ذمم قادة الجيش وأركان الدولة العميقة، الذين توافقت مصالحهم مع مصالح عواصم الاستبداد العربي، بل هناك أدلة كافية تؤكد تورط الإمارات في إثارة الفوضى والفلتان الأمني، وتأجير بلطجية وأرباب سوابق لقيام بهذه الأدوار القذرة تحت إشرف مباشر من السفارة الإماراتية في القاهرة. وفي يناير 2013م، اعترف الإعلامي المقرب من السلطة توفيق عكاشة أن  الخليج يساعد معارضي الرئيس مرسي من أجل إسقاط نظامه؛ حيث دعا يوم 23 يناير المصريين إلى النزول في 25 يناير من أجل إسقاط “حكم الإخوان” مؤكدا أن دولا عديدة ستساعد من يزيح الإخوان من السلطة وعلى رأسهم دول الخليج العربي، ودول أجنبية أخرى.[[5]] وقد ثبت أن عكاشة كان يتلقى تمويلات إماراتية ضخمة لقناته “الفراعين” من أجل هذه المهمة القذرة، وهي التمويلات التي توقفت بعد الانقلاب.

وتؤكد صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية في تقرير لها في مارس 2015م، أن الإمارات دعمت السيسي بكل شيء من أجل الانقلاب على الرئيس مرسي واستيلاء الجيش على السلطة. واستدلت الصحيفة الأمريكية على ذلك بالتسريب الذي بثته قناة “مكملين” وقتها في فبراير 2015م، حيث تضمن التسريب حوارا بين اللواء عباس كامل، مدير مكتب السيسي وقتها، وصدقي صبحي، الذي كان آنذاك رئيس هيئة أركان الجيش قبل ترقيته ليصبح وزيرا للدفاع في عهد السيسي؛ حيث دار نقاشهما فيما يبدو عن حساب مصرفي ممول إماراتيا، يسيطر عليه كبار مسؤولي وزارة الدفاع للإنفاق في دعم حركة تمرد التي دعت للتظاهر في 30 يونيو 2013.[[6]] وجاء في التسريب عباس كامل يقول لصبحي: “سيدي سنحتاج 200 غدا من حساب حركة تمرد الذي جاء من الإمارات العربية المتحدة“. ويرد صبحي الذي لا يسمع صوته قبل أن يقول كامل “ماذا تقصد من قبل المخابرات، يا سيدي؟ رجال المخابرات؟ هل تذكر الحساب الذي جاء لحركة تمرد؟ نريد 200 فقط منه .. نعم 200 ألف جنيه“. وهو التسريب الذي أكدت الصحيفة الأمريكية صحته، وتحت عنوان: «تسجيلات تؤكد تعاونا بين الإمارات والعسكر في مصر للإطاحة بمرسي»، تقول “نيويورك تايمز”: إن هذه التسريبات لقيادات الجيش المصري تؤكد أن كلا من الجيش وحلفاءه في دولة الإمارات “قد لعبا دورا كبيرا في إثارة الاحتجاجات ضد الرئيس مرسي وحشدوا الناس للنزول في يونيو 2013”. واعتبرت الصحيفة الأمريكية أن هذه التسريبات تنسف تماما مزاعم السيسي حول تحرك الجيش بناء على رغبة المتظاهرين. تقرير “نيويورك تايمز” يؤكد أيضا ـ نقلا عن نشطاء في تمرد ـ  أن المخابرات لعبت دورا كبيرا في مساعدة حركة تمرد ضد الرئيس مرسي الذي لم ترضَ عنه قيادات الدولة التابعة لسلفه مبارك، ويبدو أن السيسي ألمح لهم بالتحرك وحشد الناس حتى يتدخل ويستولى العسكر على السلطة في مصر. وتستدل “نيويورك تايمز” على ذلك أيضا  بالمساعدات النقدية  الواسعة التي قدمتها عواصم الخليج (الرياض وأبو ظبي والكويت) للسيسي لتثبت أركان الانقلاب بعد مباركة الإطاحة بالرئيس المنتخب لتنتهي الصحيفة الأمريكية إلى التأكيد على أن الخليج بارك الانقلاب ومول الاحتجاجات قبله وأن  الجيش لعب دورا فاعلا في تنظيم الاحتجاجات ضد مرسي. وأعلنت الصحيفة أن العميد محمد سمير عبد العزيز، المتحدث باسم القوات المسلحة وقتها، رفض التعليق على تلك التسجيلات المسربة، مشيرا إلى أن الأمر برمته أحيل لمكتب السيسي، كما أن المتحدث باسم مكتب الرئاسة رفض التعليق، ما يشير إلى صدق تلك التسريبات.[[7]] بحسب الصحيفة الأمريكية.

كما عملت الحكومة السعودية على تقويض حكم الإسلاميين، وبحسب صحيفة “الشرق” القطرية فإن الرياض عبرت  لجون كيري في زيارته الأولى للمنطقة عن قلقها من من تجربة حكم الإخوان المسلمين في مصر، لكونها ستشجّع على تعميم حالة وصولهم إلى السلطة في دول أخرى، وهو ما يتضارب مع الأمن القومي للسعودية، وفقا للتصورت السعودية. واعترفت الرياض لكيري بدعم معارضي مرسي وتمويلهم، كما تعهدت بأن يؤدي السلفيون دوراً بديلاً للإخوان لتمثيل الحالة الإسلامية الحركية، في مصر وغير مصر، مع تأكيدها على أنّ هؤلاء سيكونون تحت سيطرتها ولن يمثلوا خطورة على الغرب. وأن السعودية مولت حزب النور وقيادات سلفية شهيرة بعشرات الملايين من الدولارات من أجل مناهضة مشروع الإخوان وإسقاطه. ولعل هذا يفسر موقف حزب النور وكذلك الموقف المذبذب لمشايخ سلفية شهيرة التزمت الحياد الظاهري في بداية الأمر ثم انحازت للعسكر لاحقا كمحمد حسان وحسين يعقوب وغيرهما. وتورد هذه التقارير تفاصيل عن لقاء أجراه رئيس مجلس الأمن القومي السعودي الأمير بندر بن سلطان، في دولة أوروبية، مع مسؤولين من الاستخبارات الأمريكية، قبل نحو ثلاثة أشهر لبحث تفاصيل على صلة بمطلب السعودية إسقاط نظام الإخوان في مصر، وقدّم فيه بندر ضمانة سعودية باحتواء التيار السلفي في المنطقة مقابل إنهاء صعود الإخوان فيها.[[8]] وقد لعب كل من الأمير بندر بن سلطان، رئيس المخابرات السعودية، وخالد التويجري رئيس الديوان الملكي دورا محوريا في التخطيط والتحريض على الانقلاب، فالأول (بندر) تربطه علاقات وثيقة بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث ظل نحو 20 سنة سفيرا لبلاده في واشنطن. والثاني “التويجري” اتضح لاحقا أنه كان على علاقات وطيدة للغاية بالإمارات وخاصة محمد بن زايد. وفي 20 أغسطس 2013، تناولت صحيفة “الجارديان” البريطانية حقيقة الدور السعودي في مصر، من خلال مقال للكاتب ديفيد هيرست قال فيه إن الأمر استغرق 60 عامًا حتى تعلن المخابرات الأميركية دورها في الانقلاب المدعوم بريطانيا للإطاحة برئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق في 19 أغسطس من عام 1953، إلا أن اعتراف المملكة السعودية بدعم الانقلاب في مصر ومن خلال مدير مخابراتها الأمير بندر بن سلطان الذي عمل بلا كلل من أجل تحقيق هذا الهدف، كان فوريًا، حيث إنه وبعد لحظات من أداء عدلي منصور رئيس المحكمة الدستورية القسم كرئيس مؤقت للبلاد، أرسل الملك عبدالله رسالة تهنئة للجيش المصري بوصفه “أنقذ مصر من الدخول في نفق مظلم”.

رابعا، تمويل عصابات منظمة وبلطجية، وقد انكشف الدليل على ذلك سنة 2019 عندما توترت العلاقات بين السيسي ومحمد بن زايد؛ حيث أخرجت أجهزة السيسي تقريرا سريا للغاية أمام النائب العام، يؤكد بالأدلة والاعترافات أن الإمارات مولت عصابات تخريبية في عهد الرئيس مرسي؛ لإشاعة الفوضى، وعلاقتها بجبهة الإنقاذ وأحد مساعدي وزير الداخلية بحكومة هشام قنديل. وعرضت المحكمة الأربعاء 13 مارس 2019م، حرزا مهما وخطيرا أثناء إحدى جلسات محاكمة الرئيس مرسي في القضية التي تعرف إعلاميا باسم قضية “اقتحام السجون” إبان ثورة يناير2011. وحمل الحرز تقريرا للعرض على النائب العام بعنوان (سري للغاية ويُفرم عقب قراءته… يعرض على المستشار النائب العام) ومحررا بتاريخ 19 فبراير/شباط 2013. وعرض التقرير محاضر وتقارير “رسمية” من “أجهزة الأمن” غاية في الخطورة بأرقام (609 لسنة 2013 إداري قصر النيل، و610 لسنة 2013 إداري قصر النيل، و21 لسنة 2013 جنح قصر النيل، و921 لسنة 2013 بلاغات النائب العام، وجميعها عبارة محاضر وتقارير أمنية رسمية. وتقول المحاضر والتقارير إن “مراقبات هواتف” -بالإضافة إلى التحريات والمحاضر- كشفت أن الإمارات وسفارتها في القاهرة كانت تمول “تشكيلات عصابية لتنفيذ مشاريع إجرامية ممنهجة غرضها إحداث الفوضى والتعدي على قوات الشرطة”. وأوردت اسم شخص يتعامل من داخل السفارة الإماراتية يدعى “نوار” وكان يوفر الأموال لمتهم يدعى “إيهاب مصطفى حسن عمار” وشهرته “إيهاب عمار” للغرض المذكور، وحصلت أجهزة الأمن على تلك التفاصيل من المراقبة المأذون بها من النيابة. وتضمنت المحاضر والتحريات اعترافات متهمين ومراقبات هواتف أثبتت التفاصيل المذكورة، ووصفت أسماء بعينها بأنها “رؤوس تنظيمات عصابية ممولة تتعمد إحداث الفوضى وترويع المواطنين ومنع السلطات العامة من مباشرة أعمالها”. كما تضمنت “استغلال التظاهرات والمسيرات السلمية والاندساس وسطها لتهيئة الفرصة لهم (العصابات) لتنفيذ مشاريعهم الإجرامية من سلب ونهب وقتل لإثارة الفوضى في البلاد، وأن هؤلاء الأشخاص في سبيل تنفيذ مخططاتهم يتلقون تمويلات تشمل المال والسلاح لإمداد عصاباتهم بها”. وقالت المحاضر والتحريات الأمنية أيضا إن بعض المتهمين كانوا على علاقة بأعضاء في جبهة الإنقاذ وأحد مساعدي وزير الداخلية وقتها. من جانبه، نفى مجدي حمدان القيادي السابق بالجبهة علمه بأي تمويلات من هذا النوع، مؤكدا أن ما كان معروفا هو تمويل أبو ظبي لحركة تمرد وجماعات “بلاك بلوك” السرية.[[9]] كما تؤكد هذه الوثائق السرية ـ بحسب صحيفة الشروق ــ أن الهجوم الذي دبر على فندق سميراميس في يناير 2013م، كانت تقف وراءه عصابات ممولة من السفارة الإماراتية.[[10]] واعتبر الأكاديمي والمفكر نادر فرجاني ذلك ابتزازا  من جانب نظام السيسي لصهاينة العرب في الإمارات من أجل إجبارهم على المزيد من تقديم المساعدات المالية للنظام.[[11]] والغريب أنه رغم هذه الأدلة تم غلق التحقيقات بعدما توصل السيسي إلى تفاهمات مع أبو ظبي.

خامسا، ادعم المالي السخي لنظام الانقلاب، ففي سبتمبر 2013م، اعترف حازم الببلاوي، رئيس أول حكومة بعد الانقلاب والتي ضمت رموز جبهة الإنقاذ العلمانية، أن حكومته حصلت في الأيام التي تلت الانقلاب مباشرة على 12 مليار دولار مساعدات من السعودية والإمارات والكويت.[[12]] وهي مساعدات تبلغ قيمتها أربعة أضعاف المساعدات المالية الأمريكية و البريطانية مجتمعين. هذا بخلاف الأموال الأخرى (السرية) التي حصل عليها الجيش والتي قدرها السيسي نفسه في أحد التسريبات بنحو 30 مليار دولار حتى منتصف 2014م فقط. إضافة إلى تعهد الخليج بتوفير جميع أنواع الوقود لمصر خلال تلك الفترة. وفي 2016 تنازل السيسي عن جزيرتي “تيران وصنافير” للسعودية مقابل توريد شركة النفط السعودي (أرامكو) 700 ألف طن من المشتقات البترولية لمصر شهريا، من خلال قرض سعودي قيمته 23.5 مليار دولار لمدة 5 سنوات. ودعمت الإمارات، كذلك، الاقتصاد المصري بقرض قيمته 8.6 مليارات دولار لتمويل شراء مواد بترولية.[[13]] وتذهب بعض التقديرات إلى أن حجم ما تلقاه السيسي من تمويل ومساعدات خليجية تصل إلى نحو 92 مليار دولار حتى منتصف 2018م.[[14]] وقد اعترف السيسي بذلك، خلال فعاليات جلسة “اسأل الرئيس” بمؤتمر الشباب المنعقد في جامعة القاهرة يوليو 2018م، مؤكدا أن الأشقاء في  الخليج قدموا لنا دعما كبيرا بعد 30 يونيو/حزيران 2013، خاصة في مجال الطاقة والبترول.. وأمدونا على مدى 20 شهراً بمواد بترولية بقيمة 800 مليون دولار شهرياً من دون مقابل.. ولولا دعمهم لسقطت الدولة المصرية”.[[15]] وهو الاعتراف الذي تكرر لاحقا في ماسبات مختلفة.

وفي تحقيق رقمي قامت به صحيفة “العربي الجديد” اللندنية في فبراير 2015م، انتهى إلى أن السيسي حصل فعليا في 2013 فقط على نحو (41.8 مليار دولار)، تتضمن المساعدات العينية النفطية. بخلاف الودائع التي دخلت البنك المركزي، لكن ما تم إدراجه  بحسب البيان الختامي لموازنة 2013/2014 هو (10.6 مليارات دولار) فقط، إضافة إلى 4 مليارات دولار وديعة في البنك المركزي. ويبقى مصير نحو 27.2 مليار دولار حصل عليها السيسي من الخليج، مجهولاً ولا يعلم أحد من الشعب أين ادخره أو فيما أنفقه السيسي! ورغم ذلك، فإن هذا الرقم (10.6 مليارات دولار) التي تم إدراجها في إيرادات الموازنة لم تسهم مطلقا في تحسين مؤشرات  المالية العامة؛ حيث تُفيد بيانات وزارة المالية بأن عجز الموازنة ارتفع إلى حدود 253 مليار جنيه (33.9 مليار دولار)، مقابل 230 مليار جنيه في العام المالي الأسبق 2012/2013، وهو العام الذي تولى فيه الرئيس محمد مرسي الحكم، أي بزيادة 23 مليار جنيه رغم كل هذه المساعدات الهائلة.[[16]]

سادسا، التحريض على ذبح الإسلاميين وأنصار الثورة والديمقراطية في مصر، فالهدف هو استصال الإسلاميين ووأد الديمقراطية والقضاء على روح الثورة؛ وفي أعقاب مذبحة رابعة العدوية ونهضة مصر  ومصطفى محمود يوم 14 أغسطس 2013م، ومقتل الآلاف قنصا على يد الانقلابيين وصف العاهل السعودي الراحل (الملك عبدالله)، مظاهرات أنصار الرئيس المنتخب محمد مرسي بأنها «إرهاب وضلال وفتنة»! وتؤكد “رويترز” أن حكام مصر الجدد (في إشارة إلى العسكر) يعتمدون على دعم الخليج رغم الدماء الغزيرة التي أراقوها.[[17]] وأمام الانتقادات الدولية الحادة للانقلابيين في أعقاب المذابح الوحشية في رابعة والنهضة وغيرها، طالب العاهل السعودي بترك السيسي يذبح معارضيه كما يشاء، منتقدا الضغوط الدولية على السيسي من أجل التوقف عن سفك المزيد من الدماء. و«أعربت الإمارات عن تأييدها للمملكة العربية السعودية في دعم مصر وسيادة  الدولة المصرية، خاصة في دعوة الملك السعودي لعدم التدخل في شؤون مصر  الداخلية. وأضاف الخبر المنشور على وكالة الأنباء الإماراتية أن هذا ما عهدته الإمارات “من خادم الحرمين الشريفين من صلابة في الموقف وجرأة في قول الحق وطرح عقلاني هدفه مصلحة المنطقة واستقرارها وخير شعوبها».[[18]] وعندما لوح الإتحاد الأوروبي بوقف مساعداته لمصر في أعقاب مذبحة رابعة، أعلن وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل أن بلاده والدول العربية ستغطي أي نقص في التمويلات التي تحتاجها مصر. ونقلت وكالة الأنباء السعودية عن وزير الخارجية سعود الفيصل قوله “من يُعلن وقف مساعدته لمصر أو يلوح بوقفها فإن الأمة العربية والإسلامية غنية بأبنائها وإمكاناتها، ولن تتأخر عن تقديم يد العون لمصر”.[[19]]  وكان الفيصل قد رفض تهديد أوروبا بوقف المساعدات لمصر، وقال عقب اجتماعه بالرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند في باريس إن التهديدات لن تحقق شيئا. في الوقت الذي تقدم فيه السيسي بالشكر لكل من السعودية والإمارات والبحرين والكويت والأردن.[[20]]

تفسير الموقف الخليجي

تفسر «رويترز» المواقف السعودية والخليجية بأنهم ينظرون إلى الإخوان على أنهم منافسون لهم على الزعامة الدينية و لهم أجندة سياسية قوية تتعالى على علاقة الرياض بالغرب وتسعى لتطبيق الديمقراطية.  وتفسر صحيفة «فرانكفورتر الجماينة تسايتونغ» الألمانية، الموقف الخليجي، بأن السعودية والإمارات كانتا تمولان الانقلاب وتعملان على الحفاظ على الوضع الراهن (تكريس الانقلاب ووأد الديمقراطية في مصر) كي تبقيا في مأمن من رياح التغيير، لأن لديهما خشية من كون حركة الإخوان المسلمين تمثل النموذج الأيديولوجي الأوفر حظا ليكون بديلاً عن النظام القبلي (حكم القبيلة) في البلدين. لكن الصحيفة ترى أن الرياض وأبوظبي لن تقويا على مقاومة تيار التغيير على المدى الطويل.[[21]]

ويمكن عزو موقف الرياض إلى تخوف النظام السعودي من زعزعة المكانة الدينية للنظام حيث يقدم النظام السعودي نفسه بوصفه “حامي الإسلام” في العالم وكذلك اعتبار آل سعود أن حكم الإخوان يقوض شرعيتهم على المدى الطويل، خاصة أن الجماعة أصبحت تقدم نموذجاً ديمقراطياً وإسلامياً في الوقت ذاته، والسعودية لا تريد الديمقراطية من جهة، ولا الإسلام بمفهومه الصحيح من جهة أخرى؛ فقد فصل النظام السعودي “إسلاما على مقاسه” انتزع منه ما يقوض سلطته لحساب الشعب، وضخمت فيه ما يدعو إلى الطاعة المطلقة لأولى الأمر. دون اعتبار لمبادئ الإسلام أحكامه التي تفرض أن يكون اختيار الحاكم قائما على الشوري، وأن يلتزم العدل، وحكم الشريعة وأن يفصل بين ماله الخاص ومال الدولة العام الذي هو ملك للشعب كله.

ويعزو المفكر الأميركي نعوم تشومسكي في ندوة بجامعة كولومبيا الأميركية، تحدث فيها عن الثورة المصرية أسباب عداء الإمارات لنظام الرئيس مرسي في مصر، ودعم المعارضة ضده، إلى أن مشروع تطوير إقليم قناة السويس، الذي تبناه الرئيس مرسي، يمثل أكبر كارثة لاقتصاد الإمارات خاصة دبي، حيث إن اقتصادها خدمي وليس إنتاجيا، يقوم على لوجيستيات الموانئ البحرية، وأن موقع قناة السويس هو موقع استراتيجي دولي، أفضل من مدينة دبي المنزوية في مكان داخل الخليج العربي، الذي يمكن غلقه إذا ما نشب صراع مع إيران.[[22]]

الخلاصة

أن ممالك وإمارات النفط الثرية في الخليج وظفت كل إمكاناتها المادية والإعلامية والسياسية من أجل وأد الربيع العربي، وإجهاض أي مسار ديمقراطي في مصر والمنطقة، واستئصال الإسلاميين وفي صدراتهم الإخوان؛ لأن هذه النظم المستبدة خشيت من عدوى الثورات والديمقراطية من أن نتنقل إليها فتطيح بهذه النظم (القبلية)التي تسيطر على السلطات في  بلادها غصبا. وفي مقابل دعمها للانقلاب حظيت هذه العواصم الخليجية بامتيازات خاصة في مصر، حيث زاد نفوذها على نحو لافت، وتمتعت بتسهيلات كبرى تسمح لها بالاستحواز على أصول مصرية تحظى بقيمة عالية، وتعزز نفوذ السعودية والإمارات في قطاعات الصحة والتعليم، واستحوذت على موانئ لها أهمية استراتيجية كبرى، ولا يزال الدولتان تتنافسان على المزيد من الهيمنة والاستحواذ عل مفاصل الاقتصاد المصري المنهك.

من جهة ثانية، مثل الانقلاب العسكري في مصر عودة إلى التصميم القديم للمنطقة والذي كان يدور في فلك السياسات الأمريكية الإسرائيلية،  وهو التصميم الذي تعرض لتهديدات كبرى من خلال ثورات الربيع العربي، وبنجاح الانقلاب عادت ماكينة التصميم القديم إلى الدوران، مع إدخال تعديلات جديدة تدفع إلى التعجيل باحتواء إسرائيل في المنطقة ضمن تحالف موسع (عربي إسرائيل) تحت إشراف الولايات المتحدة الأمريكية، كما فتح الباب أمام “صفقة القرن” والإسراع في عملية الإجهاز على القضية الفلسطينية وتصفيتها، وما كان تنازل السيسي عن “تيران وصنافير” ثم التحالف الوثيق مع الاحتلال، وإبرام صفقات مليارية ضخمة في مجال الطاقة إلا محطات على طريق الخطة التي تمضي إلى منتهاها المرسوم والتي تضمن تفوقا إسرائيليا كاسحا وبقاء البلاد العربية في ظلمات الاستبداد والطغيان باعتبار هذه النظم هي أكبر ضامن لإسرائيل والمصالح الأمريكية والغربية.

من جهة ثالثة، برزت الإمارات كنموذج أشد نتوءا وتوحشا وبروزا في المشهد ، ولعبت دور الريادة ضمن فريق الثورات المضادة، والسعي المحموم إلى الإطاحة الدامية بتجارب الثورات العربية السلمية. فانخراط الإمارات في منظومة الثورة المضادة وحملها لواء الانقلابات على المنجَز الثوري للشعوب العربية، إنما يعود إلى فجر اندلاع هذه الثورات أي باكرا سنة 2011، بل قبل ذلك بكثير عندما دعمت ماليا كل المنظومات الاستبدادية العربية، مستفيدة من الطفرة المادية التي حدثت لها. ومن أهم نتائج الدور الخليجي في الانقلاب المصري ما يتعلق بطبيعة وحجم ومدى الدور الإماراتي إقليميا ودوليا، فهو دور يتسع بامتداد العالم العربي، ويخترق دولا ومجمتمعات وهياكل حكومية وعسكرية وأمنية، هذا الحضور العمودي والأفقي هو الذي يدفع إلى طرح أسئلة كثيرة عن القدرة والخلفية والأهداف والدوافع. فكيف لدولة صغيرة الحجم أن تتحكم في مصائر ملفات إقليمية كبرى ذات تقاطعات كبيرة إذا لم تكن جزءا من مشروع أكبر؟ ولعل الإجابة  على هذا السؤال تفتح للمراقبين والباحثين أسرارا كثيرة حول طبيعة الارتباط العضوي بين الإمارات والمشروع الإسرائيلي في المنطقة. فكل سياسات وتوجهات وتحركات أبو ظبي تمثل في  جوهرها تهديدا صارخا للأمن القومي العربي،  في الوقت الذي تمثل فيه تعزيزا للأمن القومي الإسرائيلي وتحمي المصالح الأمريكية والغربية في المنطقة.

واليوم، لا أحد ينكر أن  من أكبر مكاسب الربيع العربي هو الوعي بشكل فاق التوقعات بمدى توحش نظم الاستبداد العربي وأنها على استعداد للتضحية بكل شيء حتى بشعوبها من أجل البقاء في السلطة. فمن كان يتخيل أن تخريب الأمة يتم من الداخل لا من الخارج أساسا؟ ومن كان يتوقع في أسوأ كوابيسه أن تكون الأنظمة العربية هي الأداة الأساسية في تخريب أحلام الشعوب وفي قتل طموحاتها ولو كلفها ذلك ملايين الضحايا والمهجّرين واللاجئين؟

 

 

 

[1] وقال البيان: “تتابع الإمارات العربية المتحدة بارتياح تطورات الأوضاع في جمهورية مصر العربية الشقيقة انطلاقًا من العلاقات التاريخية الراسخة بين البلدين الشقيقين”. وكان الوزير الإماراتي قد نشر تغريدة على موقع التواصل الاجتماعي قال فيها: “مبروك يا أم الدنيا”. السعودية والإمارات والأردن تهنئ بقرار جيش مصر 4 يوليو/تموز 2013

[2] رشيد خشانة, بعد الإطاحة بمرسي تبايُن ردود الفعل الخليجية يعكس تباعُد المواقف من “الإخوان”/ سويس إنفو ــ  16 يوليو/تموز 2013

[3] أسرار الطعنة الإماراتية بخاصرة حكم “مرسي” في مصر/ الخليج أون لاين ــ 26 نوفمبر 2017

[4] “نيويورك تايمز” تكشف: كيف تواطأت السعودية والإمارات على مرسي/ شبكة رصد ــ الجمعة، 27 يوليو 2018م

[5] بالفيديو.. توفيق عكاشة: الخليج سيساعد مصر على إسقاط حكم الإخوان/ مصراوي ــ الأربعاء 23 يناير 2013

[6] 70 دقيقة تسريبات: الإمارات موّلت “تمرّد”/ العربي الجديد ــ 01 مارس 2015// تسريب السيسي: الإمارات مولت تمرد واستضافت بيريز سراً (فيديو)/ “عربي 21” ــ الأحد، 01 مارس 2015

[7] نيويورك تايمز: الإمارات دعمت السيسي للاستيلاء على السلطة/ شبكة رصد ــ الإثنين، 2 مارس 2015

[8] تقارير روسية كشفت تمويل الرياض معارضي مرسي والسلفيين/ الشرق القطرية ــ 10 أغسطس 2017م

[9] تقرير أمني سري: الإمارات موّلت تخريب مصر أيام مرسي/ الجزيرة نت ــ 14 مارس 2019م

[10] محمد مجدي/ محكمة «اقتحام السجون» تستعرض تقريرا سريا عن إطلاق نار على «سميراميس»/ الشروق ــ الأربعاء 13 مارس 2019

[11] تقرير أمني سري: الإمارات موّلت تخريب مصر أيام مرسي/ الجزيرة نت ــ 14 مارس 2019م

[12] الببلاوي: مصر حصلت على 12 مليارا مساعدات/ الجزيرة نت ــ 12 سبتمبر 2013م

[13] الإمارات تزود مصر بمعظم احتياجاتها النفطية الخارجية/ الجزيرة نت ــ  غرة سبتمبر 2014م

[14] 92 مليار دولار دعم خليجي للقاهرة منذ ثورة 25 يناير/ القبس الكويتية ــ ١٩ مارس ٢٠١٩

[15] السيسي: الجيش تدخل من تلقاء نفسه إبان حكم مرسي/العربي الجديد ــ 29 يوليو 2018

[16] عمرو الأبوز/ مصير مجهول لـ42 مليار دولار تسلمها السيسي من الخليج/ العربي الجديد ــ 14 فبراير 2015

[17] رويترز: حكام مصر الجدد يعتمدون على دعم الخليج رغم إراقة الدماء/ المصري اليوم ــ الثلاثاء 20 أغسطس 2013م

[18] السعودية والأردن والإمارات تؤيد إجراءات الحكومة المصرية/ الجزيرة نت ــ 16 أغسطس 2013م

[19] السعودية: العرب سيغطون المساعدات لمصر/ الجزيرة نت ــ 19 أغسطس 2013م

[20] عبدالغفور أحمد محسن/ الجارديان: لماذا تخاطر السعودية بدعم الانقلاب فى مصر؟/ المال نيوز ــ الثلاثاء, 20 أغسطس 13

[21] صحيفة ألمانية: دول خليجية مولت الانقلاب بمصر/ الجزيرة نت ــ 20 أغسطس 2013م

[22] أبرز 5 دول دعمت السيسي في أحداث 30 يونيو/ شبكة رصد ــ الإثنين، 25 يناير 2016م

]]>
https://politicalstreet.org/5283/feed/ 0
الموقف الأوروبي من انقلاب 03 يوليو .. رصد وتحليل https://politicalstreet.org/5280/?utm_source=rss&utm_medium=rss&utm_campaign=%25d8%25a7%25d9%2584%25d9%2585%25d9%2588%25d9%2582%25d9%2581-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25a3%25d9%2588%25d8%25b1%25d9%2588%25d8%25a8%25d9%258a-%25d9%2585%25d9%2586-%25d8%25a7%25d9%2586%25d9%2582%25d9%2584%25d8%25a7%25d8%25a8-03-%25d9%258a%25d9%2588%25d9%2584%25d9%258a%25d9%2588-%25d8%25b1%25d8%25b5%25d8%25af-%25d9%2588 https://politicalstreet.org/5280/#respond Wed, 20 Jul 2022 10:05:59 +0000 https://politicalstreet.org/?p=5280  

 

انقلاب 03 يوليو كشف عن ثلاثة كتل إقليمية ودولية تتباين رؤيتها عن الوضع في مصر:

الكتلة الأولى، هي تحالف الثورات المضادة الذي يدعم تحرك الجيش وانقلابه بكل الطرق والوسائل من أجل إجهاض الثورة والمسار الديمقراطي، وهذا التحالف أعلن بشكل واضح دعمه ومساندته للانقلاب، بل كان له دور مركزي في مؤامرة الانقلاب، وأبرز الدول التي تنضوي تحت هذا التحالف هي (إسرائيل ــ الإمارات ــ السعودية ــ الكويت ـ الأردن). وقد أمدت عواصم الخليج السيسي بنحو 12 مليار دولار بشكل عاجل من أجل دعمه وتثبت أركان انقلابه، بخلاف الأموال التي تدفقت بشكل غير علني وهذه تقدر بعشرات المليارات من الدولارات.

الكتلة الثانية، هي الكتلة التي رأت في 03 يوليو انقلابا عسكريا، يعصف بثورة يناير والمسار الديمقراطي وإرادة الشعب الحرة، وأن هذه الخطوة تمثل سحقا للثورة والديمقراطية وتستهدف إعادة مصر إلى حظيرة (تحالف الاعتدال العربي)، وهو المصطلح الذي يراد به التحالف العربي الموالي لإسرائيل والداعم لدمجها في المنطقة في سياق تحالف واسع ترعاه الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا. وأبرز الدول التي عارضت هذه الخطوة هي تركيا وقطر.

الكتلة الثالثة، هي الدول الغربية التي تضم الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، وقد تبين بالدليل من خلال ورقتنا البحثية (الدور الأمريكي في انقلاب 03 يوليو)، أن  واشنطن كانت  ضالعة في مخططات إسقاط الانقلاب من خلال الإمساك بك خيوط اللعبة؛ حيث وظفت نفوذها  الواسع داخل الجيش والذي شيدته منذ اتفاق كامب ديفيد سنة 1978م، وحرضت المؤسسة العسكرية على الانقلاب وشجعتها على الإطاحة بالرئيس المنتخب وحكومته، وجاءت تصريحات المسئولين الأمريكيين مؤيدة ذلك حيث تجنبت واشنطن وصف ما جرى بأنه “انقلاب”، بينما اعتبر وزير الخارجية جون كيرى انقلاب الجيش خطوة على مسار البناء الديمقراطي! أما الاتحاد الأوروبي فكان غير مرحب بالمرة لصعود الإسلاميين على هرم السلطة في أكبر دولة عربية، لكنهم كانوا مجبرين على القبول بهذا الوضع (غير المريح)؛ لأنهم جاءوا بطريقة ديمقراطية نزيهة. وبالتالي كان الموقف الأوروبي في جوهره قريبا من الموقف الأمريكي؛ إذ لا يتخيل أن تحركات واشنطن لإسقاط حكم مرسي كانت غير معروفة للأوروبيين، كما لا يتخيل أيضا أنه لم يكن هناك تنسيق مشترك وتوزيع أدوار من أجل إنجاح مخططات الانقلاب على النحو الذي جرى. وكانت المشكلة هي عملية القبول الأمريكي الأوروبي بالنظام الانقلابي وهو ما يناقض فعليا كل الشعارات والمبادئ التي ترفعها أوروبا وتتباهى بها أمام العالم. ولذلك حرص الإتحاد الأوروبي أيضا على عدم وصف ما جرى بأنه انقلاب، وعملت كاثرين آشتون، مسؤولة الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي، على الضغط على الإسلاميين من أجل القبول بالانقلاب والتسليم بنتائجه، من إجل تمكين الانقلاب ومنحه الشرعية المفقودة بما يسهل الموقف الأوروبي واعترافه بنظام السيسي.

إزاء ذلك، ما حدود وأبعاد الدور الأوروبي في مؤامرة الانقلاب على الثورة والديمقراطية في مصر؟ وهل تورطت أوروبا في  هذه المؤامرة؟ وما الدليل على ذلك؟ وكيف استقبلت أوروبا انقلاب السيسي؟ ولماذا ضغت كاثرين آشتون على الرئيس مرسي وتحالف دعم الشرعية من أجل التسليم بالانقلاب والقبول بنتائجه؟ وكيف اعترفت أوروبا بشرعية الانقلاب لاحقا وتجاهلت كل ما تدعو إليه من  مبادئ وقيم ديمقراطية؟ وما دلالات ذلك ونتائجه على أوروبا؟

أدلة التورط الأوروبي

أولا، تفاوتت ردود الفعل الأوروبية على الانقلاب، لكنها لم تصل إلى مستوى الإدانة، فـبعد إعلان الانقلاب على  الرئيس مرسي في 3 يوليو/تموز 2013 أعلنت بريطانيا أنها “لا تدعم تدخل الجيش لحل النزاعات في الأنظمة الديمقراطية” ودعت إلى للتهدئة. واعتبرت ألمانيا الانقلاب “فشلا كبيرا للديمقراطية”، ودعت إلى “عودة مصر في أسرع وقت ممكن إلى النظام الدستوري”.أما فرنسا فقالت إنها تأمل أن يتم الإعداد للانتخابات في ظل احترام السلم الأهلي والتعددية والحريات الفردية والمكتسبات في العملية الانتقالية كي يتمكن الشعب المصري من اختيار قادته ومستقبله. وقال الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون إن “التدخل العسكري في شؤون أي دولة هو مبعث قلق”، ودعا إلى “المسارعة إلى تعزيز الحكم المدني وفقا لمبادئ الديمقراطية”.ودعت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كاترين أشتون إلى “العودة سريعا إلى العملية الديمقراطية بما في ذلك إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية حرة ونزيهة”.[[1]] وكلها ردود فعل لم تصف ما جرى على أنه انقلاب، وتقبل ضمنا بالإطاحة بالرئيس المنتخب وحكومته مع الدعوة إلى البدء من جديد وطي صفحة مرسي.

ثانيا، تحركات خفية لمسئولين أوروبيين بالتوازي مع تحركات كاثرين آشتون العلنية، بهدف تنسيق جهود العلمانيين وحشدهم ضد الرئس مرسي لإسقاط نظامه؛ والربط بينهم وبين المؤسسة العسكرية؛ وقد اعترف الدكتور محمد البرادعي، مؤسس ومنسق جبهة الإنقاذ ونائب المؤقت عدلي منصور، أن  مخطط الانقلاب العسكري وضعه (برناردينو ليون، الدبلوماسي الإسباني)، يقول البرادعي خلال ندوة سياسية في يوليو 2015م: « لقد وقعت على انتخابات رئاسية مبكرة وخروج مشرف للسيد مرسي، والوصول إلى نهج شامل يكون الإخوان المسلمون والإسلاميون جزءا منه، لقد وقعت على الخطة التي وضعها برناردينو ليون)، ووفقا لقناة الجزيرة فإن ليون لم يكن في هذا التوقيت مبعوثا لأحد، ولم يكن في مصر مبادرة دولية في الأصل، لحساب من إذا وضع خط سرية لإزاحة رئيس منتخب وجمع لها التوقيعات وانتهى الأمر بإعادة مصر إلى ما قبل قبل يناير؟[[2]] بعد نجاح “ليون” في مهمته القذرة بالقاهرة، تم تعيينه منسقا أمميا في ليبيا، لكن انفضح أمره بعدما قررت الإمارات تعيينه في وظيفة لديها بمرتب يصل إلى 30 ألف جنيه استرليني شهريا في نوفمبر 2015م.[[3]]

ثالثا، تعزيز مكانة العلمانيين في النظام السياسي قبل الانقلاب رغم خسارتهم الانتخابات وعدم اقتناع الشعب بهم، والحد من الإسلاميين وتسيدهم للمشهد حتى لو كانوا مفوضين من الشعب؛ وقد أكد الدكتور عمرو دراج، وزير التخطيط والتعاون الدولي بحكومة الدكتور هشام قنديل، في تصريحات متلفزة في ديسمبر 2014م، أن آشتون طالب الرئس مرسي قبل الانقلاب بشهور بتعيين البرادعي رئيسا للوزراء لاحتواء الأزمة السياسية، لكن تصريح البرادعى وقتها بأنه تواصل مع مسئولين بالخارج لإقناعهم بأن نظام مرسى لا يصلح لإدارة مصر، أفشل الأمر.[[4]] معنى ذلك أن الأوروبيين كانوا حريصيين على صدارة العلمانيين للمشهد حتى دون تفويض شعبي عبر أدوات الديمقراطية النزيهة.

رابعا، تبني لرؤية الجيش وفريق من العلمانيين في مصر،  والذين كانوا يريدون إسقاط حكم الرئيس مرسي بأداة غير ديمقراطية، وإقامة انتخابات رئاسية مبكرة ودستور جديد وبرلمان جديد لا وجود فيه لأكثرية إسلامية. وقد نشرت آشتون مقالا في أواخر يوليو 2013م، نشرته عدة مواقع غربية ومصرية تبنت فيه هذه التصورات وإن كان الموقف الأوروبي متسقا مع الموقف الأمريكي في بعض الأبعاد إلا أنه تباين معه في نقاط أخرى؛ فالأمريكان كانوا متفقين مع الرؤية الإسرائيلية الخليجية والتي تستهدف إقصاء كاملا للإسلاميين من المشهد السياسي مع سحقهم سحقا حتى لا يكون لهم دور في مستقبل البلاد. بينما كان الأوربيون يدعون إلى ضرورة تصميم نظام سياسي يشمل جميع الأطراف بما فيهم الإسلاميون أو هكذا أرادوا لخطابهم أن يبدو، مع تحجم دور الإسلاميين فلا يكون لهم دور ملموس في صناعة القرار؛ لأن الأوروبيين لا يمكن أن يجاهروا بمباركة استئصال حركة شعبية فازت بثقة الشعب عبر الانتخابات والأدوات الديمقراطية ثم تم الانقلاب عليها عسكريا. وتضمن مقال “آشتون” ستة مبادئ عامة لحل الأزمة المصرية للعودة إلى الديمقراطية؛ أبرزها:[[5]]

  • ضرورة تأسيس عملية سياسية شاملة تضم المجموعات المؤثرة كالليبراليين في المناطق الحضرية وأولئك الذين يرغبون في الجمع بين التقاليد الإسلامية مع المبادئ الديمقراطية، كما تضم الرجل والنساء في حكومة مدنية. فالناس تحتاج للشعور بمشاركتهم مشاركة كاملة في مستقبل هذا البلد العظيم.
  • يتطلب هذا عملية بناء للثقة وأن يتواصل بعضهم مع بعض وقبل كل ما سبق يجب أن يفهم كل منهم الآخر.
  • تحتاج الدولة إلى دستور(جديد) يحتوي على ضوابط وتوازنات تضمن احترام حقوق جميع المواطنين المصريين.. إن الدولة تحتاج لحكم مدني كامل.
  • ضرورة وضع حد لحالة العنف التي جرت خلال الأسابيع الثلاثة الماضية.. كما لا يمكن حل الصراعات السياسية بالقوة حيث تم إزهاق العديد من الأرواح في السعي من أجل الديمقراطية، وتعد حالات العنف الجنسي خلال المظاهرات، بشكل خاص ، أمر مروع.
  • وضع حد لحالات الاعتقالات التعسفية وجميع أشكال المضايقة، فالمجتمع الديمقراطي ليس به مكان للمعتقلين بما في ذلك الدكتور مرسي والمقربين منه الذين يجب إطلاق سراحهم. كما يجب مراجعة القضايا الجنائية ذات الصلة بهم بسرعة وشفافية.. وبالمثل فإن حرية الإعلام هي أمر ضروري فلا ينبغي معاقبة الصحفيين نتيجة أداء عملهم المهني ويجب أن تعمل وسائل البث بحرية وبدون معوقات أو مضايقات أو التعرض لغلق تعسفي.
  • في إطار المبادئ السابقة ينبغي أن تعقد انتخابات حرة في غضون الأشهر القليلة المقبلة فمسألة الوقت تعد أمر بالغ الأهمية.. هناك حالة لإحراز تقدم ملموس بشأن الخطوات الخمس الأولى المتعلقة بالانتخابات ليتم إجراؤها ليس فقط بغرض فوز المرشحين ولكن من أجل وضع أساس للاستقرار والديمقراطية في المستقبل.

وبقراءة محتوى ومضامين المقال يمكن رصد الحقائق الآتية:

  • الإقرار بطي صفحة الرئيس مرسي، والترحيب المبطن بنقض المسار الديمقراطي عبر أداة غير ديمقراطية.
  • تجاهل توصيف ما جرى من جانب الجيش وتدخله السافر في العملية السياسية والإطاحة بالرئيس المدني المنتخب بوصفه “انقلابا عسكريا”؛ ما يعد تواطؤا محسوبا ومقدرا من جانب الأوربيين. كذلك دعوتهم إلى عودة الديمقراطية سريعا؛ فكيف نحقق الديمقراطية باغتيال الديمقراطية ونسف إرادة الشعب الحرة في انتخاب رئيس قبل عام ودستور قبل ستة شهور فقط؟! معنى ذلك أن الأوروبيين يريدون في مصر ديمقراطية على المقاس خالية من الإسلاميين، يكون العلمانيون في كل الأحوال هم الرابحون فيها دون وجود منافس حقيقي، فإذا انعدم هذا لضعف التيار العلماني فلا بأس من تصميم نظام عسكري سلطوي ما دام سيضمن المصالح الغربية في مصر والمنطقة. ولعل احتضان الأوروبيين لاحقا لنظام السيسي وتعزيز العلاقات معه على كافة الأصعدة خير برهان على ذلك. وليس الهدف هنا هو توجيه اللوم العتاب للأوروبيين؛ فهذا سلوكهم على الدوام؛ لكن الهدف هو تعرية الموقف الأوروبي والوعي بأن رفعه لواء الديمقراطية هو مجرد زعم يساومون به الطغاة في بلاد لتحقيق أكبر قدر من المكاسب والمصالح.
  • مباركة مبطنة للانقلاب دون وصفه بأنه انقلاب من خلال مباركة “خطة الطريق” التي أقرها السيسي، فآشتون تدعو إلى دستور جديد وانتخابات رئاسية جديدة. تقول “آشتون” في مقالها: «يأمل الاتحاد الأوروبي في مساعدة مصر على اتخاذ هذه الخطوات ولكن يجب أن تكون القرارات ملك الشعب المصري وليس ملك لأي طرف خارجي.. ولقد اتفقت أنا والرئيس منصور الأسبوع الماضي على أن الدستور الفعّال يتطلب أكثر من مجرد كلمات مناسبة تصاغ به، تحتاج الديمقراطية الحقة للمصالحة الوطنية ومؤسسات حقوقية محترمة ومستقلة لتتمكن من الدفاع عن حقوق الإنسان وسيادة القانون. إن إحراز التقدم ليس فقط أمرًا حيويًا ولكنه أيضًا أمر عاجل، ولقد شجعني الجدول الزمني الذي عرضه علىّ الرئيس المؤقت».
  • التأكيد على مواصلة الدعم الأوروبي لمصر حتى مع التحولات الضخمة التي جرت والانقلاب على الديمقراطية؛ تقول “آشتون”: «إن الاتحاد الأوروبي هو شريك على المدى الطويل وصديق لمصر.. وخلال كل نقاش عقدته الأسبوع الماضي أكدت على دعمنا وعلى استمرار صداقتنا، ولقد شجعني على ذلك أن كل مجموعة قابلتها بصرف النظر عن اختلافاتها في الرؤي مع المجموعات الأخرى رحبت بهذا الالتزام.. ومع ذلك فإن المصريين أنفسهم هم المعنيون باتخاذ خطوات من أجل التحول الديمقراطي، المصريين وليس نحن الذين يجب أن يملكوا مستقبلهم».
  • التوقف عن إدانة العنف الذي مارسته سلطات الانقلاب برصده فقط والإشارة إلى أنه «لا يمكن حل الصراعات السياسية بالقوة»، لكن اللافت أنها تقول إنه قد «تم إزهاق العديد من الأرواح في السعي من أجل الديمقراطية»؛ فهل كانت هذه المذابح كما جرى في الحرس الجمهوري والمنصة سعيا من أجل الديمقراطية؟!  أم أن آشتون تخاطب الإسلاميين الضحايا بوصفهم القتلة كما كانت تزعم آلة الانقلاب الإعلامية؟!
  • عدم إذانة المذابح التي ارتكبها العسكر بشكل واضح، والاكتفاء ببيانات الشجب والاستنكار دون ممارسة أي ضغوط عملية من أجل وقف هذه المذابح؛ وهو الموقف الذي اتفق فيه الأوروبيون والأمريكان؛ ولعل هذا ما شجع العسكر على ارتكاب المزيد  من المذابح وصولا إلى فض رابعة والنهضة ومصطفى محمود في 14 أغسطس وغيرها من المذابح الجماعية الوحشية واغتيال أي أمل في نظام ديمقراطي حقيقي في مصر.

خامسا، الضغط على الإسلاميين وأنصار الديمقراطية من أجل التسليم بالانقلاب والقبول به. فآشتون  كانت خلال الشهور التي سبقت الانقلاب تتواصل مع جميع الفرقاء من الأحزاب والقوى السياسية؛ لكنها في أعقاب الانقلاب راحت تحت الإسلاميين وأنصار الديمقراطية على الدخول في حوار مع العسكر بينما توارت الأحزاب والقوى العلمانية التي مثلت غطاء مدنيا للانقلاب لتبييض صورته خارجيا.  وقد أدلى الدكتور عمرو دراج، وزير التخطيط والتعاون الدولي بحكومة الدكتور هشام قنديل، والذي كان طرفا في معظم اللقاءات مع آشتون وغيرها من الوفود الأجنبية مؤكدا على الحقائق الآتية:[[6]]

  • لم يكون هناك أي تفاوض سياسي من أي نوع مع آشتون، الغرض الرئيس من جولات آشتون وويليام بيرنز مساعد وزير الخارجية الأميركي كانت بوضوح أن يسلم الرافضون للانقلاب بالواقع (الذي هو الانقلاب)، وبالتالي أي كلام عن أن آشتون قالت للإخوان أن الدكتور محمد مرسي سيعود للحكم وبالتالي تصلبوا في مواقفهم هو ضرب من الخيال لا يستقيم مع الأجندات الدولية، وفيه تناقض واضح في المنطق.
  • كانت آشتون في البداية تدفع للتفاوض السياسي بين حكومة الانقلاب والقوی الرافضة له، في محاولة واضحه لإعطائه الشرعية بالطبع، لذلك كان موقفنا جميعًا واضحًا.. لا تفاوض مع عسكر مغتصب للسلطة، ولا حديث إلا مع قوى سياسية مناظرة، بشرط تهيئة الأجواء لذلك بالإفراج عن جميع المعتقلين وفي مقدمتهم الرئيس مرسي، وعدم مواجهة المتظاهرين والمعتصمين السلميين.
  • عندما زارت آشتون الدكتورمرسي في محبسه بعد أن قابلها وفدنا في زيارتها الثانية، اتصل بي صباح اليوم التالي جيمس موران سفير الاتحاد الأوروبي في مصر وقال لي : “أن السيده آشتون تريد مقابلتي لإحاطتي بما تم مع السيد الرئيس، وبالفعل ذهبت لمقابلتها ظهرًا بحضور بعض المسئولين الأوروبيين دون وجود أي من الأطراف المصرية الاخری، و قالت لي: “أن الهدف من المقابله أن أوصل رسالة الی أسرة السيد الرئيس إنه بخير وفي حالة معنوية عالية ويدرك الوضع بدقه، وأن المكان الذي يوجد به معقول ونظيف.. إلخ”، وعندما سألتها عن تفاصيل الحوار، قالت إنها ليست في حل من ذكرها لأن الرئيس غير متاح للتعليق إذا أغفلت شيئا، لكنها قالت إنها أبلغت الرئيس ببعض الأمور التي لا تظن أنها تروق له، لكن كان ينبغي لها قولها، طبعًا ما علمته لاحقًا نقلاً عن السيد الرئيس نفسه، أنها قالت له ينبغي لك التسليم بالواقع (نفس الرسالة)، وأن مجموع المحتجين في الشوارع في مصر كلها لا يتعدى 50 ألف شخص، فقال لها الرئيس بذكائه المعهود، لو كانوا 50 ألف كما تقولين لما أتيت لي لتحدثيني، طبعًا هذا يبين بوضوح رفض الرئيس أي تنازل علی النحو الذي يزعمه البعض، كما أن الوفد الذي قابلها كما قلت لم يدخل في أية تفاصيل سياسية». وكانت “آشتون” قد التقت بالرئيس مرسي في مقر اختطافه يوم 29 يوليو 2013م؛ وقد كشفت ماجا كوسيجانيك المتحدثة، باسم كاترين آشتون، عبر تويتر أن آشتون التقت الرئيس محمد مرسي، وأجرت معه مناقشات عميقة أمتدت لساعتين. بينما كشفت مصادر سياسية رفيعة المستوى لـ”الأناضول” عن أن كاثرين آشتون، حصلت على موافقة لزيارة مرسي من سلطات الانقلاب بعد أن عرضت آشتون صيغة لحل الأزمة، وبعد أن تأكدت السلطة أنها ستعرض هذه الصيغة على مرسي وأن هذه الصيغة لا تتعارض مع خريطة طريق المرحلة الانتقالية. وتشمل هذه الصيغة أن تضمن السلطات لمرسي “الخروج الآمن”، ووقف الملاحقات القضائية، والإفراج عن معتقلي جماعة الإخوان المسلمين، وبقية التيار الإسلامي، مقابل فض اعتصام مؤيدي مرسي في ميداني رابعة العدوية، ونهضة مصر، ووقف كافة الأنشطة الاحتجاجية لأنصاره.[[7]]
  • بعد أن غادرت آشتون تركت في مصر مبعوثها (برناردينو ليون ــ واضع خطة الانقلاب) الذي ظل علی تواصل مستمر معنا حتى نهاية شهر رمضان علی النحو الذي ذكرت عدة مرات، أي أن اشتون غادرت مصر قبل فض رابعة بعشرة أيام علی الأقل، وليس بثلاثة أو أربعة أيام كما ذكر البعض، وتركز الحديث مع برناردينو عن كيفية السير في إجراءات تهيئة الأجواء أولًا قبل أي تفاوض سياسي، وقد أبلغني في نقطة ما أن الإفراجات ستبدأ بالدكتور سعد الكتاتني والمهندس أبو العلا ماضي ثم يتلو الباقي، لكن طبعًا اتضح أن كل هذا وعود كاذبه.
  • في هذا الوقت زار وفد من وزيري خارجية قطر والامارات وويليام بيرنز وبرناردينو ليون المهندس خيرت الشاطر في محبسه لمحاولة حل الموضوع مع الإخوان، لكن المهندس خيرت قال لهم بوضوح لماذا تأتون إلي؟ عندكم الرئيس مرسي المنتخب شعبيًا، هو فقط المخول بأي حديث حول هذا الموضوع ممثلاً للمصريين الذين انتخبوه وليس الإخوان كفصيل منفرد.

سادسا، يؤكد الدكتور محمد محسوب، وزير الشئون القانونية في حكومة هشام قنديل، أن  «آشتون لم تعرض ولم تعد ولم تنو لا أن تعرض ولا أن تعد بعودة الدكتور مرسي.. ووجهة نظرها كانت واضحة في إغلاق الصفحة السابقة ماقبل 3 يوليو 2013 والبدء بصفحة جديدة.. بما يعني إقرارا بنتائج الانقلاب». لكن محسوب كشف في تصريحات متلفزة ومدونة، عن مبادرة أوروبية طرحتها “آشتون”، تتضمن تفويض الرئيس مرسي رئيسا للوزراء وفقا للدستور يدير مرحلة تجري فيها انتخابات مع الاحتفاظ بالدستور وعودة الجيش لثكناته.. وتساءلت السيدة أشتون عن موقف الإخوان، فأكد لها الدكتور محمد على بشر أنه يمثل الإخوان في اللقاء وأنه يقبله. ولفت محسوب إلى أنه كان من ضمن المقترح الإفراج عن المعتقلين والقيادات ليكونوا شركاء في الحل وإنهاء الحملات الإعلامية التي تبيح دماء المعتصمين وتطالب فض الاعتصامات السلمية بقوة السلاح. في هذه الأثناء دعا محسوب وسائل الإعلام وهيئات المجتمع المدني والأحزاب للذهاب إلى الاعتصام والتأكد من خلوها من أي سلاح. وهو الحل الذي أشار إليه الدكتور البرادعي وقبل به، لكنه رفض أن يُبشر به الشعب المصري في مؤتمره الصحفي مع أشتون مما دعاها للانسحاب. وبين محسوب ان تفسير ذلك أن زعيم الانقلاب لم يرض عن ذلك الحل لأنه يعيق مسعاه الشخصي للاستيلاء على السلطة، لكنه لم يكن في مركز يُمكنه أن يرفضه علانية فينكشف عنه الغطاء السياسي الذي تدثر به في وقت كان لا يزال يحتاج إليه، فطلب من الدكتور البرادعي تأجيل الإعلان عن الحل متذرعا برفض غالبية ضباط الجيش وأنه يحتاج وقتا لإقناعهم.[[8]] وقد اعترف الدكتور محمد البرادعي الذي كان نائبا للمؤقت عدلي منصور أنه استقال من منصبه رفضا لفض الاعتصام بالقوة، وأوضح أن معارضته لاستخدام القوة في فض الاعتصامين “ليس فقط لأسباب أخلاقية، وإنما كذلك لوجود حلول سياسية شبه متفق عليها، كان يمكن أن تنقذ البلاد من الانجراف في دائرة مفرغة من العنف والانقسام”. وأضاف أنه تعرض لتهديدات من جانب أجهزة وصفها  بالسيادية لأنه كان يمضي في طريق حل الأزمة سلميا بينما كانت هذه الأجهزة  تصر على تعقيد الموقف وعدم حل الأزمة بشكل سلمي.[[9]]

الخلاصة

استندت مواقف الإتحاد الأوروبي مع انفجار الأزمة على عدة مرتكزات تمثل الحد الأدنى من التوافق داخل الاتحاد:

أولا، 30 يونيو و 03 يوليو خطوة على طريق استكمال عملية التغيير التي تمر بها مصر منذ 25 يناير 2011، ولذا لم يتم وصف ما جرى بمصر على أنه “انقلاب” بل هو مرحلة انتقالية جديدة للتوجه نحو الديمقراطية، عبرت عن مطالب الشعب المصري. هناك دول أوروبية قليلة مثل النرويج والسويد تبنت إدانة ما حدث واعتبرته نقضا للديمقراطية وليس  استكمالا لها. كما وجه وزير خارجية كل من النرويج والسويد انتقادا للموقف الأوروبي مما يجري في مصر، حيث عد وزير خارجية السويد أن ذلك “إغلاق لباب الديمقراطية” في الدول العربية، وطالب الاتحاد الأوروبي بأن يدافع عن الديمقراطية في مصر كما دافع عنها الاتحاد الإفريقي حين علق عضوية مصر في المنظمة. كما تبنى وزير خارجية النرويج إسبن بارث موقفا مختلفا عن موقف الاتحاد الأوروبي من أعمال العنف، حيث حمل المسئولية لقوات الأمن لا المتظاهرين. وكان موقف بريطانيا مرتبكا؛ فعلى المستوى الرسمي، تحدث ديفيد كاميرون رئيس الوزراء البريطاني ووليام هيج وزير الخارجية البريطاني، عن أن لندن “لن تدعم أي تدخل سياسي للجيش”، وأكدا أن ما تحتاجه مصر حاليا هو بدء العملية الديمقراطية، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، واتخاذ إجراءات اقتصادية سريعة. وفي المقابل، روجت وسائل الإعلام البريطانية، لأن ما يحدث في مصر هو “انقلاب عسكري” على الديمقراطية، وانعكس ذلك في تغطية قناة البي بي سي الانجليزية ومجلة الإيكونوميست وصحيفة الجارديان لتطورات الأوضاع في مصر. إلى جانب ذلك، اعتبر وزير الخارجية الألماني أن الدور الذي لعبته المؤسسة العسكرية في عزل مرسي يعد “نكسة” للديمقراطية، ولكن لم يصفه على أنه “انقلاب”، وترى ألمانيا ضرورة أن تشمل العملية السياسية في مصر كل القوى السياسية، بما في ذلك القوى الإسلامية، وعدم العمل على عزلها سياسيا. وطالبت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بالإفراج عن الرئيس مرسي، كما طالبت وزارة الخارجية الألمانية بأن يتم السماح لمنظمة محايدة مثل الصليب الأحمر بزيارته.[[10]]

ثانيا، ضرورة عمل الحكومة الانتقالية على عدم عودة الحكم العسكري، وتقييد الحقوق والحريات، حيث طالبت آشتون في أول تعليق لها على الانقلاب، بسرعة عودة السلطة لحكومة مدنية منتخبة، ووضع جدول زمني لخارطة الطريق التي اقترحها وزير الدفاع، على نحو يضمن وجود برلمان منتخب. كما  دعت أشتون ومارتن سشولز رئيس البرلمان الأوروبي في بيانه الصادر في 27 يوليو 2013، بوقف عملية “تسييس” العدالة الانتقالية والإفراج عن الرئيس محمد مرسي والسياسيين المعتقلين.

ثالثا، ضرورة أن تكون العملية الديمقراطية شاملة للجميع دون إقصاء لأي قوى سياسية، خاصة جماعة الاخوان المسلمين. والتمهيد لمصالحة شاملة تقوم على أرضية اعتراف الإخوان بالانقلاب وطي صفحة الرئيس مرسي. والبدء في تصميم نظام سياسي جديد (دستور ـ رئاسة ــ برلمان) يشارك فيه الإسلاميون لكن بشكل هامش غير مؤثر في صناعة القرار.

على هذا الأساس، كانت تحركات “آشتون” تهدف إلى شيء واحد هو الضغط على الرئيس المنتخب وأنصاره من الإسلاميين والديمقراطيين من أجل القبول بالانقلاب العسكري؛ معنى ذلك أن الدور الأوروبي كان جزءا من الخطة المرسومة بإحكام تحت رعاية الولايات المتحدة الأمريكية، وكان مكملا للدور الأمريكي لتمرير الانقلاب ومنحه الشرعية اللازمة، فقد وضع خطة الانقلاب برنارد ليون، والذي لم يكن له أي صفة رسمية قبل الانقلاب؛ ثم تحول إلى مبعوث خاص لآشتون بعد الانقلاب، وعندما رفض الرئيس وتحالف دعم الشرعية الضغوط الأوروبية من أجل التسليم بالانقلاب والاعتراف به متمسكين بشرعية الرئيس مرسي؛ ارتكب المجرمون مذبحة رابعة لكسر إرادة الإسلاميين أنصار الديمقراطية. لاحقا عاد الأوروبيون إلى نفس المعادلة السابقة أيام مبارك؛ إدانة الانتهاكات الحقوقية وتعزيز العلاقات مع النظام القمعي في كافة المجالات والأصعدة لتحقيق أكبر قدر من المصالح على حساب القيم الديمقراطية والإنسانية وهي المعادلة التي لا تزال قائمة حتى اليوم.

استخدمت أوروبا ممثلة في “أشتون” الكذب بالزعم للرئيس مرسي في مقر احتجازه أن المحتجين ضد الانقلاب لا يزيدون عن خمسين ألفا؛ من أجل الضغط على  الرئيس للتسليم بالانقلاب والاعتراف به بما يسهل مهمة الأوروبيين الراغبين في الإطاحة بمرسي والإسلاميين. وقد برهنت “آشتون” على انحيازها عندما صرحت في مايو 2014م – خلال ندوة نظمها مجلس شيكاغو للعلاقات الدولية بالولايات المتحدة- أن مصر تمر بدون شك بمرحلة دقيقة، وتريد النجاح وترغب في دعم المجتمع الدولي لها في مكافحة الإرهاب الحقيقي الذي تتعرض له. فقد اعتبرت “أشتون” المدافعين عن الديمقراطية “إرهابيين”! بينما تجاهلت تماما مذابح الانقلابيين الوحشية. وتحولت إلى بوق دعاية للسيسي عندما قالت إنه المرشح الأوفر حظا بالفوز.[[11]]

بمشاركة الاتحاد الأوروبي في متابعة الاستفتاء الصوري على الدستور في يناير 2014ثم مسرحية الانتخابات الرئاسية في 2014، كانت أوروبا حريصة على دعم خريطة 03 يوليو، وتمكين شرعية هذه الإجراءات رغم المذابح المروعة التي كانت تشهدها البلاد.[[12]]  وبعد موافقة الاتحاد على مراقبة الانتخابات البرلمانية التي تأجلت، قالت الممثلة العليا لشؤون السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي “فيديريكا موجيريني”، إن الاتحاد “لن يرسل بعثة كاملة لمراقبة الانتخابات البرلمانية المصرية، لكن سننشر بعثة خبراء أصغر لتقديم تقرير بشأن البيئة السياسية للانتخابات والحملة الانتخابية”، ثم بعدها صدر قرار آخر صادم من الاتحاد الأوروبي أكد على عدة عناصر أهمها؛ أن انتخابات برلمان 2012 صحيحة، مطالبا بالإفراج عن كل المعتقلين بما فيهم 167 نائبًا معتقلًا، كما شكك البيان في انتخابات الرئاسة التي فاز فيها الرئيس السيسي في مايو الماضي 2014، معتبرًا إنها: “لم تستكمل المعايير الدولية”، فضلا عن كونه اتهم حكومة الببلاوي وأجهزة أمنها بأنها تمارس العنف ضد كل المصريين.[[13]] تفسير ذلك أن الاتحاد شعر بالحرج من موقف الصادم ضد الديمقراطية، كما أنه استهدف ابتزاز السيسي من جهة أخرى، والضغط عليه من أجل تقديم تنازلات للغرب في ملفات آخرى. وقد يكون البيان انعكاسا للتباينات داخل الاتحاد الأوروبي بشأن الموقف من مصر. لا سيما وأن  هناك دولا انتقدت الموقف الأوروبي وعدته داعما للانقلاب مثل النرويج والسويد.

عندما سئلت “آشتون” عن أحكام الإعدام الجماعية التي طالت مئات الإسلاميين خلال جلسة واحدة كما جرى في جنايات المنيا، قالت إن هناك سوء فهم وأن هذه الأحكام أولية وليست نهائية. وهي التصريحات التي اعتبرت دعما للانقلابيين. وبرهنت على انحيازها أيضا عندما كافأها الانقلابيون باستضافتها هي وأسرتها على حساب الشعب المصري في محافظة الأقصر بدعوة من وزير السياحة بحكومة الانقلاب هشام زعزوع،  وبينما كات آلة القتل تسحق الآلاف كانت آشتون تستمتع بشمس الأقصر الدافئة على حساب المصريين الفقراء. وقد استقبلها السيسي خلال هذه الفسحة؛ حيث صرحت بعد لقائها السيسى، أنها “تعلم صعوبة اتخاذ السيسي قرار الترشح لرئاسة الجمهورية، لكنه قرار شجاع وصعب في ظل التحديات التي تواجه مصر».[[14]]

لم تقدم آشتون اقتراحا واحد ضد الانقلاب وضد خريطة الطريق التي رسمها العسكر. ولم يصف أي بيان لأي دولة أوروبية ما جرى في 03 يوليو بأنه انقلاب، وإن كانت عواصم أعلنت رفضها لتدخل الجيش مثل (لندن وبرلين وأوسلو)، وقد أكد سفير الاتحاد الأوروبي  في مصر حينها جيمس موران على ذلك مؤكدا بعد مذبحة رابعة أن الإتحاد لم يقل إن ما حدث في مصر انقلاب. بل لم يبدي موران أي رفض مسبق لتوجهات الحكومة نحو وصف جماعة الإخوان بالإرهاب، وفي مقابلة مع قناة الحياة قال إن هذا قرار مصري يتخذ على مستوى الحكومة المصرية، دون اعتراض على هذا التوجه. لكن اللافت في تصريحات موران أنه أوضح أن الاتحاد انتقد دستور 2012 من حيث الهيئة والتركيبة، بالإضافة إلى عدم وضع الحريات الأساسية في المقدمة. وأن نظام مرسي كان خطؤه الأساسي يتمثل في الإخفاق في أن يكون حكومة للجميع تشمل جميع القوى السياسية. [[15]] ورغم ذلك فقد دعم الاتحاد دستور2014 الذي كان لا يمثل كل المصريين وكانت لجنته التأسيسية معينة لا منتخبة معبرة عن تيار واحد فقط (العلمانيون + العسكر)، ودعموا نظام السيسي  رغم أنه لا يمثل الجميع. بل سحق كل معارضيه قتلا واعتقالا!

تفسير الموقف الأوروبي، أنه وجد نفسه في مأزق؛ فمن جهة لا يستطيع الترحيب بالانقلاب على الرئيس محمد مرسي، ومن جهة أخرى لا تريد أوروبا إدانة الانقلاب عليه، فالصمت المتواصل على الانقلاب والإطاحة بالرئيس المنتخب والانتهاكات الواسعة جعل الغرب يفقد مصداقيته في الدفاع عن الديمقراطية. هذا الموقف السلبي يعني أن الغرب يريد الحفاظ على نفوذه في مصر وفقا لمدير مركز البحوث الخاصة بالعالم العربي في جامعة ماينز الألمانية، غونتر ماير،. فالنظام في مصر يلعب دوراً كبيراً ومنذ عقود في الحفاظ على المصالح الإستراتيجية الأمريكية والأوروبية في الشرق الأوسط. ولذلك لم ينزعج الأمريكان والأوربيون كثيرا بالانقلاب في مصر والإطاحة بالإسلاميين، لكنهم وجدوا نفسهم في صدام مع القيم الديمقراطية التي يدافعون عنها، خاصة و أن جماعة الإخوان المسلمين وصلت إلى الحكم أيضا عبر صناديق الاقتراع. معنى ذلك أن لغة المصالح تغلبت على القيم التي يرفع الغرب لواءها ويزعم الدفاع عنها. وهي ذات السياسات التي كانت قائمة لعقود في عهد مبارك.[[16]]

 

 

 

[1] الانقلاب العسكري في مصر ضد مرسي/ الجزيرة نت ــ 12 فبراير 2016م

[2] تقرير الجزيرة الإخبارية عن اعترافات البرادعي بدور “برنارد ليون” في انقلاب 03 يوليو/ بتاريخ 07 يوليو 2015م// البرادعي: برناردينو ليون هو المخطط الفعلي للانقلاب ضد مرسي/ ديلي صباح التركية ــ 08 يوليو 2015م

[3] الوظيفة ستبدأ بعد انتهاء مهمته في ليبيا ولكنها تثير التساؤل حول حياديته.. الغارديان: الإمارات وظفت برنارد ليون براتب ألف جنيه يوميا/ “عربي 21” ــ الأربعاء، 04 نوفمبر 2015

[4] فيديو | دراج: آشتون طالبت مرسي بتعيين البرادعي رئيسًا للوزراء/ شبكة رصد ــ الجمعة، 19 ديسمبر 2014م

[5] ننشر مقال كاترين آشتون .. ”6 خطوات لعودة مصر للديمقراطية”/ مصراوي ــ الخميس 25 يوليه 2013

[6] عمرو دراج يكشف حقيقة التفاوض مع كاترين آشتون قبيل “مذبحة رابعة”/ شبكة رصد ــ الأربعاء، 17 أغسطس 2016

[7] آشتون أجرت منافشات مع مرسي امتدت لساعتين/ شبكة رصد ــ الثلاثاء، 30 يوليو 2013م

[8] محسوب يرد على حوار”حسان” ويكشف تفاصيل لقاء آشتون بتحالف دعم الشرعيةشبكة رصد ــ الثلاثاء، 16 أغسطس 2016

[9] البرادعي: أجهزة سيادية هددتني بسبب مساعيّ لفض اعتصامي “رابعة” و”النهضة” سلمياً/ وكالة الأناضول 15 نوفمبر 2016

[10] إيمان رجب/ “بوابة الأهرام” ترصد الموقف الأوروبي من الأزمة في مصر .. وهل يختلف عن أمريكا؟ وما حظوظ نجاحه أو فشله؟/ بوابة الأهرام ــ 29 يوليو 2013م

[11] كاثرين آشتون تصف السيسى بـ”المرشح الأوفر حظا”.. وتؤكد من شيكاغو: التقيته مؤخرا وخرجت بانطباعات مبشرة.. مصر راغبة فى النجاح وتريد دعما دوليا فى مكافحة إرهاب حقيقى.. وأحكام إعدام الإخوان شابها “سوء فهم”/ اليوم السابع ــ السبت، 10 مايو 2014 // اشتون: مصر تواجه ”إرهابا حقيقيا”/ مصراوي ــ السبت 10 مايو 2014

[12] عبد الرحمن أبو الغيط/ أوروبا ورئاسيات مصر ..حديث الانقلاب والمصالح/ الجزيرة نت ــ 22 إبريل 2014م

[13] قراءة في السياسة الخارجية المصرية تجاه روسيا والاتحاد الأوروبي/ إضاءات ــ 24 يونيو 2015// لينة الشريف/ كاثرين آشتون: سعداء بالاستفتاء.. وفي انتظار موعد الرئاسية والبرلمانية/ بوابة الشروق ــ الأربعاء 15 يناير 2014 (أعربت أشتون عن سعادتها بالاستفتاء رغم مقتل عشرات المصريين على أيدي  الداخلية خلال أيام الاستفتاء. وقالت خلال مؤتمر صحفي عقدته مع الشيخ صباح خالد الصباح وزير خارجية الكويت ـ إن الاتحاد الأوروبي أرسل مراقبين يساعدون في ضمان سير عملية الاستفتاء. وأضافت آشتون: الاستفتاء جزء هام من خارطة الطريق التي وضعت بعناية. وقالت موجهة حديثها إلى وزير الخارجية الكويتي: «أعتقد أنكم تتفقون معي على ضرورة اتباعها حتى تمضي مصر على طريق الديمقراطية. ولذا فإننا نتطلع لإعلان موعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية. فهى لحظات وخطوات هامة في هذا الاتجاه»).

[14] “آشتون”راعية الانقلاب.. هل انتهى الدور؟/ شبكة رصد ــ الجمعة، 19 ديسمبر 2014

[15] سفير «الاتحاد الأوروبي»: لم نقل إن ما حدث في مصر كان «انقلابًا»/ المصري اليوم ـ الجمعة  23 أغسطس 2013م

[16] مأزق الغرب..حرج الترحيب بالانقلاب ومخاوف تأييد الإخوان/ دويتش فيله الألمانية ــ 31 يوليو 2013م

 

]]>
https://politicalstreet.org/5280/feed/ 0
انجازات مرسي رغم الشيطنة والعرقلة من الدولة العميقة https://politicalstreet.org/5265/?utm_source=rss&utm_medium=rss&utm_campaign=%25d8%25a7%25d9%2586%25d8%25ac%25d8%25a7%25d8%25b2%25d8%25a7%25d8%25aa-%25d8%25a7%25d9%2582%25d8%25aa%25d8%25b5%25d8%25a7%25d8%25af%25d9%258a%25d8%25a9-%25d9%2588%25d8%25a7%25d8%25ac%25d8%25aa%25d9%2585%25d8%25a7%25d8%25b9%25d9%258a%25d8%25a9-%25d9%2584%25d9%2584%25d8%25b1%25d8%25a6%25d9%258a%25d8%25b3-%25d9%2585%25d8%25b1 https://politicalstreet.org/5265/#respond Wed, 13 Jul 2022 10:34:13 +0000 https://politicalstreet.org/?p=5265  

لم تتجاوز فترة حكم الرئيس محمد مرسي العام الواحد، والتي قضاها في موجات متلاطمة من الأزمات المتنوعة والمدارة من قبل العسكر والدولة العميقة، بين الاقتصادية والإثارة الاجتماعية وتصاعد الاحتجاجات الفئوية ومحاولات وضع العجلة أمام الحصان، من قبل دولة مبارك المتحالفة مع العسكريين، الذين وافقوا على مضض على اعلان نتيجة فوز مرسي، كونها كانت تجنبهم مواجهة شعبية كبيرة من عموم المجتمع المصري الثائرة آنذاك، قبل محاولات التقسيم والتحزب وبذر الشكوك والفتن المتنوعة بين أطياف المجتمع السياسية والاجتماعية. حيث أراد العسكر خرق تجربة العمل السياسي، خاصة إذ كان من يتصدره إسلاميون، بمصر عبر الافشال المجتمعي الحاد لأي رئيس يخرج بعيدا عن ربقة العسكر المتحكمين في مصر منذ 1952م، وذلك ما يمثل “قتل” موت السياسة في مصر لعقود، حيث العسكرة باتت هي أساس العمل السياسي وادارة الدولة المصرية، كما كانت متواصلة منذ الرئيس جمال عبد الناصر.

وبين الضغوط الخارجية وتعطيل الاستثمارات واثارة غضب الجماهير بالعديد من الوسائل، كعرقلة تقديم الحدمات المعيشية كالكهرباء والوقود، واثارة الشائعات والحرب الاعلامية، وتعمد توجيه السباب والسخرية والقذف بحق شخص الرئيس مرسي، عبر اعلاميي الحظيرة العسكرية، سعى الرئيس مرسي ونظامه للتعاطي المتزن مع الأمور، معليا قيم العلم والتعاطي الاداري المنظم مع قضايا المجتمع المصري، ساعيا لتحقيق مصالح الوطن والمواطن، بتفكيك المشاكل المتراكمة منذ عقود والأخرى التي صدرتها فترة الحكم العسكري للمجلس العسكري الفاشلة اقتصاديا واجتماعيا وأمنيا وماليا، وكرجل دولة يعتمد الادارة العلمية، نجح مرسي في انجاز بعض المهام، سريعة العائد وبعضها بعيدة العائد، ومنها ما هو استراتيجي ومخطط لدفع الدولة المصرية للأمام.

وركز مرسي تعاطيه مع مشكلات مصر، على استراتيجية تصفير المشاكل للمواطنين، وصولا إلى تحقيق دفع للأمام في كافة المجالات، على صعيد متناسق ومتناغم، يشمل مجالات الحياة كافة، رغم موارد الدولة المتناقصة، إلا أن ادارة مرسي فشلت في خلق سند اعلامي للرئاسة ونشاطها، الذي طالته الدعاية المضادة، والسخرية من قبل برامج وقنوات، قائمة على الفساد والتهرب من دفع استحقاقات الدولة من ضرائب ورسوم، بجانب الاستيلاء على أراضي الدولة بأسعار بخس أهدرت مليارات الجنيهات على خزانة الدولة.

أبرز الانجازات

وكانت رئاسة الجمهورية أصدرت في 26 يونيو 2013، كتيبا مصورا يشرح إنجازات الرئيس محمد مرسي خلال عام من توليه الرئاسة، تناول ملفات رئيسية، هي الأمن ومكافحة الجريمة، والكهرباء، والعدالة الاجتماعية، والتحول الديمقراطي، والعلاقات الخارجية والاقتصاد، كما تناول الكتاب قسما خاصا بما سمي”الشائعات والأخبار الكاذبة” التي رددتها المعارضة ضد الرئاسة والرئيس مرسي منذ توليه رئاسة البلاد.

أ-انجازات اقتصادية:

وقد ارتفع معدل النمو الحقيقي للناتج المحلي خلال الأشهر التسعة الأولى من عام مرسي الرئاسي، من 1.8% إلى 2.4%.، وارتفع إجمالي الاستثمارات التي تم تنفيذها خلال المدة نفسها من 170.4 إلى 181.4 مليار جنيه كما شهدت أعداد السائحين زيادة خلال الفترة نفسها من 8.2 إلى 9.2 ملايين سائح، وزاد الناتج المحلي بسعر السوق من 1175.1 إلى 1307.7 مليارات جنيه بجانب الحفاظ على الأمن الغذائي طوال عام تخلله القيام بأعمال عنف وحرق وقطع طرق من قبل مجموعات يدعمها إعلام قوى الفلول والمعارضة. ورغم ذلك لم تزد أسعار السلع الأساسية او غير الأساسية، فيما ثبت سعر الدولار، إلا في بعض الأيام لما اشتدت الضغوط الاقتصادية، ولم يتحرك الا قروشا قليلة، على عكس ما جرى خلال عهد السيسي، إثر التعويم والديون المتراكمة، كذلك زيادة انتاج محصول القمح بنسبة 30% ونهاية مأساة طوابير العيش ومشكلة الحصول على اسطوانة البوتاجاز وبدء تطبيق الكروت الذكية لصرف السولار للقضاء على مهربيه، وارتفاع عائدات قناة السويس بزيادة حوالي مليار دولار في الربع الأول من العام 2013، كذلك، حقق الاقتصاد المصري خلال الربع الأول من العام المالي 2012/2013 نموًا بلغ 2.6% مقارنة بنحو 0.3% خلال الربع ذاته من العام الذي سبقه ووصول الاحتياطي الأجنبي من 13 مليار دولار إلى 18 مليار دولار، كما أعلن المهندس حاتم صالح وزير الصناعة والتجارة الخارجية ارتفاع حصيلة الصادرات السلعية غير البترولية خلال الاشهر الخمسة الاولي من العام 2013 بنسبة15 % لتحقق 65.498 مليار جنيه مقابل 56.8 مليار جنيه في الفترة ذاتها من عام 2012.

ب-الكهرباء:

وبلغ الإنتاج 26.150 ميغاوات، بينما بلغ الاستهلاك 28.280 ميغاوات، وبلغ العجز بذلك 2.13 ميغاوات نتيجة الزيادة غير المدروسة في أحمال الكهرباء ونقص الوقود أو انخفاض ضغط الغاز وعدم تنفيذ برامج الصيانة وتأجيل بعض مشروعات الإنتاج الجديدة والإفراط في متطلبات الرفاهية والسرقات. إلى جانب اعتماد سياسة التأزيم من قبل أجهزة أمنية ساعية للانقلاب على الرئيس المنتخب، الذي بات مهددا لمصالحهم، عبر صغار الموظفين الذين استعملوا سلطاتهم رغم محدوديتها، في تعكير صفو المصريين، بالقطع المبرمج والمفاجئ للتير الكهربائي عدة مرات، في ساعات اليوم، في فصول الصيف. كما تلكأت كثير من الأطراف والمؤسسات المانحة في تمويل مشروعات إنشاء محطات انتاج كهربائي، وهو الأمر الذي تبدل بعد انقلاب وزير الدفاع، بل جرى زيادة الانتاج بصورة كبيرة، زادت عن حاجة المجتمع المصري، وهو ما ألأجأ نظام السيسي لتصدرها للخارج بأقل من تكلفة إنتاجها، وهو ما يهدر مليارات الدولارات المدفوعة لشركة سيمنز الألمانية والممولة بقروض يدفعها المصريون، ومع عدم التخطيط أو اعتماد إدارة جدوى الموارد المالية للدولة، اضطرت وزارة الكهرباء لوقف انتاج نحو 40% من محطات الانتاج الكهربائي لتفادي الخسائر، إثر الانتاج الزائد عن الحاجة في ظل اغلاق نحو 8500 مصنعا كبيرا في الفترة الأخيرة، وغلاء أسعار الكهرباء ما قلل استهلاكها محليا.

ج-توسيع برامج الدعم:

واستفاد محدودو الدخل من دعم المواد الغذائية وبلغ عدد المستفيدين 67 مليون مواطن، وبلغ عدد المخابز المشاركة في منظومة الخبز الجديد 17356 مخبزا، كما تم توفير 74 مليار و400 مليون جنيه لدعم وتوفير المواد البترولية كما نجح وزير التموين الدكتور باسم عودة في محاربة الفساد في منظومة التموين، وتابع المخابز والأسواق ومستودعات الغاز، لضمان وصول اسطوانة البوتاجاز بأسعار اقتصادية للمواطن، وسط مشاركة مجتمعية كبيرة من الشباب، لخدمة المجتمع.

د-العدالة الاجتماعية:

كما استفاد 1.9 مليون موظف من رفع الحد الأدنى للأجور، كما استفاد 1.2 مليون معلم من الكادر الخاص بالمعلمين، كما استفاد 750 ألف إداري من تحسين أوضاع العاملين الإداريين بالتربية والتعليم والأزهر. والغريب أن علاوة الرئيس رسي للعاملين بالتربية والتعليم، هي الوحيدة المطبقة فعليا حتى العام 2022، في صرف الرواتب، إذ ما زال المعلمون يصرفون رواتبهم وفق راتب العام 2014، والتي تضمنت زيادة مرسي، بينما الخصومات التي تلحق المعلمين يجري حسابها وفق اخر راتب، لم يصرفوه بالأساس. واستفاد 150 ألف عضو هيئة تدريس و58 ألف خطيب وإمام من تحسين أوضاعهم.

هـ-التكافل الاجتماعي ودعم محدودي الدخل:

وبالنسبة لمحدودي الدخل استفاد 1.2 مليون مواطن من العلاج على نفقة الدولة وأيضا استفادت 90 ألف أسرة من مشروع “ابنِي بيتك” واستفادت 1.5 مليون أسرة من معاش الضمان الاجتماعي واستفادت أكثر من 489 ألف امرأة من التأمين الصحي على المرأة المعيلة، كما استفاد 13.2 مليون طفل دون السن المدرسي من التأمين الصحي واستفاد 593 ألف عامل من تقنين أوضاع العمالة، واستفاد 150 ألف عامل من مساندة المصانع المتعثرة، وتم تأسيس 7367 شركة، بينما يجري الان التفريط في المصانع الرابحة وبيعها والتازل ن أصول الدولة المصرية للأجانب، علاوة على اغلاق نحو 8500 مصنعا في الفترة الأخيرة، وفق تقديرات حكومية وفي الوقت الذي يطارد فيه نظام السيسي المزارعين بالقضايا والضرائب المتزايدة والرسوم، واجبارهم على التوريد الاجباري للقمح بأسعار أقل من أسعار السوق المحلي وأقل بكثير من أسعار استيراد نفس المحصول من الخارج، وتلفيق قضايا جنائية لهم، سواء باسم الامتناع عن توريد القمح أو تصنيع الفريك من القمح، نجح الرئيس مرسي في إعفاء 52.5 ألفا من صغار المزارعين المتعثرين من المديونيات لصالح البنك الزراعي، واستفاد 2793 من صغار المزارعين من مشروع تنمية الصعيد واستفاد محدودو الدخل من دعم المواد الغذائية، وبلغ عدد المستفيدين 67 مليون مواطن.

و-التحول الديمقراطي:

وكونه رئيسا منتخبا بشكل ديمقراطي كاملا لأول مرة في تاريخ مصر الحديث، سعى الرئيس مرسي الذي آمن بالديمقراطية نهجا في حياته، خلال سنوات كفاحه ونضاله السياسي، عبر مجلس الشعب الذي خاض غمار انتخاباته عدة مرات، وحصل على النائب المثالي وألبرز نشاطا فيه، وقدم أقوى الاستجوابات في حوادث القطارات، واستعمل كل الوسائل البرلمانية والدستورية في قضايا الاصلاح السياسي والاجتماعي والتعليم والعمل والأمن، ركز الرئيس مرسي على استكمال البناء الديمقراطي في مصر، عقب سنوات من الفوضى المدارة من قبل أطراف عسكرية ورجال أعمال وفاسدين ودولة مبارك، فإصدر الدستور بموافقة ثلثي الشعب في استفتاء تمت إدارته بنزاهة وشفافية وتم نقل سلطة التشريع إلى مجلس الشورى المنتخب، إلى جانب حرص الرئيس على تنفيذ أحكام القضاء فيما يتعلق بسلطاته، مثل سحب قرار عودة مجلس الشعب ووقف الدعوة للانتخابات البرلمانية والتزم الرئيس بكل ما توصل إليه الحوار الوطني والمشاركة المجتمعية، مثل تعديل الإعلان الدستوري وتعيين 90 من الأسماء المقترحة في مجلس الشورى وتم إجراء مبادرة الحوار وحماية المرأة وتنظيم حوار مجتمعي لصياغة حزمة من السياسات العامة للدولة للنهوض بوضع المرأة في مختلف المجالات والإعداد لمشروع لمواجهة العنف ضد المرأة، والإعداد لإنشاء وحدة بوزارة الداخلية مختصة بجرائم التحرش وبكافة أنواع جرائم العنف ضد المرأة وتم تعيين 14 قبطيا أعضاء في مجلس الشورى وتفعيل المجلس الوطني للعدالة والمساواة علاوة على إطلاق سراح المدنيين المحكوم عليهم عسكريا بعد تشكيل لجنة حماية الحرية الشخصية كما ألغى الرئيس مرسي الحبس الاحتياطي في قضايا النشر، حتى وإن كان الأمر يتعلق بشخص الرئيس نفسه، كما حدث مع الصحفي اسلام عفيفي بجانب العفو الشامل عن كل من حكم عليهم في بعض الجرائم التي ارتكبت أثناء ثورة 25 يناير 2011 بهدف مناصرة الثورة عدا جنايات القتل.

ز- العدالة الانتقالية:

وفي اطار تعميق دولة الحقوق والحريات، قام الرئيس مرسي بتشكيل لجنة تقصي الحقائق وإنشاء نيابة الثورة وقد صدر تقريران كشفا عن بعض الأدلة التي كان يتم طمسها، وخاصة فيما يتعلق بدور المخابرات الحربية في قتل المتظاهرين في ميدان التحرير، حيث انكشف استئجار عدة غرف وأجنحة بفندق سميراميس المطل على ميدان التحرير، وجرى تركيب كاميرات مراقبة على الميدان، علاوة على ادخل الكثير من الحقائب المغلقة للفندق دون تفتيش وكذلك نجحت نيابة الثورة التي شكلها مرسي في صياغة قضية فساد القصور الرئاسية، وهي القضية الوحيدة التي أدين فيها مبارك، فيما تمت تبرئته في كل القضايا الأخرى وفيما يتعلق بالشهداء والمصابين تقدم التعويضات لأهالي الشهداء والمصابين كما توفر التعويضات لمن تعرضوا للتعذيب طوال سنوات حكم الرئيس السابق محمد حسني مبارك.

ي-العلاقات الخارجية:

وخلال زيارة الرئيس مرسي للسعودية تم الاتفاق على خط ائتمان لتمويل الصادرات السعودية غير النفطية لمصر بقيمة 750 مليون دولار، وتوقيع اتفاقية بقيمة 230 مليون دولار لتمويل ثلاثة مشروعات في مجال الصوامع وتجديد أدوات الري والشرب، كما بلغت الاستثمارات السعودية خلال العام 170 مليون دولار تم الاتفاق خلال زيارة الرئيس مرسي للدوحة على تقديم قطر مساعدات لمصر بقيمة مليار دولار إلى جانب ثلاثة مليارات دولار أخرى في صورة سندات، وتعهدت قطر بضخ استثمارات بقيمة ثمانية مليارات دولار في قطاعات الحديد والصلب وتوليد الكهرباء والسياحة، إلى جانب تقديم ثلاث شحنات غاز هدية للشعب المصري وخلال زيارة الرئيس مرسي للسودان تم الاتفاق على زراعة مليون فدان قمح بالمشاركة مع مصر، وافتتاح الطريق البري الشرقي بين البلدين، وسرعة استكمال الطريق الغربي، وإقامة منطقة صناعية مصرية في الشمال السوداني على مساحة مليوني متر مربع خلال زيارة مرسي لأنقرة تم الاتفاق على تقديم تركيا قرضا لمصر بقيمة مليار دولار، وتمويل مشروعات في مجال الغزل والنسيج والنقل العام بقيمة مليار دولار، وتوريد 150 سيارة لجمع القمامة وفي زيارة مرسي لبكين تم الاتفاق على قيام شركة تأيدا الصينية بتطوير المنطقة الصناعية شمال غرب خليج السويس، وتوقيع برنامج تنفيذي للتعاون في مجال السياحة، ومنحة صينية لتمويل مشروعات البنية التحتية وخلال زيارة مرسي لنيودلهي تم الاتفاق على زيادة الاستثمارات الهندية وتوثيق التعاون العسكري والسياحي ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة في مصر وخلال زيارته باكستان تم الاتفاق على توسيع التعاون الاقتصادي، وخلال زيارة إيطاليا تم الاتفاق على إنشاء منطقة صناعية إيطالية في مصر ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة بمبلغ 45 مليون يورو وإنشاء مخابز آلية جديدة بقيمة 50 مليون يورو وفي برلين اتفق الرئيس مرسي مع الجانب الألماني على تمويل مشروعات لدعم البنية الأساسية في محافظات قنا وأسيوط وكفر الشيخ والغربية، وتنمية المناطق العشوائية في مصر والاتفاق على التعاون الصحي بين البلدين وأنشأ أول مجمع صناعي ألمانى لانتاج الخلايا الشمسية فى مصر باستثمارات تصل الى 2.6 مليار دولار والاتفاق مع روسيا علي تطوير محطات السد العالي لاضافة حوالي 300 ميجا وات لطاقة الانتاج الحالية كما وقع الرئيس مرسي اتفاق مع شركة سامسونج العالمية بإنشاء أول مصنع في الشرق الأوسط لصناعة الإلكترونيات بإجمالي استثمارات 9 مليارات جنيه بمحافظة بني سويف، وإنشاء أول مصنع لتدوير القمامة في الدقهلية وآخر في الجيزة بالمنيب وهو ما يكشف استراتيجية عمل الرئيس مرسي للاستفادة من العلاقات الخارجية والتواصل الدبلوماسي لخدمة الداخل المصري، سواء عبر جذب استثمارات واقامة مشروعات وتمويلها، من أجل تحريك عجلة الاقتصاد المصري وعلى صعيد دول الجوار الاقليمي، أكد الرئيس مرسي أن مصر عادت بقوة إلى القارة الأفريقية وقام بزيارة إلى جنوب أفريقيا والسودان وأوغندا وإثيوبيا للمشاركة في القمة الأفريقية، حيث التقى بالعديد من الزعماء الأفارقة لبحث توسيع التعاون في مختلف المجالات وأولى ا الرئيس مرسي السودان أولوية في مشاريع التعاون، مستثمرا التاريخ المشترك وعلاقات الاخوة، حيث قام بافتتاح الطريق الدولي بين مصر والسودان بعد افتتاح فرع للبنك الأهلي المصري بالخرطوم وكذلك الاتفاق علي إقامة مدينتين صناعيتين في السودان باستثمارات مشتركة وزراعة مليون فدان لصالح مصر كما ركزت إدارة مرسي على العمل لتعزيز وتعظيم التواصل مع المصريين في الخارج والربط بين المؤسسات الرسمية المختصة والمراكز البحثية وتأسيس منتدى السياسة الخارجية كأول مركز فكر رسمي للدولة المصرية لدعم صنع قرارات السياسة الخارجية المصرية وتفعيل دور مجالس رجال الأعمال المشتركة.

ل-الأمــن:

وعبر التواصل وتغيير خطط الإدارات الأمنية نحو تعميق الأمن المجتمعي ومكافحة الجريمة، وذلك على عكس ما كان يجري عليه العمل الأمني بالاهتمام الواسع الأمن السياسي وأمن النظام على حساب الأمن المجتمعي، فجرى ضبط 52 مليون ومائة ألف لتر بنزين مهربة، و380 مليون ونصف المليون لتر سولار مهربة، و159 مليون كيلوجرام مواد تموينية مهربة، ومليون ومائة ألف أسطوانة بوتاجاز مهربة وهو ما يكشف إلى حد كبير محاولات التأزيم التي كانت تديرها الدولة العميقة والعسكريين من أجل خنق الشارع المصري، ودفعه للفوضى والثورة ضد نظام الرئيس مرسي، مستغلين رافعة اعلامية تعمل وفق أجندات فاسدة وتم ضبط 300 مليون قرص ترامادول و786724 كيلوجرام بانجو و325060 كيلوجرام حشيش و6121 كيلوجرام هيروين و749 كيلوجرام أفيون وجرى ضبط 358 حالة اختطاف من أصل 472 حالة بنسبة نجاح 76%، وضبط 342 بؤرة إجرامية و2435 عنصرا إجراميا و15591 سيارة مسروقة.

س-طرح مشروع متكامل لتنمية ممر قناة السويس:

وذلك برؤية متكاملة لإقامة مجتمعات صناعية لوجستية توفر 40 ألف فرصة عمل باستثمارات 1.5 مليار دولار، وهو ما دفع مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا الأسبق ورائد نهضتها ليشير إلى أن المشروع هو “مشروع القرن الحادي والعشرين لمصر والعالم أجمع”، وناشد المصريين بقوله “أيها المصريون إن هذا المشروع يوازي مشروع حفر قناة السويس من جديد، أنتم مقدمون علي ثورة اقتصادية حقيقية، وعلى الجميع التكاتف لإنجاحه” رغم ذلك، جرى شيطنة المشروع، واتهام الرئيس مرسي ببيع مصر لقطر وتركيا، وهوو ما تكذبه مآلات المشروع، الذي اختزله السيسي حاليا في مجرد تفريعة جديدة لقناة السويس ابتلعت نحو 100 مليار جنيه، من البنوك وتسببت في خلق أزمة مالية بمصر وضياع الاحتياطي النقدي من الدولار، وفق رئيس البنك المركزي الأسبق هشام رامز، في تصريحات اعلامية.

ش-تنمية اقليمية متوازنة مع المركز:

وقرر الرئيس مرسي تخصيص 400 مليون جنيه سنويا من عوائد قناة السويس لمحافظات بورسعيد والإسماعيلية والسويس، وذلك في إطار حزمة من الإجراءات التي تهدف إلى تنمية محافظات القناة الثلاث وخلق فرص عمل جديدة للشباب كما اهتم بالصعيد، موجها الكثير من الاستثمارات والمشاريع الدافعة للاقتصاد نحو الصعيد، كمصنع سامسونج للصناعات الالكترونية.

ص-صياغة مشروع وطني للاكتفاء الذاتي من القمح والغذاء:

عكف مرسي على صياغة مشروع وطني، سار به شوطا معتبرا، نحو إنتاج القمح من خلال تشجيع الفلاحين على زراعته والتوجه نحو تقليل الاعتماد على الاستيراد وجعله في أضيق الحدود وأكد الرئيس في كلمته خلال الاحتفال بعيد الحصاد بمنطقة برج العرب على ” سنصل هذا العام إلى 9 ونصف مليون طن من القمح، بعد أن كان في السابق يصل إلى 7 مليون طن، بزيادة 30% عن العام الماضي، ونأمل بعد عامين أن نصل إلى 11 مليون طن من القمح، لتحقيق 80% من احتياجاتنا وخلال 4 سنوات سنحقق الاكتفاء الذاتي من القمح وأعفى الدكتور مرسي المزارعين المتعثرين عن السداد لبنك الائتمان والتنمية الزراعية، الذين لا يزيد قرضهم عن 10 آلاف جنيه، والذي يستفيد منه أكثر من 42 ألف مزارع، على أن تتحمل الخزانة العامة للدولة 107 مليون جنيه لسداد هذه الديون كما أعفى الرئيس المتعثرين من أهالي سيناء، من 50% من ديونهم، والتي تبلغ 118 مليون جنيه، على أن تتحمل الدولة والبنك 59 مليون جنيه، بالإضافة إلى إعفائهم من 46 مليون جنيه مصروفات وقام برفع أسعار توريد الأرز المحلي إلى ألفين جنيها، بعدما كان يحقق الفلاحون خسائر كبيرة، اثر تدني أسعار المحصول المحلي، الناجم عن فتح بارنات الاستيراد باب الاستيراد الخارجي خلال موسم الحصاد، وهو ما ألفاه مرسي كما توسع بزراعة القطن متعهدا بالتوسع في الصناعات القائمة على بذرة القطن من زيوت وغيرها.

ط- استكمال المسار الثوري:

أصدر الرئيس مرسي قرارا جمهوريا لحماية الثورة والقصاص للشهداء حيث نص القانون رقم 96 لسنة 2012م، في 22 نوفمبر 2012م على إنشاء نيابة خاصة لحماية الثورة ونص القانون على إنشاء نيابة خاصة لحماية الثورة تشمل دائرة اختصاصاتها جميع أنحاء الجمهورية من أعضاء النيابة والقضاة وندبهم لمدة عام قابلة للتجديد بقرار من النائب العام، ولهم سلطات قاضي التحقيقات وغرفة المشورة وكانت هذه النيابة ستختص بالتحقيق في نتائج تقرير لجنة تقصي الحقائق، لكنها عملت لأقل من ستة أشهر، وتمّ إلغاؤها وتوزيع أعضائها بعد انقلاب يوليو 2013م وحرص مرسي على القصاص لدماء شهداء ثورة 25 يناير حيث قام بإصدار عدد من القوانين والقرارات لمحاسبة قتلة الثوار ومحاكمتهم وأصدر الرئيس قرار جمهوريا بتشكيل لجنة تقصي حقائق بعد أيام قليلة من توليه السلطة كأول رئيس مدني منتخب، وذلك بعد سيل من أحكام البراءة في معظم قضايا قتل الثوار، بما فيها القضية الرئيسية التي اقتصرت أحكام الإدانة فيها على الرئيس المخلوع حسني مبارك ووزير داخليته حبيب العادلي، بسبب مسؤوليتهم السياسية عن الأحداث وتشكلت اللجنة برئاسة أحد القضاة وعضوية قضاة وشخصيات عامة، فضلا عن مسؤولين من هيئات القضاء والشرطة والمخابرات، كما تضم بصفة مراقب عددا من ممثلي أسر الشهداء والمصابين ومجموعة من شباب الثورة وأصدر الرئيس مرسي قرارا جمهوريا بمنح مصابي أحداث ثورة 25 يناير، وما تلاها من أحداث شهيرة مثل ماسبيرو وشارع محمد محمود ومجلس الوزراء، معاشا استثنائيا مساو لمعاش أسر الشهداء وحدد القرار قيمة هذه المعاشات بمنح كل من أصيب بشلل رباعي أو فقد بصر بالعينين خلال ثورة 25 يناير 2011 والأحداث التي بعدها معاش يساوي معاش الشهيد من تاريخ الإصابة كما شمل القرار منح كل من أصيب بشلل نصفي أو عجز كلي أو غير القادر علي العمل أو المصاب الذي تجاوز سن 55 عاما معاشا استثنائيا يساوي معاش الشهيد، مع منح كل من أصيب بعجز جزئي خلال تلك الأحداث، ولم يكن قد تسلم وظيفة أو عملا أو مشروعا صغيرا معاشا استثنائيا بحسب نسبة عجزه منسوبا إلى المعاش الممنوح للشهيد كما أصدر الرئيس مرسي قرارا جمهوريا بضم شهداء مجزرة استاد بورسعيد، إلى شهداء ثورة 25 يناير، وذلك تلبية لمطالب ذويهم بعد اجتماعه معهم في بمقر رئاسة الجمهورية بالقاهرة كما وجه الرئيس الحكومة لاتخاذ كل ما يلزم لتذليل كل العقبات والصعوبات، ودراسة مقترحات المجلس القومي لأسر الشهداء وال مصابين حتى يقوم بواجبه على أكمل وجه في خدمة مصابي وأسر شهداء الثورة وأصدر الرئيس مرسي قرارا جمهوريا بإعادة تشكيل “المجلس الوطني للعدالة والمساواة”، ويهدف المجلس إلى تعزيز قيم العدالة والمساواة ونشر ثقافة المواطنة وتعميق الوعي بها، والمساهمة في كل ما من شأنه ضمان ممارسة قانونية وواقعية للعدالة والمساواة بين أبناء الشعب المصري دون النظر إلى النوع أو الدين، فضلاً عن رصد حالات التمييز النوعي والعرقي والديني.

ظ-الاهتمام بالمرأة:

كما وضع مرسي المرأة ضمن محاور اهتماماته حيث تم إجراء مبادرة الحوار وحماية المرأة وتنظيم حوار مجتمعي لصياغة حزمة من السياسات العامة للدولة للنهوض بوضع المرأة في مختلف المجالات والإعداد لمشروع لمواجهة العنف ضد المرأة، والإعداد لإنشاء وحدة بوزارة الداخلية مختصة بجرائم التحرش وبكافة أنواع جرائم العنف ضد المرأة. علاوة على دعم المرأة بتخصيص معاش للمرأة العيلة، وزيادة أشهر إجازة لوضع للمرأة العاملة، وهو ما قوبل باستهجان كبير من اعلام العسكر، على الرغم من عمل كثير من الدول الغربية والعربية وفق مبادئ دعم المرأة الذي اقرها الرئيس مرسي..

خاتمة:

خلال العرض السابق لانجازات الرئيس مرسي، خلال عام حكمه، الملئ بالعراقيل والتحدياتت من قبل العسكر والدولة العميقة إلا أنها شملت مجالات الحياة المختلفة، من اقتصاد إلى سياسة إلى قضاء ومرأة وزراعة وصناعة. تلك الانجازات التي كان استكمال مسارها كفيل بتحقيق رضاء مجتمعي كبير حول شخصية الرئيس مرسي، التي لم تعرف اليأس حتى أخر أنفاسه، محبا للوطن، متعاليا على تخرصات الانقلابيين، واضعا مصلحة الوكن والمواطنين نصب عينيه، مقللا من حظوظ نفسه.

وهو عكس ما يجري الآن، على كافة المستويات، سواء على صعيد السيسي نفسه، المتهم بفساد ملياري في القصور الرئاسية والمناقصات المليارية بالأمر المباشر، بل وعلى الهواء مباشرة، مثلما جرى مع “الحاج سعيد” بالصعيد، والطائرات الفخمة التي يتوسع بشرائها للرئاسة، والتي يبلغ ثمن احداها “ملكة السماء” نحو 500 مليون دولار!!! رغم أزمات الشعب المالية…واصرار السيسي على بناء مزيد من القصور والمدن الترفيهية التي لا تخدم سوى اقل من نصف بالمائة من المصريين، بينما يضرب الفقر أكباد نحو 80 ملين مصري. ووفق تقديرات استراتيجية فإنه لولا نجاح مرسي في ادارته وتحقيقه انجازات على الصعيد الشعبي، ودخوله لمساحات لم تكن تحظي باهتمام أي نظام سابق، كالفلاحي والصنايعية ومحدودي الدخل، كان سيخلق شعبية كبيرة له، أراد العسكر وأدها مبكرا سواء عبر الهجوم الاعلامي، أو الهجوم السياسي والانقلاب العسكري مؤخرا عليه، بعد تحقيق الرجل جزءا من مشروعه، الذي لو استمر مدته لنقل مصر إلى مصاف الدول الصاعدة تنمويا.

ولعل الديون المتفاقمة التي وصلت اليها مصر حاليا، تكشف حجم الفشل الذي منيت به مصر في ظل حكم العسكر، وللمواطن حق المقارنة بين فترتي مرسي والسيسي، كي يستخلص حجم الخسائر التي منيت بها مصر بالانقلاب على الرئيس محمد مرسي، الذي أردا مصر قوية تكتفي من غذائها وسلاحها ودوائها. والغريب أن يحقق مرسي ما أنجزه رغم وقوع مئات التظاهرات ضده والتي رصد بعضها تقرير الرئاسة الذي حمل عنوان “عام من الرئاسة المصرية.. خطوات وتحديات”، بـ 5821 مظاهرة ومصادمة واشتباكات، و7709 وقفات احتجاجية وفئوية و24 دعوة لمليونيه، بجانب 50 إشاعة وخبر كاذب، صاغها ونظمها معدو الانقلاب العسكري.

………….

المراجع:
الفجر، إنجازات مرسي في سنة أولى حكم: إصدار دستور.. و5821 مظاهرة و50 شائعة، 22 يونيو 2013
BBC عربي، محمد مرسي وسنته العاصفة والمضطربة في منصب الرئاسة بمصر، 20 يونيون 2019
الجزيرة نت، انجازات مرسي في عامه الأول، 27/6/2013
بوابة الحرية والعدالة، 14 بندًا استفاد منها المصريون خلال عهد الرئيس مرسي، 17 أبريل، 2018
الحرية والعدالة، مسيرة مرسي في الرئاسة.. العدالة وحقوق الشهداء والمرأة واستعادة مكانة مصر على رأس الإنجازات، 20 يونيو، 2021
الحرية والعدالة، لهذا قتلوه.. كيف خطط الرئيس مرسي لاكتفاء مصر الذاتي من الغذاء؟، 20 يونيو، 2022

 

]]>
https://politicalstreet.org/5265/feed/ 0
حرية الصحافة والإعلام بين الرئيس مرسي والسيسي https://politicalstreet.org/5209/?utm_source=rss&utm_medium=rss&utm_campaign=%25d8%25ad%25d8%25b1%25d9%258a%25d8%25a9-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25b5%25d8%25ad%25d8%25a7%25d9%2581%25d8%25a9-%25d9%2588%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25a5%25d8%25b9%25d9%2584%25d8%25a7%25d9%2585-%25d8%25a8%25d9%258a%25d9%2586-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25b1%25d8%25a6%25d9%258a%25d8%25b3-%25d9%2585%25d8%25b1%25d8%25b3%25d9%258a https://politicalstreet.org/5209/#respond Sun, 19 Jun 2022 10:22:55 +0000 https://politicalstreet.org/?p=5209  

 

بعد مرور نحو 10 سنوات على صعود الرئيس محمد مرسي لحكم مصر، ثم انقلاب السيسي الدموي عليه عسكريا، توارت الحجب لتكشف عن كثير من الفروقات والتباينات الجذرية بين النظامين، حتى تكاد ألسنة الندم تبكي دما على عهد لم يصنه المصريون، وتواطأ بعضهم في إهداره وإزاحته قسرا، ومن أبرز تلك المجالات التي تبرز الفروقات الشاسعة بين العهدين، هو حرية الصحافة والإعلام، التي راعها مرسي ودعمها، فيما تفنن السيسي في وأدها والتنكيل بأصحابها، سواء كانوا مؤيدين أو معارضين له.

وأد الصحافة وقضم الحريات الإعلامية بعهد السيسي

في عهد السيسي، وعلى عكس كل دول العالم التي تزداد حرية وانفتاحا وتفتح مجالات التعبير والحرية ونشر الحقائق وزيادة الوعي، تسير مصر على عكس خط السير العالمي، لتضع شعبها بعيدا عن الحياة وتحجبهم عن العالم والواقع، في أكبر جريمة إنسانية وكونية، بعزل أكثر من 100 مليون إنسان عن شمس الحرية، وهو طريق نهايته الانفجار وتهديد الداخل والإقليم بل والعالم أجمع وإزاء الحريات الإعلامية والصحافة، لجأ السيسي لسلاح القمع الأمني والسلطوي بالحجب واغلاق الصحف والمواقع الصحفية، فأصدر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة كرم جبر،  مؤخرا، 12 قرارا بغلق وحجب مواقع إلكترونية، وحسابات وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، وقنوات على موقع يوتيوب، بزعم “مخالفتها الأكواد والمعايير الإعلامية ومواثيق الشرف الصحفي أو الإعلامي” أو “عدم حصولها على ترخيص” وفقا لأحكام قانون تنظيم الصحافة والإعلام، وبات “نشر أو بث أخبار كاذبة”، التهمة الأوسع الصاقا للصحفيين والناشطين على فضاء الانترنت.

وأتى ذلك بالمخالفة لنص المادة (71) من الدستور المصري التي “حظرت بأي وجه فرض رقابة على الصحف، ووسائل الإعلام المصرية أو مصادرتها أو وقفها أو إغلاقها” وتأتي قرارات الحجب الأخيرة، كسلسلة متواصلة من قبل السلطة الحاكمة، والتي سبقت وأن حجبت 682 رابطا على الأقل، منها 596 موقعا و32 رابطا بديلا استخدمته المواقع المحجوبة للوصول إلى جمهورها، عوضا عن الروابط التي حُجبت وشملت المواقع المحجوبة 116 موقعا صحفيا وإعلاميا، و349 موقعا يقدم خدمات تجاوز حجب المواقع Proxy وVPN، و15 موقعا يتناول قضايا حقوق الإنسان، و11 موقعا ثقافيا و17 موقعا يقدم أدوات للتواصل والدردشة و27 موقع نقد سياسي و8 مدونات ومواقع استضافة مدونات و12 موقعا لمشاركة الوسائط المتعددة، بالإضافة إلى عدد آخر من المواقع المتنوعة، ، وذلك بحسب  تقارير حقوقية رصدتها منظمات محلية وإقليمية ودولية.

وكانت سلطات السيسي قد بدأت موجة موسعة من حجب المواقع الإلكترونية التي تصنفها على أنها معارضة، من دون سند قانوني، في مايو 2017 وبدأت الحملة بحجب 21 موقعا صحفيا وإخباريا، بينها موقع مدى مصر، ومواقع تابعة لشبكة الجزيرة الإعلامية وأخرى قطرية أو تابعة لجماعة الإخوان المسلمين، غير أن البداية الحقيقية كانت مع حجب موقع العربي الجديد في مصر، في ديسمبر 2015، وبطريقة أكثر خشونة تتجاوز القمع الأمني والاستبداد السلطوي، بحجب المواقع الصحفية  وحسابات السوشيال والقنوات، بقتل ناشري الحقيقة والعاملين بالمجال الإعلامي والصحفي، الذين يضطلعون بمتابعة الشأن العام وتنوير الجماهير، عبر الاعتقال وإيداعهم في ظروف قاسية بمعتقلات غير إنسانية.

حبس الصحفيين إدمان عسكري

ويعاني مئات الإعلاميين والصحفيين من أوضاعا مزرية في سجون السيسي، والكثيرون منهم يتعرضون لإهمال طبي متعمد يمثل خطورة شديدة على حياتهم. منهم، حمدي الزعيم الذي يعاني مرض السكري والضغط وضعف النظر، والكاتب الصحفي عامر عبد المنعم 59 عاما يعاني من مرض السكري منذ 15 عاما، ويحتاج إلى جرعات الإنسولين دوريا، لكن إدارة سجن المزرعة في مجمع طرة، تمنعه من الحصول على قائمة من الأدوية التي يحتاجها، وقد خضع لعمليتين جراحيتن في عينيه قبل اعتقاله، وبسبب ظروف حبسه وعدم حصوله على الرعاية الصحية اللازمة أصيب في شهر رمضان الماضي بالتهاب فيروسي شديد، وعرض حينها على طبيب السجن من دون أن تتحسن حالته، وهو محبوس احتياطيا منذ ما يقارب عاما ونصف عام بتهمة نشر أخبار كاذبة، الى أن أفرج عنه مؤخرا في يونيو 2022 ووفق التنسيقية المصرية للحقوق والحريات، يعاني الباحث والصحفي أحمد أبو زيد الطنوبي، المحكوم عليه بالسجن عشرة أعوام أمام محكمة عسكرية بتهمة نشر أخبار وأسرار عسكرية، إهمالا طبيا جسيما، وهو مهدد بفقد بصره في محبسه، إذ يحتاج بشدة إلى إجراء عملية المياه الزرقاء ولا تختلف حال الصحفي في قناة الجزيرة هشام عبد العزيز الذي يعاني من ارتفاع شديد في ضغط العين ومن تكلس شديد في عظمة الركاب في الأذن الوسطى، وهو مهدد بفقد السمع والبصر في حال استمرار احتجازه في هذه الظروف، وفق ما حذرت أسرته ومحاميه كما يعاني الصحفي أحمد سبيع من مشاكل في العمود الفقري والتهاب حاد في الأعصاب والرقبة، وتزداد حالته سوءا جراء عدم تعرضه لأشعة الشمس وحرمانه من التريض. وأيضا الكاتب الصحفي توفيق غانم يعاني من مرض السكري والتهاب الأعصاب في ساقيه وركبته ومشاكل أسفل ظهره وتضخم في البروستاتا الذي يتطلب علاجا متخصصا مستمرا في منشأة طبية مجهزة.

وهؤلاء وغيرهم يعانون إهمالا طبيا في السجون يشكل خطرا شديدا على حياتهم، وقد يعيد سيناريو ما حدث مع الكاتب الصحفي محمد منير الذي توفي في يوليو 2020، نتيجة الإهمال الطبي الجسيم ف السجن، متأثرا بإصابته بفيروس كورونا، بعد أيام من إطلاق سراحه ووفقا لتقرير صادر عن “المرصد العربي لحرية الإعلام” هناك 66 صحفيا نقابيا وغير نقابي في السجون المصرية، ويقضي بعضهم أحكاما بالسجن تصل إلى المؤبد، بينما غالبيتهم في حبس احتياطي على ذمة اتهامات ولم يحالوا إلى المحاكم، وقضى غالبية هؤلاء الفترات القصوى للحبس الاحتياطي التي ينص عليها القانون  من دون إخلاء سبيلهم، بل أعيد حبسهم باتهامات جديدة؛ ليصبح الحبس الاحتياطي، وهو مجرد إجراء احترازي، عقوبة سالبة للحرية طويلة المدى من دون حكم قضائي

ترتيب متدني عالميا بحرية الصحافة والإعلام

وبسبب الانتهاكات اللاإنسانية التي يتعرض لها الصحفيون، بعهد السيسي، تحتل مصر المرتبة 166 من 180 دولة، في نسخة عامي 2020 و2021 من تقرير حرية الصحافة الذي تعده منظمة “مراسلون بلا حدود” التي أكدت أنه بين النطاقات الخمسة في المؤشر تستمر مصر في المساحة السوداء، حيث حالة الإعلام تنتقل من سيئ إلى أسوأ وعلى مدار سنوات، تتردد مصر منذ الانقلاب العسكري بين المرتبة 158 و166 في هذا التصنيف كذلك احتلت مصر المرتبة الثالثة في قائمة الدول التي تحتجز أكبر عدد من الصحفيين، إذ بلغ عددهم 25 صحفيا عام 2021، وفقا للجنة حماية الصحفيين غير حكومية. وقالت اللجنة في أحدث تقاريرها، في ديسمبر الماضي، إنّه “على الرغم من أن هذا العدد أقل من العام الماضي، فإن الاحتجاز المستمر للصحفيين يشكل نموذجا لاستهتار حكومة عبد الفتاح السيسي بقوانين البلد، إذ تعمد السلطات بصفة مستمرة إلى الالتفاف على القوانين التي تحدد مدة الحبس الاحتياطي بسنتين، وذلك من خلال توجيه اتهامات إضافية لتمديد تلك الفترة، وفي حالات أخرى تفرض السلطات شروطا على الإفراج عن الأشخاص الذين يكملون مدة محكوميتهم، وبتلك الإجراءات وغيرها تقتل حكومة السيسي الحرية وتهدر الصحافة وحق المجتمع في إعلام حر يدافع عنه ، ويكشف حقائق الواقع المعاش، وينير طريق المجتمع.

وقد تسببت كل تلك السياسات في تقليص توزيع الصحف المطبوعة التي باتت كلها مجرد ناقل للبيانات الحكومية والبيانات العسكرية، في ظل توسع دور الرقابة ، بحذذف الموضوعات ومنع نشر المقالات، وتغيير المواد المطبوعة، وهو ما أفقد الصحف جاذبيتها، خاصة بعد سلسلة من الاستحواذات من الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، التابعة لجهاز المخابرات العامة، على الصحف والمواقع والقنوات التلفزيونية، وهو ما عبر عنه تراجع توزيع الصحف المصرية من 3.5 مليون في عام 2000 إلى 350 ألف نسخة 2018، وفق تقديرات رسمية فيما يبلغ إجمالي ديون المؤسسات الصحفية القومية نحو 19 مليار جنيه، بحسب تصريحات وكيل الهيئة الوطنية للصحافة “عبدالله حسن ، في 5 مارس الماضي.

مرسي يلغي الحبس الاحتياطي ويطلق الحريات

رغم التطاول وبمقارنة ما يجري في عهد السيسي، الذي لا يريد صوتا حرا بمصر، أمرا المصريين بصلف “متسمعوش كلام حد غيري أنا”، وما طان عليه الوضع في عهد الرئيس محمد مرسي، الذي لم يأل جعدا منحازا للحريات والصحافة، من أجل مجتمع حر. وفي 23 أغسطس 2012 أصدر الرئيس مرسي، قرار بقانون بإلغاء الحبس الاحتياطي للصحفيين في جرائم النشر حفاظا على حرية الرأي والتعبير. وذلك على خلفية قضية الصحفي إسلام عفيفي، رئيس تحرير جريدة الدستور في عهد مرسي، وبسرعة أفرج عنه بعد ساعات من القبض عليه، وأصدر مرسوما بقانون بإلغاء الحبس الاحتياطي للصحفيين في جرائم النشر.

ويروي المستشار أحمد مكي، وزير العدل وقتها، بأن الرئيس مرسي اتصل به واعترض على القبض على ذلك الصحفي، فأخبره المستشار مكي بأنه لا سبيل إلى ذلك إلا بإصدار قرار جمهوري بإلغاء عقوبة الحبس الاحتياطي للصحفيين تأسيسًا على السلطات التشريعية الممنوحة لرئيس الجمهورية وقتها، وبالفعل قام الرئيس مرسي بذلك واستدرك قائلا: “وكانت النيابة قد أسندت إلى رئيس تحرير الدستور تهمة القيام بنشر بيانات وأخبار وشائعات كاذبة بأعداد جريدة الدستور، تحتوى على إهانة رئيس الجمهورية، من شأنها تكدير الأمن العام وإلحاق الضرر بالمصلحة العامة وزعزعة استقرار البلاد وإثارة الفزع بين الناس”. وجاء قرار مرسي وقتها ليؤكد انحيازه للحقوق والحريات، حتى لو على حساب شخصه، متيقنا بأن المصريين يستحقون الحرية مهما كان ثمنها. حيث استخدم الرئيس محمد مرسي  حقه الدستوري في إصدار قوانين أثناء غياب البرلمان بغرفتيه، وأصدر يوم 23 أغسطس أي بعد شهرين من وصوله إلى قصر الاتحادية تعديلا للمادة 41 من قانون الصحافة رقم 96 لسنة 1996، لإلغاء الحبس الاحتياطي في تهمة إهانة رئيس الجمهورية، والذي أنقذ الصحفي إسلام عفيفي رئيس تحرير صحيفة الدستور من الحبس الاحتياطي، وقد تم إخلاء سبيله فورًا، وهذا مما يحسب للرئيس مرسي أنه لم يُحبس صحفيًا في عهده، وأنه أصدر تعديلًا تشريعيًا لمنع حبس صحفي واحد وفي العام 2012 أعاد الرئيس مرسي  الصحفية شيماء عادل من السودان.. معه على متن الطائرة الرئاسية، بل ونظم لها افطارا مع شخصه، على الرغم من اعتقال السلطات السودانية لها، على خلفية اتهامات بالتجسس.

اهتمام بمعيشة الصحفيين

وفي عهد الرئيس مرسي، تضاعف المعاش الصحفي من 400 إلى 800 جنيه، وبدل التكنولوجيا من 610 إلى 752.5، كما منح الرئيس مرسي نقابة الصحفيين شيكا ماليا ليضاعف المعاش من 800 إلى 1200 جنيه، والبدل من 752.5 إلى 1200 جنيه، وفق شهدة ممدوح الولي نقيب الصحفيين الأسبق، عبر صفحته على الفيس بووك.

حرية للإعلام لم تكتمل بسبب الانقلاب

ورغم قصر مدة حكم الرئيس محمد مرسي التي لم تتجاوز عاما واحدا إلا أنها خلفت وراءها تجربة ثرية في حرية الصحافة لعلها كانت أحد العناوين الأبرز لتلك السنة، وقد بلغت حرية الصحافة ذروتها خلال ذلك العام، وتنافست الصحف والقنوات القومية والخاصة في كسب جمهور أوسع، وكذا كسب حصة أكبر من كعكعة الإعلانات، والأخطر من كل ذلك كسب حصة من التمويلات الخارجية السخية التي تدفقت على مصر في تلك السنة لصناعة لوبيات إعلامية مناهضة للرئيس وحكومته وبدأ مرسي عهده بلقاءين أحدهما مع الصحفيين (رؤساء التحرير وكبار الكتاب) والثاني مع الإعلاميين ( مقدمي البرامج وكبار المسئولين في القنوات)، وجرى بينهم وبين الرئيس حوار صريح وشفاف، بدد فيه مخاوفهم التي طرحوها خلال اللقاء، وكان منها ما يتعلق بالحالة السياسية والديمقراطية بشكل عام، ومنها ما يتعلق بحرية الصحافة بشكل خاص..حيث تعهد مرسي بالسير قدما نحو سيادة الحريات وتعميقها في الاوساط المصرية.

كما تضمن الدستور (2012) العديد من النصوص التي تضمن حرية الصحافة واستقلالها، والتي تؤسس لشكل جديد من المؤسسات المستقلة التي تشرف عليها، وهو شكل يختلف كليًا عن سابقه الذي كان يكرس لهيمنة السلطة التنفيذية، ومن هذه النصوص المادة 45 المتعلقة بحرية الرأي والفكر والتعبير والتي تمنح كل إنسان حق التعبير عن رأيه بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل النشر والتعبير، ويلحق بها المادة 46 المتعلقة بحرية الإبداع بأشكاله المختلفة أما  المادة 47 فتدشن عصرًا جديدًا فيما يخص الحق في الاطلاع على المعلومات حيث ترتب في نهايتها عقوبات لمن يعطل هذا الحق “الحصول على المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق، والإفصاح عنها، وتداولها، حق تكفله الدولة لكل مواطن؛ بما لا يمس حرمة الحياة الخاصة، وحقوق الآخرين، ولا يتعارض مع الأمن القومى. وينظم القانون قواعد إيداع الوثائق العامة وحفظها، وطريقة الحصول على المعلومات، والتظلم من رفض إعطائها، وما قد يترتب على هذا الرفض من مساءلة، حيث كان هذا النص في الدساتير السابقة يتحدث عن الحق دون ترتيب عقوبة على من يعطله.

أما المادتان 48 و49 فقد مثلتا ثورة في المجال الإعلامي حيث ضمنتا حرية الصحافة والإعلام ووسائل النشر وحظر وقفها أو غلقها أو مصادرتها إلا بحكم قضائي، وكذا حظر الرقابة على النشر، كما تضمنتا حرية إصدار الصحف بمجرد الإخطار وتملكها للأشخاص الطبيعيين إلى جانب الأشخاص الاعتباريين لأول مرة منذ أكثر من ستين عاما، حيث نصت المادة 48 على “حرية الصحافة والطباعة والنشر وسائر وسائل الإعلام مكفولة. وتؤدى رسالتها بحرية واستقلال لخدمة المجتمع والتعبير عن اتجاهات الرأي العام والإسهام في تكوينه وتوجيهه فى إطار المبادئ الأساسية للدولة والمجتمع والحفاظ على الحقوق والحريات والواجبات العامة، واحترام حرمة الحياة الخاصة للمواطنين ومقتضيات الأمن القومي، ويحظر وقفها أو غلقها أو مصادرتها إلا بحكم قضائي. والرقابة على ما تنشره وسائل الإعلام محظورة”.

كما نصت المادة 49 على “حرية إصدار الصحف وتملكها، بجميع أنواعها، مكفولة بمجرد الإخطار لكل شخص مصري طبيعي أو اعتباري، وينظم القانون إنشاء محطات البث الإذاعي والتليفزيوني ووسائط الإعلام الرقمي واستحدث دستور الثورة (2012) هيئات مستقلة لإدارة الشأن الصحفي بدلًا من وزارة الإعلام التي تمثل ميراثًا سلطويًا ينتمي لعصور الحكم الشمولي، وكذا بديلًا لدور مجلس الشورى في إشرافه على الصحافة القومية، وهاتين الهيئتين هما المجلس الوطني للإعلام والهيئة الوطنية للصحافة والإعلام، وقد تم إدراجهما ضمن الهيئات المستقلة التي تتمتع بالشخصية الاعتبارية العامة، والحياد والاستقلال الفني والإداري والمالي وفقا للمادة 200 من الدستور ورغم أن هذه النصوص الدستورية لم تتحول إلى نصوص قانونية بسبب وقوع الانقلاب في 3 يوليو 2013، إلا أن روح هذه النصوص -التي هي روح ثورة 25 يناير 2011- كانت هي المطبقة في الممارسة العملية، حيث لم نعطل في المجلس الأعلى للصحافة أي طلب لإصدار صحيفة. بينما ظلت تلك المواد الدستورية وغيرها مما جاء في دستور 2014 حبرًا على ورق، وتم تجاهلها تماما في الممارسة العملية التي جاءت عكسها تمامًا، عقب انقلاب 2013 ـ مثل إغلاق العديد من الصحف والقنوات ومثل حبس عشرات الصحفيين في قضايا نشر، ومثل نقل ملكية العديد من الصحف والقنوات لشركات مملوكة للمخابرات، والتوقف عن منح تراخيص إصدار صحف أو قنوات جديدة.

كما سعى مرسي للانتقال بالإعلام الرسمي من إعلام السلطة إلى إعلام الشعب، ورغم أن الإعلام القومي كان تابعا لنظام مبارك مدافعا عنه، كما أصبح لاحقا تابعًا ومدافعًا عن نظام السيسي إلا أنه لم يكن كذلك في عهد الرئيس مرسي، ففي ماسبيرو كانت الروح العدائية هي التي تطبع نفوس غالبية العاملين فيه، والذين كانوا يدعمون بقوة المرشح الرئاسي الفريق أحمد شفيق في انتخابات 2012، كما أن برامج قنوات ماسبيرو ظلت تعمل كسابق عهدها قبل ثورة يناير، حتى تم تعيين صلاح عبد المقصود وزيرا للإعلام فأحدث تعديلا في السياسات التحريرية يقضي بفتح البرامج أمام كل الأطياف السياسية، وكان يتابع بنفسه تنفيذ هذه السياسة في البرامج الرئيسية حتى يرسخ هذه السياسة، وهو ما يدحض الاتهامات التي وجهت له بفتح التلفزيون الرسمي للمتحدثين من الإخوان فقط،  فقد ظهر على شاشات قنوات ماسبيرو من ينتقد جماعة الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة الذي ينتمي إليه الرئيس، ومن يخرج أحيانًا عن حدود اللياقة والمهنية كما فعلت إحدى المذيعات (بثينة كامل) التي إدعت على الهواء أنها تقرأ نشرة الأخبار الإخوانية، كما خرجت إحدى المذيعات (هالة فهمي) حاملة كفنها على الهواء بدعوى ضياع الدولة المصرية على يد الإخوان المسلمين، وأخونة الإعلام المصري، ( تم مساءلتهما عن هاتين الواقعتين، والغريب أن نظام السيسي الذي كانت المذيعتان من داعميه أوقف ظهورهما ومنع برامجهما)، كما سعى الوزير صلاح عبد المقصود إلى تقوية قناة النيل للأخبار حيث كان يستهدف الوصول بها إلى قناة إخبارية عالمية تنافس الجزيرة وBBC، لكن الظروف لم تساعده.

وفي المجال الصحفي شهدت الصحافة القومية انفتاحًا لم تعرفه من قبل، وجاء هذا الانفتاح بعد ثورة يناير، لكنه تجذر في عهد الرئيس مرسي، حيث أصبحت هذه الصحف قومية بحق، وفتحت أبوابها لمختلف الآراء والتوجهات، ولكن بعض رؤساء التحرير-والنموذج الأبرز هو رئيس تحرير الأخبار محمد البنا – كانوا ولمواقف خاصة بهم يتعنتون مع بعض الكتاب خاصة من ذوي الفكر الناصري واليساري، ويرفضون نشر بعض المقالات بحجة مخالفتها لسياسة التحرير، ومن التغيرات الجديدة في مجال الصحافة في عهد الرئيس مرسي هو وضع قواعد ومعايير لاختيار رؤساء مجالس إدارات ورؤساء تحرير الصحف القومية، ووضع آلية جديدة لعملية الاختيار، بعد أن كان اختيارهم يأتي في ظرف مغلق من رئاسة الجمهورية يسلم لرئيس مجلس الشورى الذي يتلو الأسماء للحصول على الموافقة الشكلية للنواب، أما الألية الجديدة، ومعايير الاختيار فقد أوكلت مهمة وضعها لنقابة الصحفيين التي اختارت 50 شخصية نقابية لوضع هذه المعايير، وتحديد الآلية التي تشكلت من عدد من شيوخ المهنة مع بعض نواب مجلس الشورى (بحكم ولايته على المؤسسات القومية من الناحية القانونية)، ووفقا لتلك الآلية تقدم من يريد الترشح لأي منصب بملف لخبراته الشخصية، ورؤيته لتطوير العمل في المنصب المرشح له، وقد جرى اختيار الرؤساء جميعا على هذا الأساس، وبطبيعة الحال لا يمكن القول أن الاختيارات كانت جميعها مثالية لكنها في كل الأحوال تمت وفق آلية ومعايير واضحة وبشفافية تامة، وبالمناسبة لم يكن من بين هؤلاء الرؤساء من ينتمي للإخوان المسلمين على عكس ما زعم الكثيرون، ولكن كان منهم بعض الشخصيات يحملون توجهات محافظة بشكل عام، كما أن بعض رؤساء تحرير الصحف الكبرى انقلبوا على الرئيس مرسي في آخر أيامه، واصبحوا يتلقون تعليمات من المخابرات مباشرة، وظهر ذلك في كتاباتهم المناهضة للرئاسة وللحكومة، كما ظهر في تغطياتهم للترتيبات لمظاهرات 30 يونيو، كما انحاز أغلبهم لسلطة الانقلاب بشكل سريع ظنًا منهم أن ذلك قد يشفع لهم للاستمرار في مواقعهم وهو مالم يحدث حيث تم الاستغناء عنهم جميعًا لاحقًا، ليتم تعيين عدد من المحررين العسكريين في مواقعهم.

مواجهة الفساد في المؤسسات الصحفية

ومنذ صعود مرسي للحكم، سارت معارك مكافحة الفساد بوتيرة متسارعة في كافة المجالات، ومنها الصحافة والإعلام، حيث كان الفساد أحد الأسباب الرئيسية لتدهور وضع المؤسسات الصحفية القومية (الأهرام- أخبار اليوم- دار التحرير- دار الهلال- دار المعارف- روز اليوسف- الشركة القومية للتوزيع- وكالة انباء الشرق الأوسط)، وتمثل هذا الفساد في تعيينات وفقًا للمجاملات وليس وفقًا لاحتياجات العمل حتى تضخمت المؤسسات بالموظفين والصحفيين، وصرف مكافآت بلا داع لأهل الحظوة، ومنافسة بين المؤسسات في بناء مباني فخيمة بلا ضرورة وبقروض على المكشوف، وهدايا ثمينة في المواسم المختلفة لكبار المسئولين في الدولة، وأصول غير مستغلة إلخ، وتم تكليف مكتب محاسبي متخصص (مكتب عبد العزيز حجازي) لعمل تقييم للأوضاع المالية والإدارية لتلك المؤسسات، ومعرفة أصولها والتزاماتها، وقد انتهى المكتب من إعداد تقارير عن أوضاع بعض المؤسسات قبيل وقوع الانقلاب ثم توقف بطبيعة الحال بعده، وكانت تستهدف تلك الدراسات هيكلة هذه المؤسسات وفق رؤية اقتصادية رشيدة، بما كان يلزم في ذلك الوقت من دمج مؤسسات، أو حتى التصرف فيها ببيعها أو تمليكها للعاملين.

وفي الأثناء تمكن المجلس الأعلى للصحافة ومجلس الشورى بالتعاون مع المسئولين عن إدارة هذه المؤسسات من وقف العديد من صنابير الفساد، ومن تلك النماذج، قرار وقف التعيينات الجديدة في المؤسسات الصحفية، وجميعها تعاني تخمة في الأعداد ضبط النفقات، وفضح، ووقف كشوف البركة التي كانت تتم من قبل كما هو الحال في أكبر المؤسسات(الأهرام) حيث كانت تصرف مكافآت سخية بعشرات الآلاف من الجنيهات لعدد من كبار الموظفين في المؤسسة، وكانت تصرف بورقة مكتوبة بخط اليد، ولا تمر وفق المسارات الإدارية القانونية وايضا مساءلة الصحفيين الذين كانوا يعملون في جلب الإعلانات والحصول من وراء ذلك على عمولات سخية بالمخالقة لقانون الصحافة، وقد تمكنا من رد ملايين الجنيهات من هوامير الصحافة والإعلانات في ذلك الوقت وإلزام رؤساء مجالس إدارات المؤسسات الصحفية السابقين الذين استمروا في مواقعهم خلال حكم مبارك بعد السن القانوني برد كل ما حصلوا عليه من مكافآت وبدلات بعد السن القانوني، وقد تم تطبيق ذلك على إبراهيم نافع، وإبراهيم سعدة، وسمير رجب، ومحمد عبد المنعم ووقف البدلات والميزات العينية التي كان يحصل عليها رؤساء مجالس الإدارة ورؤساء التحرير السابقين بعد تركهم مسئوليتهم (كان مخصصًا لهم سيارات ومكاتب وسكرتارية وبدلات ضيافة وتليفونات إلخ) وقد تم وقف ذلك لكل من ترك موقعه في نفس الوقت تم تخفيض الرواتب والبدلات الممنوحة لرؤساء مجالس الإدارة ورؤساء التحرير الجدد، وإلزامهم بدفع فواتير هواتفهم النقالة إذا تجاوزت مبلغ 300 جنيه شهريا تم فتح ملف هدايا الأهرام والأخبار التي كانت تمنح في المناسبات لمبارك وأسرته وكبار المسئولين في القصر الرئاسي وبقية مؤسسات الدولة، وتم إحالة هذا الملف لنيابة الأموال العامة.

أما الإعلام الحر، فسار يتوسع في القيام بدور الدفاع عن مصالح اصحابه، ودخل في حروب مع الرئاسة التي بدأت تحرك آلياتها لمعالجة الفساد المتراكم،  ووصل الأمر بعمل برامج ساخرة من الرئيس مثل برنامج باسم يوسف، وقد كان الكثير من هذه القنوات والصحف والمواقع يتلقى تمويلات إماراتية سعودية سخية، ولعل من الأخطاء الكبرى هو الفشل في كشف مصادر هذا التمويل مع رفض الأجهزة الأمنية تقديم ما لديها من معلومات، وعلى الأرجح كانت بعض هذه الأجهزة ضالعة في هذه التمويلات، لأنها كانت صاحبة كلمة عليا على هذه المنابر الإعلامية وكانت تعقد مع رؤسائها لقاءات غير رسمية في أماكن مختلفة سواء بعض الفنادق أو المقاهي للاتفاق على خطط الهجوم الإعلامي على الرئيس ورجاله، وكانت هذه التمويلات السعودية الإماراتية سببا في إنعاش هذه  القنوات والصحف والمواقع التي دفعت رواتب كبيرة لموظفيها، واستقطبت عددًا كبيرًا من العاملين في ماسبيرو والمؤسسات الصحفية القومية، التي لم تكن عائدات التوزيع أو الإعلانات تكفي لربع تكاليف تشغيلها وبحسب الامين العام المساعد للمجلس الأعلى للاعلام، قطب العربي، فإنه لم يكن للسلطة التنفيذية أي ولاية على القنوات أو الصحافة الخاصة والحزبية، فهي لا تتلقى دعمًا ماليًا منها على عكس الحال بالنسبة للقنوات والمؤسسات الصحفية القومية، وهي لا تتدخل في اختيار رؤسائها، ويقتصر دور المجلس الأعلى للصحافة على منح تراخيص الصدور، ومتابعة مدى الالتزام بميثاق الشرف الصحفي، وهو ما قام المجلس من أجله بإحياء لجنة أخلاقيات المهنة، التي قامت بدورها.

ويكشف المشهد بتجلياته أن حرية الإعلام بلغت في عهد الرئيس مرسي مبلغا لم تصل إليه من قبل ولا من بعد، حيث تجاوز الكثيرون حدود النقد المباح إلى السب والقذف للرئيس ورجاله وعائلته، وحين تقدمت الإدارة القانونية برئاسة الجمهورية بشكل وظيفي بتقديم بلاغات ضد بعض الإعلاميين أمر الرئيس مرسي بسحب هذه البلاغات. كما لم  تقم الرئاسة أو الأجهزة التنفيذية الأخرى بإغلاق أي صحيفة أو قناة( وكانت المحاولة اليائسة الوحيدة التي لم تنجح ضد توفيق عكاشة صاحب قناة الفراعين لامتناعه عن دفع مستحقات مدينة الإنتاج الإعلامي ولتنفيذ حكم قضائي نهائي لصالح طليقته)، كما لم يتم منع أي صحفي من السفر، ولم تسع الرئاسة للانتقام أو معاقبة الصحفيين والإعلاميين الذين سبوا وقذفوا بل حرضوا على القتل كما فعل توفيق عكاشة، وقد اعتبر البعض وخاصة من أنصار الرئيس هذا المسلك الرئاسي تخاذلًا عن مواجهة ضرورية يسندها القانون، وأن هذا التخاذل شجع على المزيد من الانفلات والقذف الذي صار عملًا ممنهجًا للحط من هيبة الرئيس كما اعترف الكثيرون منهم لاحقًا، لكن الرئيس كان يرى أن الديمقراطية تصحح نفسها بنفسها.

ومثل انحياز الرئيس مرسي لحرية الصحافة، نموذجا يدرس في إعلاء قيم الحرية والتعبير التي حرم منها المصريون بعهد السيسي.. الذي أغلق المجال الثقافي والحقوقي، من أجل تأميم أصوات المصريين، على طريقة فرعون “ما أريكم إلا ما أرى” وهو ما عبر عنه -غير قاصد- وزير الاوقاف في نقده للمعارضين الذين يطالبون بشمانات لاطلاق حوار مجتمعي دعا له السيسي لتجميل صورته بالخارج “اذهبا إلى فرعون إنه طغى”!!!!

 

 

 

مراجع:

أسامة الرشيدي، الإعلام وحرب الشائعات في عهد مرسي، المعهد المصري للدراسات، 3 مارس 2017

قطب العربي، الإعلام في عهد مرسي.. حريات بلا حدود ورؤية جديدة لم تكتمل، الجزيرة مباشر، 17-6-2020

الحرية والعدالة، الرئيس مرسي ألغى الحبس الاحتياطي وعفا عن المتطاولين،1 يناير، 2020

تقارير منظظظمات حقوقية، مراسلون بلا حدود، التنسيقية المصرية للحقوق والحريات، المرصد المصري لحرية الإعلام

 

]]>
https://politicalstreet.org/5209/feed/ 0
الدور الأمريكي في الانقلاب على الرئيس مرسي https://politicalstreet.org/5206/?utm_source=rss&utm_medium=rss&utm_campaign=%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25af%25d9%2588%25d8%25b1-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25a3%25d9%2585%25d8%25b1%25d9%258a%25d9%2583%25d9%258a-%25d9%2581%25d9%258a-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25a7%25d9%2586%25d9%2582%25d9%2584%25d8%25a7%25d8%25a8-%25d8%25b9%25d9%2584%25d9%2589-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25b1%25d8%25a6%25d9%258a%25d8%25b3 https://politicalstreet.org/5206/#respond Thu, 16 Jun 2022 09:05:38 +0000 https://politicalstreet.org/?p=5206  

كان الموقف الأمريكي من انقلاب 03 يوليو 2013م مركزيا يتجاوز حدود الانحياز ليصل إلى الضلوع والتورط وفقا للشواهد والتصريحات والأدلة والبراهين، وكان للسفارة الأمريكية بالقاهرة والسفيرة آن باترسون التي تولت منصبها في 2011 وغادرت في أعقاب مذبحة رابعة دورا محوريا في إدارة الدفة وتوجيه جميع الأطراف التي وظفتها واشنطن (الجيش ــ الشرطة ـ القضاء ــ الإعلام ــ الكنيسة ــ العلمانيون ــ أموال الخليج) من أجل تحقيق هدف واحد هو نسف الثورة المصرية والعصف بالمسار الديمقراطي الوليد وإعادة الجيش إلى حكم البلاد منفردا في نسخة أكثر عنفا وتطرفا وفسادا. توزعت أدوار المؤسسات الأمريكية من أجل إنجاح الخطة؛ فباترسون كانت تتواصل بشكل وثيق مع المعارضة العلمانية في القاهرة وتوجههم باستمرار  نحو إثارة حالة من الهيجان والرفض والتشكيك في كل إنجاز وتشويه صورة المسار والرئيس، وهي من كانت حبل الربط بينهم وبين الجيش. بينما كان البنتاجون على تواصل مستمر مع السيسي وكان الخط الساخن بين تشاك هيجل وزير الدفاع الأمريكي وقتها، والسيسي لا يتوقف وتستغرق المكالمات بينهما ساعات طوال، وعندما وقع الانقلاب تواطأت الإدارة الأمريكية وتجاهلت الموقف عمدا وامتنعت عن وصفه بالانقلاب وضغطت على مرسي وحكومته من أجل التسليم بالانقلاب والقبول به، من أجل تواصل الدعم الأمريكي للسلطة العسكرية الجديدة، ومنح السيسي شرعية لانقلابه؛ لكن ذلك لم يحدث، فباركت واشنطن المذابح التي وقعت ولم تفعل شيئا سوى الاستنكار الباهت بينما كان السلاح الذي يستخدمه الانقلابيون في المذابح أمريكيا.

إزاء ذلك، ما كواليس وحدود الدور الأمريكي في الانقلاب؟ وما الخفايا التي قامت بها السفيرة آن باترسون؟ ولماذا جيء بها خصيصا للقاهرة في هذه الفترة الحرجة؟ وما دلالة ذلك؟ وما أهداف واشنطن من رعاية الانقلاب والإشراف عليه؟ وما علاقة ذلك بالمصالح الأمريكية وأمن الكيان الصهيوني؟ وما أهم الدروس التي نستخرجها من هذه التجربة رغم مرارتها؟

دور باترسون والسفارة 

أولا، يحمل قرار الإدارة الأمريكية بتعيين آن باترسون سفيرة في القاهرة في أغسطس 2011م بعدا مهما للغاية؛ ذلك أن باترسون كانت سفيرة لواشنطن في باكستان خلال الفترة من 2007 حتى 2010، وبذلك تكون باترسون قد انتقلت من أكثر مناطق العالم سخونة في الحرب الأمريكية ضد الإرهاب إلى القاهرة. في إشارة لا تخفى دلالتها؛ فقد كانت باترسون تملك خبرة كافية في التعامل مع الحركات الإسلامية وتقود غرفة العمليات الأمريكية ضد تنظيمات القاعدة وطالبان، بعد الإطاحة بحكم الأخيرة بعد الاحتلال الأمريكي لأفغانستان في أعقاب تدمير مركز التجارة العالمي في 11 سبتمبر 2001م. ورغم  الاختلاف بين المشهدين في كل من الشرق الأقصى (أفغانستان ــ باكستان) والشرق الأوسط (مصر)، إلا أن القرار الأمريكي بتعيين باترسون ذات الخبرات الكبيرة في الحرب ضد التنظيمات الإسلامية المسلحة هو رسالة واضحة بأن واشنطن تعتبر الساحة المصرية بعد الثورة ساحة حرب جديدة ضد الإرهاب وأن النفوذ الأمريكي فيها بات مهددا على نحو خطير، لا سيما في ظل تقديرات الموقف التي أجمعت على أن الإسلاميين وعلى رأسهم الإخوان هم أكثر التنظيمات الشعبية حضورا وجاهزية لحكم البلاد بإرادة الشعب الحرة مع دخول البلاد تجربة ديمقراطية جديدة في أعقاب الإطاحة بمبارك. مصدر الخطورة على النفوذ الأمريكي هنا أن الإخوان سوف يهددون المعادلة الأمريكية المستقرة في مصر والمنطقة منذ اتفاقية كامب دفيد سنة 1978م، والتي تضع في الاعتبار حماية المصالح  الأمريكية وعلى رأسها الأمن الإسرائيلي باعتباره أولوية مطلقة في السياسية الخارجية الأمريكية، وصعود الإخوان هو أكبر  تهديد للمصالح الأمريكية والمشروع الإسرائيلي في المنطقة وهو المشروع الذي تراعاه الولايات المتحدة منذ نشوئه في مايو 1948م وتمده بكل أسباب الحياة والديمومة والقوة.

ثانيا، معروف عن “باترسون” عداءها الشديد للإسلاميين والإخوان على وجه الخصوص؛ وفي حوار مع صحيفة «جلوبال بوست» الأمريكية فى شهر أكتوبر عام 2011، أعلنت “آن  باترسون” رفضها لقاء أعضاء الإخوان المسلمين بسبب عدم ارتياحها.  وعندما سئلت عن ذلك في إبريل 2012م أجابت: «أعتقد أن ذلك كان تصريحاً مبكراً، ولكن الأمر قد تغير بعد الاندماج فى العملية السياسية، والتحاور مع مختلف أطياف الأحزاب السياسية بمصر، للتعرف بشكل أكبر عليهم، وذلك بحكم المصالح الاستراتيجية الكبرى لنا فى البلاد، ومجدداً فالأمر يعود فى النهاية إلى رغبة الشعب فى تحديد مصيره، والقرار لا يرجع لنا على الإطلاق».[[1]]

ثالثا، المدة التي قضتها “باترسون” في القاهرة، هي أقصر مدة قضاها سفير أمريكي بمصر؛ حيث مكثت سنتين فقط، بدأت في أغسطس 2011 في أعقاب الإطاحة بالرئيس الأسبق حسني مبارك بشهور قليلة وحكم المجلس العسكري خلال الفترة الانتقالية،  وانتهت في أغسطس 2013م؛ حيث تم سحق الثورة وإجهاض التحول الديمقراطي؛  معنى ذلك أن  باترسون جاءت إلى القاهرة والثورة في حالة صعود وانتشار، وتركتها والثورة في حالة جمود وانكسار، وهذا هو جوهر المهمة التي كُلفت بها باترسون من البيت الأبيض (القضاء على الثورة المصرية تماما وإجهاض حلم المصريين في نظام حكم ديمقراطي رشيد، وسحق الإسلاميين الذين يمثلون مركز القوة والمناعة في المجتمع المصري ضد المصالح الأمريكية). جاءت باترسون إلى القاهرة والثورة في حالة قوة وانتشار؛ حيث الانتخابات البرلمانية في نوفمبر 2011، ثم مؤامرات الدولة العميقة وحل البرلمان والإعلان الدستوري المكمل وانتخابات الرئاسة في يونيو 2012م، والحرب التي خاضها معسكرة الثورة ضد الدولة العميقة التي كانت تعرقل كل خطوات التحول الديمقراطي، والحرب التي شنها العلمانيون على المؤسسات المنتخبة ثم أحداث الاتحادية وصولا إلى مشهد الانقلاب في 03 يوليو، ومذابح الحرس والمنصة ورابعة والنهضة وغيرها، كل هذه الأحداث الساخنة جرت أثناء وجود آن باترسون على رأس السفارة الأمريكية بالقاهرة. ولم تترك باترسون منصبها إلا والثورة في حالة هزيمة وانكسار بعدما تمكن الجيش والدولة العميقة من السيطرة المطلقة على البلاد من جديد. في وجود باترسون جرت كل هذه الفظائع والمذابح وتم نسف جميع المؤسسات المنتخبة بإرادة الشعب الحرة (البرلمان ـ الرئيس ـ الدستور)، وتم سحق الإسلاميين بوصفهم مصدر الخطر الأكبر على المشروع الأمريكي الإسرائيلي في مصر المنطقة.

رابعا، خلال هذه الفترة كانت تحركات باترسون  والسفارة الأمريكية متناغمة تماما مع التوجهات الأمريكية غير المعلنة (إجهاض الثورة والمسار الديمقراطي ــ تمكين الجيش والدولة العميقة ــ سحق الإسلاميين ــ إعادة عقار الساعة إلى الوراء ما قبل 25 يناير 2011). في سبيل تحقيق هذه الأجندة الخفية جرى استخدام أدوات كثيرة، أبرزها تشكيلات وكتائب الدولة العميقة داخل مؤسسات الدولة (الجيش ــ الشرطة ــ القضاء ــ الإعلام)، كما تم توظيف ورقة العلمانيين ليمثلوا غطاء كثيفا من الهيجان والفوضى والمظاهرات والتصريحات والحرب التي لا تتوقف ضد الإسلاميين وحتى ضد إجراءات التحول الديمقراطي والتشكيك فيها وعدم التسليم بنتائجها بخلاف تشويه كل إنجاز، وتكوين حاضنة جماهيرية لقرارات الدولة العميقة التي تنسف كل إجراءات التحول الديمقراطي باستمرار وتنسف كل المؤسسات المنتخبة وسط ترحيب ومباركة من العلمانيين. كما تم توظيف الكنيسة، لإبراز المخاوف باستمرار من حكم الإسلاميين وتسخين ملف الفتنة الطائفية وكان رعاياها هم السواد الأعظم في حشود 30 يونيو. ولإنجاح كل ذلك تم الاستعانة بالنفوذ والمال الخليجي للإنفاق على هذه المؤامرة الكبرى تحت رعاية أمريكية إسرائيلية مباشرة.

خامسا، بالطبع كانت السفيرة تخرج باستمرار لوسائل الإعلام لتؤكد على ضرورة احترام الديمقراطية وإرادة الشعب وتستخدم لغة دبلوماسية لتؤكد على احترام واشنطن لخيارات الشعب المصري. هذا كان المعلن، لكن هذه الدبلوماسية كانت تتعرض لاختبارات قاسية أحيانا وهي الامتحانات التي أدت إلى انكشاف الموقف  الأمريكي، أبرزها مثلا قرار حل البرلمان بحكم المحكمة الدستورية في 14 يونيو 2012م، كذلك الإعلام الدستوري المكمل في 17 يونيو 2012م، فهذه الإجراءات في جوهرها هي انقلاب ناعم ونسف لكل خريطة الطريق والتحول الديمقراطي وإعادة السلطة التشريعية كاملة للعسكر وفرض وصاية عسكرية على النظام السياسي في مصر حاضرا ومستقبلا، لكن البيانات الأمريكية خرجت بصياغة غامضة تتحدث عن ضرورة احترام الديمقراطية دون إدانة واضحة لهذه القرارات التي تنسف أي معنى للديمقراطية. لكن وزارة الدفاع الأمريكية “البناجون” أصدرت بيانا الجمعة 15 يونيو 2012، دعا فيه وزير الدفاع الأمريكي “ليون بانيتا”  المشير طنطاوي، رئيس المجلس العسكري، في اتصال هاتفي، إلى المضي قدما على وجه السرعة بعملية الانتقال السياسي وإجراء انتخابات تشريعية جديدة في أسرع وقت![[2]] بما يعني مباركة أمريكية لحل البرلمان وتجاهل الإعلان الدستوري المكمل الذي ينسف فعليا عملية الانتقال السياسي.

سادسا،  التواصل المستمر مع قادة الدولة العميقة وترتيب خطوات الانقلاب على الثورة والمسار الديمقراطي في الغرف المغلقة؛ وقد اعترف السيسي نفسه بذلك خلال جلسات النسخة الرابعة من منتدى شباب العالم التي أقيمت في الفترة من 10 إلى 13 يناير 2022م بمدينة شرم الشيخ، حيث قال السيسي ــ خلال لقاء “شركاء التنمية” على هامش المنتدى، أنه في سنة 2011م، التقى السفيرة الأمريكية (يقصد آن باترسون)، فسألته: مين اللي ممكن يحكم مصر؟، فرد عليها: الإخوان. قالت: وبعدين؟ قال لها: وهيمشوا. وتابع: قالت لي: ليه؟ قلت لها: الشعب المصري ده لا يحكم بالقوة، ميخشش الجامع والكنيسة بالعافية، وده اللي حصل، والكلام مسجل في محاضر رسمية”.[[3]] وهذا في جوهره اعتراف الخيانة والتآمر؛ إذ كيف لمدير جهاز المخابرات الحربية أن يناقش أسرار الدولة مع سفيرة أجنبية؟ ألا يعد اعتراف السيسي برهانا على أن التجهيز للانقلاب كان مبكرا جدا؟ كما أقرت “باترسون” نفسها أنها تعرف السيسي حق المعرفة حيث قالت في ندوة أعدها مركز أبحاث أمريكي في فبراير 2019م: «أعرف السيسي بشكل جيد، والتقيت به بعد أن أصبح رئيساً، وهو قال إنني زرته والتقيت به 32 مرة لذلك أنا أعرفه حق المعرفة».[[4]] فما الذي يدفع وزير دفاع يلتقي بسفيرة دولة أجنبية 32 مرة خلال أقل من سنة (أغسطس 2012 ــ يونيو 2013)؟! معنى ذلك أن السيسي كان يلتقي أسبوعيا بالسفيرة الأمريكية خلال هذه الفترة!

سابعا، رغم  حرص السفارة الأمريكية على إخفاء أجندتها الخفية وعدم إظهار تحركاتها المضادة للثورة والديمقراطية إلا أن بعض التحركات جرى الكشف عنها لتبرهن على حجم العداء السافر للثورة والمسار الديمقراطي.

  • ومن أهم هذه المواقف، ما كشفه الباحث عماد جاد، أحد الرموز الإعلامية للكنيسة الأرثوذوكسية وجبهة الإنقاذ، إذ أكد أن آن باترسون، السفيرة الأمريكية بالقاهرة، التقت بكل من البرادعي وصباحي، وعايراتهم بضعف قدرتهم على الحشد، وأنهم لا يقدرون على حشد أكثر من 10 آلاف متظاهر، وأنها أرسلت بذلك تقريرا إلى الإدارة الأمريكية. وعندما زادت الحشود في أحداث الاتحادية تسرب لقاؤها بمقر حزب الوفد 02 ديسمبر 2012م حيث التقت بكل من حمدين صباحي والسيد البدوي ومحمد البرادعي، والذي تسرب منه أنها رسمت لهم خطة عمل تبدأ بنزول 100 ألف متظاهر أمام الاتحادية واعتصامهم لمدة ثلاثة أيام، ليعقب ذلك تدخل الجيش لإنهاء حكم الإخوان.[[5]]
  • في بداية إبريل 2013م، نشرت السفارة الأمريكية في القاهرة  عبر صفتحها الرسمية (فيس بوك وتويتر) فيديو للمذيع الأمريكي “جون ستيوارت” يتضامن فيه مع الإعلامي “باسم يوسف” عند مثوله للتحقيق في تهمة سب الرئيس وازدراء الأديان على خلفية حلقاته التي تطاول فيه بشدة  على الرئيس. ومع بيان الرئاسة الرافض لهذ السلوك من جانب السفارة وانتقاد الرئاسة ــ عبر حسابها الرسمي باللغة الإنجليزية ــ  دفاع السفارة الامريكية عن باسم يوسف قائلة : “من غير الملائم لهيئة دبلوماسية المشاركة في ترويج دعاية سياسية سلبية”، ما اضطر السفارة إلى حذف المقطع.[[6]] وكانت مجلة فورين بوليسي نقلت، عن مسؤول بوزارة الخارجية الأمريكية أن: ” السفيرة الأمريكية بالقاهرة، آن باترسون، اتخذت قرارًا بإغلاق حساب السفارة على تويتر بمفردها، دون الرجوع إلى المسؤولين فى الخارجية بواشنطن وذالك لتجنب ازمة ديبلوماسية بسبب حساب تويتر”.  لكن الموقف يعكس الانحياز الأمريكي السافر ضد الرئيس  وهو في ذات الوقت يمثل رسالة دعم للقوى  العلمانية من جهة وضوء أخضر لقادة الجيش بمواصلة الاستعداد للانقلاب من جهة أخرى. وردت السفيرة على ذلك بأنه لم يكن مناسبا لأن “ستيوارت” لا يعتبر أحد المتحدثين الرسميين باسم الحكومة الأمريكية.

ثامنا، استخدام أسلوب الخداع والتضليل للتغطية على التحركات الخفية التي كانت تقوم بها السفارة والدولة العميقة والكنيسة؛ ففي حوار مع “المصري اليوم” بتاريخ 14 إبريل 2013م،[[7]] قالت باترسون: «الطريق الوحيد أمام مصر للمضى قدما هو الديمقراطية، وقالت إذا كان الشعب لا يريد الرئيس مرسى فبإمكانه إزاحته بالتصويت ضده فى الانتخابات فى المرة المقبلة. ونفت باترسون وجود مساع أمريكية للوساطة بين الحكومة والمعارضة، رغم زيارة وزير الخارجية جون كيرى فى مارس الماضى والتى دعا خلالها إلى التوافق السياسى والبحث عن حلول وسط، مطالبا المعارضة بعدم مقاطعة انتخابات مجلس الشعب. كما استخدمت تصريحتها الدبلوماسية للتغطية على تحركات الجيش والدولة العميقة؛ حيث قالت «إن القوات المسلحة كانت واضحة تماماً بأنها لا تريد التدخل فى العملية السياسية، وتريد ترك تلك الأمور للشخصيات السياسية وأنهم يريدون العودة إلى وظيفتهم فى حماية والدفاع عن البلاد، وأكد الجيش ذلك عبر اجتماعاتنا معاً وعلى العلن. وشددت على أن الديمقراطية ـ رغم صعوبة الأمر ـ هي الممر الوحيد لمصر وليست سيطرة الجيش. وأن  من حق المواطنين التعبير عن رأيهم عبر صناديق الاقتراع، وإذا لم يرد الشعب المصرى الرئيس مرسى، فيمكنهم إزاحته عبر التصويت ضده فى الانتخابات المرة المقبلة». وهي التصريحات التي تمثل غطاء لأجندة واشنطن وتحركاتها الخفية ضمن خطة الخداع الإستراتيجي وأن واشنطن ليس فقط تقف ضد أي انقلاب عسكري  محتمل،  بل إن الجيش نفسه أكد على أنه لا يريد التدخل في العملية السياسية! وهو ما ثبت كذبه لاحقا من  خلال الانقلاب وتواطؤ واشنطن معه الجيش وعدم اعتبارها ما جرى انقلابا عسكريا.  كما دعت باترسون “الكنيسة” بمنع الأقباط من المشاركة في 30 يونيو، وثبت أن الخطة كانت معدة سلفا ومثلت حشود الكنيسة نحو 60% على أقل تقدير من المشاركين في مظاهرات 30 يونيو، وقد تم تصوير مئات الأتوبيسات التي نقلت رعايا الكنيسة إلى ميدان التحرير مباشرة. فكل شيء أدلت به باترسون جرى عكسه تماما.

تاسعا، مع اقتراب 30 يونيو، أبلغت السفيرة الأمريكية عصام الحداد، مستشار الرئيس مرسي، أن الانقلاب العسكري قادم وأن على الرئيس والإخوان قبول ذلك، لأنها لن تستطيع أن تفعل شيئا. كشف ذلك الدكتور الشهيد عصام العريان في مداخلة مع الجزيرة مباشر في يوليو 2013م.[[8]] مضمون رسالة السفيرة هو عملية تخذيل لإجبار الرئيس والإخوان على الاستسلام لسيناريو الانقلاب لإكسابه الشرعية والاعتراف مبكرا لكن الرئيس رفض هذه الضغوط وتشبث بعدم الإذعان للفسدة والخونة كما ذكر هو في خطابه الأخير قبل الانقلاب.

مواقف الخارجية (كلينتون ــ كيري)

أولا في وثيقة مرسلة من من وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون، إلى مصدر في مكتب الرئيس الأمريكي، مؤرخة بـ 17 ديسمبر 2011، بعنوان “السياسة والأمن المصري/ الجيش والإخوان المسلمين”، تتحدث عن وضع الإخوان لخطط لإدارة الشؤون الأمنية في مصر بعد اعتماد دستور جديد وانتخاب حكومة مدنية عام 2012.[[9]] تتحدث الوثيقة عن تصورات جماعة الإخوان المسلمين عن الحكومة الإسلامية المقبلة وقيام الجماعة بعمل استطلاعات رأي داخل الجيش بين الضباط الصغار لمعرفة توجهاتهم ومدى دعمهم للحكومة الإسلامية،  وتصورات الجماعة عن الملف الاقتصادي وكيفية التعامل مع الشركات الأجنبية والبنوك. وتعلق المصادر التي نقلت هذه المعلومات للخارجية الأمريكية، على هذه الأفكار، بأن بعد تولي الحكومة الجديدة ذات التوجهات الإسلامية للسلطة في مصر لن يصبح جنرالات الجيش وكبار قادته قادرين على السيطرة على ضباط الجيش الشباب ذات الرتب الصغيرة والتوجهات المحافظة، وتضيف بأن وصول حكومة إسلامية في مصر، حتى وإن كانت معتدلة، ستعقد جهود الشركات والبنوك الغربية لممارسة الأعمال التجارية في هذه البلاد.

  • الانطباع الأول الذي يمكن الخروج به من هاتين الوثيقتين، أنه كانت هناك مخاوف غربية من وصول جماعة الإخوان المسلمين أو غيرها من قوى الإسلام السياسي للحكم في مصر، هذا الخوف كانت تغذيه دوائر داخل الإدارة الأمريكية في هذا التوقيت، ولم يعتمد فقط على ما ترصده هذه الدوائر من معلومات وحقائق، ولعل هذه المخاوف هي التي تسببت في الرفض الأمريكي الباهت لما حدث في الثالث من يوليو 2013 من عزل للرئيس المنتخب على يد العسكريين.
  • الانطباع الثاني أنه لو صح ما ورد في الوثيقة فى الجماعة كانت حريصة من البداية على “أسلمة الدولة”، وعلى بناء نموذج شبيه بالنموذج التركي، بشكل لا يثير حفيظة القوى الغربية، ولا ينفر المستثمرين المصريين والأجانب.
  • الانطباع الثالث أن هناك قوى من داخل الدولة أو حتى من داخل الجيش حرصت على إيهام جماعة الإخوان بأن هذه الأهداف ممكنة التحقق في القريب العاجل، وهو نجده فيما تحدثت عنه الوثيقة عن كون الجماعة تراقب بهدوء آراء صغار الضباط وضباط الصف والجنود في الجيش المصري، وأنها باتت تعتقد أن ما يصل إلى 90% من هذه القوات سيؤيدون تشكيل حكومة تتبع المبادئ الإسلامية الصارمة.

ثانيا، خلال زيارة وزير الخارجية الأمريكية جون كيري للقاهرة في مارس 2013م، والتي التقى فيها كلا من الرئيس مرسي ووزير الدفاع عبدالفتاح السيسي كلا على حدة؛ ووفقا للمعلومات التي جمعها  الصحفي الأمريكي “كيركباتريك”، مدير مكتب صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية بالقاهرة خلال فترة الانقلاب في كتابه “بين أيدي العسكر.. الحرية والفوضى في مصر والشرق الأوسط”، كان اللقاءان مختلفين، فقد ازدرى كيري الرئيس مرسي، ورآه غير جدير بالدعم الأميركي. لكنه خرج مرتاحا من لقائه بالسيسي، وحكى لاحقا للصحفي كيركباتريك أن السيسي قال له “لن أدع بلدي تنزلق إلى المجهول”، وحينئذ علم الوزير الأميركي أن أمر مرسي قد انتهى، كما يقول كيباتريك. تفسير ذلك أن كيرى والمسئولين الأمريكيين عموما دائما ما يجدون انصياعا من المسئولين في مصر للأوامر والتوجيهات الأمريكية ويضعون اعتبارا كبيرا للمصالح الأمريكية في مصر والمنطقة حتى لو كانت على حساب الأمن القومي المصري، وانتهاكا للسيادة المصرية والقرار الوطني، فلما وجد كيرى من مرسي ندية غير معهودة من حكام مصر السابقين أبدى غضبه الشديد في تحريض واضح للجيش على الانقلاب، وتعزز هذا التحريض السافر للانقلاب بصمت كيرى إزاء تصريح السيسي بأنه “لن يترك بلاده تنزلق إلى المجهول”  فهي عبارة تؤكد أن السيسي يستأذن الأمريكان في تدبير الانقلاب قبل 4 شهور من تنفيذه، وجاء صمت كيرى بمثابة ضوء أخضر من أجل حماية المصالح الأمريكية وعلى رأسها ضمان وجود نظام مصري يعطي أولوية للعلاقة مع إسرائيل وضمان أمنها. وبعد الزيارة أصدرت الخارجية الأمريكية بيانا أعربت فيه عن قلق واشنطن من الاتجاه، الذى تسلكه مصر، وعندما سئلت “باترسون” عن ذلك (في حوار المصري اليوم) ردت أن «مصر تعانى من ارتفاع درجة الاستقطاب فى المشهد السياسى، وأعتقد أن ذلك إحساس مشترك بين مسؤولى المجتمع الدولى بشكل عام، وهو ما أكد عليه «كيرى» أيضا، ولكن علينا ألا نتفاجأ من ذلك الوضع، لأن الديمقراطية فى مصر لا تزال يافعة وجديدة، وعملية الانتقال صعبة، كما تأخذ عملية الحوار الديمقراطى وقتاً طويلاً، لأن الأمر يستحق ذلك، ونظرا للصعوبات الاقتصادية التى تمر بها، فالشق السياسى مرتبط بالشق الاقتصادى». عندما نضع فحوى البيان جنبا إلى جنب مع كواليس لقاء كيري بالسيسي؛ فإن الخلاصة أن الخارجية الأمريكية كانت تقوم فعليا بالتحريض والترويج لانقلاب عسكري محتمل كان  يتم التحهيز له في الخفاء على قدم وساق.

ثالثا، تصريحات كيري لتلفزيون  “جيو الباكستاني” في أعقاب الانقلاب في مصر مباشرة كانت شديدة الوضوح وكاشفة لجوهر الموقف الأمريكي؛ فقد قال “كيري” نصا: «لقد ُطلب من الجيش التدخل، من قبل الملايين والملايين من الناس، والذين كانوا كلهم يخشون سقوط البلاد في الفوضى والعنف.” وأضاف كيري “وفي أفضل تقدير لنا حتى الآن، الجيش لم يستولي على السلطة. هناك حكومة مدنية لإدارة البلاد. في الواقع، لقد كانوا يسترجعون الديمقراطية.”[[10]] فما حدث في 03 يوليو وفقا لوزير الخارجية الأمريكية لم يكن نسفا للديمقراطية بل استرجاع لها!! بالطبع هذه التصريحت مثلت انحيازا سافرا للانقلابيين وتحالف الثورة المضادة في العواصم العربية التي كانت واشنطن حريصة كل الحرص على تعزيز العلاقات معهم؛ لأن المصالح الأمريكية في مصر والمنطقة  تبقى مهددة مع الديمقراطية ومأمونة مع النظم المستبدة.

خط ساخن مع تشاك هيجل

مثلت العلاقة بين السيسي وتشاك هيجل وزير الدفاع الأمريكي وقتها محطة فارقة في الإشراف الأمريكي المباشر على الانقلاب قبل وقوعه بعدة شهور؛ وقد أورد “كيباتريك” في كتابه توثيقا لهذه اللقاءات التي تؤكد أن السيسي كان يمارس جريمة الخيانة العظمى والتآمر مع دولة أجنبية من أجل تنفيذ الانقلاب، وقد نشر “كيباتريك” تفاصيل هذه اللقاءات في كتابه كما نشرتها “نيويورك تايمز” في 27 يوليو 2018م. فهيجل الذي ينتمي إلى الحزب الجمهوري واليمين المتطرف استعان به أوباما المنتمي للحزب الديمقراطي كوزير للدفاع؛ لكنه لم يعمل بانسجام مع رؤية الرئيس وفقا لمصادر عديدة. وقد أفصح هيجل عن ذلك في حوار أجراه معه “كيباترك” عام 2016م، أوضح فيه أن الشكاوى بحق الرئيس مرسي انهالت عليه من إسرائيل والسعودية والإمارات. وأضاف هيجل أن ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد “الحاكم الفعلي للإمارات” وصف جماعة الإخوان المسلمين بأنها “أعظم خطر يتربص بالشرق الأوسط في يومنا هذا”. ومثل «الخط الساخن» بين السيسي وهيجل محطة مركزية في الرعاية الأمريكية للانقلاب والإشراف على أدق تفاصيله قبل شهور من التنفيذ. وبينما كانت آن باترسون -مرؤوسة كيري- توجه في القاهرة دعوات للمصريين لاحترام الممارسة الانتخابية ونتائجها، وألا ينجروا إلى حراك مجهول العواقب، كان وزير الدفاع تشاك هيجل يجري اتصالات هاتفية شبه يومية بالسيسي ليضع النقاط على الحروف بشأن الانقلاب المرتقب. يقول كيركباتريك إن البيت الأبيض أرسل إلى هيجل نقاطا لاستخدامها في حديثه مع السيسي لتحذيره من أن واشنطن ستعاقب أي انقلاب على السلطة في مصر. لكن الرسالة التي نقلها هيغل للسيسي كانت “مختلفة كليا”.  وبحسب مسئول رفيع في مجلس الأمن القومي الأمريكي اطلع على نصوص المحادثات الهاتفية بين السيسي وهيجل، فإن البيت الأبيض أراد من هيجل نقل رسالة للسيسي تقول إن الديمقراطية مهمة في إشارة إلى التحذير من انقلاب وشيك،  لكن هيجل نقلها بشكل مختلف، قائلا: “نريد علاقة طيبة”! وهي عبارة تمثل في مضمونها تحريضا على سياسات الرئيس مرسي وتمثل ضوءا أخضر جديدا من مسئول أمريكي رفيع للسيسي بالشروع في انقلابه المشئوم. بل إن هيجل خاطب السيسي قائلا «أنا لا أعيش في القاهرة، أنت تعيش فيها. عليك أن تصون أمنك وأن تصون بلادك»[[11]]، وهي عبارة بالغة التحريض على الانقلاب، وتؤكد أن جنرالات الجيش الأمريكي والسي آي إيه يفضلون أن يكون رؤساء مصر من نظرائهم الجنرالات في الجيش المصري لسهولة التعامل معهم وحتى تجنيدهم لخدمة المصالح الأمريكية والإسرائيلية، بحكم العلاقة الوثيقة التي تربط بين الجيش المصري والأمريكي منذ  اتفاق “كامب ديفيد” 1979م، والمساعدات العسكرية الأمريكية للمؤسسة العسكرية المصرية التي تصل إلى نحو 1.3 مليار دولار سنويا، بخلاف الدورات التي يجريها الجيش الأمريكي لكبار القادة في الجيش المصري والتي مكنت الأمريكان من تحقيق اختراقات واسعة في صفوف الجيش المصري وفي أعلى رتبه العسكرية. ويمكن الجزم بأنه لا يصل إلى الرتب الرفيعة داخل المؤسسة العسكرية المصرية إلا من ترضى عنهم واشنطن تمام الرضا وهو ما يمكنها من تحقيق مصالحها بأقل تكلفة وضمان أمن إسرائيل باعتباره أولوية أمريكية مطلقة.

كما تلقى السيسي تشجيعا على الانقلاب ضد مرسي والمسار الديمقراطي من مسئول أمريكي رفيع آخر هو مايكل فلين الذين كان يشغل رئيس وكالة المخابرات  الدفاعية الأمريكية، والذي زار القاهرة  في ربيع 2013م من أجل الحديث مع كبار جنرالات الجيش حول مستقبل حكم الرئيس محمد مرسي؛ ولكي نفهم أبعاد الدور الذي قام به فلين خلال زيارته التي حظيت بالسرية والكتمان حول طبيعة النقاشات التي دارت وقتها فإن “كيباتريك” يقول إن فلين أخبره في 2016م أن «الإخوان المسلمين وتنظيم القاعدة “أيديولوجيا واحدة”. وهي ذات أفكار اليمين المتطرف بالحزب الجمهوري ولذلك حظي فلين بمكانة رفيعة فيما بعد في إدارة دونالد ترامب وبات مستشار ترامب الأكبر،وصار فيما بعد متهما رئيسيا في قضية التواطؤ المفترض بين حملة دونالد ترامب الانتخابية وروسيا.[[12]]

موقف أوباما

كان موقف الرئيس أوباما باهتا، ذلك أن  دعمه للثورة في تونس وضغوطه على مبارك من أجل التنحي، ثم تهنئته للشعبين بنجاح الثورتين، كل ذلك أغضب معسكر النظم العربية المستبدة؛ والتي رأت في موقف البيت الأبيض تحريضا وتشجيعا للشعوب على الثورة؛ واعتبرت هذه النظم موقف أوباما نذير شؤم عليها ولا سيما المملكة العربية السعودية والإمارات والأردن، وهو ما أحدث توترا في العلاقات بين واشنطن وعدد من العواصم العربية. لمعالجة ذلك أجرى أوباما اتصالات هاتفية لطمأنة هذه النظم، كما أرسل وليام بيرنز، مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية، والجنرال مايكل مولن، رئيس هيئة الأركان المشتركة، في جولة للعواصم العربية للتأكيد على التزام واشنطن بالعلاقات الثنائية مع هذه العواصم.[[13]] لكن هذه التحركات جاءت بنتائج عكسية؛ فلا هي طمأنة النظم ولا هي عززت ثقة الثوار في مواقف واشنطن بل دقت أوتاد الشك وعدم اليقين.

ومع فوز مرسي بالرئاسة، هنأه أوباما، وعندما فاز أوباما بفترة رئاسية ثانية في نوفمبر 2012، هنأه مرسي، وتواصل الرئيسان هاتفيا بشأن العدوان الإسرائيلي على غزة، في نوفمبر، وأثنى الرئيس الأمريكي على موقف مرسي ودوره في وقف القتال، لكن الإدارة الأمريكية كانت منزعجة للغاية لأن مرسي أبدى دعما غير مسبوق من نظام مصري للمقاومة الفلسطينية؛ الأمر الذي أغضب واشنطن وتل أبيب كثيرا. لكن اللافت في موقف أوباما عدة شواهد:

  • الأول، أن أوباما لم يلتق مطلقا بالرئيس مرسي؛ رغم أنه أول رئيس مدني منتخب بديمقراطية في أكبر دولة عربية. وحتى عندما شارك مرسي في فعاليات الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك في أكتوبر 2012، لم يلتق الرئيسان؛ وعندما سئلت “باترسون” من جانب “المصري اليوم”: ألا يعد ذلك غريبا؟ أجابت بأن «الرئيس أوباما يرغب بالطبع في مقابلة نظيره المصرى، كما يريد الرئيس مرسى ذلك أيضاً، ولكن أوباما لم يقابل أى مسؤول دولى خلال اجتماعه فى نيويورك، فهو جاء ليلقى خطابه، وغادر إلى واشنطن مباشرة، كما كان هناك زيارة لأوباما للقاهرة، ولكن تم تأجيلها، بسبب إجراء الاستفتاء على الدستور الجديد للبلاد»، وبمراجعة مشاركة أوباما فى أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة تبين أنه التقى، على هامش القمة، الرئيس اليمنى عبدربه منصور هادى، ووجه له الشكر على حماية السفارة الأمريكية خلال المظاهرات، التى اندلعت بعد فيلم «براءة المسلمين» المسىء للإسلام، كما التقى أوباما نائب الرئيس العراقى خضير الخزاعى»؛ وعندما وُوجهت “باترسون” بهذه الحقائق وأن عدم لقاء أباما بأول رئيس منتخب لدولة بحجم مصر يعد أمرا غريبا، تهربت من الإجابة. الأمر الذي يمكن تفسيره بأنه انعكاس لعدم ترحيب واشنطن بصعود الإسلاميين إلى السلطة وأنها ترى في ذلك  تهديدا لمصالحها في مصر والمنطقة.[[14]]
  • الثاني، هو اتصال أوباما بالرئيس مرسي قبل الانقلاب بيومين فقط،  وقال إن الولايات المتحدة مُلتزِمة بالعملية الديمقراطية في مصر وأنها لا تدعَم أيّ حزب بعيْنه أو مجموعة. وشدّد على أن الديمقراطية، هي أكثر من مجرّد انتخابات، بل هي أيضاً ضمان أن تكون أصوات جميع المصريين مسموعة وممثلة من قبل حكومتهم، وذلك يتضمّن العديد من المصريين الذين يتظاهرون في جميع أنحاء البلاد.[[15]] وحث أوباما مرسي على التوصل إلى تسوية مع معارضيه المدنيين بحيث تتحول رئاسته إلى حكومة وحدة وطنية تقريباً، فيما شكره مرسي على النصيحة وأخبره بأنها “متأخرة”، لأن مرسي كان فعليا في ذلك الوقت محتجزا في مقر الحرس الجمهوري بالقصر الرئاسي. وهي النصيحة التي تلزم مرسي بالتخلي عن صلاحياته الدستورية لحساب قوى غير منتخبة من الشعب. وهذا بحد ذاته كان يعني انقلابا ناعما وانحيازا أمريكيا للقوى العلمانية المناهضة لمرسي.
  • الثالث، عندما أصدر السيسي الإنذار الذي قدمه إلى الرئيس مرسي، في 1 يوليو، ظهر الوجه الحقيقي للإدارة الأمريكية، عندما أبلغت مستشارة الأمن القومي “سوزان رايس” عصام الحداد، مستشار مرسي للشئون الخارجية، أن اللعبة قد انتهت: إما أن يتقدم مرسي باستقالته أو سيتم الانقلاب عليه، ونصحته بالاستقالة، وهو ما رفضه مرسي قطعيا، وفي هذه الأثناء، تحدث وزير الدفاع الأمريكي “تشاك هيغل” مع قائد الانقلاب خمس مرات على الأقل فى خلال الأزمة، ونصحه بالإعلان عن أن الانتخابات ستعقد في أقرب وقت ممكن. وهي نصائح امريكية تستهدف تغليف الانقلاب بغلاف زائف من ديمقراطية وهمية مرتقبة بعد نسف الديمقراطية ذاتها باختطاف الرئيس المنتخب.
  • الرابع، هو تصريحات أوباما في أعقاب بيان الانقلاب 03 يوليو 2013م؛ حيث قال إنه يعتريه “قلق عميق” إزاء تحرك الجيش لعزل الرئيس محمد مرسي تعليق العمل بالدستور. لكنه لم يصل إلى حد الإدانة أو الحض على إعادة مرسي إلى سدة الحكم. وأضاف أن القوات المسلحة المصرية ينبغي أن تتحرك “بسرعة ومسؤولية” لإعادة “السلطة الكاملة لحكومة مدنية منتخبة ديمقراطيا في أقرب وقت ممكن.” فقد استخدم أوباما عبارة “حكومة” وليس “الحكومة”[[16]]؛ وهو ما يعني بشكل واضح مباركة الانقلاب والتسليم بنتائجه. ولذلك امتنعت إدارة أوباما من وصف ما جرى بأنه “انقلاب عسكري”. وربما تكون هذه هي المشكلة الأبدية للسياسة الخارجية الأمريكية، وهي نظريا: الحماس الظاهر للديمقراطية، وعمليا: الخوف من الشيوعيين والإسلاميين المنتخبين، والانجذاب للعسكريين الذين يتخذون موقفا أكثر دعما للغرب. لكن المخطط كان يحتاج إلى حشود غفيرة للتغطية على الجريمة الأصلية “الانقلاب العسكري” وحتى يكون ذلك مبررا للإدارة الأمريكية لاتخاذ موقف باهت في ظاهره وداعم للانقلاب في جوهره. وبدون 30 يونيو التي مثلت غطاء مدنيا وشعبيا لانقلاب 03 يوليو، لوجدت الإدارة الأمريكية نفسها أمام موقف عسيرومكشوف لذلك كانت مظاهرات 30 يونيو ضرورية للغاية للتغطية على 03 يوليو وكذلك للتغطية على الموقف الأمريكي لاحقا
  • الخامس بعد أيام قليلة من الانقلاب ورغم المذابح الجماعية الوحشية بحق المؤيدين للديمقراطية في شوارع وميادين مصر خرجت تصريحات مسئولين أمريكيين تتبنى حرفيا رواية الجيش والثورة المضادة؛ حيث خرج المتحدث باسم البيت الأبيض غي كارني ليُعبِّـر عن رفض الولايات المتحدة توصيف ما حدث في مصر بأنه انقلاب عسكري وبرّر ذلك بقوله: «إن الرئيس مرسي لم يكُن يحكُم بطريقة ديمقراطية وأن ملايين المصريين خرجوا للشوارع والميادين مطالبين بعزله وهُم يرون أن مساندة الجيش لهم، لا تشكِّـل انقلابا»، وقرّرت إدارة أوباما إرجاء اتِّخاذ قرار بشأن توصيف ما حدث في مصر، وأن تراقِـب جهود السلطات المصرية لصِياغة عملية ديمقراطية شامِلة في الفترة الانتقالية. وهو إجراء يعكس التسليم بنتائج الانقلاب. ثم أقرّ المتحدِّث باسم البيت الأبيض بأن إدارة أوباما ستأخُذ الوقت اللاّزم للتوصّل إلى ذلك التوصيف، بطريقة تتَّـسِـم بالمسؤولية وتخدِم الأهداف البعيدة المدى للولايات المتحدة، وبالتالي، لن تتَّخِـذ قرارا بشأن تعليق المساعدات الأمريكية لمصر في الوقت الرّاهن. وهو تصريح يعني في جوهره دعم الانقلابيين. ثم جاء التعبير الأوضَح عن التحوّل في موقِف واشنطن مما حدث في مصر، على لسان المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية جين بساكي: “لم تكن حكومة مرسي تشكِّل حُكما ديمقراطيا، وخرج حوالي 22 مليون مصري للتّعبير عن آرائهم وإظهار أن الديمقراطية ليست مجرّد الفوز في صناديق الاقتراع”.[[17]]
  • السادس، قرار إدارة اوباما بتسليم نظام الانقلاب الجديد أربع طائرات إف-16، كما كان مُقرّرا قبل تدخّل الجيش في الصراع السياسي، وذلك تنفيذا لخُطة تُـقدّم من خلالها واشنطن عشرين طائرة مُقاتلة من هذا الطراز لسلاح الطيران المصري، ضمن برنامج المساعدات العسكرية. ومن جديد، برّر المتحدث باسم البيت الأبيض القرار بأن إدارة الرئيس أوباما رأت أنه لن يكون من مصلحة الولايات المتحدة إدخال أيّ تغيير فوري على برنامج المساعدات الأمريكية لمصر. وهو ما يمثل برهانا جديدا على أن ما واشنطن حريصة كل الحرص على دعم النظام العسكري الانقلابي واستمرار المساعدات العسكرية دون اكتراث لما جرى أو يجري من مذابح في مصر لأنصار الديمقراطية لأنهم إسلاميون معادون للمصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة. في هذه الأثناء اعترفت حكومات الخليج بالانقلاب وقدمت كل من السعودية والإمارات والكويت 12 مليار دولار دعما للنظام الجديد؛ فرأت واشنطن أن مصالحها مع النظم المستبدة في تناقض صارخ مع ما تدعوه إليه من قيم ديمقراطية. في هذه الأثناء قال الجنرال ستنالي ماكريستال قائد القوات الأمريكية في أفغانستان والعراق الأسبق لصحيفة يو أس توداي “إن أوباما أقالني من الجيش لأني قلت رأيا، واعتبر ذلك تدخلا من قائد عسكري في شئون السياسة، وهو اليوم يساند الجنرال السيسي في انقلابه على نظام حكم منتخب وشرعي. وأضاف لصحيفة “يو إس آي توداي” : هل يقبل المواطن الأمريكي أن يقوم وزير الدفاع باعتقال أوباما واعتقال أعضاء حزبه، وقتل وحرق وسحق من يعتصم تأييدا له، وحل مجلس الشيوخ والكونجرس، ووضع دستور ومجلس دون انتخابات، هل يعقل هذا ؟ هذا بالضبط ما تدعمه حكومتنا في مصر، وهذا ما يجب أن نوضحه للمواطن الأمريكي، شعب مصر لا يريد إلا أن يعيش مثلكم في أمريكا.[[18]]

اعترافات باترسون المتأخرة

رغم  تواطؤ واشنطن مع الانقلابيين وامتناعها عن وصف ما جرى في 03 يوليو بأنه انقلاب عسكري، إلا أن السفيرة الأمريكية اعترفت لاحقا أنه انقلاب عسكري وأن الجيش هو من أطاح بمرسي، وهو أيضا من يمكن أن يطيح بالسيسي. جاء ذلك في مشاركة لباترسون في حلقة نقاشية بعنوان: «الانتفاضات العربية بعد 8 سنوات.. الدروس المستفادة لسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط»، والتي نظمها مركز التقدم الأمريكي في واشنطن”، يوم الخميس 14 فبراير 2019م. شارك في الحلقة النقاشية أيضا، جوردن براي سفير الولايات المتحدة في تونس في الفترة التي بدأت فيها أحداث ثورات الربيع العربي والتي كانت شرارة بدايتها من تونس، وثالث الحضور ولا يقل أهمية عن سابقيه هو وليام تايلور، المنسق الخاص بالتحولات في الشرق الأوسط وبالانتقال الديمقراطي في دول الربيع العربي بالخارجية الأمريكية سابقا.[[19]] وتضمنت تصريحات  باترسون والمشاركين في الحلقة القناشية عدة مضامين واعترافات:[[20]]

  • أولا، الجيش المصري هو من أطاح بالرئيس مرسي وربما هو من سيطيح بالرئيس السيسي في المستقبل. لكن هذا الجيش ليس مؤهلا فعندما بدأت الاضطرابات لم يتمكن من هزيمة ألف متمرد في سيناء. المؤسسة العسكرية لم تكن تعترض على تنحية المشير طنطاوي من منصبه كرئيس للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، فهناك من كان يشعر أنه يجب أن يتنحى جانبا ويتيح المجال لضباط آخرين ليتولوا القيادة. أعرف الجنرال السيسي بشكل جيد، والتقيت به بعد أن أصبح رئيسا وهو قال إنني زرته والتقيت به 32 مرة لذلك أنا أعرفه حق المعرفة. العسكريون سيدعمون بقاء السيسي في الحكم لكن ذلك قد لا ينجح.. هناك دعم ولكن إلى أي مدى؟
  • ثانيا، خطأ مرسي أنه لم يكن يعرف ما يفعله، وهذا أدى إلى مصادمته مع الآخرين. والإدارة الأمريكية وجدت في الرئيس مرسي شخص غير مؤهل. الرئيس مرسي حمل عبئا أكبر مما يحتمل وخصوصا عندما قام بتعيين السيسي وزيرا للدفاع. الجيش كان يتابع جماعة الإخوان وكان يعرف مميزاتهم ومساوئهم،  وكان يعتقد أنه بإمكانه العمل مع الإخوان على الأقل في البدايات. وكان من الواضح ومنذ البداية أن الإخوان المسلمين هم من سيفوزون في الانتخابات البرلمانية الأولى بعد الثورة، والسلفيون شكلوا مفاجأة أيضا. لم نكن نفهم دور السلفيين بشكل كامل لأنه لم يكن هناك تواصل كبير معهم.  الإخوان المسلمون كانوا القوة الوحيدة التي كان بإمكانها حشد الناس، كنا نشاهد حافلات مملوءة بالنساء المنتقبات اللاتي كن يشاركن في الانتخابات والفعاليات. لم يكن هناك أي حزب قادر على منافسة جماعة الإخوان المسلمين والحركة السلفية، لذا لا أعتقد أنه كان هناك مجال للعمل مع أحد سوى هذين التنظيمين والمنظومة العسكرية. التقينا بخيرت الشاطر، نائب مرشد الإخوان، ورئيس البرلمان سعد الكتاتني وغيرهم من أعضاء جماعة الإخوان، فجزء من عملنا كان هو التواصل مع من يديرون شؤون البلاد.
  • ثالثا، السياسة الأمريكية تجاه مصر كانت ثابتة لعقود وكانت معنية في الأساس بالمحافظة على السلام بين مصر وإسرائيل. نقدم مساعدات لمصر تقدر بـ 1.3 مليار دولار في العام وهناك 500 مليون دولار تذهب إلى الجيش.
  • رابعا، كانت لدينا معلومات كافية فيما يتعلق بمشاركة دول الخليج ودورها في الإطاحة بالرئيس مرسي وكذلك دورهم في الانقلاب. هو ما يتسق مع ما ذكره “كير كيباتريك” مدير مكتب النيويورك تايمز في القاهرة في كتابه “بين أيدي العسكر”، أن ضابطا في مطار القاهرة أبلغ مساعدي مرسي في فبراير 2013 بأن طائرة وصلت من الإمارات مليئة بالنقود وأقراص الترامادول، وأن ضابطًا في الجيش استلمها، وهو ما أثار قلق مساعدي الرئيس مرسي. وعلى هامش الحلقة النقاشية قال وليام تايلور، المنسق الخاص بالتحولات في الشرق الأوسط وبالانتقال الديمقراطي في دول الربيع العربي بالخارجية الأمريكية سابقا: كان هناك دعم سعودي إماراتي للمعارضة ضد مرسي. واشنطن تفادت القول إن انقلابا حدث في مصر لأنها أرادت استمرار الدعم للعسكريين. ويضيف تايلور: أنه كان هناك خلاف داخل الإدارة الامريكية بشأن وصف ما حدث في مصر وهل هو انقلاب أم لا، فهو في حقيقته انقلاب عسكري، وتوجب القوانين الأمريكية وقف المساعادات العسكرية خاصة حال حدوث انقلابات، لذا كان بعض الاشخاص في الادارة يصفونه بانه انقلاب بينما كانت قيادات أعلى في الإدارة لا تصفه بذلك رغبة في استمرار التعاون مع العسكريين القائمين عليه في مصر والشراكة الاستراتيجية والعلاقات مع إسرائيل و…….. الخ لذا تم تخفيض المساعدات. نتج عن ذلك أن قررت الادارة الامريكية عدم التصدي للانقلاب “نظراً لإعتبارات إستراتيجية”.

تفسير الموقف الأمريكي

«فى الاستراتيجية الأمريكية هناك خطان أحمران يحكمان علاقات واشنطن بالقاهرة بحسب الكاتب الكبير فهمي هويدي:

  • أولهما التعاون العسكرى الذى يعد حجر الأساس للتصورات الأمنية الأمريكية فى علاقاتها بأحد أهم إقاليم العالم. وفى ظل التعاون تتمتع الولايات المتحدة بوضع خاص على مستويات ثلاثة، هى: المرور فى قناة السويس ــ استخدام المجال الجوى المصرى ــ التعاون الاستخبارى. والمعونات التى تقدمها الولايات المتحدة لمصر (تتلقى مصر سنويا 1.3 مليار دولار كمساعدات عسكرية منذ اتفاق كامب ديفيد في مارس 1979م) هى بمثابة إسهام من جانبها فى استقرار أوضاعها بما يسمح بالحفاظ على استمرار المصالح سابقة الذكر.
  • الخط الأحمر الثانى يتمثل التزام مصر بمعاهدة السلام مع إسرائيل. فأى اهتزاز لمعاهدة السلام يضع أمن إسرائيل بل أمن الولايات المتحدة على المحك بحسب أولويات السياسة الأمريكية في مصر والمنطقة وتصريحات كل الرؤساء الأمريكيين.

معنى ذلك أن التعاون والتسهيلات العسكرية ومعاهدة السلام تعد من الأصول التى لا تحتمل الاختلاف أو الاجتهاد فى علاقات البلدين فى ظل موازين القوة الراهنة، وكل ما عدا ذلك يعد فروعا قابلة الاختلاف والاجتهاد بما فى ذلك من يحكم مصر أو السياسات الداخلية التى يتبعها الطرف الحاكم. بكلام آخر فإن استحقاقات الأصول فى علاقات البلدين تعد من التكاليف الضرورية، أما ما عدا ذلك فهى أمور تحتمل التناصح فضلا عنها تظل من الأمور التحسينية إذا استخدمنا لغة الأصوليين. فى الأمور الفرعية والتحسينية تلتزم الولايات المتحدة بقوانينها وحساباتها السياسية ويهمها استقرار الأوضاع فى مصر، بصرف النظر عمن يحكمها، وليس ذلك حبا فى سواد عيون المصريين بطبيعة الحال، ولكن لأنها تعتبر أن ذلك الاستقرار يؤمن مصالحها المتمثلة فى التعاون العسكرى وأمن إسرائىل».[[21]]

معنى ذلك أن القاعدة الذهبية التي تحكم سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه مصر، هي العلاقة مع “إسرائيل”؛ فواشنطن تسعى في المقام الأول إلى أن تضمن وضعا مصريا لا يمثل تهديدا لدولة الاحتلال. وبالتالي فإن الاعتبار الإستراتيجي الأهم بالنسبة للإدارة الأمريكية سواء كانت جمهورية أو ديمقراطية، هو علاقة مصر مع إسرائيل، وأن له الأولوية إذا تعارض مع أهداف أخرى معلنة للسياسة الأميركية مثل دعم التحول الديمقراطي. وعندما تعارض الهدفان (أمن إسرائيل والديمقراطية)، ضحت أمريكا بالديمقراطية من أجل ضمان وجود نظام مصري ــ حتى لو كان عسكريا قمعيا ــ  ما دام لا يمثل تهديدا لإسرائيل، معنى هذا أن الديمقراطية غير مرحب بها أمريكيا وربما أوروبيا في مصر؛ لأنها في جوهرها تمثل تحريرا للإرادة الشعبية وإعلاء لها في ظل سياق يؤكد أن الوعي الجمعي المصري لا يرحب بإسرائيل ولا بالعلاقات الحميمة التي يتبناها النظام العسكري معها؛ وبالتالي، فإن من أولويات الإدارة الأمريكية ألا تكون هناك ديمقراطية بالمعنى الحقيقي لها في مصر، لأن ذلك من شأنه أن يفضي إلى وجود نظام سياسي لا يلبي المصالح الأمريكية وعلى رأسها حماية أمن “إسرائيل”؛ ولعل هذا يفسر ليس فقط الدعم الأمريكي لانقلاب 3 يوليو بل الضلوع في مؤامرة الانقلاب من البداية كما أثبتنا ذلك في هذه الورقة البحثية؛ لأن مرسي لم يتعاون مع إسرائيل بالشكل الذي كان عليه مبارك، بل إنه لم يذكر اسم “إسرائيل” ولو مرة واحدة خلال عام حكمه. كما أظهر دعما كبيرا مع غزة خلال العدوان الإسرائيلي في نوفمبر 2012م وأرسل رئيس الوزراء هشام قنديل إلى غزة في تأكيد على هذا الدعم الكبير، فيما  أبدى تشددا ضد إسرائيل خلال العدوان، ما أجبرها على وقف الحرب بعد أسبوع واحد فقط.

الخلاصة 

تشهد العلاقات المصرية الأميركية  خلال سنوات ما بعد انقلاب 3 يوليو2013م، تغيرات استراتيجية شديدة الأهمية لا يلتفت إليها كثيرون في القاهرة. ويمكن رصد ثلاثة تطورات تعكس اتجاه هذه العلاقات، التي أُسس لها قبل أربعين عاماً مصاحبة لتوقيع مصر على معاهدة السلام مع إسرائيل:

  • أولها يتعلق بالتقدير الأميركي للجهود العسكرية المصرية تجاه مواجهة الإرهاب.
  • ثانيها يتعلق بتغيير طبيعة مناورات النجم الساطع لمواجهة التهديدات الجديدة لمصر وللمنطقة. وكان وزير الدفاع الأمريكي السابق جيمس ماتيس يرى ضرورة تغيير طبيعة مناورات النجم الساطع لتركز على تدريبات مكافحة الإرهاب، وليس على حروب المدرعات التقليدية بين جيشين نظاميين”. وهو ما تحقق بداية من 2017م.
  • ثالثها جاء مع توقيع مصر اتفاقية التواصل المتبادل في مجالات الاتصالات والأمن (CISMOA) مع الولايات المتحدة. وجاء توقيع مصر على اتفاقية CISMOA، كدليل إضافي على قبول مصر بواقع جديد في طبيعة علاقتها العسكرية مع واشنطن. وجاءت أنباء التوقيع المصري على لسان الجنرال فوتيل خلال شهادته أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب يوم 27 فبراير2018. وقال فوتيل “احتفلنا بتوقيع الاتفاقية الثنائية في يناير/كانون الثاني 2018 وهو ما يعد تتويجاً لأكثر من ثلاثة عقود من علاقات أمنية متينة وتعاون كبير في مكافحة الإرهاب”.[[22]]

بانقلاب السيسي حققت واشنطن عدة مصالح، أبرزها تأسيس نظام عسكري جديد شديد الحرص على الإذعان للأوامر والتوجيهات الأمريكية وضمان حماية المصالح الأمريكية وعلى رأسها، أمن “إسرائيل” بل اعتبارها حليفا وثيقا وتطوير التعاون الأمني والاقتصادي بين القاهرة وتل أبيب بصورة لم يشهدها عصر حسني مبارك الذي كان يوصف بكنز إسرائيل الإستراتيجي.

وبانقلاب السيسي تم إجهاض المسار الديمقراطي ووأد الروح الثورية التي أطلقتها ثورة 25 يناير وإضعاف الحركات الإسلامية  وحصار المقاومة الفلسطينية والتي تمثل العدو الأول للكيان الصهيوني في المنطقة، بالتزامن مع ذلك جرى تطوير أنشطة التطبيع وتدشين حملات الدعاية عبر السينما والدراما والفضائيات من أجل القبول بالكيان الصهيوني باعتباره “دولة طبيعية” وليس كيانا احتلاليا استيطانيا،  وتم تدشين تحالف عربي ضخم يتكون من مصر والسعودية والإمارات والبحرين بهدف حماية المصالح الأمريكية وعلى رأسها حماية أمن “إسرائيل” والتطبيع معها والقضاء على ثورات الربيع العربي ونسف أي مسار ديمقراطي لما يمثله ذلك من  خطورة كبيرة على أمن الكيان الصهيوني.

الرعاية الأمريكية لانقلاب 3 يوليو تبرهن أنه جرى التخطيط لها على مدار شهور طويلة، وما كان للسيسي أن يجرؤ على تنفيذ انقلابه لولا الإشراف والرعاية الأمريكية لكل خطوات الانقلاب وتحريك جميع الأدوات على الأرض لإنجاحه بهدف حماية المصالح الأمريكية في المنطقة وعلى رأسها ضمان أمن “إسرائيل” وعندما رأت واشنطن في الديمقراطية وحكم الرئيس مرسي تهديدا لإسرائيل سارعت إلى توجيه وزير الدفاع عبدالفتاح السيسي بتنفيذ  الانقلاب وإعادة الحكم العسكري بصورة أكثر سفورا، وكانت خطوات السفيرة الأمريكية آن باترسون والخط الساخن بين السيسي ووزير الدفاع الأمريكي وقتها تشاك هيجل أدلة قاطعة وبالغة الأهمية في فهم أبعاد الدور الأمريكي في الإشراف ورعاية انقلاب 3 يوليو والذي كان يتواصل مع السيسي بصورة شبه يومية قبل الانقلاب بالتحريض والتشجيع.

المصالح الأمريكية في مصر والمنطقة تحتاج إلى نظام عسكري قمعي حتى يلبي هذه المصالح لأنها في جوهرها تمثل تهديدا للأمن القومي المصري، ونستنتج من هذه التجربة أن قيم (الإسلام ــ الديمقراطية ــ الثورة) هي قيم لا ترغب واشنطن في نموها في التربة المصرية العربية لأنها تمثل في جوهرها تحريرا للشعوب من النفوذ والهيمنة الأمريكية والحكم العسكري الذي يمثل احتلالا بالوكالة. والمطلوب أمريكيا أن تبقى شعوب المنطقة مقهورة مغلولة حتى يضمن الأمريكان بقاء إسرائيل ونموها وتفوقها على الجميع.  ورغم ذلك فإن السفيرة الأمريكية “آن باترسون” تخرج من هذه التجربة بخلاصة بالغة الأهمية إذا ترى أنه “قد يبدو في الوقت الراهن أن الربيع العربي قد أخفق، لكنه غيّر إدراك العرب”، مشيرة إلى عنصرين في مصر قد ينفجران في وقت واحد ليأذنا بمرحلة جديدة: أولهما المشكلة الديمغرافية، إذ ترى السفيرة أن في مصر كتلة شبابية متضخمة لا تجد فرص عمل وقد لا تصبر إلى الأبد، أما العنصر الثاني فهو موقف الجيش “الذي ربما يدعم بقاء السيسي في السلطة، لكن  هذا الدعم لن يبقى للأبد”.

يذهب المفكر والمؤرخ الكبير الدكتور طارق البشري، إلى أن الولايات المتحدة لا تعادي جماعة الإخوان مباشرة؛ لأنها حركة سلمية وإظهار العداء لها يؤدي إلى تقوية حجج وجانب الاتجاهات الإسلامية المسلحة، لكن الولايات المتحدة في الوقت نفسه لا تريد أن يقوى أي تيار إسلامي يمكن أن يكون له دور سياسي في المنطقة العربية أو غيرها؛ ومن ثم لم ترحب بصعود الإسلاميين عقب الثورات؛ لأن الدور السياسي الإسلامي في التحليل النهائي سيكون وطنيًا، ويبحث عن سياسات وطنية مستقلة ومتميزة. كما أنه -وهذ ما حدث فعلًا في العقود الأخيرة- لم نجد حركة شعبية منظمة وعلمانية في أي من أقطارنا الإسلامية تكون وطنية مستقلة، إنما صارت كل الحركات الوطنية في بلادنا حركات ذات نزعة إسلامية. النقطة الثانية المهمة أنه ثبت بالتجربة التاريخية بعد انتهاء الاستعمار القديم في صورته القائمة على الاحتلال العسكري أن الحركات الإسلامية- أو قل الفكرية الإسلامية وحدها- هي التي تستطيع أن تعبئ الجماهير وتحشدها في تشكيلات تنظيمية واسعة النطاق. وهذا ما يراد منعه ويتعين تفاديه من قبل قوى الاستبداد الداخلية في أقطارنا ومن البلاد الغربية التي تستهدف السيطرة على مصائرنا. ولقد أكدت هذا المعنى ثورات الربيع العربي عامة –وبالأخص ثورة 25 يناير- التي أظهرت أن العلمانية حينما يتاح لها فرصة التشكيلات التنظيمية فإنها تفشل تماما في إقامة أي تشكيل سياسي شعبي، ولم ينجح قط حتى في الانتخابات التي تجرى إلا التشكيلات ذات المرجعية الإسلامية. وهذان هما الوجهان اللذان تتعامل معهما السياسة الأمريكية بإظهار أنها ليست ضد التيارات الإسلامية الوسطية المعتدلة، في الوقت نفسه تشجع الحكومات القُطْرية على محاربتها والقضاء عليها.[[23]] هذا عين ما جرى في تجربة مصر بين الثورة والانقلاب.

 

 

[1] بسنت زين الدين/ آن باترسون السفيرة الأمريكية بالقاهرة تتحدث لـ«المصرى اليوم»: إذا كان الشعب لا يريد مرسى يمكنه إزاحته بالصندوق/ المصري اليوم ــ  الأحد 14 إبريل 2013م

[2] بانيتا يؤكد على الحاجة لسرعة إجراء انتخابات تشريعية جديدة فى مصر/ اليوم السابع ــ السبت، 16 يونيو 2012

[3] السيسي يكشف تفاصيل حواره مع السفيرة الأمريكية عام 2011.. هذا ما قاله عن “حكم الإخوان لمصر” “فيديو”/ عربي بوست ــ 12 يناير 2022م/// السيسي: قلت لسفيرة أمريكا في 2011 “الإخوان هيحكموا ويمشوا”/ “عربي 21” ــ الأربعاء، 12 يناير 2022

[4] السفيرة الأمريكية السابقة في القاهرة: الجيش أطاح بمرسي وربما يطيح بالسيسي/ عربي بوست ــ 15 فبراير 2019م

[5] فيديو.. جاد: سفيرة أمريكا طلبت لقاء البرادعي وصباحي بعد قدرتهما على الحشد/ بوابة الشروق ــ الأربعاء 5 ديسمبر 2012// آية حسني/«أبوالغار»: قيادات بجبهة الإنقاذ يلتقون «آشتون» لمناقشة الأوضاع الراهنة/ الشروق ــ الأحد 7 أبريل 2013// أشتون تبحث مع ممثلي جبهة الإنقاذ الأوضاع الراهنة في مصر.. وتدعو إلى الالتزام بسلمية تظاهرات 30 يونيو/ أصوات مصرية ــ الأربعاء  19 يونيو 2013م//قطب العربي/ السفيرة آن.. وشهادتها المنقوصة/ “عربي 21” ــ  الأحد، 17 فبراير 2019م

[6] بالصور..السفارة الأمريكية تحذف تضامنها مع باسم يوسف/ شبكة رصد ــ الأربعاء، 3 أبريل 2013

[7] بسنت زين الدين/ آن باترسون السفيرة الأمريكية بالقاهرة تتحدث لـ«المصرى اليوم»: إذا كان الشعب لا يريد مرسى يمكنه إزاحته بالصندوق/ المصري اليوم ــ  الأحد 14 إبريل 2013م

[8] العريان: السفيرة الأمريكية أبلغت الحداد أن الانقلاب قادم/ شبكة رصد ــ الأحد، 14 يوليو 2013

[9] عادل رفيق، رسائل كلينتون: الإخوان والحكم الإسلامي في مصر، المعهد المصري للدراسات، 15 أكتوبر 2020، الرابط: https://bit.ly/3filWCL

[10] كيم غطاس/ مصداقية أمريكا “في حالة يرثى لها” بسبب مصر/ بي بي سي ــ 16 أغسطس/ آب 2013

[11] بلال الخالدي/تحليل لأهم ما كشفته NYT عن موقف أوباما من انقلاب السيسي/ “عربي 21” السبت، 28 يوليو 2018

[12] مرجع سابق ــ بلال الخالدي/تحليل لأهم ما كشفته NYT عن موقف أوباما من انقلاب السيسي/ “عربي 21” السبت، 28 يوليو 2018

[13] شادي حميد/ ترتيب أولويات الديمقراطية: كيفية إعادة تنظيم الرئيس المقبل لسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط/ بروكنجز الدوحة ــ الأربعاء, يونيو 20, 2012

[14] بسنت زين الدين/ آن باترسون السفيرة الأمريكية بالقاهرة تتحدث لـ«المصرى اليوم»: إذا كان الشعب لا يريد مرسى يمكنه إزاحته بالصندوق/ المصري اليوم ــ  الأحد 14 إبريل 2013م

[15] محمد ماضي/مصالح أمريكا تجبر إدارة أوباما على تغيير موقفها من أحداث مصر/ سويس إنفو ــ 15 يوليو 2013م

[16] مارك مارديل/ امريكا ومعضلة الحياد في الأزمة المصرية/ بي بي سي ــ 3 يوليو/ تموز 2013

[17] محمد ماضي/مصالح أمريكا تجبر إدارة أوباما على تغيير موقفها من أحداث مصر/ سويس إنفو ــ 15 يوليو 2013م

[18] بسام ناصر/تشظيات الموقف الأمريكي بين المبادئ والمصالح/ السبيل الأردنية ــ  الثلاثاء 22/أكتوبر/2013

[19] د. عبدالله صابر الشريف/ إضاءات حول الندوة التي عقدها مركز التقدم الأمريكي/ الجزيرة نت ــ 24 فبراير 2019م

[20] شاهد| آن باترسون: الجيش المصري أطاح بمرسي وقد يطيح بالسيسي/ الجزيرة مباشر ــ الخميس 14 فبراير 2019م// مصر والسيسي ومرسي.. المشهد الأخير بعين السفيرة الأميركية/ الجزيرة نت 16 فبراير 2019

[21] فهمي هويدي/ عن أسطورة الصراع بين القاهرة وواشنطن/ بوابة  الشروق ــ  الثلاثاء 4 فبراير 2014

[22] محمد المنشاوي/ علاقات واشنطن والقاهرة: مسار تغيير العقيدة القتالية للجيش المصري/ العربي الجديد ــ 21 يوليو 2018

[23] فريق العمل/ طارق البشري لـ«إضاءات»: موقف الدولة من تيران وصنافير لم أره في حياتي/ إضاءات ــ 18 يونيو 2017م

]]>
https://politicalstreet.org/5206/feed/ 0
الرئيس مرسي والقضية الفلسطينية https://politicalstreet.org/5203/?utm_source=rss&utm_medium=rss&utm_campaign=%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25b1%25d8%25a6%25d9%258a%25d8%25b3-%25d9%2585%25d8%25b1%25d8%25b3%25d9%258a-%25d9%2588%25d8%25a7%25d9%2584%25d9%2582%25d8%25b6%25d9%258a%25d8%25a9-%25d8%25a7%25d9%2584%25d9%2581%25d9%2584%25d8%25b3%25d8%25b7%25d9%258a%25d9%2586%25d9%258a%25d8%25a9 https://politicalstreet.org/5203/#respond Tue, 14 Jun 2022 08:44:33 +0000 https://politicalstreet.org/?p=5203  

 

على مدى التاريخ الإسلامي، ظل القدس والمسجد الأقصى علامة قوة وإيمان الأمة الإسلامية، ففي أزهى عصور قوة المسلمين ظلت القدس في يد العرب مشرفة ومصونة ومفتوحة لكل الأديان والطوائف والملل، ومع ضعف الدولة الإسلامية ودخولها فترات الاضمحلال التاريخي، تتحول القدس إلى يد أعداء الأمة الإسلامية، من تتار ومغول وصليبيين وصهاينة، حتى أطلق علماء الأمة الثقات أن “القدس معيار قوة الأمة ” وظلت القضية الفلسطينية في بؤرة اهتمام المصريين خصوصا، عبر سنوات وعقود، وتكاد تجمع القضية الفلسطينية، وحدها المصريين، إلا  بعض الشتات والعسكر الذين يعملون وفق أجندة أعداء الأمة لسلخ القضية من عقيدتهم ومن فكرهم.

نصرة وعقيدة

وعبر سنوات عمره ظل الرئيس محمد مرسي متعلقا بالقضية الفلسطينية، وناصرا لها ومنحازا لها، داعيا لنصرة الفلسطينيين بكل الوسائل، من أجل استعادة بيت المقدس وتحريره من أعداء الأمة، تلك الحالة التي لم تنفك يوما عن الرئيس مرسي، كانت مثار اهتمام وترحيب، بل وقلق أيضا من أعداء الأمة، سواء من الصهاينة أو المتصهينيين العرب!!

كان الرئيس الشهيد محمد مرسي يعدُّ القضية الفلسطينية هي أمّ القضايا العربية والإسلامية، وأنها محور الارتكاز في الصراع الحضاري، خاصة مع الكيان الصهيوني؛ ففي حوار مع وفد فلسطيني في مارس عام 2012 قال مرسي: “القضية الفلسطينية تستقر في عقل كل مصري ووجدانه، وإن فلسطين ليست فقط تاريخًا وعقيدةً وجزءًا أصيلاً من تكويننا، ولكنها تعد حجر الزاوية للأمن القومي المصري، وإن الوقت قد حان لتقديم دعم أكبر ومساندة حقيقية يشعر بها الفلسطينيون”.

في مواجهة الحركة الصهيونية

وبالرغم مما كانت تشهده الساحة المصرية من صراع سياسي شديد الوطأة في العشرية التي سبقت ثورة الخامس والعشرين من يناير، إلا أن القضية الفلسطينية كانت مستولية على قلب قطاع كبير من المصرين، و مرسي، وماثلة في أعماله ونشاطاته السياسية، وقد وقع عليه الاختيار كعضو في “لجنة مقاومة الصهيونية” بمحافظة الشرقية، وكان عضوًا مؤسسًا باللجنة المصرية لمقاومة المشروع الصهيوني، وحين كان عضوا في البرلمان المصري، ورئيسا للكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين، خلال الفترة بين أعوام  2000 – 2005، سجلت المضابط مواقفه في الدفاع عن القضية الفلسطينية، وكان من بينها تأكيده  أن “الانتفاضة والمقاومة الفلسطينية حق لكل الفلسطينيين، طالما أنهم يدافعون عن أرضهم وعن أعراضهم طبقا لكل المواثيق والشرائع السماوية والأرضية والمنظمات العالمية وحقوق الإنسان، هم يدافعون عن أنفسهم وعن أرضهم والمعركة تقوم على الأرض الفلسطينية حتى طبقاً للقرار 181 فهي خارج الخط الأخضر”.

“والله لو تحرَّكت الحكومات العربية مع شعوبها لرحل الكيان الصهيوني من الوجود” هذا ما كان يؤكده مرسي دومًا، مشددًا على أهمية أن “تنصاع الأنظمة والحكومات العربية لرغبات شعوبها، واتخاذ موقف موحَّد تجاه الكيان الصهيوني الغاصب”.

وتعاقبت الأحداث في فلسطين خلال اشتغال مرسي بالعمل السياسي، بحماعة الاخوان وخلال عمله البرلماني، فلم يقف منها موقع المتفرج أو المنهزم، بل شهدت الأحداث كلها حضورًا لافتًا له، وجرأة في الصدع بالحق أمام الأنظمة المتخاذلة عن نصرة فلسطين ؛ ففي خلال العدوان الصهيوني على قطاع غزة عام 2008/2009 كان مرسي في طليعة من يقودون الاحتجاجات في ميادين مصر؛ حيث أعلن غضبته آنذاك من موقف النظام المصري لإغلاقه معبر رفح في وجوه الفلسطينيين، معلنًا أن “فعاليات الإخوان متواصلةٌ وعلى كل الأصعدة، فكما نظمنا وسننظِّم المظاهرات والمؤتمرات، بدأنا في عمل مذكرات وشكاوى لتقديمها للمحاكم الدولية لإدانة الكيان في جرائمه بحق الفلسطينيين”.

كسر الحصار في 2006

وفي أعقاب فوز حركة حماس بالانتخابات التشريعية عام 2006 وتشكيلها للحكومة، فرض الكيان الصهيوني حصارًا على قطاع غزة بدعم أمريكي كامل، وبتواطؤ من بعض دول الجوار في الوطن العربي، ما استنفر حفيظة الأحرار في العالم والذين سعوا جاهدين إلى اختراق هذا الحصار من خلال فعاليات عملية، كان أهمها؛ تسيير القوافل الإغاثية إلى القطاع المحاصَر؛ ووقتما كان الرئيس محمد مرسي رئيس القسم السياسي بجماعة الإخوان المسلمين، اتخذ قرارا بمشاركة برلمانيين تابعين لكتلة الإخوان (هما الدكتور حازم فاروق والدكتور محمد البلتاجي) في سفينة مرمرة التركية المتجهة إلى قطاع غزة، والتي استهدفها الكيان الصهيوني قبل وصولها، وتم احتجاز النائبين من قبل الاحتلال، حتى أفرج عنهما لاحقًا بعد تدخل الخارجية المصرية.

وقال مرسي في اليوم ذاته: “إنهم يعوِّلون على الشعوب العربية والإسلامية الكثير في رفع معاناة الشعب الفلسطيني؛ لتدفع النظم العربية والإسلامية تجاه مواقف جادَّة ضد الكيان، خاصةً بعد عملية القرصنة الصهيونية التي قام بها الكيان “، واصفًا ما حدث بـ”الجريمة الإرهابية الدولية المتكاملة، بعدما أكد الصهاينة أنهم لا يصونون عهدًا ولا اتفاقًا، ولا يعرفون كيف يعيشون في سلام، أو يعيشون مع غيرهم”، مشيرًا إلى أنهم كانوا دائمًا مصدرًا للفتن، ومؤكدًا أن “الصهاينة فعلوا بنا ما أرادوا بعدما أغرتهم مواقف النظم العربية الضعيفة”.

إدانة تخاذل سلطة اوسلو

وعقب صدور “تقرير جولدستون” الذي أدان الكيان الصهيوني في جرائمه خلال العدوان على غزة عام 2008، طالبت السلطة الفلسطينية بتأجيل القرار، وهو ما أدانه الرئيس محمد مرسي- عضو مكتب الإرشاد في جماعة الإخوان المسلمين- آنذاك، مؤكدًا أن “التقرير يُثبت بالدليل القاطع إجرام الصهاينة، وتأجيله يُثبت أيضًا “مدى ما وصلت إليه الأوضاع في السلطة الفلسطينية من عمالةٍ وخيانةٍ، واستسلامٍ للقرار الأمريكي والأوامر الصهيونية”.

رفض تقزيم دور مصر تجاه الفلسطينيين

وفي أعقاب العدوان الصهيوني 2008/2009 دعا الإرهابي الصهيوني أفيجدور ليبرمان إلى خنق حركة حماس، وهو ما رفضه مرسي وطالب القيادة المصرية برد فعلٍ إزاء هذه التصريحات “التي تتسق في مجملها مع سعي الصهاينة الدائم والحثيث لإحراج مصر، وفصلها عن دورها وموقعها من أمتها العربية والإسلامية، التي ترى في المقاومة درعًا تحمي الأمة، وراية عزٍ ترتفع في زمان تعالت فيه دعوات الخنوع والذل والانكسار” كما أنه انتقد التصريحات الصهيونية، وخاصةً التي خرجت من القاهرة ضد الفلسطينيين، وعلى رأسهم حركة المقاومة الإسلامية  حماس- أمام المسئولين المصريين الذين وقفوا متفرجين بل ومؤيدين لهذه التصريحات الصهيونية المتطرفة الشاذة”.

مرسي في الرئاسة

“لن نترك غزة وحدها، ومصر اليوم مختلفة تماما عن مصر الأمس”، كانت هذه الجملة أبرز ما صدح به الرئيس الشهيد محمد مرسي، في أثناء العُدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في 2012، وأكثر مواقف مصر التاريخية الأشد وضوحا ومساندة للشعب الفلسطيني وقال أيضا: “قلوبنا جميعًا تتوق إلى بيت المقدس”.. “يا أهل غزة أنتم منا ونحن منكم”.. كلماتٌ كانت تمثل موقفًا خلّده التاريخ للرئيس الشهيد مرسي، دفع في سبيله ثمنا باهظا من سنيّ عمره حتى انتهت به رحلته شهيدًا صامدًا، بعد أن عاش بكيانه كله مدافعا عن فلسطين وقضيتها، وداعما لمقاومة الاحتلال، فالقضية الفلسطينية، نقطة بدايتها كانت في قلبه، وأن نهايتها كانت في آخر لحظات حياته؛ حيث قضى شهيدا في قاعة المحكمة مدافعًا عن موقفه من المقاومة الفلسطينية، التي كان يُحاكم متهمًا بالتخابر معها!

ولم يكتفِ الرئيس مرسي بتأييد غزة بلغة الخطابة؛ بل تحرك على الأرض من خلال إرسال رئيس وزرائه في حينها هشام قنديل، على رأس وفد رفيع المستوى يضم عددا من الوزراء والقيادات المصرية الدبلوماسية إلى قطاع غزة، وتبع زيارة رئيس الوزراء المكلف من مرسي، وصول شخصيات من الجامعة العربية ووزراء الخارجية العرب لمؤازرة غزة، وعقدهم لقاء فيها، مطالبين بضرورة وقف العدوان الإسرائيلي، وخلال زيارة قنديل لغزة التي كانت تُقصَف من الاحتلال الإسرائيلي، أكد مبعوث الرئيس مرسي أن مصر تعمل على تحقيق التهدئة في القطاع، إضافة إلى دعمها للشعب الفلسطيني الذي يعاني من جراء العمليات العسكرية في قطاع غزة. وبعد انتهاء العُدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، أمر الرئيس مرسي بفتح معبر رفح البري الذي يربط القطاع بمصر على مدار الساعة، مع السماح لمئات المتضامنين العرب والأجانب، والقوافل الإنسانية والطبية، بالوصول إلى المستشفيات الفلسطينية.

القدس في القلب

ولم تكن غزة وحدها التي حظيت بدعم ومساندة الرئيس مرسي، فكانت القدس حاضرة في خطاباته، حيث قال في إحداها: “نفوسنا تتوق إلى بيت المقدس، وأقول للمعتدي: خذ من التاريخ الدروس والعِبر، أوقِفوا هذه المهزلة وإراقة الدماء، وإلا فغضبتنا لن تستطيعوا أبداً أن تقفوا أمامها، غضبة شعب وقيادة” وفي هذا السياق، كشف رئيس الحركة الإسلامية  في الداخل الفلسطيني، الشيخ رائد صلاح، أن الرئيس محمد مرسي كان يعتزم إطلاق مشاريع لنصرة القدس والأقصى، وقال صلاح خلال حديث له في برنامج “بلا حدود”، على قناة “الجزيرة” في أكتوبر 2013: إن ” خطوات جادة بدأت في أثناء حكم الرئيس مرسي، لإقامة سلسلة مؤسسات أهلية تتولى مهمة نصرة القدس والمسجد الأقصى” وأضاف: “يبدو أن بعض عناصر الدولة العميقة عرقلت دخولي إلى مصر أيام الرئيس مرسي، لإطلاق مشاريع نصرة القدس” وأشار إلى أنّ الرئيس مرسي كان يجري اتصالات، للاطمئنان على ما يجري بالمسجد الأقصى المبارك، وفي القدس عامّة وتابع: “كان هناك إعداد لقطاع واسع من الأئمة حتى يكونوا صوت القدس والأقصى المبارك لبناء تعبوي للجماهير المصرية والعربية، وكان هناك إعداد لعدة مؤسسات واعدة مهمة جداً، كلٌّ منها تتولى مهمة من المهمات لنصرة القدس والمسجد الأقصى المبارك” كما يُحسبُ للرئيس الشهيد محمد مرسي أنه كان أول رئيس مصري يستقبل وفدًا للمقاومة الفلسطينية في قصر الرئاسة إبان توليه منصب الرئاسة؛ فضلاً عن تقديم الدعم اللوجستي للمقاومة خلال العام الذي تولى فيه حكم بلاده.

وفي عهد الرئيس مرسي نظمت مصر، لأول مرة، رحلتين من مطار القاهرة إلى مطار العريش، ومنه إلى غزة لدعم الشعب الفلسطيني، الرحلة الأولى كان يتقدمها الدكتور سعد الكتاتني رئيس مجلس الشعب وعدد من النواب والمسئولين، والرحلة الثانية كانت زيارة رئيس الوزراء الدكتور هشام قنديل لدعم الحكومة الفلسطينية والشعب الفلسطيني، وهكذا انطلق الرئيس الشهيد في مواقفه وتصريحاته التي سبقت ثورة يناير من عقيدة راسخة، لتحريض الأمة وحكامها على مقاومة الكيان الصهيوني الغاصب ومقاومته؛ وبعد توليه منصب رئيس حزب الحرية والعدالة ثم توليه رئاسة مصر، كان يتعمد ألا يذكر اسم الكيان الصهيوني في كلامه، وكان يكتفي بالحديث عنهم بصيغة المجهول، وكان من أشهر تصريحاته في ذلك عندما سأله إعلامي مصري عن موقفه من معاهدة السلام مع إسرائيل فقال بلهجة واثقة يتجاهل فيها ذكر “إسرائيل”: “نحن 90 مليون فلا يمكن لخمسة مليون في أي مكان أن يخوفوا التسعين مليون”.

شهادة فلسطينية

وقال الدكتور توفيق طعمة، المحلل السياسي الفلسطيني، إن الرئيس الشهيد محمد مرسي كان له أثر كبير على الشعب الفلسطيني وعلى القضية الفلسطينية، مضيفا أن الرئيس مرسي قبل الرئاسة كان من أشد الداعمين للشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، وكان على رأس الاحتجاجات ضد جرائم الاحتلال والتواطؤ العربي، وأضاف طعمة، في مداخلة هاتفية لبرنامج “وسط البلد” على قناة “وطن”، أن الرئيس مرسي كان له باع طويل في نصرة القضية الفلسطينية، وهو ما ترك بصمة كبيرة عند الشعب الفلسطيني، مضيفا أن استشهاد الرئيس مرسي خسارة كبيرة للقضية الفلسطينية وأوضح طعمة أن الرئيس مرسي تعرض لمؤامرة داخل السجن بهدف اغتياله، موضحا أن ما قدمه الرئيس مرسي للقضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني في عام واحد يفوق ما قدمه غيره من الزعماء العرب في عشرات السنين، وهذه المواقف ستظل خالدة في وجدان الشعب الفلسطيني وأشار طعمة إلى أن الرئيس مرسي تصدى لأفيجدور ليبرمان عندما هدد يخنق غزة في حرب عام 2012، واستطاع وقف الحرب على غزة خلال أسبوع واحد فقط، واستمر معبر رفح مفتوحا طوال فترة العدوان، كما تم إرسال العديد من القوافل الإغاثية للشعب الفلسطيني ولفت إلى أن الرئيس مرسي فتح أبواب مصر أمام المقاومة الفلسطينية، واستقبل إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، وقدم لها كل الدعم اللوجيستي، وكان يتمنى تحرير المسجد الأقصى من الاحتلال وأعوانه والصلاة فيه ونوه إلى أن وجود الرئيس مرسي على رأس السلطة في مصر أزعج الكيان الصهيوني، ما دفعهم إلى حشد أعوانهم في المنطقة للانقلاب عليه بدعم من الولايات المتحدة، لمواقفه المشرفة مع الشعب الفلسطيني، وأيضا مواقفه مع الشعوب والثورات العربية، خاصة الثورة السورية، مؤكدا أن الرئيس مرسي دفع الثمن غاليا على مواقفه المشرفة للأمة العربية وخاصة الشعب الفلسطيني.

خاتمة

يمكن استخلاص أن سياسات ومواقف الرئيس مرسي جاءت ثابتة وواضحة، ضد الكيان الصهيوني وداعمة لثبات وصمود الفلسطينيين، الرئيس مرسي، انتقل بالقضية الفلسطينية، من الهزيمة النفسية والانصياع لمقررات الصهاينة وأهدافهم ومشاريعهم العنصرية الاستعمارية في فلسطين، من مواقف الهزيمة والتطبيع والعمالة، إلى ممرات الشجاعة والصمود تجاه القضية الفلسطينية بمجملها.

ووقف الرئيس مرسي مدافعا عن القضية الفلسطينية بكل شجاعة وإقدام، قبل رئاسته وخلالها وعقب الانقلاب عليه، داعما لفلسطين والأقصى والقدس، مهددا الصهاينة بغضب مصر قيادة وشعبا، وهو ما زلزل أركان الكيان المغتصب واستجاب فورًا لمطالب الرئيس مرسي، الذي لم يعهد الانكسار أمام عدو، وتمسك بالثوابت تجاه فلسطين حتى بعد انقلاب يوليو 2013، حيث واجه عددًا من الاتهامات من بينها “التخابر مع حماس”، إلا أنه كان يقف يؤكد من داخل قفص الاتهام أن دعمه للمقاومة حق وواجب يفخر به، وأن هذا الدعم لا يصح أن يتحول لتهمة يحاكَم عليها.

……………….

مراجع:

الحرية والعدالة، الرئيس مرسي والقضية الفلسطينية.. عشقٌ ونصرةٌ قبل وخلال الرئاسة وبعدها، 31 ديسمبر، 2019

شبكة رصد، في ذكرى استشهاده.. ماذا قدم الرئيس مرسي للقضية الفلسطينية،  16 يونيو، 2020

العربي الجديد، عزيزي بيريز!، وائل قنديل

الموسوعة الدولية “ويكبيديا”، رسي والقضية الفلسطينية

 

 

 

]]>
https://politicalstreet.org/5203/feed/ 0
إعلان فوز الرئيس مرسي برئاسة مصر قبل 10 سنوات https://politicalstreet.org/5200/?utm_source=rss&utm_medium=rss&utm_campaign=%25d8%25a5%25d8%25b9%25d9%2584%25d8%25a7%25d9%2586-%25d9%2581%25d9%2588%25d8%25b2-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25b1%25d8%25a6%25d9%258a%25d8%25b3-%25d9%2585%25d8%25b1%25d8%25b3%25d9%258a-%25d8%25a8%25d8%25b1%25d8%25a6%25d8%25a7%25d8%25b3%25d8%25a9-%25d9%2585%25d8%25b5%25d8%25b1-%25d9%2582%25d8%25a8%25d9%2584-10-%25d8%25b3 https://politicalstreet.org/5200/#respond Mon, 13 Jun 2022 08:18:15 +0000 https://politicalstreet.org/?p=5200  

10سنوات، مرت على إعلان فوز الرئيس محمد مرسي، برئاسة مصر، كأول رئيس مدني في تاريخ مصر، تتويجا لثورة الخامس والعشرين من يناير 2011، التي اطاحت بالديكتاتور حسني مبارك، فيما بقي نظامه العسكري قائما ومتجذرا يعيد انتاج نفسه، وتأمين مصالحه على حساب الشعب المصري، ومثل فوز الرئيس الراحل محمد مرسي، لحظة فارقة في تاريخ مصر، التي شعر شعبها لحظتها بقيمته وبأهمية صوته، ونفاذ إرادته على أرض الواقع.

وجاء فوز مرسي بطريقة دراماتيكية، بعد أن عرقل المجلس العسكري، مشاركة الكثير من الرموز الوطنية التي كان يخشى العسكر من صعودهم السياسي، محاولا هندسة المشهد السياسي، وفق أجندة العسكر التي كانت تريد تصعيد مرشحا عسكريا ترضى عنه الدولة العميقة لنظام مبارك، التي ما زالت تحكم، ويظل “المجلس العسكري” هو المتحكم فيه، وهو ما كان متأرجحا بين دعم أحد المترشحين، عمرو موسى وأحمد شفيق، ولكن الانتماء للمؤسسة العسكرية حسم قرار التوجه نحو دعم شفيق، فيما عرقل المجلس العسكري ترشح المهندس خيرت الشاطر، الذي كان محاكما عسكريا ولم يرد له اعتباره، رغم انقضاء المدة الدستورية اللازمة للقرار، كما أطيح بالمرشح حازم صلاح أبو اسماعيل بداعي جنسية والدته الأمريكية، بينما كان المشير طنطاوي وقيادات المجلس العسكري غير متشجعين لرئاسة مدير المخابرات السابق عمر سليمان، الذي كانت علاقته متوترة مع المشير طنطاوي، لمدد طويلة بعهد المخلوع حسني مبارك.

ولعل إدراك جماعة الإخوان  المسلمين المبكر لتلاعب العسكر بالعملية الانتخابية ومحاولة السير بها في اتجاه منافي لإرادة الشعب، التفافا على ثورة 25 يناير، هو ما دفعها لترشح الرئيس مرسي في أخر أيام الترشح كقرار استراتيجي في حال الاطاحة بالمرشح خيرت الشاطر، وهو ما حدث بالفعل، حيث كان الصدام محتوما مع أي مرشح غير مرشح العسكر، ومع نجاح الإخوان  في ادارة المشهد، جرى الالتفاف على نجاحهم عبر الخطة “ب”، والتي دبرت لسحق الإخوان  المسلمين وحرق مشروعهم الاصلاحي وإبطاء تقدمهم السياسي والمجتمعي لسنوات، وفق حسابات وترجيحات مخابراتية، صيغت في عدة عواصم، من بينها الكيان المحتل وواشنطن وأبو ظبي والرياض، وفق مشروع عميق لتأمين استبداد النظم الخليجية وتأبيدها في المنطقة، مقابل حماية المصالح الغربية والمشروع الصهيو أمريكي بالشرق الأوسط.

معركة الرئاسة

ووفق ما أورده المتابعون للعملية الانتخابية التي جرت في العام 2012، بشأن السباق الرئاسي، وتضمنه كتاب «الإخوان وثورة 25 يناير: من معتقل وأدى النطرون إلى قصر الاتحادية»، والصادر في ال عام2012، ففي صباح يوم الأربعاء (23 من مايو 2012م) انطلق سباق الانتخابات الرئاسية، حيث توجه ملايين الناخبين إلى صناديق الاقتراع لاختيار رئيس لمصر من بين (13) مرشحًا؛ حيث جرى التصويت فى أكثر من (13) ألف دائرة فرعية تحت إشراف قضائي كامل. وفى يوم الإثنين (28 من مايو 2012م) أعلنت اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية تصدر «د. محمد مرسى» لنتيجة الجولة الأولى وخوضه جولة الإعادة بحصوله على 5.764.952 صوتًا بنسبة 24.7% وجاء فى المركز الثانى «أحمد شفيق» بعدد أصوات 5.505.327 ويدخل جولة الإعادة مع «د. محمد مرسى» والتى جرت يومى 16 و17 من يونيو 2012م. كما أعلنت اللجنة العليا فوز «حمدين صباحي» بالمركز الثالث بحصوله على 4.820.273 صوتًا، وجاء بعده فى المركز الرابع «د. عبدالمنعم أبوالفتوح» بحصوله على 4.065.239 صوتًا، واحتل المركز الخامس «عمرو موسى» بحصوله على 2.588.850 صوتًا. كانت اللجنة قد أعلنت أن عدد المدعوين للانتخابات هو 50.996.746 وأن عدد الحضور بلغ 23.672.236 ناخبًا وكان عدد الأصوات الصحيحة منها هو 23.265.516 صوتًا والباطل 406720 صوتًا.

وعلى مدى يومي السبت والأحد (16 و17 من يونيو 2012م) استجمع العسكر وفلول النظام البائد قواهم لإسقاط مرشح الثورة «د. محمد مرسى»، تشاركهم وسائل الإعلام المحسوبة على العسكر وفجر يوم الإثنين (18 من يونيو2012م) أعلنت حملة الدكتور «محمد مرسى» فوزه بمنصب رئاسة جمهورية مصر العربية. فحسب النتائج التى وردت من مندوبيه ومن خلال محاضر الفرز فى جميع لجان الانتخابات والموقعة من رؤسائها القضاة، أشارت النتائج إلى حصول الدكتور «مرسى» على 13.237.000 صوت بنسبة 52%، وحصول منافسه «الفريق أحمد شفيق» على 12.338.973 صوتًا بنسبة 48%، وذلك من إجمالى عدد الأصوات الصحيحة البالغة 25.575.973 صوتًا. وأعلن المستشار «زكريا عبد العزيز» رئيس «قضاة من أجل مصر» بميدان التحرير أن مرشح الثورة حصل على 13 مليونًا و244 ألفًا و964 صوتًا، أما مرشح النظام القديم فقد حصل على 12 مليونًا و334 ألفًا و584 صوتًا، وبالتالى يكون الفائز هو الدكتور «محمد مرسى»، مؤكدًا أن هذه النتيجة هى التى رصدها القضاة الشرفاء، والتى أُخذت من رؤساء اللجان الفرعية. كما أعلنت «لجنة الحريات بنقابة المحامين» عن حصول «د. محمد مرسى» على 51.8% من أصوات الناخبين فى جولة الإعادة دون نتائج التصويت بالخارج، بينما حصل «الفريق أحمد شفيق» على 48.2%، وأكد «طارق إبراهيم»، منسق لجنة الحريات، فى مؤتمر صحفى يوم الخميس (21 من يونيو2012م) بالنقابة العامة للمحامين أن هذه النتيجة تستند إلى محاضر الفرز الرسمية للجان الفرعية واللجان العامة فى المحافظات.

وقد عمد المجلس العسكري إلى تأخير إعلان النتيجة -لحاجة في نفسه- لمدة قاربت الأسبوع، ما شحن نفوس الشعب ضده، وزادت حالة الاحتقان في الشارع المصري، وقد أبدى المواطنون استياءهم من هذا السلوك، وبدأت تساورهم الشكوك والريبة في احتمال تلاعب المجلس العسكري بالنتيجة، وفى يوم الأحد (24 من يونيو2012م) أعلنت اللجنة العليا لانتخابات الرئاسة فوز «د. محمد مرسى» بمنصب رئيس الجمهورية بنسبة 51.7% من جملة الأصوات الصحيحة فى جولة الإعادة. وقالت اللجنة إن عدد الناخبين المدعوين للتصويت كان 50.985.794 ناخبًا، وأن عدد من أدلوا بأصواتهم بلغ 26.420.763 صوتًا بنسبة 51.85% فيما بلغت الأصوات الباطلة 843.252 صوتًا. وأعلنت اللجنة حصول «د. محمد مرسى» على 13.230.131 صوتًا فيما حصل «الفريق شفيق» على 12.347.380 صوتًا بنسبة 48.27%..

دلالات فوز مرسي

عبرت النتائج عن نجاح ثورة 25 يناير ، التي أشعلها شباب مصر، في الاطاحة بنظام عسكري كالح، جثم على صدور المصريين لأكثر من نصف قرن، منذ انقلاب 1952، وقد حطت الثورة رحالها، بعد أن أزاحت الطاغوت حسني مبارك عن الحكم، وأتت الثورة بمجلس نيابي معبر إلى حد كبير عن الشعب المصري، رغم التلاعب وتأثيرات الدولة العميقة، ونفوذ المال السياسي المضاد لثورة يناير، وتجلى النجاح في تصعيد أول رئيس مدني، لحكم مصر، وهو ما مثل صدمة للدوائر العسكرية والسياسية في المنطقة وفي العالم، ولعل التصاق الرئيس مرسي، بثورة يناير منذ ما قبل اندلاعها، وقيادته العمل المهني والسياسي المناوئ لنظام مبارك، وخوضه غمار المعارك النيابية،  تجلى في شوارع مصر وميادينها، التي خرجت عن بكرة أبيها للاحتفال بفوز الرئيس مرسي، وهو ما دفع كثير من المتابعين والمراقبين للعملية الانتخابية، للاستغراب بشدة إزاء الأرقام المعلنة عن المرشح المنافس، أحمد شفيق، اذ خرج الملايين من المصرييين أكثر من أعداد الناخببين في الميادين، مستبشرين بمرحلة جديدة، وقد توجه الرئيس مرسي فورا إلى ميدان التحرير، للاحتفال مع الثوار بانجازهم الأكبر، فاتحا  بذلته، التي ارتداها دون الواقي من الرصاص، ما أثار الأجهزة الأمنية وقوات حمايته التي تفاجأت بحركة فتح الجاكت، على مسرح الاحتفال بميدان التحرير.

فضح العسكر مبكرا

وكان فوز مرسي صادما للعسكر، الذين بذلوا جهودا حبارة لافشاله، فقد أرادوا تعطيله قبل أن يبدأ حيننما حلوا مجلس الشعب، قبل أسبوع من اعلان النتيجة النهائية  للانتخابات الرئاسية، وجاء أدء مرسي للقسم الدستوري على مسرح ميدان التحرير، ليوجه رسالة شديدة اللهجة من الرئيس الجديد للدولة العميقة والمجلس العسكري، بأن انتمائه الاول هو للثورة المصرية، وانحيازه للشعب ، وليس لما كان يخطط له العسكر -آنذاك- للسيستم العسكري، والنظام القضائي المتحكمين فيه، ومنذ الوهلة الأولى، وضح أن مرسي يتمتع بشخصية قوية ويحظى باستقلالية في قراراته، بعيدا عن سياسة الاخضاع العسكري، مع احترامه لمؤسسات الدولة، في الوقت نفسه.

انقلاب مبكر

وجاهدا حاول المجلس العسكري تأخير إعلان النتيجة، عبر سلسلة من الإملاءات على اللجنة القضائية المشرفة على الانتخابات، وهنا اشيعى أنباء عن حسم المرشح شفيق المنافسة، وأيضا حاول المجلس العسكري نشر قواته على الارض للايعاز بنشر الخوف والترقب في الأوساط المصرية، ولمواجهة  الانتقادات الشعبية المتصاعدة إزاء قرار التأجيل، وتعمد المجلس العسكري نشر آليات عسكرية على مداخل العاصمة وأمام الوزارات والمقار الحكومية  وأمام مجلسي الشعب والشورى، وبالقرب من ميدان التحرير، ووسط القاهرة، في رسالئل تحويفية ولجس نبض الشارع المصري. وأمام إصرار الشعب على ضرورة اعلان النتيجة ورفض التلاعب فيها، ودعوة الإخوان المسلمين وقوى ثورية عديدة للدخول في اعتصام مفتوح في ميدان التحرير، من أجل اعلان النتيحة وعدم التلاعب فيها، جاء إعلانها، من قبل اللجنة القضائية، اضطرارا، إلا أن المجلس العسكري، والدولة العميقة التي ما زالت تحكم، ولم تغادر أماكنها، فجاء الانقلاب مبكرا على العملية الديمقراطية وعلى إرادة الشعب المصري.

الإعلان الدستوري المكبل

فقبل أسبوع من إعلان النتيجة، وحينما تأكد العسكر من أن الفائز هو مرشح الشعب والثورة محمد مرسي، جرى اصدار الإعلان الدستوري المكمل، وحل مجلس الشعب، وذلك لنزع الفعالية من الرئيس الجديد، ليصبح رئيسا بلا سلطة حقيقية، وكأنه رئيسا شرفيا، إلى حين تشكيل السلطة التشريعية، سواء بدستور جديد ومجالس نيابية مهندسة عسكريا، وهو ما لم يقبله أي ثائر أو وطني، وقلص الإعلان الدستوري المكمل بشكل كبير من صلاحيات مرسي ومنح سلطات واسعة للمجلس العسكري، ورغم أن المجلس العسكري سلم السلطة لمرسي، فإنه -وفق الإعلان الدستوري المكمل- أراد الاحتفاظ بالسلطة التشريعية بعد حل مجلس الشعب الذي كان يهيمن عليه الإسلاميون، إثر حكم من المحكمة الدستورية قضى بعدم دستورية القانون الانتخابي الذي انتخب وفقه. كما احتفظ الجيش بالحق في التدخل في صياغة الدستور الجديد -حجر الزاوية في رسم التوازنات الجديدة بين السلطات- وأيضا في تقرير الميزانية فضلا عن سلطات واسعة في مجالي القضاء والأمن بمنح أفراد الشرطة العسكرية والمخابرات الحربية سلطة الضبطية القضائية، وهو ما مثل انقلابا مبكرا على الرئيس، ما كان يمكن إدارة شئون الدولة بكل تلك القيود والعراقيل، وقبل اعلان المرشح الفائز بالانتخابات الرئاسية، أعلن محمد مرسي ، يوم الجمعة 23 يونيو 2012، الإعلان الدستوري المكمل الصادر من قبل المجلس العسكري، مشيرا إلى أن الشعب لم يستفت عليه كما جرى في الإعلان الدستوري عند إصداره، وأوضح مرسي أن جماعة الإخوان وشباب الثورة سيواصلون الاحتجاج على قرارات للمجلس العسكري الحاكم بتقيد سلطات الرئيس الجديد، وجاء ذلك في مؤتمر صحفي عقده مرسي على هامش لقائه مجموعة من أعضاء ائتلاف شباب الثورة، وأوضح أنه يرفض قرار وزير العدل فيما يتعلق بالضبطية القضائية، في حين أنه يحترم قرارات القضاء، في إشارة إلى حكم المحكمة الدستورية العليا في قانون العزل وبطلان عضوية ثلث أعضاء مجلس الشعب، إلا أنه أشار إلى رفضه قرار المجلس العسكري بحل مجلس الشعب، وأبدى مرسي قلقه من توقيت وتشكيلة المجلس الوطني للدفاع، وتشكيل مؤسسة الرئاسة من قبل المجلس العسكري.

من إعلان الدستوري إلى معركة اليمين الدستوري

وبطريقة متعجلة، كشف العسكر عن وجههم القبيح، في غرقلة الرئيس الجديد، سواء عبر تكبيل الرئيس بنصوص مقيدة لعمله، أو عبر إثارة أزمات ومعارك إعلامية حوله، كمعركة أداء اليمين الدستورية، في ظل تغييب مجلس الشعب وحله، وإلزام مرسي بأداء القسم أمام المحكمة الدستورية العليا، التي حلت البرلمان لتوه، كما أثيرت المعارك الاعلامية حول الطريقة واخضاع مرسي لسيناريوهات العسكر، ولكن تعاطى الرئيس مرسي بذكاء مع سيناريو الاخضاع العسكري، وقام بحلف اليمين الدستورية كرئيس للجمهورية ثلاثة مرات. المرة الأولى، في ميدان التحرير وأمام جموع الثوار. بمليونيه “تسليم السلطة” يوم 29 يونيو 2012، والمرة الثانية أمام المحكمة الدستورية فى 30 يونيو 2012 أمام المستشار فاروق سلطان رئيس المحكمة الدستورية وقتها وأعضاء المحكمة، فيما قام بأداء اليمين الثالثة فى خطاب جماهيرى بجامعة القاهرة وسط حضور القوى السياسية والحكومة المصرية وعدد من الشخصيات المجتمعية فى يوم السبت 30 يونيو 2012.

ولعل المعارك التي أثارها العسكر في وجه مرسي، وتعامل معها بذكاء، أوصلت رسالة مبكرة بأن مرسي ليس قابلا للتطويع أو الاخضاع، بل تحدى مرسي ومعاونيه تحديات وصعاب اقتصادية واجتماعية كثيرة، وسط اصرار على المقاومة محافظا على حق الشعب في أن تحترم كلمته وإرادته، وليس أقل من تلك الازمات الأزمات الاقتصادية المتتالية على نظام مرسي، وأزمات الوقود والطاقة، ناهيك عن الحرب الإعلامية وتعمد إهانة منصب رئيس الجمهورية، إلى أن انتهى الأمر باستعمال القوة العسكرية، بعد أن قدم مرسي نجاحات عدة في مجالات التموين والزراعة ورغيف الخبز والعلاقات الدولية والإقليمية، ومشاريع التنمية المستدامة والارتقاء بامكانات مصر الاقتصادية.

]]>
https://politicalstreet.org/5200/feed/ 0
دور القوى العلمانية في انقلاب 03 يوليو https://politicalstreet.org/5197/?utm_source=rss&utm_medium=rss&utm_campaign=%25d8%25af%25d9%2588%25d8%25b1-%25d8%25a7%25d9%2584%25d9%2582%25d9%2588%25d9%2589-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25b9%25d9%2584%25d9%2585%25d8%25a7%25d9%2586%25d9%258a%25d8%25a9-%25d9%2581%25d9%258a-%25d8%25a7%25d9%2586%25d9%2582%25d9%2584%25d8%25a7%25d8%25a8-03-%25d9%258a%25d9%2588%25d9%2584%25d9%258a%25d9%2588 https://politicalstreet.org/5197/#respond Thu, 09 Jun 2022 08:10:05 +0000 https://politicalstreet.org/?p=5197  

 

دور القوى المدنية العلمانية  منذ الإطاحة بمبارك بعد ثورة 25 يناير، ثم المرحلة الانتقالية التي كان يحكم فيها المجلس العسكري، وصولا إلى اانقلاب 03 يوليو ونسف المسار الديمقراطي الوليد ومكتسبات ثورة 25 يناير2011م، يحتاج إلى رصد وتحليل وتفسير. فدور العلمانيين في العداء للمؤسسات المنتخبة من الشعب بنزاهة عداء سافر، وتحريضهم ودورهم في نجاح الانقلاب  لا يحتاج إلى دليل أو برهان؛ ذلك أن هذه القوى حتى اليوم تتباهى بهذا الدور وتعده بطولة تفتخر به؛ فهي لا ترى 03 يوليو انقلابا عسكريا، بل استجابة من الجيش للإرادة الشعبية التي تمثلت في الحشود الغفيرة التي نزلت في 30 يونيو 2013م، دون النظر مطلقا للحشود الغفيرة المقابلة التي نزلت في رابعة والنهضة وغيره من الميادين والمحافظات، وواجهت القمع الوحشي بكل نبل وشرف دعما لشرعية الرئيس المنتخب بإرادة الشعب الحرة قبل عام واحد فقط، كما لم يضع العلمانيون اعتبارا للإطاحة بالرئيس الذي جاء بإرادة الشعب بأداة غير دستورية وغير ديمقراطية وهي الدبابة حيث جرى الزج به وبعشرات الآلاف من أنصاره في السجن ظلما وعدوانا.

فكيف كان سلوك العلمانيين في أعقاب الإطاحة بمبارك بعد ثورة 25يناير؟ ولماذا وجهوا معظم جهودهم لمحاربة الإسلاميين دون المساهمة في إسقاط نظام مبارك الذي كان يعمل في الخفاء للعودة من جديد؟ ولماذا يعادي العلمانيون المؤسسات المنتخبة من الشعب بنزاهة بينما يفضلون المؤسسات المعينة من جانب العسكر؟ وما سر عدائهم للديمقراطية؟ ولماذا يحرضون باستمرار ضد الإسلاميين ويباركون سحقهم واستصالهم من الحياة وليس المشهد السياسي فقط؟ وما تفسير هذا السلوك المنحرف من جانب العلمانيين؟

بداية الخلاف بين قوى الثورة الإسلامية والعلمانية ظهرت بوضوح في الموقف من الاستفتاء على التعديلات الدستورية في 19 مارس 2011م، ويقال إن المجلس العسكري تلقى نصيحة من الدكتور معتز عبدالفتاح، الأكاديمي في العلوم السياسية والمقرب من السلطة بأن بني أمية في مثل هذه المواقف كانوا يفرقون خصومهم للاستئثار بالسيادة عملا بمقولة (ارم لهم شيئا إن قبلوه اختلفوا، وإن رفضوه اختلفوأ)، فجاءت التعديلات على 11 مادة في دستور 1971م،  حيث اعتبرها التيار المدني الإسلامي خطوة على طريق تمكين الثورة وإقرار وثيقة دستورية ملزمة للمجلس العسكري تتضمن تحديد مدة الرئاسة بفترتين، وإشراف قضائي كامل على الانتخابات، وخريطة طريق تتضمن انتخابات برلمانية ورئاسية لتسليم السلطة إلى حكومة مدنية منتخبة من الشعب، ثم إقرار دستور دائم من خلال لجنة تأسيسية يختارها النواب المنتخبون. بينما طالب التيار المدني العلماني بضرورة البدء بسن دستور جديد تماما (الدستور أولا) قبل إجراء أي انتخابات من أجل ترجمة مكاسب الثورة في نصوص دستورية لها صفقة الإلزام والدوام.

لم يكن قبول الإسلاميين بهذه التعديلات والدعوة إلى المشاركة بنعم عليها مشكلة، كما لم يكن رفض العلمانيين لها أيضا مشكلة؛ فمن حق كل فريق أن يختار ما يشاء وهذا هو جوهر الحرية والإرادة الحرة، لكن المشكلة كانت في تخوين كل فريق للآخر، أو إلباس التعديلات لباسا دينيا فلا الذين قبلوا بها ولا  الذين رفضوها ولا حتى الذين قاطعوها كان آثمين، كذلك عدم التسليم بنتائج الاستفتاء والتشكيك في الإرادة الحرة للشعب بعد ظهور النتائج كان أمرا غير  مقبول بالمرة من جانب الذين كانوا يرفضون هذه التعديلات. لأن رفضها حق وحرية لكن رفض التسليم بالنتائج رغم الإقرار بنزاهة الاستفتاء هو نسف للأسس التي يمكن أن تبنى عليها التجرية الديمقراطية الوليدة برمتها. بالتالي لم تكن المشكلة في الذين شاركوا بنعم أو الذين شاركوا بلا، بل في عدم التسليم بحق الاختلاف كأصل من أصول التعايش المشترك، كذلك عدم التسليم بنتائج إجراء ديمقراطي نزيه؛ لأن النتيجة صبت في صالح الخصوم، وهذا أخطر أمراض هذه المرحلة على الإطلاق. فالذي يصادر حق الآخرين في الاختلاف ويريد أن يفرض رؤيته وتصوراته هو مستبد صغير قد يكون مشروع مستبد كبير  إذا تولى منصبا مهما في البلاد.

كانت القوى العلمانية مدفوعة بضرورة الدستور قبل الانتخابات تحت شعار (الدستور أولا)، لكنهم لم يقدموا تصورا متماسكا لكيفية اختيار الجمعية التأسيسية لسن الدستور، كم عددها؟ وكيف سيتم تشكيلها؟ وهل تتم بالتعيين أم بالانتخاب؟ ومن الذي يقوم بتعيينها؟ وكيف يتم تحديد الوزن النسبي للمشاركين فيها من القوى السياسية؟ فإذا قالوا بتعيينها من جانب المجلس العسكري فقد سقط برهانهم وتداعى موقفهم، وإذا قالوا بضرورة أن تتم بالانتخاب من جانب الشعب فإن ذلك يمثل عودة للانتخابات مرة أخرى؛ فإذا رفضوا الانتخابات لتشكيل البرلمان والرئاسة فسيقبلون بها كأداة ديمقراطية لاختيار الجمعية التأسيسية للدستور؛ وبذلك فإن الانتخابات أولا ستكون هي البداية في كل الأحوال.  أضف إلى ذلك أن تشكيل البرلمان سوف يحقق فوائد كبرى للثورة، حيث سيتم انتزاع السلطة التشريعية من المجلس العسكري لتكون  في يد مجلس منتخب من الشعب، كما أن وجود برلمان يعني وجود جهة رقابية شعبية على أداء حكومات المجلس العسكري التي لم يكن عليها رقابة شعبية في أعقاب الثورة. كما أن البرلمان سيقوم بسن قانون تشكيل اللجنة التأسيسية؛ وبالتالي تكون اللجنة منتخبة من نواب الشعب المنتخبين. وهذه كلها مصالح معتبرة لا يمكن التهوين منها، بينما فريق الدستور  أولا لم يكن يملك سيناريو متماسك كالذي ذكرناه، بل كان مدفوعا على الأرجح بمخاوف العلمانيين من سيطرة الإسلاميين على المشهد السياسي، لقوة تنظيمهم وشعبيتهم الكاسحة. لذلك كانوا يطالبون على الدوام بضرورة تأجيل الانتخابات حتى يتمكن شباب الثورة من تكوين أحزابهم الخاصة وهو ما يعني بقاء المجلس العسكري في السلطة لأطول فترة ممكنة.

بالطبع المجلس العسكري نسف كل ذلك بإعلانه الدستوري في 30 مارس 2011م والذي تضمن نحو 60 مادة من دستور 1971، على رأسها المواد التي تم الاستفتاء عليها، فإذا كان المجلس العسكري قادرا على إصدار  إعلانات دستورية فلماذا أجرى الاستفتاء من الأساس؟ ألم يكن من الأولى تضمين التعديلات كلها مرة واحدة في الاستفتاء حتى يكون شرعيا؟ لكن المجلس العسكري استهدف بذلك تمزيق فريق الثورة وإشعال الخلاف  بين  مكوناته مبكرا،  وهو الأمر الذي لعب فيه الإعلام دورا مؤثرا، كما استهدف العسكري بذلك تكريس شرعيته وحقه في إصدار الإعلانات الدستورية، فقد أصدر إعلانا دستوريا في 13 فبراير 2011، ثم أجرى الاستفتاء، وأصدر إعلانا ثانيا في 30 مارس؛ وهي الرسالة التي كان يتعين على الجميع (إسلاميين وعلمانيين) فهم أبعادها التصدي لها وهو ما لم يحدث للأسف.

الموقف الثاني الذي وسع الفجوة بين الإسلاميين والعلمانيين من أبناء ثورة يناير، هو التباين حيال طريقة التعاطي خلال المرحلة الانتقالية، فبينما كان الإسلاميون يميلون إلى تهدئة الأجواء وتخفيف حدة التظاهرات مع ضرورة توظيف أدوات الضغط بحساب من أجل دفع المجلس العسكري نحو الالتزام بخريطة الطريق وإجراء الاستحقاقات الدستورية والديمقراطية، وتسليم السلطة إلى حكومة منتخبة، كان التيار العلماني متفقا على ضرورة تأجيل الانتخابات لعدم استعداده لها وخشيته من عدم حضوره بين الجماهير. ويبدو أن المجلس العسكري كان ينحاز إلى هذا الموقف؛ والبرهان على ذلك أن العسكري افتعل صدامات مع عدد من الثوار كما جرى في مجلس الوزراء ومحمد محمود ثم ماسبيرو، وهي  الصدامات التي لم يشارك فيها الإخوان إلا بنفر قليل من النشطاء والرموز من أجل التهدئة،  لكن اللجنة الطبية بالجماعة شاركت بقوة في علاج الجرحي والمصابين. وقد تم توظيف موقف الجماعة سياسيا من جانب التيار العلماني وعناصره بالمنظومة الإعلامية واتهام الجماعة بالخيانة. لكن الجماعة كانت ترى في هذه الصدامات المفتعلة سياسة تكتيكية من العسكري لإرباك المشهد والتهرب من الاستحقاقات الديمقراطية والبقاء في السلطة لأطول فترة ممكنة وعدم تسليم السلطة لأي حكومة منتنخبة. ورغم أن الدكتور محمد البرادعي رفض أيضا المجيء إلى الميدان وقتها في أحداث محمد محمود، والإعلان عن حكومة برئاسته إلا أن اللوم اتجه فقط إلى الإخوان. ولاك نشطاء علمانيون ذلك كثيرا تحت عبارة (الإخوان خانوا الثورة واتفقوا مع المجلس العسكري). وعندما سئل البرادعي في أحد البرامج الحوارية على قناة “العربي” التي تبث من لندن في يناير 2017 عن هذا الموقف ، جدد التأكيد على أنه لو عادت به الأيام فلن يشارك مطلقا في محمود محمود، بما يبرهن على نسبية المواقف وسوء أدب من جانب الذين يتهمون مخالفيهم بالخيانة بناء على مواقف نسبية تقبل تعدد المواقف وليست مواقف قاطعة لا تقبل الاختلاف حيالها.[[1]]

الموقف الثالث الذي مزق العلاقة بين الإسلاميين والعلمانيين، هو الانتخابات التي جرت على ثلاثة مراحل من (نوفمبر 2011 ــ يناير 2012)؛  فقد تحالفت الآلة الإعلامية الحكومية مع مواقف القوى العلمانية والدعاية لها، لأن العلمانيين منتشرون في المنظومة الإعلامية الحكومية والخاصة  التي كانت مملوكة لرجال أعمال نظام مبارك على حد سواء؛ لذلك كان رصد مواقف الانحياز سافرا إلى حد بعيد في الصحف والفضائيات والقنوات الحكومية والخاصة، وكان تشويه الإسلاميين سياسية إعلامية ممنهجة بل كانت في الحقيقة انعكاسا لتوجيهات المجلس العسكري الذي كان يخشى سيطرة الإسلاميين على مفاصل السلطة التشريعية والتنفيذية. ورغم الدعاية الفجة ضد الإسلاميين إلا أن النتائج كانت صادمة للعسكري أولا ثم للعلمانيين ثانيا؛ فمن أصل (498 هي جملة مقاعد البرلمان المنتخبة بخلاف 10 مقاعد بالتعيين)، فقد حصل التحالف الديمقراطي بقيادة حزب الحرية والعدالة الذراع السياسية للإخوان على (235 مقعدا) 37.5% بينما حصل تحالف الكتلة الإسلامية بقيادة حزب النور والبناء والتنمية الذراع السياسية للجماعة الإسلامية على (123) 27,8% ،  بينما حصل  الوفد على (38 مقعدا) بنسبة 9,2% والكتلة المصرية على (34 مقعدا) 8.9%، والوسط (10 مقاعد) والتجمع (3 مقاعد)، والمستقلون (23 مقعدا)، وتوزعت باقي المقاعد على عدة أحزاب صغيرة. معنى ذلك أن الإسلاميين اكتسحوا الانتخابات، ووفقا للأعراف البرلمانية والسياسية يتعيين تشكيل حكومة جديدة من التحالف صاحب الأغلبية أو الأكثرية. لكن العسكري رفض ذلك بدعوى أن النظام في مصر رئاسي والحكومة تتبع الرئيس حتى لو كان البرلمان هو من يمنحها الثقة.

الموقف الرابع، هو وثيقة (المبادئ الدستورية) التي طرحها في نوفمبر 2011م، نائب رئيس الوزراء الدكتور علي السلمي، أحد أبرز قيادات حزب الوفد،وهي الوثيقة التي تمنح الجيش وصاية دائمة على النظام السياسي المصري، وتعفي الجيش من الرقابة المدنية وتمنحه صلاحيات سياسية في الدستور المقبل بتلقيص دور البرلمان المنتخب في اختيار أعضاء اللجنة التأسيسية، وتمنحه حق التدخل في الحياة السياسية حتى بعد استقرار الأوضاع وانتخاب البرلمان وتشكيل حكومة وطنية وانتخاب رئيس مدني للبلاد. الوثيقة رفضتها جميع الأحزاب والقوى السياسية باستنثاء أحزاب التجمع اليساري والوفد الليبرالي والجبهة الذي كان يرأسه أسامة الغزالي حرب أحد كوادر نظام مبارك. فقد برهنت الوثيقة على أن هناك تكتلا علمانيا تربطه بالمؤسسة العسكرية علاقات أكبر من وثيقة، وأن هدف هؤلاء هو دعم وضعية خاصة للمؤسسة العسكرية حتى تكون مؤسسة أعلى من الدولة ذاتها. وقد هدّد حزب الحرية والعدالة، الذراع السياسي لجماعة الإخوان المسلمين وخلفه كل القوى والأحزاب والائتلافات والحركات السياسية، بأنه في حال إصرار المجلس العسكري على الأخذ بوثيقة السِّـلمي، فإنه سيقوم بتنظيم احتجاجات شعبية واسعة، تصل إلى مليونيات حقيقية وتاريخية، تبدأ بمليونية الجمعة 18 نوفمبر الجاري، على أن تزيد الاحتجاجات وتتصاعد، لتصل إلى إعلان ثورة جديدة لإسقاط المجلس العسكري في 25 يناير 2012 المقبل. [[2]] الأمر الذي أجبر المجلس العسكري على سحب الوثيقة إلى حين لتهدئة الموقف والالتفاف على الغضب الشعبي.

الموقف الخامس، هو إعلان جماعة الإخوان في أواخر مارس 2012م التراجع عن عدم الترشح في انتخابات الرئاسة التي كان مقررا إجراؤها في يونيو 2012م، حيث قررت الجماعة تغيير موقفها السابق إبان الثورة بعدم التنافس على منصب الرئاسة لطمأنة الجيش والقوى الخارجية التي  كانت تضغط على مبارك، وقررت الجماعة الدفع بأحد رموزها للترشح للرئاسة وهو المهندس خيرت الشاطر، نائب المرشد العام للجماعة، ثم دفعت بالدكتور محمد مرسي، رئيس حزب الحرية والعدالة كمرشح احتياطي حال تم استبعاد الشاطر لأي سبب من الأسباب. قرار الجماعة أغضب قطاعات واسعة من العلمانيين، كما أغضب المجلس العسكري كثيرا، وراح العسكر والعلمانيون يتهمون الجماعة بنقض العهود وعدم الالتزام بكلمتها ووعدها بعدم الترشح.  وبعيدا عن تقييم القرار ومآلاته فليس هذا موضوع المناقشة، فإن ما جرى من العسكر والعلمانيين هو شيء من الانتهازية؛ ذلك أن المواقف السياسية هي بالأساس مواقف متغيرة بناء على المصالح والمفاسد؛ والقرارات تؤخد بناء على المعلومات والمعطيات القائمة حين اتخاذ القرار؛ فإذا ظهرت معلومات جديدة، أو تيقنت المؤسسة من أن القرار الأول اتخذ بناء على معلومات مغلوطة وغير دقيقة فإن من حق أي حزب أو حركة تغيير موقفه بناء على المعطيات وتقديرات الموقف الجديدة؛ لأن الأمور السياسية متغير بطبيعتها والبقاء على المواقف القديمة دون اعتبار للمستجدات هو شيء من الجمود الذي لا يليق بأي حزب أو حركة سياسية. الجماعة عللت موقفها بأنها تلقت تهديدات بحل البرلمان، وهو ما جرى بالفعل بعد قرار الجماعة بشهرين فقط. وبالتالي كان المجلس العسكري يخطط للإطاحة بالجماعة كليا من خلال عدم دفعها بمرشح رئاسي، ثم حل البرلمان بحكم مسيس من المحكمة الدستورية؛ وبذلك ينفذ المجلس انقلابا ناعما ويستأثر بالسلطة كلها من جديد، وينفرد بإعادة هندسة وتصميم النظام السياسي بما يحفظ امتيازاته ووضعه كمؤسسة مركزية فوق الدولة نفسها. وهو ما جرى لاحقا  في 03 يوليو 2013م.

الموقف السادس، انقلاب يونيو 2012م، وهو محطة من أكبر محطات الخزي للتيار العلماني، حيث شهدت خمسة أيام من 13 حتى 17 يونيو 2012م انقلابا عسكريا ناعما بدعم سافر من القوى  العلمانية؛ فقد صدر من وزارة العدل يوم 04 يونيو قرار الضبطية القضائية ونشر في الوقائع المصرية يوم 13 يونيو،  وهو القرار الذى أعاد من الناحية العملية حالة الطوارئ.  وفي 14 يونيو، صدر حكم الدستورية بإبطال مجلس الشعب وحله كليا ونشر في الجريدة الرسمية في ذات اليوم في سابقة لم تحدث من قبل في تاريخ المحكمة. وفى 17 يونيو ــ آخر يومى انتخابات الإعادة لرئيس الجمهورية، صدر إعلان دستورى معدل للإعلان السارى الصادر فى 30 مارس 2011، يمنح سلطة التشريع للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، ويمنحه أيضا حق اختيار اللجنة التأسيسية. بمعنى أنه خلال خمسة أيام من 13 إلى 17 يونيو صدر من الوثائق ما تغير به الوضع السياسى فى مصر وتحول به إلى النقيض، كنا على أبواب إتمام تنظيم ديمقراطى شامل لمؤسستى السياسة فى الدولة المصرية، وهما السلطتان التشريعية والتنفيذية، وهى عملية استغرقت ثورة شعبية ثم عاما ونصف العام بعدها، ولكننا عدنا فى خمسة أيام إلى ما انتكست به هذه العملية، عدنا إلى 10 و11 فبراير 2011 عندما صدرت البيانات العسكرية الأولى التى أعلنت تولى المجلس العسكرى للسلطات السياسية مع الإطاحة بحسنى مبارك وحل مجلسى الشعب والشورى. مع فارق أساسى أننا فى فبراير 2011 كان ثمة أفق ديمقراطى ينفتح، وصار فى يونيو 2012 أفقا ديمقراطيا ينغلق.[[3]] كانت مصر على وشك الانتهاء فعليا من المرحلة الانتقالية وتسليم السلطة من المجلس العسكري إلى سلطة مدنية منتخبة؛ فقد تم تسليم السلطة التشريعية للبرلمان المنتخب في 23 يناير 2012م، وكانت مصر على موعد مع جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية بين مرسي والفريق شفيق، يومي (15 و16يونيو) معنى ذلك تسليم السلطة التنفيذية لرئيس منتخب خلال عدة أيام بمجرد ظهور نتائج جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية. لكن المجلس العسكري عبر (حكم الدستورية بحل البرلمان ثم إعلانه الدستوري المكمل في 17 يونيو) انقلب على المسار الديمقراطي كله وأعاد لنفسه الجمع بين سلطتي التشريع والتنفيذ. حكم الدستورية بحل البرلمان كان سياسيا بامتياز؛ ذلك أن المحكمة قضت ببطلان ثلث مقاعد البرلمان (الثلث الذي انتخب فرديا) لكنها قضت بحل البرلمان كله. كما أن حل البرلمان ليس من اختصاص المحكمة بل دورها يتعلق بمدى دستورية أو بطلان القانون الذي جرت على أساسه الانتخابات. وحتى إذا قضت ببطلان القانون كله فإن المجلس يبقى مؤديا دوره التشريعي لحين انتخاب مجلس جديد لتسليم السلطة التشريعية له وعدم فراغ السلطة التشريعية؛ لكن المحكمة قضت بحل البرلمان وهي سابقة لم يحدث لها مثيل في العالم؛ فلا يجوز لسلطة من سلطات الدولة الثلاث أن تمحي بجرة قلم سلطة أخرى وتقود البلاد إلى فراغ مثل هذا. ولم يسمع للتيار العلماني بأحزابه ورموزه أي اعتراض على حل البرلمان؛ بل أبدى معظم أحزابه ورموزه فرحة عارمة بحله لأن أغلبه من الإسلاميين. بينما تباينت ردود فعلهم تجاه الإعلام الدستوري المكمل وإن كان اعتراضهم بدا هينا لطيفا مهذبا في عباراته وألفاظه.[[4]]

الموقف السابع، إعلان مرسي الدستوري في 21 نوفمبر 2012، حيث اشتم الرئيس مرسي رائحة انقلاب جديد وعرقلة جديدة للتحول الديمقراطي ونسف المؤسسات المنتخبة ومحاولات عرقلة سن دستور جديد؛ وذلك لأن القضاء الإداري أحال في 23 أكتوبر 2012 عشرات الدعاوى التي تطالب بحل الجمعية التأسيسية الثانية للمحكمة الدستورية للفصل في القانون رقم 79 لسنة 2012 الذي صدق عليه الرئيس مرسي ويتعلق بتشكيل الجمعية التأسيسية، وفي وقت لاحق حددت الدستورية يوم الثاني من ديسمبر 2012م للنظر في تلك الدعاوى. وفي 18 نوفمبر انسحب 12 من أعضاء اللجنة التأسيسية من المحسوبين على التيار العلماني بعد انسحاب خمسة أعضاء هم ممثلو الكنائس المصرية الثلاثة، وكان نحو 25 عضوا في الجمعية علقوا عضويتهم قبل أيام. استبق الرئيس مرسي هذه الآلاعيب التي تقف وراءها الدولة العميقة وأصدر الإعلان الدستوري في 21 نوفمبر يحصن اللجنة التأسيسية من الحل ويمدد فترة عملها شهرين إضافيين ويحصن كذلك مجلس الشوري المنتخب من الحل، كما يحصن قرارات الرئيس نفسه من تغول السلطة القضائية التي تحولت إلى الحاكم الفعلي للبلاد في تغول غير مسبوق. الأمر الذي استفز الدولة العميقة والعلمانيين على حد سواء. وأدى إلى احتجاجات شهدت عنفا من جانب العلمانيين الذين ألقوا زجاجات مولوتوف على قصر الإتحادية. كما أطلقعت عناصر أمنية مندنسة بين صفوف العلمانيين أعيرة نارية قتلت نحو 11 شخصا كلهم من أنصار الرئيس باستثناء شخصين فقط كانا يقفان في جانب مؤيدي الرئيس وهم الصحفي الحسيني أبو ضيف أو شاب آخر. بينما قتل 9 من أنصار الرئيس بخلاف مئات الجرحي والمصابين. خلال هذه الأحداث رفض الرئس مرسي مواجهة المتظاهرين المتطاولين بالرصاص ومنع الحرس الجمهوري والشرطة من استخدام العنف ضد المتظاهرين.  في هذه الأثناء قررت المحكمة الدستورية تأجيل النظر في دعاوى حل الجمعية التأسيسية للدستور ومجلس الشورى لأجل غير مسمى وسط محاصرة مقر المحكمة باعتبارها (أحد أوكار أفاعي الدولة العميقة) من قبل مؤيدي وأنصار الرئيس. بالتوازي  أجرى مرسي حوارا مع قوى وطنية بينما غاب غلاة العلمانيين عن الحوار وأبرزهم ما تسمى بجبهة الإنقاذ التي التي تأسست في 24 نوفمبر 2012م. أدت جلسات الحوار إلى إلغاء الإعلان الدستوري في 08 ديسمبر، مع دعوة الرئيس للاستفتاء على الدستور لأنه ملزم بنص دستوري لا مخرج منه. وقد وافق 63.8% من الشعب على الدستور الذي بدأ العمل به فور إعلان نتائج التصويت.

الموقف الثامن، اللجنة التأسيسية لسن الدستور، وهي اللجنة المنوط بها إعداد دستور جديد، وقد نصت التعديلات الدستورية في مارس 2019م على أن يقوم البرلمان المنتخب بغرفتيه (الشعب ــ الشوري) باختيار أعضاء هذه الجمعية من “100” عضو في غضون ستة أشهر من تاريخ تشكيلها.  عقد البرلمان بغرفتيه ثلاثة اجتماعات مشتركة في قاعة المؤتمرات في مدينة نصر، وجرى  الاتفاق على أن يكون نصف أعضاء اللجنة من البرلمان والنصف الآخر من خارجه،  وفي يوم  السبت24 مارس 2012 تم الإعلان عن اختيار أعضاء اللجنة. وفي 10 إبريل أصدرت محكمة القضاء الإداري حكما بحل الجمعية التأسيسية بدعوى أنها ضمت أعضاء في مجلسي الشعب والشورى وهو ما قالت المحكمة أنه مخالف للمادة 60 من الإعلان الدستوري. مما حدا بالبرلمان بتشكيل جمعية تأسيسية أخرى. وفي 13 يونيو 2012 تم تشكيل لجنة تأسيسية أخرى، والتي اختارت المستشار حسام الغرياني رئيسا لها، ويبدو أن التوقيت كان استباقا لحكم الدستورية بحل البرلمان الذي جاء في اليوم التالي مباشرة لتشكيل اللجنة التأسيسية الثانية.  وأنهت اللجنة الثانية كتابة الدستور بتاريخ 30 نوفمبر 2012 م. ولحماية اللجنة التأسيسية الثانية من آلاعيب الدولة العميقة داخل منظومة القضاء المسيس، صدق الرئيس مرسي في 11 يوليو 2012 على القانون رقم 79 لسنة 2012 بشأن معايير الجمعية التأسيسية للدستور. تم رفع دعوى أمام القضاء الإداري مرة أخرى لحل التشكيل الثاني للجمعية التأسيسية، ولكن المحكمة بتاريخ 23 أكتوبر 2012 حكمت بعدم اختصاص المحكمة في القضية، بدعوى أن التشكيل الثاني للجمعية صدر بقانون، ولا يجوز للمحكمة النظر في القوانين. وتم الاتفاق على أكثر من 90% من مواد الدستور بالتوافق، وبقي الخلاف على ما تبقى من نصوص، لحسمه بالتصويت لكن بعض المحسوبين على التيار العلماني والكنيسة انسحبوا من اللجنة 18 نوفمبر 202، قبلم الانتهاء من عملها بأيام قليلة، حيث انتهت من عملها في 30 نوفمبر وسلم المستشار الغرياني مشروع الدستور  للرئيس مرسي في غرة ديسمبر.

استراتيجية القوى العلمانية

أولا، لم تكن القوى العلمانية شيئا واحدا، وإن كانت الكتلة الأكبر من هذا التيار أظهرت عداء متأصلا وجذريا مع الإخوان وكل ما هو إسلامي، وقد رصد الكاتب الكبير فهمي  هويدي هذه النزعة الاستئصالية من جانب غلاة العلمانيين مبكرا جدا في أعقاب الإطاحة بمبارك مباشرة؛ يقول هويدي: «لا أبالغ إذا قلت إن جذور الموقف الإقصائى ظهرت فى الأفق إبان الفترة التى شكلت فيها لجنة تعديل الدستور فى شهر فبراير من العام الماضى، ذلك أن اللجنة هوجمت بشدة واتهمت بتحيزها للإخوان لمجرد أن فردا واحدا من الجماعة ضم إليها باقتراح من وزير العدل، فى حين أن بقية أعضاء اللجنة السبعة وهم من كبار رجال القانون وفقهائه ليسوا من أعضاء الجماعة. لكن الواحد المذكور ــ الأستاذ صبحى الصالح ــ اعتبر دليلا على «أخونة» اللجنة. وليس ذلك أغرب ما فى الأمر، لان الأغرب أن الوزارة التى كانت مشكلة آنذاك ضمت ثلاثة من الوفديين وواحدا من حزب التجمع، كما أن نائب رئيس الوزراء كان عضوا بارزا فى الحزب الديمقراطى الاجتماعى، ومع ذلك فان أحدا لم يتحدث عن تسييس تشكيل الحكومة. وبدا الأمر مسكونا بمفارقة غير بريئة. فالعضو الواحد فى اللجنة لوثها وأثار حولها الشكوك. لكن وجود الحزبيين الخمسة فى الوزارة لم يضفوا أى لون لها. ولا  تفسير لذلك سوى ان النخبة عالية الصوت فى مصر اعتبرت ان وجود العضو الإخوانى خطأ جسيما وشذوذا ما كان للنظام الجديد أن يتورط فيه.[[5]]

ثانيا، اعتمد العلمانيون على ترويج الأكاذيب والأخبار المفبركة من أجل شيطنة الجماعة والإسلاميين عموما،  وتشويه صورتهم من أجل تنفير الناس منهم على أمل أن يرمم ذلك الفجوة الهائلة في الشعبية والجماهيرية؛ وهذا سلوك الضعفاء؛ فالضعيف هو من يلجأ إلى تشويه خصومه من أجل تحقيق شيء من المكاسب والقوى هو يهتم لشأن نفسه يقويها ويعالج مواطن الخلل بها، ويعد نفسه من أجل الفوز الشريف في  النزال والمنافسة. كما اعتمد العلمانيون في وسائل الإعلام على سياسات التفزيع والتخويف بوصف مصر تنتقل إلى دولة دينية يسودها العنف والجمود والتخلف والاستبداد، وتبنى الإعلام كل ما هو شاذ بين الإسلاميين من الأشخاص والمواقف من أجل تضخيمها وتخويف الجماهير من الإسلاميين، لدرجة البحث عن قيادات في حركات عنيفه وتصديرهم في وسائل إعلام وتسويق تصريحاتهم الشاذة بوصفها تعبيرا عن الحالة الإسلامية برمتها.

ثالثا، التقليل من شأن الإخوان والتشكيك دائما في قدراتهم وكفاءتهم في البرلمان أو الحكومة أو الرئاسة، وقد تجلى ذلك بوضوح في الهجوم المستمر على برلمان الثورة والحط من شأنه لأن أغلبيته من الإسلاميين الذين فازوا بأكثر من 70% من عدد أعضائه. ثم مباركة حكم المحكمة بحله في 14 يونيو 2012 رغم أنه قرار سياسي بامتياز ويعزز سلطة المجلس العسكري ويؤخر تسليم السلطة إلى حكومة مدنية منتخبة. وكانت دعوة رموز علمانية للدكتور محمد مرسي المرشح الإسلامي بالتنازل عن خوض جولة الإعادة ضد الفريق أحمد شفيق ممثل الجيش والدولة العميقة لحساب حمدين صباحي الذي حل ثالثا في الترتيب، برهانا على مدى استخفاف العلمانيين بالإسلاميين ومباركة العصف بحقوهم السياسية والمدنية والتعامل معهم بوصفهم  مواطنين درجة ثانية.[[6]]

رابعا، التحريض السافر ضد كل المؤسسات المنتخبة من الشعب في أعقاب الثورة وإبداء الفرحة العارمة والشماتة في حلها من جانب الدولة العميقة في القضاء؛ حدث ذلك مع حل اللجنة التأسيسية الأولى في 10 إبريل، بدعوى غلبة الإسلاميين على تشكيلها، ثم في حكم الدستورية بحل البرلمان في 14 يونيو 2012، رغم أنه البرلمان الوحيد المنتخب بنزاهة منذ سنة 1950م، ثم الانسحاب من التأسيسية الثانية في نوفمبر ، ثم تشويه الدستور المستفتى عليه من الشعب، ثم المشاركة بكل قوة في انقلاب 03 يوليو،  وتجميد العمل بالدستور وحل مجلس الشوري. فلم يعرف للعلمانيين موقف شريف يدافع عن المؤسسات المنتخبة. في مقابل ذلك نراهم حرضوا على الانقلاب على المسار الديمقراطي،  وباركوا تكوين تأسيسية بالتعيين بعد 3 يوليو، وباركوا دستور 2014 رغم عدم مشاركة الإسلاميين فيه لا في إعداده ولا التصويت له باستثناء عدد محدود من حزب النور الذي أيد الانقلاب.

خامسا، التحريض على العنف وتبريره ضد الإخوان والإسلاميين والمشاركة في كثير من مشاهد العف  الموثقة، والدعوة إلى إسقاط النظام بأدوات غير دستورية وغير ديمقراطية، وقد حدث ذلك في أحداث الاتحادية ديسمبر 2012، فلأول  مرة يتم إلقاء المولوتوف على قصر الرئاسة ثم إطلاق أعيرة نارية أدت إلى استشهاد نحو 11 مصريا 9 منهم ينتمون إلى الإخوان. ثم العنف ضد مقر الجماعة مكتب الإرشاد بالمقطم في مارس 2013م، وكذلك الاعتداء على عدد من مقرات الحزب على بعدد من المحافظات لا سيما في الوجه البحري. كما باركت القوى العلمانية تأسيس حركات عنف مثل “البلاك بلوك” ثم تمرد والتي ثبت أنها جميعا كانت حركات ترعاها المخابرات وتمولها الإمارات.

سادسا، التعاون مع الأجانب من إجل إسقاط النظام والمسار الديمقراطي، وقد كشف ذلك عماد جاد، أحد رموز الكنيسة وجبهة الإنقاذ، إذ أكد أن آنا باترسون، السفيرة الأمريكية بالقاهرة، التقت بكل من البرادعي وصباحي، وعايراتهم بضعف قدرتهم على الحشد، وأنهم لا يقدرون على حشد أكثر من 10 آلاف متظاهر، وأنها أرسلت بذلك تقريرا إلى الإدارة الأمريكية. وقد تسرب لقاؤها بمقر حزب الوفد 02 ديسمبر 2012م حيث التقت بكل من حمدين صباحي والسيد البدوي ومحمد البرادعي، والذي تسرب منه أنها رسمت لهم خطة عمل تبدأ بنزول 100 ألف متظاهر أمام الاتحادية واعتصامهم لمدة ثلاثة أيام، ليعقب ذلك تدخل الجيش لإنهاء حكم الإخوان.[[7]] وقد اعترف الدكتور محمد البرادعي، مؤسس ومنسق جبهة الإنقاذ، أن  مخطط الانقلاب العسكري وضعه (برناردينو ليون)، يقول البرادعي خلال ندوة سياسية في يوليو 2015م: « لقد وقعت على انتخابات رئاسية مبكرة وخروج مشرف للسيد مرسي، والوصول إلى نهج شامل يكون الإخوان المسلمون والإسلاميون جزءا منه، لقد وقعت على الخطة التي وضعها برناردينو ليون)، ووفقا لقناة الجزيرة فإن ليون لم يكن في هذا التوقيت مبعوثا لأحد، ولم يكن في مصر مبادرة دولية في الأصل، لحساب من إذا وضع خط سرية لإزاحة رئيس منتخب وجمع لها التوقيعات وانتهى الأمر بإعادة مصر إلى ما قبل قبل يناير؟[[8]] بعد نجاح “ليون” في مهمته القذرة بالقاهرة، تم تعيينه منسقا أمميا في ليبيا، لكن انفضح أمره بعدما قررت الإمارات تعيينه في وظيفة لديها بمرتب يصل إلى 30 ألف جنيه استرليني شهريا في نوفمبر 2015م.[[9]]

سابعا، التعاون مع الدولة العميقة لنسف المسار الديمقراطي، وعرقلة أي تحول جاد نحو الديمقراطية، وقد تجلى ذلك بوضوع شديد، في المباركة والترحيب بحل المؤسسات المنتخبة من الشعب، وتحريض الجيش على التدخل ونسف المسار كله، ورفض أي حوار مع الرئيس،  والإعلان عن مقاطعة الانتخابات، والمشاركة بكل قوة في مخططات الانقلاب ثم تكوين حكومة برئاسة الدكتور حازم الببلاوي، القيادي بحزب المصري الديمقراطي أحد أحزاب جبهة الإنقاذ العلمانية. ولفيف من الوزراء والمستشارين. وهي الحكومة التي ضمت (حازم الببلاوي ــ محمد البرادعي ــ مصطفى حجازي ــ أحمد البرعي ــ كمال أبو عيطة ـ وغيرهم من رموز جبهة الإنقاذ) وهي الحكومة التي وقعت في عهدها عشرات المذابح الجماعية بحق أنصار الديمقراطية من الإسلاميين أبرزها ر ابعة والنهضة والمنصة والحرس الجمهوري  ومصطفى محمود ــ ومسجد الفتح ـ ورمسيس ــ وغيرها. وهي أيضا الحكومة التي أصدرت قرار باعتبار جماعة الإخوان تنظيما إرهابيا في أعقاب تفجير مديرية أمن الدقهلية  وقبل حتى أي تحقيق في الحادث الذي أسفر عن مقتل 14 من عناصر الشرطة وإصابة 130 آخرين بسيارة مفخخة، اتضح لاحقا أن  الذي نفذ الحادث مرشد يتعاون مع الأمن الوطني كان معتقلا وجرى إخراجه بمعرفة الجهاز، حسبما نقلت “المصري اليوم” عن مصادر أمنية سيادية.[[10]] اتضح لاحقا أن هذه المصادر هي رئيس جهاز المخابرات اللواء محمد فريد التهامي الذي تمت إقالته وإحالته إلى التقاعد وتعيين اللواء خالد فوزي بديلا له في ديسمبر 2014م.

ثامنا، مباركة المذابح التي تعرض لها الإخوان على يد العسكر؛ وقد فضحت استقالة البرادعي احتجاجا على فض اعتصام رابعة بالقوة باقي مكونات جبهة الإنقاذ، التي أصدرت بيانا يوم المذبحة أشادت فيه بأداء قوات الجيش والشرطة في فض اعتصامي رابعة ونهضة مصر واعتبرت ذلك فخرا لمصر التي رفعت (بالمذابح!) رأسها عاليا من أجل إقامة دولة مدنية ديمقراطية في ظل دستور جديد يليق بمصر! ولم يكتف البيان بذلك بل حرض على من أفلت من الضحايا من أجل ملاحقتهم قضائيا بوصفهم محرضين على  العنف![[11]] وقد اعترف الدكتور محمد البرادعي الذي كان نائبا للمؤقت عدلي منصور أنه استقال من منصبه رفضا لفض الاعتصام بالقوة، وأوضح أن معارضته لاستخدام القوة في فض الاعتصامين “ليس فقط لأسباب أخلاقية، وإنما كذلك لوجود حلول سياسية شبه متفق عليها، كان يمكن أن تنقذ البلاد من الانجراف في دائرة مفرغة من العنف والانقسام”. وأضاف أنه تعرض لتهديدات من جانب أجهزة وصفها  بالسيادية لأنه كان يمضي في طريق حل الأزمة سلميا بينما كانت هذه الأجهزة  تصر على تعقيد الموقف وعدم حل الأزمة بشكل سلمي.[[12]] ويوم الجمعة 16 أغسطس 2013، أعلن خالد داوود المتحدث  باسم جبهة الإنقاذ استقالته بسبب تحريض احزاب الجبهة للمذابح المروعة ومباركة المواجهة الامنية مع الإخوان.[[13]]

تفسير وتحليل سلوكهم

هناك عدة تفسيرات للموقف والسلوك العلماني:

التفسير الأول، هو تفضيل العلمانيين إسقاط نظام مرسي بأدوات غير دستورية لفشلهم في الفوز بثقة الجماهير؛  لذلك تحالفوا مع الدولة العميقة وفلول نظام مبارك من أجل الإطاحة بالإسلاميين من المشهد كله وليس مجرد تغيير النظام. وقد أقر بذلك الناشط أحمد ماهر،  مؤسس حركة شباب 6 أبريل، في مقال تحت عنوان (للأسف كنت أعلم) والذي سربه إلى عدة مواقع إخبارية في مايو 2014م عندما كان معتقلا.[[14]] يؤكد فيه، أنه كان يعرف بأمر الانقلاب العسكري منذ فبراير 2013م. وأن الجميع (القوى المدنية العلمانية) كانوا يعرفون، ويحرضون عليه ويشاركون فيه. ويقر بأن القوى العلمانية كانوا على دراية مسبقة بمخطط الانقلاب وافتعال العنف وسفك الدماء للتمهيد له. هذه المخططات كانت معدة في أعقاب الإطاحة بمبارك مباشرة؛ يبرهن على ذلك التسريب الصوتي لضابط كبير بأمن الدولة مع رئيس حزب الوفد السابق سيد البدوي، وهو التسريب الذي تم بثه في 2015م ويرجح أنه جرى أواخر 2011م قبل الانتخابات البرلمانية. خطورة هذا التسريب أن الضابط الكبير الذي لم تعرف هويته حتى اليوم كشف عن سيناريو الدولة العميقة لمواجهة ثورة يناير والشعبية الجارفة للإخوان المسلمين، وهو التسريب الذي احتوى على  تأكيد الضابط الكبير بأن الإخوان لن يحكموا البلد وأنهم سوف يتعرضون خلال السنوات المقبلة لمذابح دموية مروعة. «أنا يا سيد بقولك إن الإخوان دول هيتعمل فيهم إللي متعملش في الكام سنة اللي جايين .. هيدبحوا.. هتطلع مليشيات تدبحهم في بيوتهم .. هتخش عليهم بيوتهم تدبحهم في سرايرهم». وكشف أن هذه المليشيات المسلحة لن يعرف أحد هويتها. وأن مصر سوف تغرق في إرهاب لا يعلم أحد مصدره. «مصر بقى هتغوص في إرهاب محدش عارف مصدره». والإشارة إلى أن حل أمن الدولة هو تهديد لاستمرار أي نظام سياسي وأن مصر لا يمكن أن تدار بدون أمن الدولة وقانون الطوارئ. «ما انتو قلتوا بلاش القوانين ونلغي أمن الدولة». وأخيرا التأكيد على مصادرة جميع أشكال حرية الرأي والتعبير. «اللي هيتكلم  هتقتطع رقبته  في سريره».[[15]]

التفسير الثاني، أن سبب تمرد غالبية العلمانيين على مرسي وهرولتهم نحو السيسي، وتفضيلهم للدكتاتورية مع العسكر على الديمقراطية مع الإسلاميين؛ مرده هو التطرف في العلمانية، بوصفها عقيدة بديلة للإسلام ذاته. ويذهب المفكر والمؤرخ والرمز الإسلامي الراحل المستشار طارق البشري إلى أن بمصر تيارا فكريا متماسكا وقويا يتبنى العلمانية، لا كحلول تطبيقية فقط ولكن كمرجعية فكرية، متأثرًا في هذا بما تربى عليه من أكثر من جيل سابق؛ من الأخذ بالفكر الغربي العلماني في أصوله النظرية، حتى صار بالنسبة لهم نوعا من الانتماء العقدي، وهو فصل الدين عن الدولة. هذا التيار بذاته يرفض أصول المرجعية الإسلامية فيما يتعلق بالنظرة الكلية التي يتبناها الإسلام رابطًا بين المرجعية الدينية والحياة المدنية. هذا التيار لا يوافق مطلقا على إعادة تصدير الإسلام في صورة مختلفة، إنما يريدون إزاحة الدين جانبا بلا رجعة. والحاصل أن العلمانيين لا يملكون قوة شعبية وسياسية، ولكنهم يتحيزون في مصر ويترابطون في مجال الإشاعة الثقافية العامة: التأليف والصحافة والإعلام والفنون والآداب كالقصة والمسرح وغير ذلك.. وهم من يشكلون القوى المعنوية الأساسية التي تتبناها سلطات الدولة المستبدة في مصر على مدى تاريخها الحديث. وهي (السلطة العسكرية) لا تستطيع أن تستغني عنهم؛ لأنه لا توجد قوى ثقافية أخرى يمكن أن تقف معها وتمكنها من هذا الموقف المستبد ضد التغيير وضد الشعوب وضد الهوية المتميزة، وضد الشكل الثائر الذي هو حادث على مدى تاريخنا الاستبدادي المعيش منذ عقود عدة. فهناك ــ وفقا للبشري ــ مصلحة متبادلة في مصر ـ بين السلطة العسكرية والتيار العلماني ــ  من حيث الوجود السياسي والاجتماعي والثقافي بين قوائم السلطة الاستبدادية، التي لا غنى لها عن الدعم الثقافي والإعلامي لتأكيد شرعيتها، هناك مصلحة متبادلة بين هذه القوى الاستبداية وبين الوجود العلماني العقيدي الفكري الذي يدعمها ويقف بجوارها ويقدم لها وجوه الشرعية التي تمكنها من سلاسة الحكم، وليس له هو في أي من أجنحته قدرة على الوصول إلى جماهير الشعب مهما ادعى من إيمان بالديمقراطية وبالحرية.. هو في النهاية يصوغ هذه المفاهيم –التي يكررها دائما- صياغات تدعو للاستبداد وتقف ضد الحركات الشعبية الواسعة المنظمة.[[16]] معنى ذلك أن هناك تطابقا في الرؤى بين السلطة العسكرية المستبدة والقوى العلمانية بشأن تكريس العلمانية في مصر على حساب القيم الإسلامية؛ وبينما يرى العلمانيون ضرورة إزاحة الإسلام تماما من التأثير في المجال  العام، ليكون محصورا في الزوايا بوصفه شأنه فرديا، ترى السلطة العلمانية أنه يتعين توظيف  الإسلام نفسه لخدمة أجندة السلطة ومآربها، وإضفاء مسحة شرعية دينية على السلطة العلمانية نفسها.

التفسير الثالث، أن سلوك النخبة العلمانية يبرهن على تمكن داء الكبر منها؛ «فهم ـ وفقا للكاتب الكبير فهمي هويدي ــ  يحتكرون ويصادرون لحسابهم مصطلحات المدنية والديمقراطية والليبرالية بل والتقدم في حين اعتبروا أن كل من عداهم مطرودون من تلك الساحات ومحظور عليهم الانتساب إلى أي منها، وهو ما يعد نهجا فى الاقصاء أقرب إلى التكفير، فإذا كان بعض المتطرفين الإسلاميين يعتبرون أنهم الفرقة «الناجية» وان جنة الله لا تسع غيرهم، ولذلك فإنهم يسارعون إلى إخراج غيرهم من الملة الدينية، فإن إخواننا هؤلاء باحتكارهم القيم السياسية الايجابية يفعلون نفس الشىء. إذ يعتبرون أنفسهم الفرقة السياسية الناجية التى ينبغى أن يعهد إليها دون غيرها تولى زمام الأمور، ولذلك فإنهم ينفون عن غيرهم أية صفة ايجابية ويخرجونهم من الملة الوطنية بضمير مستريح».[[17]]

الخلاصة 

مثلت القوى العلمانية على الدوام غطاء مدنيا  للدكتاتورية العسكرية ورضيت لنفسها أن تكون ستارا براقا وناعما لتبييض صورة العسكر في انقلاب 03 يوليو؛ حيث تعتبر مظاهرات 30 يونيو لباسا مدنيا خادعا لتمرير جريمة الانقلاب ومباركة مذابحه الوحشية لاحقا، كما مثلت مواقف العلمانيين في أعقاب الإطاحة بمبارك وصولا إلى الانقلاب سياسة زاعقة من أجل التغطية على الدور القذر الذي كانت تقوم به الدولة العميقة في الخفاء من أجل وأد الثورة ونسف أي تحول ديمقراطي حقيقي وجاد.

المواقف العلمانية المؤيدة للطغاة في بلادنا إنما تستند إلى ثلاثة جذور:

الأول، علمانية عقدية ترفض الإسلام ذاته وترفض الاحتكام إلى مبادئه وأحكامه، وترفض أن يكون له دور في الحياة؛ وبالتالي هم يحاربون التيارات والحركات الشعبية والسياسية المنظمة الداعية لحكم الإسلام ويبروون سحقها بوصفه عملا بطوليا لحماية الدولة نفسها من الإرهاب الإسلامي.

الثاني، هو موقف نفعي يقوم على أساس الصفقة المشبوهة بين السلطة العسكرية المستبدة من جهة والرموز والقوى العلمانية بوصفهم يؤدون دورا مهما في إضفاء شرعية ثقافية على السلطة ومواقفها؛ لذلك تفتح لهم الدولة أبواب المناصب الحساسة في مؤسسات الدولة الإعلامية (صحف ومواقع وفضائيات ــ دراما ــ سينما) والثقافية والحكومية، ويتم تضخيمهم إعلاميا رغم أنهم تقريبا بلا شعبية تذكر. فوجود ديمقراطية حقيقية يعني صدارة الإسلاميين للمشهد، ودخول العلمانية في غيبوبة الموت؛ وهم يفضلون موت الوطن ودماره مع الدكتاتورية على موت أفكارهم البالية المعادية للإسلام في  جوهرها. ورغم ذلك فلا يجب التعميم مطلقا؛ لأن التجربة برهنت على وجود رموز علمانية تملك ضميرا يقظا وحسا وطنيا كبيرا ونبلا يضرب به المثل في الإنسانية والانتماء للوطن. ومع هؤلاء يجب إدارة حوار (إسلامي ـ علماني) من أجل مصر وحاضرها ومستقبلها؛ فالمستقبل لهم دون غيرهم.

الثالث، أن العسكر والعلمانيين ينفذون أجندة الغرب بشأن تجذير العلمانية في بلادنا وسحق التيارات الإسلامية التي تملك حاضنة شعبية معتبرة يمكن أن تمثل تهديدا للنفوذ والمخططات الغربية التي تستهدف مصر والمنطقة؛ لذلك ورغم كل الآيات والبراهين التي كشفت السيسي ونظامه العسكري، تندهش عندما ترى كتابا كنا نظن بهم خيرا لا يزالون تشبثون بالحكم العسكري ويشجعون بشدة دعوة السيسي للحوار من أجل ترميم تحالف 30 يونيو (العسكر ــ العلمانيون) بوصفه الغطاء المدني لانقلاب 03 يوليو وتبييص صورة النظام العسكري  ومواجهة جماعة الإخوان التي فازت بثقة الشعب المصري في أنزه انتخابات في تاريخ مصر.[[18]]

وحتى اليوم لا يخجل العلمانيون من التحريض والمشاركة في جريمة انقلاب 03 يوليو، بل يفتخرون بذلك بوصفه بطولة لحماية الدولة والوطن، من خطر الإرهاب الإسلامي؛ وهم بذلك يتسقون تماما مع أفكارهم وتصوراتهم التي تعلو فيها العلمانية على الإسلام، بل تمثل بديلا له.  تقول الإعلامية نادية أبو المجد في تدوينة له الأربعاء 27 إبريل 2022م: سألت صباحي من كام شهر على كلوب هاوس لو سيترشح أمام السيسي في أي انتخابات مقبلة بعدما حل ثالثا بعد الأصوات الباطلة فيما تسمى الانتخابات الرئاسية في 2014، وكانت إجابته نعم سيترشح وقال إنه يرفض عودة الإخوان لممارسة السياسة في مصر! إنهم حريصون على الدوام للقيام بأدوار الكومبارس لخدمة أجندة السلطة العسكرية التي تحكم البلاد منذ عقود بأدوات القهر والبطش والإرهاب.

 

 

——————————————–

[1] انظر تصريحات البرادعي على هذا الرابط (https://www.youtube.com/watch?v=lNXhrvDoNjU) وقال البرادعي، في الجزء الثالث مع برنامج “وفي رواية أخرى” على التلفزيون العربي، في تقديري في هذا الوقت لو شاركت في المظاهرات وأعلنت تشكيل وزارة من ميدان التحرير سيؤدي ذلك لاقتتال داخلي، وسيظهر الأمر كأن “القوى المدنية تفرض سيطرتها على المؤسسة العسكرية والتيار الإسلام السياسي”. وأضاف البرادعي، تاني يوم اتصلت بالمجلس العسكري، وقولتلهم المتظاهرين “عايزني أشكل الوزارة”، فرد المشير طنطاوي أن الإخوان رافضين ذلك، متابعا: “وأجريت اتصالا بالدكتور سعد الكتاتني وقولت له ذلك فقال لي لم نرفض توليك رئاسة الحكومة ولم يحدث الأمر”، وأكد البرادعي أن الحقيقة ظلت غائبة حول من رفض رئاستي للحكومة. وأوضح البرادعي، أنه قال للمشير طنطاوي “أنا هاجي رئيس وزارة ولن اترشح للانتخابات الرئاسية، وهقولكم كملوا، لأني كنت شايف البلد ماشية في سكة شمال”. وأكد الدكتور البرادعي، أنه لم يكن يرغب في رئاسة الحكومة أو يكون رئيسا مؤقتا للبلاد، معلقا: “مفيش بني آدم عاقل عايز المنصب في مصر في الوقت ده”.

[2] وثيقة “السّلمي” لتمكين الجيش المصري.. ضمانة دستورية أم خطة عسكرية؟/ سويس إنفو ــ 09 نوفمبر 2011م

[3] طارق البشرى/ حل مجلس الشعب أثبت أن السلطة المصرية لا تحتمل مجلسـًا شرعيـًا (2-2)/ بوابة الشروق ــ الأربعاء 27 يونيو 2012

[4] تطورات المشهد المصري في ضوء حل البرلمان/ الجزيرة نت ــ 18 يونيو 2012م/ أحمد علام/22 حزبًا تؤيد أحكام «الدستورية» بشأن «العزل» و«مجلس الشعب»/ المصري اليوم ــ الجمعة 15 يونيو 2012م// باهي حسن/ممدوح حمزة: أطالب الجيش بـ«عزل» مرسي ومحاكمته لـ«تعديه» على سلطة القضاء/ المصري اليوم ــ الأحد 08 يوليو 2012م// يحيى الجمل أمام «الدستورية»: «عودة البرلمان» يُهدر دولة القانون ويُرسّخ شريعة الغاب/ المصري اليوم ـ الثلاثاء 10 يوليو 2012م

[5] فهمي هويدي/ لسنا جاهزين للوفاق/ الشروق ــ الخميس 18 أكتوبر 2012

[6] من هؤلاء العلمانيين الذين دعوا مرسي للتنازل عمرو حمزاوي وزياد العليمي. وقال الدكتور محمد نور فرحات، أستاذ فلسفة القانون الدستورى بجامعة الزقازيق، إنه ليس هناك قانون يمنع تنازل أحد المرشحين، فالأصل فى القانون الإباحة، وطبقاً للقواعد العامة يجوز للإخوان سحب مرشحهم قبل إعلان النتيجة النهائية. انظر: الجبهة الحرة للتغيير تدعو لانسحاب الدكتور مرسى لصالح صباحى/ الشروق ــ السبت 26 مايو 2012 // محسن سميكة, أحمد علام/«حمزاوي والعليمي» يطالبان «مرسي» بالانسحاب لصالح «صباحي» لتوحيد قوى الثورة/ المصري اليوم ــ السبت 26 مايو 2012م

[7] فيديو.. جاد: سفيرة أمريكا طلبت لقاء البرادعي وصباحي بعد قدرتهما على الحشد/ بوابة الشروق ــ الأربعاء 5 ديسمبر 2012// آية حسني/«أبوالغار»: قيادات بجبهة الإنقاذ يلتقون «آشتون» لمناقشة الأوضاع الراهنة/ الشروق ــ الأحد 7 أبريل 2013// أشتون تبحث مع ممثلي جبهة الإنقاذ الأوضاع الراهنة في مصر.. وتدعو إلى الالتزام بسلمية تظاهرات 30 يونيو/ أصوات مصرية ــ الأربعاء  19 يونيو 2013م//قطب العربي/ السفيرة آن.. وشهادتها المنقوصة/ “عربي 21” ــ  الأحد، 17 فبراير 2019 04:53 م بتوقيت غرينتش

[8] تقرير الجزيرة الإخبارية عن اعترافات البرادعي بدور “برنارد ليون” في انقلاب 03 يوليو/ بتاريخ 07 يوليو 2015م// البرادعي: برناردينو ليون هو المخطط الفعلي للانقلاب ضد مرسي/ ديلي صباح التركية ــ 08 يوليو 2015م

[9] الوظيفة ستبدأ بعد انتهاء مهمته في ليبيا ولكنها تثير التساؤل حول حياديته.. الغارديان: الإمارات وظفت برنارد ليون براتب ألف جنيه يوميا/ “عربي 21” ــ الأربعاء، 04 نوفمبر 2015

[10] يسري البدري /أخطر مفاجآت تفجير «مديرية أمن الدقهلية»: الانتحاري عمل مرشدا لـ«الأمن الوطني»/ المصري اليوم ــ  السبت 20 ديسمبر 2014م

[11] جبهة الإنقاذ: اليوم رفعت مصر رأسها عاليا.. ولابد من الملاحقة القضائية للمحرضين على العنف/ أصوات مصرية ــ الأربعاء 14 أغسطس 2013م

[12] البرادعي: أجهزة سيادية هددتني بسبب مساعيّ لفض اعتصامي “رابعة” و”النهضة” سلمياً/ وكالة الأناضول 15 نوفمبر 2016

[13] عاجل – استقالة المتحدث باسم جبهة الإنقاذ الوطني بسبب دعم المواجهة الأمنية مع الإخوان/ أصوات مصرية ــ الجمعة 16 أغسطس 2013م

[14] أحمد ماهر/ للأسف كنت أعلم/ مصر العربية ـ 13 مايو 2014

[15] https://www.youtube.com/watch?v=u_YAJU1_ANQ

[16] فريق العمل/ طارق البشري لـ«إضاءات»: موقف الدولة من تيران وصنافير لم أره في حياتي/ إضاءات ــ 18 يونيو 2017م

[17] فهمي هويدي/ الكل فى الاستحواذ سواء/ الشروق ــ الخميس 4 أكتوبر 2012

[18] انظر ما كتبه رئيس تحرير الشروق عماد الدين حسين/ إعادة الروح لتحالف 30 يونيو/ الشروق ــ الثلاثاء 24 مايو 2022

]]>
https://politicalstreet.org/5197/feed/ 0
لماذا الانتقام من قامات الوطن وشباب الثورة؟ https://politicalstreet.org/5192/?utm_source=rss&utm_medium=rss&utm_campaign=%25d9%2584%25d9%2585%25d8%25a7%25d8%25b0%25d8%25a7-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25a7%25d9%2586%25d8%25aa%25d9%2582%25d8%25a7%25d9%2585-%25d9%2585%25d9%2586-%25d9%2582%25d8%25a7%25d9%2585%25d8%25a7%25d8%25aa-%25d8%25a7%25d9%2584%25d9%2588%25d8%25b7%25d9%2586-%25d9%2588%25d8%25b4%25d8%25a8%25d8%25a7%25d8%25a8-%25d8%25a7%25d9%2584 https://politicalstreet.org/5192/#respond Wed, 08 Jun 2022 09:22:51 +0000 https://politicalstreet.org/?p=5192 مقالات الرأي::

شهدت مصر منذ انقلاب 3 يوليو 2013 انتقاما ممهنجا من الدكتاتور عبد الفتاح السيسي، ضد قامات الوطن وشباب الثورة، في سجونه الظالمة ومنع حقوقهم، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر.

وغني عن الذكر ممن قضى نحبه، قامات وطنية وثورية عديدة منذ الانقلاب وتحل ذكرى أحد تلك القامات هذا الشهر وهو الرئيس محمد مرسي -رحمه الله- والذي سيظل رمزا خالدا قتل ببطئ وانتقام ممنهج من جلاديه في محبسه.

ومن تلك القامات الوطنية والشباب الثوري من ينتظر في سجون السيسي ممنوعا من أبسط حقوقه، في مخالفة صريحة لكل الأعراف والمواثيق الدولية وتجاهل لمطالبات كافة منظمات حقوق الإنسان.

ونسلط في السطور القادمة الضوء على بعض منهم مثل: الدكتور محمود عزت نائب المرشد العام لجماعة الإخوان، والدكتور محمد على بشر وزير التنمية المحلية السابق، واثنين من شباب الثورة علاء عبد الفتاح، ومحمد القصاص، ورجل الصناعة صفوان ثابت وابنه، وجميعهم يشتكون من سوء المعاملة والانتقام الممنهج رغم ما قدموه للمجتمع والوطن.

الدكتور محمود عزت

هو نائب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين والذي قام بأعمال المرشد العام الأستاذ الدكتور محمد بديع، في فترة عصيبة من تاريخ البلاد عقب الانقلاب الدموي، وسيكتب التاريخ لهما أنهما حافظا على سلمية الثورة ورفضا إراقة دماء المصريين.

ورغم كل ذلك جاءت شياطين التشويه والتكذيب ليدلسوا على الشعب ويحاكموا هذه القامة الوطنية باتهامات باطلة، وأصدروا حكما ضده في 29 مايو الماضي بالسجن المشدد 15 عاما، بخلاف أحكام أخرى باطلة.

ورغم سنه الكبير -78 عاما- ودوره الوطني، لم يتورع جلاديه عن التنكيل به، حيث كشف الدكتور محمود عزت القامة العلمية والدعوية الكبيرة في 23 ديسمبر 2021، أمام أحد قضاة محاكماته الهزلية، عن أنه ممنوع من التواصل مع محاميه، ومحبوس في زنزانة انفرادية وحده، لا تفتح إلا لثواني معدودة لتسليم الوجبة، وأحيانا يلقى له الطعام من نافذة باب الزنزانة، وقوات الأمن تعصب عينيه خلال الطريق من الزنزانة إلى قاعة المحكمة.

وآنذاك ندد د.طلعت فهمي، المتحدث الإعلامي باسم جماعة الإخوان بما يتم ضد د.عزت الذي اعتقل في 2020، مؤكدا أن التنكيل به وثيقة تؤكد موات العدالة في مصر على يد الانقلاب.

ورغم ذلك التنكيل لا يمكن لكل صاحب ضمير ينسي دور هذا الرجل الدعوي في تربية الأجيال الواعية بمبادئ ديننا الحنيف، فضلا عن دوره الطبي الخيري عندما شغل منصب نائب رئيس مجلس إدارة الجمعية الطبية الإسلامية، التي بفروعها المنتشرة بالجمهورية قدمت العلاج للبسطاء وخدمة طبية متميزة للمجتمع بأسعار أقل من نظيرتها، قبل أن يأممها العسكر عقب الانقلاب ويستولى عليها.

الدكتور بشر

هو قامة وطنية ونقابية كبيرة معروف نشاطها السلمي، يرى صنوف التنكيل وهو صاحب الـ 71 عاما، ونترك لأسرته التعبير عن معاناته التي جاءت في بيانها الصادر في 26 مايو الماضي، بعد ورود أنباء بجلطة في المخ في محبسه بسجن العقرب سيء السمعة، مؤكدة أنها محرومة من زيارته منذ عام 2018 ولا تواصل بينه وبين المحامين.

وقالت الأسرة إنه “لا يخفى على أحد تاريخ الدكتور بشر النقابي والسياسي والخيري طوال حياته وأيضا الدور الذي قام به من أجل مصر في مراحل مختلفة من تاريخها، وقد آن الأوان ليتلقى معاملة إنسانية كريمة تليق بتاريخه وبوضعه وسنه وظروفه الصحية، تلك الأمنية التي نتمناها للجميع”.

وتم القبض على محمد علي بشر، في نوفمبر عام 2014 ووجهت له تهمة ملفقة بالتخابر مع أمريكا والنرويج، رغم أنه كان أبرز الأصوات العاقلة التي كانت تبذل جهودا تاريخية منذ 2013 للحفاظ على الوطن والشعب من خطر الانزلاق نحو العنف وحافظ كالدكتور محمود عزت على سلمية الثورة الرافضة للانقلاب.

والدكتور بشر عمل أستاذاً مساعداً بكلية الهندسة في جامعة المنوفية، وأستاذاً زائراً لجامعة ولاية كارولينا الشمالية الأمريكية، وانتخب أميناً مساعداً للصندوق في النقابة العامة للمهندسين عام 1987، وأميناً عاماً للنقابة بداية من عام 1991، وانتخب أميناً عاماً لاتحاد المنظمات الهندسية في الدول الإسلامية بين عامي 1989 و1997.

علاء عبد الفتاح والقصاص

شابان من شباب ثورة يناير 2011 المجيدة، وبدلا من تكريمهما على دورهما الكبير، تم القبض عليهما والتنكيل بهما في ظروف سجن غير أدمية.

علاء عبد الفتاح منذ 2013 محبوس في أسوأ الظروف، وتعرض للتهديد والضرب في محبسه بسجن العقرب سيء السمعة، وهدد بالانتحار وبدأ منذ أبريل الماضي إضرابا عن الطعام ضد التنكيل والأحكام الباطلة وأوضاع السجن غير الأدمية.

ورغم أن قضية علاء عبد الفتاح وجدت نصيبا من الاهتمام الدولي خاصة الأمريكي والبريطاني بعد حصوله على الجنسية البريطانية إلا أن الانتقام الممنهج للدكتاتور يصر ألا يلتفت لكل هذا ضاربا بمناشدات حقوق الإنسان الدولية عرض الحائط.

وأيضا محمد القصاص أحد رموز

شباب في ثورة يناير 2011، تعرض للإخفاء القسري والتعذيب عقب القبض عليه في 2018، وسرقة محتويات منزله، ومنع ذويه من زيارته لفترات طويلة، وحبسه انفراديا في سجن العقرب سيء السمعة، ومنعه من التريض.

واستمر التنكيل بالقصاص عبر دوامة الحبس الاحتياطي وتدويره في قضايا جديدة ملفقة فضلا عن حكم جديد جاء مع بروباجاندا حوار السيسي مع المعارضة والتي هي في الحقيقية في سجون العسكر منذ 2013.

صفوان ثابت وابنه

لم يترك تنكيل السيسي رجل الأعمال صفوان ثابت مؤسس شركة جهينة أحد أكبر شركات منتجات الألبان وصناعة العصائر الذي يعرف بمكانته الصناعية وكانت كله أمواله لدعم الوطن ببناء المصانع والمشروعات الجديدة.

وتم اعتقال هذه القامة الصناعية البالغ من العمر 76 عاما في ديسمبر 2020 وبعدها بشهرين تم اعتقال ابنه سيف الدين، بعد رفض مساومتهم على ضم شركته لشركات الجيش.

وأكدت منظمة العفو الدولية في سبتمبر2021 على أن صفوان ثابت وابنه “في ظروف ترقى إلى التعذيب بالحبس الانفرادي لفترة طويلة ولأجل غير مسمى بسبب رفضهما التنازل عن أصول شركتهما”.

ولم يهتم الدكتاتور السيسي بمناشدات كثيرين تطالب بإطلاق سراح صفوان ثابت الذي يمر بحالة صحية حرجة والذي ماتت زوجته بهيرة الشاوي قهرا على ما يحدث ضد زوجها من تنكيل.

كل ما سبق يؤكد أن التنكيل عند السيسي لا يفرق ولا يتوقف من أجل مصالح كرسيه، وهذا يلزمنا جميعا بالاستمرار في كشف جرائم الدكتاتور واستمرار اليقين في قصاص الله عزوجل من المجرمين ونصرة المظلومين، “والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون”.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه فقط.

]]>
https://politicalstreet.org/5192/feed/ 0
موقف العلمانيين من الحوار بين الرئيس مرسي و عبدالفتاح السيسي https://politicalstreet.org/5189/?utm_source=rss&utm_medium=rss&utm_campaign=%25d9%2585%25d9%2588%25d9%2582%25d9%2581-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25b9%25d9%2584%25d9%2585%25d8%25a7%25d9%2586%25d9%258a%25d9%258a%25d9%2586-%25d9%2585%25d9%2586-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25ad%25d9%2588%25d8%25a7%25d8%25b1-%25d8%25a8%25d9%258a%25d9%2586-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25b1%25d8%25a6%25d9%258a%25d8%25b3-%25d9%2585 https://politicalstreet.org/5189/#respond Tue, 07 Jun 2022 14:36:40 +0000 https://politicalstreet.org/?p=5189  

في عهد الرئيس محمد مرسي، كانت مصر تتمتع بديمقراطية حقيقية في أعقاب ثورة 25 يناير 2011م، مجتمع مدني قوي، أحزاب نشطة، انتخابات نزيهة تحت إشراف قضائي كامل، نقابات قوية لها مجالس منتخبة، منظمات مجتمع مدني تمارس نشاطها بكل حرية دون ملاحقة أو قيود، حرية الرأي والتعبير مكفولة للجميع  بنصوص الدستور والقانون، معتقلات فارغة فلم يعتقل سياسي واحد لسبب سياسي، وجرى غل يد الأجهزة الأمنية عن التدخل في  الشأن السياسي. والرئيس منتخب من الشعب بنزاهة لأول مرة ف تاريخ مصر، وكان شديد الحرص على بناء مؤسسات الدولة المنتخبة لإنجاح التحول الديمقراطي، وكان في صراع مرير مع مافيا الدولة العميقة التي كانت تعرقل كل خطوات التحول الديمقراطي وتنسف أي مؤسسة منتخبة عبر بوابة القضاء المسيس. فقد تم الاستفتاء على الدستور الذي شارك الجميع في صياغته والتصويت عليه، وبدأ العمل به من 25 ديسمبر 2012م، بعدما وافق عليه الشعب بنسبة 6,8% مقابل 36.2% رفضوه، وهي نسبة عالية جدا مقارنة بنتائج الاستفتاءات على الدساتير الغربية نفسها.  وفي الملف الاقتصادي، رغم الوضع المتدهور من عصور سابقة،  كان هناك رئيس مدني منتخب يؤكد على حماية الطبقات الفقير والمهمشة والعناية بالدعم وزيادة مخصصاته، وكانت هناك حكومة تتبنى سياسة اقتصادية وطنية ترفض الخصخصة والإذعان لصندوق النقد الدولي، يشجع الإنتاج الوطني ويؤكد أن هدفه هو تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذء والدواء والسلاح.

اللافت أن القوى المدنية العلمانية في معظمها (يسارجية ــ قومجية ــ ناصرجية ــ ليبرالجية) عندما دعوا إلى الحوار الذي أطلقه الرئيس في يناير 2013م، تمردوا، ورفضوا حتى مبدأ الحوار مع الرئيس المنتخب، والذي أعلن أنه سيشارك في الحوار بنفسه وسيلتزم بمخرجاته، رغم أنه لم يكن هناك أساسا شيء يستحق الخلاف عليه في ظل كل هذه المكاسب الهائلة في ملف الحريات والديمقراطية ودولة القانون سوى التوافق على قانون الانتخابات، وهو أمر كان ميسورا لو كانوا صادقين.

وكان المجتمع رغم الفوضى التي خلقتها الدولة العميقة على وشك حسم أي خلاف عبر إحدى أهم أدوات الديمقراطية وهي الانتخابات التي كان ينص الدستور الجديد على البدء في إجرائها بعد 60 يوما من بدء العمل بالدستور. وبالتالي كان أمام الجميع فرصة حقيقية للفوز بثقة الجماهير والتغيير عبر أدوات دستورية ديمقراطية. وعندما أصدر الرئيس قرارا بالدعوة إلى الانتخابات؛ أعلنوا رفضهم ومقاطعتهم لها رغم أنها استحقاق بنص دستوري ولم يكن التوقيت خيارا للرئيس.

حوار رفضوه من حيث المبدأ، وانتخابات أعلنوا مقاطعتها؛ فماذا كانوا يريدون بالضبط؟

وثَّق الكاتب الكبير وائل قنديل هذا الموقف في مقاله (مرسي يحاور مرسي)، المنشور بصحيفة “الشروق” يوم 28 فبراير 2013م، حيث كتب:[[1]] «يدعون إلى الحوار والتفاوض والمناقشة فى كل القضايا المثارة فيتهربون من المواجهة ويختبئون خلف حوائط المقاطعة، ثم لا يتورع أحدهم عن إطلاق كلمات فولكلورية عن أن «مرسى يحاور مرسى» ثم يشد الرحال إلى عالم النكتة والقفشة متسربلا بمسوح الحكمة والخبرة متهما كل الناس بالعبث والجنون وهو وحده الجاد العاقل الرزين. يتحدثون عن أن النظام فقد شعبيته وما كان له من قاعدة جماهيرية، ثم حين تأتيهم الفرصة للإطاحة بهذا النظام وإزاحته عبر انتخابات يطلقون قنابل الدخان ويهربون داخل سحبها الكثيفة. وبالتوازى مع ذلك تستمر ماكينة عصر الأكاذيب فى عملها بمنتهى الكفاءة، فتسمع ثغاء عن بيع الأهرامات وقناة السويس ومياه النيل وينسجون الحواديت المسلية ثم يتعاملون معها على أنها حقائق دامغة، الأمر الذى يفجر أنهارا من السخرية من هذا الإفك، والشفقة على هذا الانحدار فى افتراض أنهم يخاطبون شعبا من المجانين». وراح “قنديل” يستنكر استدعاء هؤلاء للجيش رغم أنهم احتفلوا قبل شهور بإزاحته: «الذين احتفلوا قبل شهور بزوال حكم العسكر بعد ستين عاما من هيمنته على البلاد كما يقولون، يبوسون أقدام المؤسسة العسكرية الآن لكى تعود وتعيد عقارب الساعة إلى بدايات الخمسينيات، وينشطون فى اختراع الفكاهات، من جمع توكيلات للجيش بإدارة البلاد، إلى حشد الوقفات العكاشية للتشجيع على الانقلاب، والتحريض على هدم المبنى على رءوس من فيه. ثم بعد ذلك يقدمون أنفسهم باعتبارهم حماة المدنية والديمقراطية»!. ويضيف: «لقد بلغ الإفلاس السياسى حدا جعل عتاة الليبرالية يريدونها عسكرية، لكن الأفدح هو هذا الإفلاس الفكرى الذى ذابت معه الفواصل بين الخطاب العكاشى (نسبة إلى توفيق عكاشة) وخطاب رموز النضال فى التحرير، فيصفقون ويهتفون احتفالا بكل إخفاق اقتصادى ويقيمون المهرجانات الصاخبة فرحا بكل قطرة تنزفها مصر ماليا أو أمنيا».

الحوار مع السيسي

اليوم (يونيو 2022)، فإن القوى العلمانية التي رأت في إعلان الرئيس مرسي الدستوري في نوفمبر 2012 بأنه كان انقلابا رغم أنه تم تعديله بحوار حقيقي بعد أقل من أسبوع، وكان الإعلان نفسه مؤقتا لحين الاستفتاء على الدستور الذي جرى بعده  بخمسة وثلاثين يوما  (25 ديسمبر2012) لم يروا في الإطاحة برئيس منتخب وتجميد الدستور كله في 03 يوليو 2013 انقلابا، ولم يروا حتى في تعديلاته الدستورية في إبريل 2019م انقلابا، ورغم أنه ارتكب مئات المذابح الجماعية، وأجهض ثورة يناير ، ونسف المسار الديمقراطي، وصنع نسخة متطرفة من الحكم العسكري، ثم فرط في حصة مصر من مياه النيل بشرعنة سد النهضة بالتوقيع على اتفاق المبادئ بالخرطوم في مارس 2015م، ثم فرط في تراب مصر الوطني بالتنازل عن سيادة مصر على جزيرتي “تيران وصنافير” في إبريل 2016م، ثم تبنى سياسات صندوق النقد الدولي في نوفمبر 2016م، وأغرق مصر في ديون لا حصر لها، حتى أصبح بند خدمة الديون وحده في مشروع الموازنة (2022/2023) أكبر من موارد الدولة، كما أفقر عشرات الملايين من المصريين وينحاز بكل سفور إلى الرسمالية المتوحشة وحيتانه من الجنرالات ورجال الأعمال على حساب الغالبية الساحقة من المصريين؛  معتقلات تتملئ بعشرات الآلاف من العلماء والرموز السياسية من كل التوجهات، انتخابات مزورة، إعلام مؤمم، أحزاب مقيدة، حرب ضارية على الحريات ومنظمات المجتمع المدني؛ ورغم كل هذه الكوارث؛ يهرول العلمانيون إلى الجنرال بمجرد أن غمز إليهم واستدعاهم إلى حوار مسرحي هم أول من يعلم أنه حوار شكلي!

بالطبع العلمانيون ليسوا قماشة واحدة؛ وليسوا سواء، وإن كان غالبيتهم متطرفون حد الهوس، لكن ذلك لا يمنع وجود أصوات عاقلة متزنة ترى المشهد على حقيقته؛ فالحقوقي البارز بهي الدين حسن، ينظر إلى إلى الحوار الذي أطلقه السيسي بأنه «دعوة إلى مسرحية يُجرى فيها توزيع الأدوار وفق رؤية المؤلف الأوحد الذي سيضع أيضا خاتمة المسرحية بنفسه، وذلك مع الأطراف التي ستقبل بدور ككومبارس في تلك المسرحية العبثية». وحول المخرجات المتوقعة لمبادرة السيسي، أضاف: “لن يسهم ذلك الحوار المسرحي المُعلب في تحسين أحوال المصريين السياسية أو الاقتصادية، بل سيؤدي فقط لتكريس الأزمة، وتجميل زائف مؤقت لصورة النظام البائس في مصر، والإفراج المحتمل عن آحاد آخرين (من بين عشرات ألوف السجناء السياسيين) بما يُسهّل قبول الرئيس الأمريكي جو بايدن مصافحة السيسي خلال الشهر المقبل (يونيو 2022)”. [[2]]

هذه المقارنة الكاشفة، وهذه المواقف المخزية للقوى العلمانية، دفعت الكاتب الكبير وائل قنديل إلى توثيق ذلك من جديد في مقاله ( حوار وطني تحضيرًا لامتحان بايدن) والمنشور بصحيفة «العربي الجديد» اللندنية في 11 مايو 2022 فكتب: «يدهشك في الأمر أن من الذين يتبرّعون بإعلان الاستجابة، وإنْ كانت مشروطة، لدعوة نظام السيسي لحوار على أرضية الثلاثين من يونيو (2013) كانوا يقفون ضد فكرة الحوار، من حيث المبدأ، مع الرئيس المنتخب محمد مرسي، بل ويعتبرون الاستجابة لدعوة الحوار، مشروطةً أو غير مشروطة، خيانة للوطن وللثورة، وعارًا يلحق بالذين يشاركون بالحوار المنقول على الهواء مباشرة، في ذلك الوقت، والذي يحضرُه الرئيس بنفسه مستمعًا ومنصتًا وموافقًا على النتائج والمخرجات التي يتوصل إليها المجتمعون. مدهشة فعلًا حالة المماحكة التي تختبئ خلف اشتراطاتٍ يعلم واضعوها أن المعني بها لن يعيرها اهتمامًا، وخصوصًا عندما تأتي هذه المماحكات من بعض الذين كانوا يباهون بأنهم يرفضون المشاركة في حوار، بناءً على دعوة الرئيس مرسي، بل ويسخرون من الدعوة والداعين لها، بحجّة أن الرئيس مرسي يحاور مرسي، وبدافع الخشية على وسامتهم الثورية من حوار كهذا مع رئيسٍ منتخب. أتذكّر أن الحوار مع مرسي في تلك الأيام أثمر تراجعًا عن إعلانه الدستوري، الذي حقق به مطلبًا كان مرفوعًا طوال الوقت في ميادين بمصر، وهو إقالة نائب عام ضد الثورة، وفرض المشاركون بالحوار على الرئاسة بيانًا يتضمّن مفردة “الإلغاء” للإعلان الدستوري، وليس تعديله، كما حقق مكاسب كان من الممكن البناء عليها للنجاة من جحيمٍ كان يُصنع في غرف مظلمة، بتطوّع وتفرّغ كاملين ممن أسميتهم وقتذاك “رموز جماعة الحرب حتى يوم القيامة” الذين حقّقوا سقوطا ذريعا أمام اختبارٍ فرضته ظروف تداهم الوطن بأسره، شعبه قبل حكومته، فتفلتوا من فكرة الالتقاء حول مشترك وطني وقومي، مردّدين الكلام المضحك ذاته عن أنهم لن يمنحوا الفرصة للنظام لكي ينهل من وسامتهم الطاغية، ويتجمل من خلال صورة فوتوغرافية معهم فى القصر الرئاسي. تلحّ هذه المشاهد على الذاكرة مع هذا التطوّع لإضفاء جدّية على لعبة هزلية مؤقتة، هي في ظني ليست أكثر من محاولة لارتداء قناعٍ واقٍ من عاصفة انتقادات ومساءلة أميركية قادمة في النصف الثاني من يونيو/ حزيران المقبل، يعلم المتفاعلون أنه فور اجتياز امتحان بايدن سيزيح هذا النظام قناعه، ويستعيد ملامحه الحقيقية .. هذا إن التفت النظام إلى هذه الهدايا المجانية أو أعارها اهتمامًا من الأصل».[[3]]

تفسير الموقف العلماني

هناك عدة تفسيران للموقف العلماني،

التفسير الأول، هو تفضيل العلمانيين إسقاط نظام  الرئيس مرسي بأدوات غير دستورية لفشلهم في الفوز بثقة الجماهير؛  لذلك تحالفوا مع الدولة العميقة وفلول نظام مبارك من أجل الإطاحة بالإسلاميين من المشهد كله وليس مجرد تغيير النظام. يقول الكاتب الكبيير فهمي هويدي، في مقاله (فى تفسير رفض الحوار) المنشور بالشروق يوم 31 يناير2012م،  إن المعارضة العلمانية مع الرئيس مرسي لم تكن حريصة حقا على التوصل إلى وفاق وطني، وذلك في أعقاب البيانات التي خرجت من القوى والأحزاب والعلمانية ورموز هذا التيار وقتها ترفض الحوار أو تضع شروطا تعجيزية له، يقول هويدي: « أعطانى ذلك (رفض الحوار) انطباعا بأن أجواء ذكرى 25 يناير وخروج جموع الغاضبين إلى الميادين والشوارع دفعت البعض إلى ركوب الموجة والمزايدة على الجميع والاستقواء بالشارع ومحاولة إحداث انفلات فى البلد يمكن أن يكرر ما حدث إبان الثورة، ويؤدى فى نهاية المطاف إلى إسقاط النظام لصالح المنافسين المتربصين. ولذلك ارتأى هؤلاء أن التسخين والتصعيد يمكن أن يحققا هذه النتيجة. ولذلك فلا داعى لإجراء أى حوار، لأن التوافق من شأنه أن يطيل من أجل النظام الذى قرروا أنه على وشك السقوط أو أنه مؤهل لذلك».[[4]]

لكن ما كان يراه هويدي استنتاجا، أقر به الناشط أحمد ماهر، مؤسس حركة شباب 6 أبريل، في مقال تحت عنوان (للأسف كنت أعلم) والذي سربه إلى عدة مواقع إخبارية في مايو 2014م عندما كان معتقلا.[[5]] يؤكد فيه ما يلي:

  • أولا، أنه كان يعرف بأمر الانقلاب العسكري منذ فبراير 2013م. وأن الجميع (القوى المدنية العلمانية) كانوا يعرفون، ويحرضون عليه ويشاركون فيه.
  • ثانيا، الإقرار بأن القوى العلمانية كانوا على دراية مسبقة بمخطط الانقلاب وافتعال العنف وسفك الدماء للتمهيد له؛ يقول ماهر: «فى فبراير 2013 تقابلت صدفة مع أحد أمراء الشعب الذى بشرنى بسيناريو افتعال العنف والاشتباكات ثم سيل مزيد من الدماء وأحداث فوضى لكى ينزل الجيش وسألنى.. أنت معانا ولا لأ.. احنا عايزين 6 أبريل هى اللى تقود، فكانت إجابتى.. سيناريو العنف والدم لا يتفق مع مبادئنا وأيدلوجياتنا، كما أن سيناريو عودة العسكر للسلطة هو أمر نرفضه تماما.. ألا تذكر 2011م.فكان رده: “طيب إذا كنت رافض تكون معانا فعلى الأقل بلاش تنتقد العنف والدم وعودة العسكر للسلطة”. هذه المخططات كانت معدة في أعقاب الإطاحة بمبارك مباشرة؛ يبرهن على ذلك التسريب الصوتي لضابط كبير بأمن الدولة مع رئيس حزب الوفد السابق سيد البدوي، وهو التسريب الذي تم بثه في 2015م ويرجح أنه جرى أواخر 2011م قبل الانتخابات البرلمانية لأن الضابط كان يوجه السيد البدوي بالابتعاد عن الإخوان شاكيا كثافة الظهور الإخواني على شاشة قناة الحياة التي كانت مملوكة وقتها لرئيس حزب الوفد السابق. والذي برر ذلك بأنه يطمع أن يكون رئيسا للجمهورية، وأن ذلك لن يحصل إلا بدعم الإخوان باعتبارهم أصحاب شعبية جارفة. ما يعني أن الجماعة في وقت التسريب لم تكن قد أعلنت عن قرارها بالمشاركة في الانتخابات الرئاسية بمرشح من طرفها وهو القرار الذي صدر في منتصف مارس 2012م. خطورة هذا التسريب أن الضابط الكبير الذي لم تعرف هويته حتى اليوم كشف عن سيناريو الدولة العميقة لمواجهة ثورة يناير والشعبية الجارفة للإخوان المسلمين، وهو التسريب الذي احتوى على تأكيد الضابط الكبير بأن الإخوان لن يحكموا البلد وأنهم سوف يتعرضون خلال السنوات المقبلة لمذابح دموية مروعة. «أنا يا سيد بقولك إن الإخوان دول هيتعمل فيهم إللي متعملش في الكام سنة اللي جايين .. هيدبحوا.. هتطلع مليشيات تدبحهم في بيوتهم .. هتخش عليهم بيوتهم تدبحهم في سرايرهم». وكشف أن هذه المليشيات المسلحة لن يعرف أحد هويتها. وأن مصر سوف تغرق في إرهاب لا يعلم أحد مصدره. «مصر بقى هتغوص في إرهاب محدش عارف مصدره». والإشارة إلى أن حل أمن الدولة هو تهديد لاستمرار أي نظام سياسي وأن مصر لا يمكن أن تدار بدون أمن الدولة وقانون الطوارئ. «ما انتو قلتوا بلاش القوانين ونلغي أمن الدولة». وأخيرا التأكيد على مصادرة جميع أشكال حرية الرأي والتعبير. «اللي هيتكلم  هتقتطع رقبته  في سريره».[[6]] هذا التسريب رغم أهميته الكبيرة لم يطلب النائب العام فتح تحقيق في محتواه رغم أنه يفك جميع ألغاز الجرائم التي جرت بعد الإطاحة بمبارك وتكشف بوضوح عما كان يسمى وقتها بالطرف الثالث المتهم بإثارة العنف والفوضى وسفك الدماء فقد ثبت أنه الطرف الأول “مؤسسات الدولة العميقة وعلى رأسها الجيش بمخابراته الحربية” التي رأت في ثورة يناير وصعود الإسلاميين وتكريس نظام ديمقراطي حقيقي تهديدا للنفوذ الذي تحظى به والمزايا التي تتمتع به دون باقئ فئات الشعب.
  • ثالثا، مخطط الانقلاب واتهام الإخوان بالإرهاب، كان معدا له قبل ذلك بفترة طويلة؛ يقول ماهر: «فى الفترة من 3 يوليو وقبل التفويض، وعند بدء اعتراضنا على الإجراءات والانتهاكات واعتراضنا على فكرة التفويض، جاء رجل من أقصى المدينة يسعى، صديق قديم أصبح فى معسكر السلطة وحذرنى: ليس مسموحا بالاعتراض.. احنا فى (حرب على الإرهاب).. مفيش حاجة اسمها حقوق إنسان، احنا فى حالة طوارئ دائمة وغير مسموح بالمعارضة، من ليس معنا فهو ضدنا.. وخلى بالك من نفسك يا أحمد علشان خلاص جابو آخرهم منك.. حتى فكرة لا عسكر ولا إخوان مرفوضة.
  • رابعا، أقر ماهر أن القوى (المدنية العلمانية) وقعت في فخ العنصرية والتمييز؛ فهم يدافعون عن المعتقل الذي ينتمي إليهم، أما المعتقلون من خصومهم (الإسلاميين) فلا يكترثون لأمره؛ يقول ماهر: «أريد أن أستخلص من المقدمة التى كتبتها ومن مقالة الحرية للمعتقل الذى لا نحبه أن كثيرا من النخب الليبرالية والثورية والشبابية وقعوا بالفعل فى الفخ، فالمعتقل الذى ليس معنا أو الذى لا نحبه أو اللى مش مننا كتيار فلا حريه له.. وحلال فيه القمع والتلفيق». ويحذر من الليبراليين العسكريين الذين يتجاهلون قيم الليبرالية كرفض القمع والقتل وحق التظاهر، وتجدهم يؤيدون قمع وقتل وسحل الإسلاميين لأنهم لا يشبهوننا، ثم يبدأ الكلام عن حكم العسكر وعندما يعتقلون من نحبهم.. رغم أن السلطة المتوحشة واحدة. وكل ذلك نقلا عن مقالة وصلته في السجن بعنوان «الحرية للمعتقل الذي لا نحبه» للكاتب بلال علاء. ويضيف: «الصمت على اعتقال من لا نحبهم يفتح الطريق للسلطة القمعية للتنكيل بمن نحبهم، ومع الوقت سيعانى الجميع من التشويه والشائعات … فلا عاصم من بطش السلطة مهما كنت منافقا أو صامتا».

التفسير الثاني، أن سبب تمرد غالبية العلمانيين على الرئيس مرسي وهرولتهم نحو السيسي، وتفضيلهم للدكتاتورية مع العسكر على الديمقراطية مع الإسلاميين؛ مرده هو التطرف في العلمانية، بوصفها عقيدة بديلة للإسلام ذاته. ويذهب المفكر والمؤرخ والرمز الإسلامي الراحل المستشار طارق البشري إلى أن بمصر تيارا فكريا متماسكا وقويا يتبنى العلمانية، لا كحلول تطبيقية فقط ولكن كمرجعية فكرية، متأثرًا في هذا بما تربى عليه من أكثر من جيل سابق؛ من الأخذ بالفكر الغربي العلماني في أصوله النظرية، حتى صار بالنسبة لهم نوعا من الانتماء العقدي، وهو فصل الدين عن الدولة. هذا التيار بذاته يرفض أصول المرجعية الإسلامية فيما يتعلق بالنظرة الكلية التي يتبناها الإسلام رابطًا بين المرجعية الدينية والحياة المدنية. هذا التيار لا يوافق مطلقا على إعادة تصدير الإسلام في صورة مختلفة، إنما يريدون إزاحة الدين جانبا بلا رجعة. والحاصل أن العلمانيين لا يملكون قوة شعبية وسياسية، ولكنهم يتحيزون في مصر ويترابطون في مجال الإشاعة الثقافية العامة: التأليف والصحافة والإعلام والفنون والآداب كالقصة والمسرح وغير ذلك.. وهم من يشكلون القوى المعنوية الأساسية التي تتبناها سلطات الدولة المستبدة في مصر على مدى تاريخها الحديث. وهي (السلطة العسكرية) لا تستطيع أن تستغني عنهم؛ لأنه لا توجد قوى ثقافية أخرى يمكن أن تقف معها وتمكنها من هذا الموقف المستبد ضد التغيير وضد الشعوب وضد الهوية المتميزة، وضد الشكل الثائر الذي هو حادث على مدى تاريخنا الاستبدادي المعيش منذ عقود عدة. فهناك ــ وفقا للبشري ــ مصلحة متبادلة في مصر ـ بين السلطة العسكرية والتيار العلماني ــ  من حيث الوجود السياسي والاجتماعي والثقافي بين قوائم السلطة الاستبدادية، التي لا غنى لها عن الدعم الثقافي والإعلامي لتأكيد شرعيتها، هناك مصلحة متبادلة بين هذه القوى الاستبداية وبين الوجود العلماني العقيدي الفكري الذي يدعمها ويقف بجوارها ويقدم لها وجوه الشرعية التي تمكنها من سلاسة الحكم، وليس له هو في أي من أجنحته قدرة على الوصول إلى جماهير الشعب مهما ادعى من إيمان بالديمقراطية وبالحرية.. هو في النهاية يصوغ هذه المفاهيم –التي يكررها دائما- صياغات تدعو للاستبداد وتقف ضد الحركات الشعبية الواسعة المنظمة.[[7]]

معنى ذلك أن هناك تطابقا في الرؤى بين السلطة العسكرية المستبدة والقوى العلمانية بشأن تكريس العلمانية في مصر على حساب القيم الإسلامية؛ وبينما يرى العلمانيون ضرورة إزاحة الإسلام تماما من التأثير في المجال  العام، ليكون محصورا في الزوايا بوصفه شأنه فرديا، ترى السلطة العلمانية أنه يتعين توظيف  الإسلام نفسه لخدمة أجندة السلطة ومآربها، وإضفاء مسحة شرعية دينية على السلطة العلمانية نفسها.

وكلاهما (العسكر + العلمانيون) ينفذون المخططات الغربية بشأن التعامل مع الإسلاميين؛  حيث يذهب «البشري» إلى أن  الولايات المتحدة لا تعادي جماعة الإخوان مباشرة؛ لأنها حركة سلمية وإظهار العداء لها يؤدي إلى تقوية حجج وجانب الاتجاهات الإسلامية المسلحة، لكن الولايات المتحدة في الوقت نفسه لا تريد أن يقوى أي تيار إسلامي يمكن أن يكون له دور سياسي في المنطقة العربية أو غيرها؛ ومن ثم لم ترحب بصعود الإسلاميين عقب الثورات؛ لأن الدور السياسي الإسلامي في التحليل النهائي سيكون وطنيًا، ويبحث عن سياسات وطنية مستقلة ومتميزة. كما أنه -وهذ ما حدث فعلًا في العقود الأخيرة- لم نجد حركة شعبية منظمة وعلمانية في أي من أقطارنا الإسلامية تكون وطنية مستقلة، إنما صارت كل الحركات الوطنية في بلادنا حركات ذات نزعة إسلامية. النقطة الثانية المهمة أنه ثبت بالتجربة التاريخية بعد انتهاء الاستعمار القديم في صورته القائمة على الاحتلال العسكري أن الحركات الإسلامية- أو قل الفكرية الإسلامية وحدها- هي التي تستطيع أن تعبئ الجماهير وتحشدها في تشكيلات تنظيمية واسعة النطاق. وهذا ما يراد منعه ويتعين تفاديه من قبل قوى الاستبداد الداخلية في أقطارنا ومن البلاد الغربية التي تستهدف السيطرة على مصائرنا. ولقد أكدت هذا المعنى ثورات الربيع العربي عامة –وبالأخص ثورة 25 يناير- التي أظهرت أن العلمانية حينما يتاح لها فرصة التشكيلات التنظيمية فإنها تفشل تماما في إقامة أي تشكيل سياسي شعبي، ولم ينجح قط حتى في الانتخابات التي تجرى إلا التشكيلات ذات المرجعية الإسلامية. وهذان هما الوجهان اللذان تتعامل معهما السياسة الأمريكية بإظهار أنها ليست ضد التيارات الإسلامية الوسطية المعتدلة، في الوقت نفسه تشجع الحكومات القُطْرية على محاربتها والقضاء عليها.[[8]]

خلاصة الأمر، أن المواقف العلمانية المؤيدة للطغاة في بلادنا إنما تستند إلى ثلاثة جذور: الأول، علمانية عقدية ترفض الإسلام ذاته وترفض الاحتكام إلى مبادئه وأحكامه، وترفض أن يكون له دور في الحياة؛ وبالتالي هم يحاربون التيارات والحركات الشعبية والسياسية المنظمة الداعية لحكم الإسلام ويبروون سحقها بوصفه عملا بطوليا لحماية الدولة نفسها من الإرهاب الإسلامي. الثاني، هو موقف نفعي يقوم على أساس الصفقة المشبوهة بين السلطة العسكرية المستبدة من جهة والرموز والقوى العلمانية بوصفهم يؤدون دورا مهما في إضفاء شرعية ثقافية على السلطة ومواقفها؛ لذلك تفتح لهم الدولة أبواب المناصب الحساسة في مؤسسات الدولة الإعلامية (صحف ومواقع وفضائيات ــ دراما ــ سينما) والثقافية والحكومية، ويتم تضخيمهم إعلاميا رغم أنهم تقريبا بلا شعبية تذكر. فوجود ديمقراطية حقيقية يعني صدارة الإسلاميين للمشهد، ودخول العلمانية في غيبوبة الموت؛ وهم يفضلون موت الوطن ودماره مع الدكتاتورية على موت أفكارهم البالية المعادية للإسلام في  جوهرها. ورغم ذلك فلا يجب التعميم مطلقا؛ لأن التجربة برهنت على وجود رموز علمانية تملك ضميرا يقظا وحسا وطنيا كبيرا ونبلا يضرب به المثل في الإنسانية والانتماء للوطن. ومع هؤلاء يجب إدارة حوار (إسلامي ـ علماني) من أجل مصر وحاضرها ومستقبلها؛ فالمستقبل لهم دون غيرهم.   الثالث، أن العسكر والعلمانيين ينفذون أجندة الغرب بشأن تجذير العلمانية في بلادنا وسحق التيارات الإسلامية التي تملك حاضنة شعبية معتبرة يمكن أن تمثل تهديدا للنفوذ والمخططات الغربية التي تستهدف مصر والمنطقة؛ لذلك ورغم كل الآيات والبراهين التي كشفت السيسي ونظامه العسكري، تندهش عندما ترى كتابا كنا نظن بهم خيرا لا يزالون تشبثون بالحكم العسكري ويشجعون بشدة دعوة السيسي للحوار من أجل ترميم تحالف 30 يونيو (العسكر ــ العلمانيون) بوصفه الغطاء المدني لانقلاب 03 يوليو وتبييص صورة النظام العسكري  ومواجهة جماعة الإخوان التي فازت بثقة الشعب المصري في أنزه انتخابات في تاريخ مصر.[[9]]  وحتى اليوم لا يخجل العلمانيون من التحريض والمشاركة في جريمة انقلاب 03 يوليو، بل يفتخرون بذلك بوصفه بطولة لحماية الدولة والوطن، من خطر الإرهاب الإسلامي؛ وهم بذلك يتسقون تماما مع أفكارهم وتصوراتهم التي تعلو فيها العلمانية على الإسلام، بل تمثل بديلا له.

 

 

————————————–

[1] وائل قنديل/ مرسى يحاور مرسى/ الشروق ــ الخميس 28 فبراير 2013

[2] طه العيسوي / بهي الدين حسن: حوار السيسي مسرحية تبحث عن كومبارس/ “عربي 21” ــ الخميس، 12 مايو 2022

[3] وائل قنديل/ حوار وطني تحضيرًا لامتحان بايدن/ العربي الجديد ــ 11 مايو 2022

[4] فهمي هويدي/ فى تفسير رفض الحوار/ الشروق ــ الخميس 31 يناير 2013

[5] أحمد ماهر/ للأسف كنت أعلم/ مصر العربية ـ 13 مايو 2014

[6] https://www.youtube.com/watch?v=u_YAJU1_ANQ

[7] فريق العمل/ طارق البشري لـ«إضاءات»: موقف الدولة من تيران وصنافير لم أره في حياتي/ إضاءات ــ 18 يونيو 2017م

[8] فريق العمل/ طارق البشري لـ«إضاءات»: موقف الدولة من تيران وصنافير لم أره في حياتي/ إضاءات ــ 18 يونيو 2017م

[9] انظر ما كتبه رئيس تحرير الشروق عماد الدين حسين/ إعادة الروح لتحالف 30 يونيو/ الشروق ــ الثلاثاء 24 مايو 2022

]]>
https://politicalstreet.org/5189/feed/ 0