‫الرئيسية‬ العالم العربي فلسطين هبة باب العمود المقدسية: الدوافع والتداعيات
فلسطين - مايو 5, 2021

هبة باب العمود المقدسية: الدوافع والتداعيات

تشهد مدينة القدس منذ الأول من رمضان، اشتباكات واسعة بين الفلسطينيين والإسرائيليين على خلفية قيام شرطة الاحتلال وبدعم المستوطنين بإغلاق مدرج باب العمود بحواجز معدنية، وهو أحد أكثر الأماكن حيوية لتجمع الفلسطينيين المتجهين للمسجد الأقصى. ولم تقتصر رقعة المواجهات العنيفة بين المقدسيين والجماعات الاستيطانية على منطقة باب العمود، بل توسعت لتشمل أغلب الأحياء بالمدينة المحتلة مثل وادي الجوز والطور وسلوان والشيخ جراح والعيسوية.

اشتباكات باب العمود

 

 

تشهد مدينة القدس منذ الأول من رمضان، اشتباكات واسعة بين الفلسطينيين والإسرائيليين على خلفية قيام شرطة الاحتلال وبدعم المستوطنين بإغلاق مدرج باب العمود بحواجز معدنية، وهو أحد أكثر الأماكن حيوية لتجمع الفلسطينيين المتجهين للمسجد الأقصى. ولم تقتصر رقعة المواجهات العنيفة بين المقدسيين والجماعات الاستيطانية على منطقة باب العمود، بل توسعت لتشمل أغلب الأحياء بالمدينة المحتلة مثل وادي الجوز والطور وسلوان والشيخ جراح والعيسوية.

ووصلت أصداء المواجهات في القدس إلى الضفة وغزة، وشهدت العديد من المناطق مواجهات خاصة في رام الله والخليل والبيرة ونابلس. أما في غزة فقد شهد التضامن مع المقدسيين، شكلا آخر عبر إطلاق عدة صواريخ باتجاه المستوطنات المحيطة بالقطاع إضافة إلى تنفيذ وقفات تضامنية من الفصائل والفعاليات المجتمعية. فضلا عن تحذيرات الأجنحة العسكرية، بالرد على أي تماد للاحتلال تجاه القدس والمقدسيين. ولينجح المقدسيون على مدار الأيام الماضية، في إجبار الاحتلال على الرضوخ لإرادتهم، وإزالة كافة الحواجز الحديدية التي نصبت في منطقة باب العمود[1].

 

أولًا: دوافع وأسباب هبة باب العمود:

لم تكن هبّة باب العمود وليدة اللحظة، إنما انفجرت فقط في شهر رمضان الكريم نتيجة تراكمات وأحداث حصلت خلال السنوات الماضية، تحديداً منذ اعتراف الرئيس الأميركي المنصرف، دونالد ترامب، بالقدس عاصمة لإسرائيل (ديسمبر 2017)، ومن ثم تصاعد الممارسات والخطوات التهويدية الاستيطانية لتكريس تلك الحقيقة الواقعة على الأرض.

في هذا الصدد، تمكن الإشارة إلى تزايد مصادرة الممتلكات والبيوت، وطرد أصحابها وسكانها المقدسيين منها لتسليمها إلى جماعاتٍ استيطانيةٍ متطرّفة، بدعم واضح من المؤسسة السياسية والقضائية الإسرائيلية، ونتحدّث تحديداً عن حيّ الشيخ جرّاح، المجاور لباب العامود، حيث المحاولات جارية لطرد عشرات العائلات ومئات السكان، كما يجري الحديث عن خطط لمصادرة عشرين ألف بيت في القدس وهدمها وطرد 150 ألفاً من سكانها.

وفي السنوات الماضية أيضاً، تسارعت وتيرة التهويد الرسمية عبر مشاريع استيطانية وسياحية، وأخرى تتعلق بالتكنولوجيا والمواصلات، لفرض الطابع اليهودي، التوراتي تحديداً، في محيط الحرم القدسي الشريف. وتمكن الإشارة أيضاً، على سبيل المثال، إلى مشروع القطار الخفيف، كما مدينة التكنولوجيا الذكية في وادي الجوز المجاور أيضاً لباب العامود. وفي الفترة الماضية، تصاعدت أيضاً حملات القمع الإسرائيلية بحق المصلين، وشيوخ المسجد الأقصى، وموظفيه، والمرابطين، عبر حملات اعتقال ومنع من دخول الحرم القدسي، وحتى منع من السفر، إضافة إلى التضييق على خطط الترميم والإعمار لمرافق الحرم وأمور متعلقة ذات صلة، من قبيل الدروس والحلقات التعليمية وما إلى ذلك. وشهدنا، في الأسابيع والشهور الماضية، ارتفاعاً مطّرداً في أعداد وفترات اقتحام المستوطنين المتطرفين من تيار الصهيونية الدينية الحرم القدسي، بالتوازي مع الدعوات إلى فرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى، وإن في المرحلة الأولى، وصولاً إلى إعادة بناء الهيكل الثالث المزعوم.

ومع دخول شهر رمضان، واصلت سلطات الاحتلال التضييق على المقدسيين والمصلين وإقامة الشعائر الدينية الرمضانية في ساحات القدس، حيث إقامة صلاة التراويح في الساحات ثم الجلسات والسهرات الرمضانية فيها، بل وصل الأمر بالاحتلال إلى قطع أسلاك ميكروفونات المسجد الأقصى للتشويش على إقامة أول صلاة للتراويح، ومنعها بالتالي في الساحات المحيطة به. وشهد بدء الشهر الكريم وضع سلطات الاحتلال سلاسل وحواجز معدنية في ساحة باب العامود لمنع الصلاة، أو إحياء الليالي الرمضانية فيها، ما أدّى إلى تفاقم الغضب في الشارع الفلسطيني. ولا يمكن تجاهل الاحتقان الناتج عن مماطلة الاحتلال في الموافقة على إجراء الانتخابات الفلسطينية، التشريعية ثم الرئاسية في القدس، وسعي السلطة إلى استغلال ذلك لتأجيل العملية الانتخابية برمتها، وحتى إلغائها.

وأخيراً، جاءت النقطة التي أفاضت الكأس عبر تظاهرة جماعة لاهافا المتطرّفة، الخميس الماضي (22 إبريل الحالى)، في محيط الحرم القدسي، وباب العامود تحديداً، والتي ردّدوا خلالها شعارات تحريضية عنصرية ضد المقدسيين والعرب، وأخرى تتعلق بتهويد مدينة القدس وفرض السيطرة التوراتية عليها. وهؤلاء المتطرّفون لم يعودوا هامشيين، بل باتوا في صلب الطبقة السياسية بعدما شرعنهم أو بيّض صورتهم بنيامين نتنياهو قبل انتخابات الشهر الماضي (مارس)، التي أوصلت فتيان التلال العنصريين إلى الكنيست، وربما الحكومة[2].

وبناءً على ما سبق؛ يمكن إرجاع هبة باب العمود لمجموعة من الأسباب، أبرزها:

– قطع الشرطة الإسرائيلية مكبرات الصوت في المساجد في الحرم القدسي.

– قيام الشرطة بإغلاق الدرج عند بوابة نابلس، ويستخدم هذا الطريق كل عام في شهر رمضان كمكان لقاء ليلي وتجمع شباب من القدس الشرقية.

– أن القوات الإسرائيلية تعمل على إخلاء المنطقة بأكملها من الفلسطينيين قبل الاحتفال اليهودي المسمى “يوم القدس” الذي يوافق هذا العام 28 من رمضان، وهناك تحذيرات بأن المستوطنين قد يستغلوا هذا الحدث لمحاولة اقتحام الأقصى.

– من المقرر اخلاء عدة عائلات عربية نهاية الشهر الجاري (إبريل)، بحسب قرار المحكمة المركزية، من منازل في مجمع “كرم الجاعوني” في حي الشيخ جراح في القدس الشرقية.

– دخول عدة عائلات يهودية للعيش في منازل تم شراؤها وفق القانون في قرية سلوان في القدس الشرقية.

– الحظر الإسرائيلي على سكان القدس الشرقية المشاركة في الشهر المقبل (مايو) في الانتخابات النيابية.

– رفض الفلسطينيين في القدس الشرقية إعلان الرئيس ترامب بأن القدس عاصمة “لإسرائيل” في ديسمبر 2017، وهو الإعلان الذى يهدف إلى تهويد القدس الشرقية[3].

– أن باب العمود يمثل أهمية خاصة لليهود القاصدين حائط البراق، ولأن استمرار وجود هذا الكم الكبير من ​الفلسطينيين​ على مدرجه في شهر ​رمضان​ المبارك يشكل بالنسبة لليهود خطرًا أمنيًا، لذا تسعى سلطات الاحتلال إلى تثبيت واقع المراقبة الدائمة على الفلسطينيين ومنعهم من التواجد في منطقة الباب تمهيداً لتغيير هذا الواقع بشكل جذري لصالح التهويد التدريجي.

– يمثل باب العمود أهمية خاصة عند المقدسيين كونه يعد الشريان الأساسي الذي يوصل إلى أسواق البلدة القديمة التي يمتلكها ​الفلسطينيون​ وتمنحهم باب رزق لذلك يعمل الاحتلال بشكل يومي على اغتيال ​الحياة​ الاقتصادية للمدينة وإغلاق أبواب حوانيتها، وبالتالي تدمير التدفق الاجتماعي عبر باب العمود بغرض الغاء ما تبقى من الأسواق والسيطرة على عدد أكبر من ​العقارات​ في البلدة القديمة ومن ثم تهويدها[4].

 

ثانيًا: دلالات وتداعيات الهبة:

يمكن الإشارة إلى مجموعة من الدلالات التى أسفرت عنها هذه الهبة كما يلى:

– أول ما كشفته الانتفاضة هو أن هناك شيئا واحدا يوحّد الفلسطينيين جميعا، داخل الوطن المحتل من بحره إلى نهره، وفي الشتات، وهو القدس. فقد جاءت الانتفاضة في ظل انقسام كبير زاد من حدته اتفاق الفصائل الفلسطينية على عقد الانتخابات التشريعية متبوعة بانتخابات الرئاسة، فقد قسمت هذه الانتخابات حركة فتح إلى ثلاث قوائم، وفتحت جدلا كبيرا في صفوف أنصار حركة حماس، والأهم والأخطر من ذلك أنها كانت من المتوقع أن تتسبب بانقسامات كبيرة بعد إجرائها بغض النظر عن الفائزين والخاسرين فيها.

وسط هذا الانقسام القائم والمحتمل، وحّدت انتفاضة القدس الفلسطينيين جميعا لسببين رئيسيين: أولهما أنها معركة واضحة لا لبس فيها، ولا فصائلية فيها، بل هي معركة الفلسطينيين ككل مع الاحتلال، وثانيهما أنها أعادت الصراع إلى مربعه الحقيقي والجذري الأول بين شعب محتل واحتلال غاصب، فيما كان الصراع سابقا ملتبسا، يعطي صورة مخاتلة عن صراع بين كيانين (السلطة والاحتلال)، وأحيانا صراعا داخليا على إدارة سجن كبير اسمه “سلطة” تحت سقف أوسلو في الضفة الغربية وقطاع غزة، مع اختلاف في التفاصيل بين الوضع في الضفة والقطاع.

– ثاني ما كشفته الانتفاضة المجيدة، هو أن الاحتلال ليس “إلها” متوجا في الأرض، فهو ليس قادرا على فرض معادلاته كما يشاء في الأراضي المحتلة، بل إن المعادلات تفرض عبر الاشتباك والصراع، وكلما وجد الاحتلال -برغم قوته الهائلة- ثمنا لانتهاكاته وجرائمه، قدم تنازلات وتراجع عن بعض الانتهاكات[5].

فقد جاءت هبة القدس في لحظة زهو صهيوني استثنائي. لقد جاءت مباشرة بعد سلسلة من المواقف والتصريحات الصهيونية على لسان نتنياهو وسواه، منها قوله إن موقف الشعب الفلسطيني لم يعد مهمًا، وإن بوسع الصهاينة أن يتجاوزوه، ويعقدوا اتفاقات مع سائر الدول العربية، كما توعد بالهيمنة على المنطقة برمتها، وحديثه عن أن كيانه قد تحول إلى قوة إقليمية، بل “قوة عالمية” أيضًا.

ولكن مع هبة القدس، أصبح نتنياهو يتحدث خطابًا لينًا لم يُعهد عنه، حين دعا إلى التهدئة، وعينه بطبيعة الحال على التداعيات المحتملة للهبة، ممثلة في انتفاضة تحاكي “انتفاضة الأقصى” التي انطلقت صيف العام 2000، حين جاء شارون واقتحم الأقصى، لتأكيد حق الصهاينة فيه.

فنتنياهو يدرك تمامًا أن اندلاع انتفاضة على شاكلة انتفاضة 2000 يعني إهالة التراب على كل عمليات التطبيع التي نجح فيها، وهو يتذكر تمامًا أن مرحلة ما قبل انتفاضة الأقصى شهدت موجة هرولة وتطبيع أسوأ من المرحلة الأخيرة، ولكن الدم الفلسطيني نجح في شطبها، وإعادة الأمور إلى وضعها القديم[6].

– كشفت الانتفاضة أيضا أن النضال والفعل الفلسطيني يوحّد الشعوب العربية وليس فقط الشعب الفلسطيني. يعطي النضال الفلسطيني للعرب أملا بتحقيق أهداف وإن كانت صغيرة، ويجمعهم على الوقوف خلف الشعب الفلسطيني في معركة مع احتلال لا يمثل أزمة فلسطينية فقط، بل أزمة عربية بامتياز، ويؤكد لهم أن ادعاءات الاحتلال عن الرغبة بتسويات وبسلام مع العرب هي ادعاءات كاذبة، إذ إنه يريد استسلاما عربيا وفلسطينيا كاملا، لا تسويات عادلة -حتى بمنظور القوانين الدولية الظالمة للفلسطينيين-.

كما أثبتت الثورات الشعبية العربية التي انطلقت موجتها الأولى عام 2010-2011 أن الشعوب العربية يتأثر بعضها ببعض، وأن حراكا شعبيا في أي دولة قادر على تحريك آمال وتطلعات شعوب الدول الأخرى، وليس مثل فلسطين ونضالات شعبها ما يمكن أن يلهم الشعوب العربية لمتابعة جولات جديدة من نضالاتها لتحقيق انتصارات، ولو جزئية، في معركتها الطويلة ضد الاستبداد والاستعمار في آن واحد.

– كشفت انتفاضة الفلسطينيين في القدس أن محاولات “كي الوعي” تجاه فلسطين وشعبها ستسقط عند أول حراك نضالي فلسطيني، وأن أوهام فرض التطبيع على الشعوب عبر اتفاقيات مدججة بدعايات إعلامية رسمية في الإعلام الرسمي ومواقع التواصل الاجتماعي على حد سواء، ليست سوى سراب سيكشف زيفه أول منعطف في الصراع بين الشعب الفلسطيني والاحتلال.

لقد صارت وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية كلها “تتكلم فلسطيني”، وظهرت البوصلة الحقيقية لشعوب المنطقة، عربا وأمازيغ وأكرادا، مسلمين ومسيحيين، وأحرارا من كل بقاع الأرض. غزت الفيديوهات القادمة من القدس كل الفضاء الأزرق، وعادت الرواية الحقيقية غير المدفوعة بجيوش إلكترونية لتتسيّد النقاش العام، وغابت المنشورات المدفوعة عن “بيع الفلسطينيين لأرضهم” أو “فلسطين ليست قضيتي”، لتحل مكانها في كل “تريندات” دول المنطقة العربية “القدس تنتفض”[7].

 

وفيما يتعلق بالتداعيات التى قد تنتجها هذه الهبة، يمكن توضيحها فيما يلى:

– من المتوقع أن يستغل محمود عباس هذه الهبة لتبرير قراره بشأن إمكانية تأجيل الانتخابات الفلسطينية (فكل الترجيحات تشير إلى أن عباس سيقرر تاجيل الانتخابات خلال اجتماعه المرتقب، فى 29 إبريل الحالى، مع اللجنة المركزية لحركة فتح وفصائل أخرى للبت في مصير الانتخابات وإجرائها بمواعيدها المقررة)، خاصة أن عباس قد سبق وصرح بأنه لا يمكن إجراء الانتخابات دون مشاركة سكان القدس الشرقية.

– قد تدفع تلك الهبة نحو إمكانية وقوع اشتباكات عسكرية بين فصائل المقاومة فى غزة والاحتلال الإسرائيلى، فقد أطلقت المقاومة فى غزة، خلال اليومين الماضيين، أكثر من 50 صاروخاً وقذيفة هاون تجاه المستوطنات والمواقع العسكرية، بعد مساندة «غرفة العمليات المشتركة» للفلسطينيين في القدس[8].

وقد نقلت صحيفة “معاريف” الإسرائيلية عن مصادر أمنية قولها إن الاحتلال أمام تصعيد “مهم” في الجنوب، وإن المؤسسة الأمنية لن يكون بإمكانها مواصلة “ضبط النفس” إذا استمر القصف من قطاع غزة[9]. كما أشارت صحيفة “إسرائيل اليوم” إلى أن الجيش الإسرائيلى يمتلك العديد من وسائل الضغط، منها تضييق مساحة الصيد، قبل الوصول إلى خيار الحسم العسكري، منوهة في الوقت ذاته إلى أن كل الخيارات متاحة، سواء عملية محدودة جدا، أو حتى واسعة، وتتضمن التدخل البري[10].

ومع ذلك، يبدو أن الأمور لن تتجه نحو التصعيد العسكرى بين المقاومة فى غزة وإسرائيل لمجموعة من الأسباب منها؛ 1- تتجنب المؤسسة الأمنية والسياسية في تل أبيب انزلاق الأوضاع إلى مواجهة أوسع في ظرف ضاغط على إسرائيل، يستدعي منها تركيز كل جهودها وقدراتها على محاولة التأثير على التوجهات الأميركية تجاه الملف النووي الإيراني، أقله عبر دفع واشنطن إلى التخفيف ما أمكن من أضرار قرارها العودة إلى اتفاق عام 2015.

2- تهتم إسرائيل بأن لا تكون شرارة التصعيد مع غزة هي القدس نفسها. فالمعركة على القدس، والمشاهد المبثوثة منها، وإن مع نكران أنظمة التطبيع لها، تتسبب بخشية إسرائيلية من ردات فعل جماهيرية ضد إسرائيل لدى دول التطبيع نفسها.

3- كذلك، فإن الربط الجاري بين فصائل المقاومة والقدس والمقدسيين، أي الربط بين استهداف إسرائيل برشقات صاروخية وبين هجمة المتطرفين من المستوطنين على السكّان الفلسطينيين في القدس، من شأنه إحداث تغيير إيجابي في المشهد الفلسطينى، وتعزيز حضور الفصائل ومكانتها، وفي المقدمة حركتا «حماس» و«الجهاد الإسلامي»، مع ما يعنيه هذا من إضرار كبير باستراتيجية إسرائيل في الفصل بين الجانبَين الفلسطينيَّين وترسيخ الانقسام.

4- لدى إسرائيل أيضاً أسباب ترتبط بالانتخابات الفلسطينية، التي لم تعلن السلطة إلى الآن إلغاءها. فإن قُدّر للفلسطينيين أن يخوضوا هذه الانتخابات، بعد مواجهة مؤلمة مع غزة على خلفية الاعتداءات الإسرائيلية على الفلسطينيين في القدس، فستكون النتيجة فوز كاسح لحركة «حماس» على حساب السلطة. أمّا في حال نجاح الضغوط في تأجيل الانتخابات أو إلغائها، بسبب المواجهة الواسعة إن نشبت أو تزامناً معها، فستكون النتيجة سيّئة لإسرائيل؛ حيث ستتسبب فى إعلاء شأن الفصائل المقاومة لدى المقدسيين وسكّان الضفة، بما يصل إلى التأييد المبنيّ على هوية فصائلية عملت إسرائيل طويلاً على تحييدها: المقاومة في غزة هي الحامية والمدافعة عن الفلسطينيين أينما وجدوا[11].

ختامًا؛ تعتبر هبة العمود المقدسية مثل مجمل الهبّات الفلسطينية الشعبية التي شهدتها غالبية الأراضي الفلسطينية في الأشهر والسنوات القليلة الماضية، من مسيرات العودة في غزة، وهبّات القدس المتلاحقة، والحركات الاحتجاجية داخل الأراضي المحتلة عام 1948، والمسيرات التي تناهض جدار الفصل العنصري والتوسع والتمدّد الاستيطاني، سيما في مناطق الضفة الغربية، فجميعها نماذج مهمة وحية عن حيوية الشارع وصموده وإصراره. ولكن الطابع العام لهذه الهبات ذا صفة مناطقية، ولم تنجح فى تحقيق إنجاز جماعي عابر للمناطق، أو على اختراقٍ يرقى إلى مستوى استعادة بعض الحقوق الفلسطينية المستلبة، على الرغم من ضخامة التضحيات الشعبية واستمراريتها.

ويرجع ذلك بالأساس إلى قيام إسرائيل بفرض قيود قانونية وديمغرافية وأمنية صارمة داخل فلسطين، قيودا تَحول دون تواصل التجمعات الفلسطينية مع بعضها بعض، اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا، الأمر الذي ينشئ فجوات عميقة، ويقيم أولويات نضالية مختلفة بين هنا وهناك، كما في خوض غزة معركة كسر الحصار، وانخراط القدس في معركة حمايتها من حملات التطهير العرقي الصهيونية، ومجابهة السرطان الاستيطاني في الضفة، ومعارك فلسطينيي 1948 المركّبة في مواجهة عنصرية الجهاز الصهيوني وفاشيته تجاه أرض فلسطين وشعبها.

في حين يكمن العامل الذاتي الفلسطيني في دور سلطة “أوسلو” ومجمل الجسم السياسي الفلسطيني (داخل منظمة التحرير وخارجها) الذي يمارس خطابا وفعلا سياسيا وإعلاميا ذا طبيعة مناطقية وفئوية وانقسامية، بين لاجئين خارج فلسطين، ومقدسيين، وغزيين، وضفاويين، وفلسطينيي 1948. فلم تعد فلسطين، وفقا لهم، ذاتها فلسطين التاريخية، كما لم يعد شعبها ذاته شعبها الأصلي الوارد تعريفه في الميثاق الوطني الأساسي، كما لم يعد التحرير تحريرا بقدر ما تحوّل إلى مساومة رخيصة[12].

[1] “هبّة متواصلة بالقدس لأسبوعين.. كيف بدأت؟ (تسلسل زمني)”، عربى21، 26/4/2021، الرابط: https://bit.ly/3tZVbcT

[2] “هبّة القدس .. المقاومة الشعبية تنتصر”، العربى الجديد، 29/4/2021، الرابط: https://bit.ly/3eFgMAW

[3] “انتفاضة جيل الشباب في شرقي القدس”، حضارات للدراسات السياسية والاستراتيجية، 27/4/2021، الرابط: https://bit.ly/3nEItOx

[4] “باب العامود مشكلة أم قضية”، النشرة، 29/4/2021، الرابط: https://bit.ly/3nueWH6

[5] “أهم ما كشفته انتفاضة فلسطين في القدس”، عربى21، 26/4/2021، الرابط: https://bit.ly/3dV79ih

[6] “إنها القدس وإنه الأقصى.. ماذا قالت لنا الهبّة؟”، عربى21، 28/4/2021، الرابط: https://bit.ly/2QxhYyl

[7] “أهم ما كشفته انتفاضة فلسطين في القدس”، مرجع سابق.

[8] “غزة تؤازر القدس: المقاومة حامية الفلســطينيين”، الأخبار، 26/4/2021، الرابط: https://bit.ly/2QDyEEf

[9] ““معاريف”: نحن نقترب من تصعيدٍ مهم إذا استمر القصف من غزة”، رأى اليوم، 27/4/2021، الرابط: https://bit.ly/3gSwhYK

[10] “تقدير إسرائيلي بشأن تداعيات إطلاق الصواريخ الأخيرة من غزة”، عربى21، 27/4/2021، الرابط: https://bit.ly/3aLRSOM

[11] “العدو يخشى اتّحاد الساحات: نزع فتيل التفجير أولوية”، الأخبار، 26/4/2021، الرابط: https://bit.ly/2QDxo3Z

[12] “ماذا بعد هبّة القدس؟”، العربى الجديد، 28/4/2021، الرابط: https://bit.ly/3eFzbNN

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مستقبل المنطقة بعد الإطاحة بنتنياهو والتحولات المزلزلة بالحزب الديمقراطي

    تشهد المنطقة والعالم تغيرين جذريين يصبان بشكل مباشر في انعدال تدريجي لميزان القوى…