‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر زيارة عباس كامل لغزة .. كيف تنجو المقاومة من شرك الفخاخ المنصوبة؟
مصر - فلسطين - يونيو 3, 2021

زيارة عباس كامل لغزة .. كيف تنجو المقاومة من شرك الفخاخ المنصوبة؟

زيارة عباس كامل لغزة .. كيف تنجو المقاومة من شرك الفخاخ المنصوبة؟

 

 

أنهى اللواء عباس كامل وزير المخابرات العامة المصرية، يوم الإثنين 31 مايو 2021م، جولة خارجية شملت تل أبيب عاصمة الاحتلال الإسرائيلي ورام الله مقر السلطة الفلسطينية وأخيرا قطاع غزة. في تل أبيب استقبل عباس كامل بحفاوة كبيرة من جانب حكومة الاحتلال. خلال الجولة التي امتدت يومي الأحد والإثنين (30 ــ31 مايو 2021م)، التقى كامل برئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ومسئولين آخرين بأجهزة المخابرات والأمن الإسرائيلي، كما التقى برئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس أبو مازن، ثم التقى في غزة برئيس حركة المقاومة الإسلامية حماس يحيى السنوار وبعض أعضاء مكتبها السياسي.

اللافت في الجولة أن نتنياهو التقى كامل بمدينة القدس المحتلة في إشارة لا تخفى دلالتها بالتأكيد على أن المدينة المقدسة هي عاصمة إسرائيل الأبدية، وكان أولى بعباس كامل لو كان حصيفا أن يصر على أن يكون اللقاء في تل أبيب لا القدس، على الأقل اتساقا مع الموقف المصري القائم على حل الدولتين وأن القدس عاصمة فلسطين وأهم المدن التي جرى احتلالها في 5 يونيو1967م. وبالتالي فالموافقة على عقد اللقاء بالقدس المحتلة دليل على عدم رفض نظام السيسي لأطماع إسرائيل في القدس حتى لو كان هذا الاعتراض شكليا كالعادة.

الأمر الآخر، أنه بالتزامن مع جولة عباس كامل لم تتوقف الاستفزازات الإسرائيلية؛ حيث اقتحم عشرات المستوطنين صباح الإثنين 31 مايو 2021م باحات المسجد الأقصى من جهة باب المغاربة تحت حراسة مشددة من قوات الاحتلال، وقاموا بجولة في المسجد قبل مغادرته تحت حماية شرطة الاحتلال. هذه الاستفزازات تأتي بعد يوم واحد فقط من مطالبة وزير الخارجية بحكومة الانقلاب سامح شكري لنظيره في حكومة الاحتلال جبي إشكنازي بضرورة التوقف عن كافة الممارسات التي تؤدي إلى توتر الأوضاع في الأراضي الفلسطينية ومراعاة الحساسية المرتبطة بالقدس والمقدسات الإسلامية والمسيحية؛ في دلالة تحمل رسالة استخفاف بالوسيط المصري وعدم الاكتراث لردود الأفعال المحتملة. زيارة عباس كامل لغزة تزامنت أيضا مع عبور قافلة المساعدات المصرية الثالثة إلى القطاع والتي ضمت 500 طن من المواد الغذائية والأدوات الكهربائية بحسب ما أعلنته حكومة السيسي.

الأمر الثالث، أن أحداث الأقصى وحي الشيخ جرَّاح ثم العدوان الإسرائيلي على غزة ورد المقاومة المزلزل والذي ضرب لأول مرة عمق تل أبيب والمدن المحتلة بالصواريخ أربكت الحسابات الإسرائيلية والأميركية، وأعادت الدور المصري إلى دائرة الضوء بعدما كان النظام المصري يواجه حالة تجاهل ممتدة من جانب الإدارة الأميركية، لكن التطورات الجارية في فلسطين أرغمت واشنطن على التواصل مع الجانب المصري والإشادة بما تقوم به القاهرة من دور في تهدئة الأوضاع ووقف إطلاق النار. وانعكس ذلك على مستوى الاهتمام المصري بغزة والتقارب مع المقاومة والتي أثبت التجربة أن قوة المقاومة وقدرتها على إيداء العدو الإسرائيلي ينعكس إيجابا على الدور المصري ويمنحه قوة ودافعية وتقديرا أميركيا وإسرائيليا ودوليا. وقد سبق جولة عباس كامل لفلسطين المحتلة زيارة لوفد مخابراتي مصري لقطاع غزة. كما وجهت القاهرة دعوة إلى الفصائل الفلسطينية لزيارتها الأسبوع المقبل، لعقد سلسلة اجتماعات بدعوى الاتفاق على رؤية موحدة للتحرك الوطني الفلسطيني، والاتفاق على الخطوات اللازمة لإنهاء الانقسام ووضع خريطة طريق للمرحلة القادمة. بالتزامن مع ذلك، يصل وفد أمني إسرائيلي إلى القاهرة لأول مرة منذ 13 سنة؛ لبحث الخطوات العملية لتثبيت قرار وقف إطلاق النار، وبدء المفاوضات الخاصة بهدنة طويلة الأمد، وتحريك صفقة تبادل الأسرى مع حركة حماس.

الأمر الرابع، أن هذه التطورات تتزامن مع توقعات كبيرة بمغادرة نتنياهو رئاسة حكومة الاحتلال بعدما تخلى عنه حليفه السابق نفتالي بينيت رئيس حزب “يمينا” الذي يمتلك سبعة مقاعد في الكنيست والذي أعلن عن دعمه لتشكيل حكومة مع يائير لابيد رئيس حزب “يش عتيد” الذي حل ثانيا بعد الليكود في عدد النواب في الانتخابات الأخيرة. بحسب وسائل إعلام إسرائيلية، فإن الاتفاق بين بينيت ولابيد ينصّ على أن يحل الأول محل نتنياهو في رئاسة الحكومة لفترة، قبل أن يُسلمها إلى لابيد. وسيشمل الائتلاف أحزابًا من أقصى اليمين مثل «يمينا»، الذي تزعم رئيسه حركة بناء المستوطنات في الضفة الغربية، وأحزابًا من الوسط مثل «يش عتيد»، وأخرى يسارية. وأمام لابيد مهلة حتى الأربعاء 2 يونيو لإعلان الحكومة وإذا فشل سوف تتجه إسرائيل نحو جولة انتخابات خامسة في انعكاس لعمق الأزمة السياسية وفشل الانتخابات في حسم الصراع منذ أكثر من سنتين.

 

فخ الدور المصري

لا شك أن هناك تحركات أميركية إسرائيلية مصرية عربية تستهدف الالتفاف على النصر الذي حققته المقاومة الفلسطينية من خلال نصب عدة فخاج لاستدراج المقاومة إلى ملفات عبثية وقضايا فرعية بهدف الحد من الروح الجهادية النضالية التي ارتقت إلى مستويات غير مسبوقة ولامست بتفاؤلها وطموحها عنان السماء. كما تستهدف هذه التحركات الالتفاف على انتصار المقاومة وتفريغه من محتواه وتوجيه مكاسبه إلى حجر السلطة رغم مواقفها المخزية خلال العدوان وبعده.

أول هذه الفخاخ هو الدور المصري نفسه، فالتحولات الهائلة في مواقف النظام والتي يمكن رصدها بسهولة من خلال المقارنة بين موقفه من عدوان 2014 وموقفه من العدوان الأخير مايو 2021م تثير كثيرا من الألغاز والتساؤلات حتى دوافع هذا التحول ومآربه والتي يمكن تفسيرها بعدة تفسيرهات:

  • الأول، أنها نتيجة لتقديرات مواقف أجرتها أجهزة السيسي الأمنية والمخابراتية انتهت إلى أن النظام خسر كثيرا بانحيازه للعدو الصهيوني في حرب 2014م وبالتالي فإن الاتساق مع الرأي العام والتجاوب مع دعوات دعم المقاومة الشعب الفلسطيني من شأنه أن يرمم شعبية النظام المتآكلة ولا يضعه موضع المتصادم مع الرأي العام المصري.
  • الثاني، أن انعدال الموقف المصري على الأقل ظاهريا، نابع من تقديرات موقف مخابراتية ردا على مواقف حكومة الاحتلال التي استبعدت مصر من مشروعات الغاز شرق المتوسط في مشروع “إيست ميد” بين إسرائيل وقبرص واليونان. كما تمثل ردا على انحياز تل أبيب لإثيوبيا في مشروع سد النهضة؛ وبالتالي فإن دعم المقاومة يمثل ردا على هذه المواقف الإسرائيلية مثله مثل التقارب المصري مع تركيا والذي يستهدف الأمر ذاته.
  • الثالث، يفسر فريق ثالث تحولات الموقف المصري من غزة من العداء الفاجر إلى الدعم السافر بأنه دور مرسوم بإحكام تشرف عليه المخابرات الإسرائيلية تحت إشراف أميركي وبدعم مما يسمى بمحور الاعتدال العربي الموالي لإسرائيل. الهدف منه تعزيز الوجود المصري في غزة حتى تكون صاحبة القول الفصل والوكيل الحصري الوحيد على القطاع وعلاقته بالاحتلال؛ الأمر الذي يُمكن الطرف المصري من إضعاف التأثير التركي القطري، ويزيد من أسهم القاهرة في غزة ولدى حركات المقاومة وبذلك يمكن أن يخدم الدور المصري الأجندة الأميركية والإسرائيلية بصورة أكبر وأكثر إفادة لتل أبيب وضمان أمن الاحتلال واستقراره. على المقاومة أن تتعامل مع الدور المصري بحذر شديد؛ فسوابق هذا النظام تجعل موقفه غير بريء؛ فهو من شدد الحصار على غزة والمقاومة، وهدم الأنفاق التي كانت تمد القطاع بما يحتاج إليه من سلع وغيره، وكانت تمد المقاومة بأنواع مختلفة من الأسلحة، وفي سبيل التزلف من الأمريكان والاحتلال أزال السيسي مدينة رفح المصرية كاملة ودمر آلاف المنازل ومزارع الزيتون وهدم عشرت المساجد ليبرهن للاحتلال الذي ساعده في اغتصاب حكم مصر أنه رجل إسرائيل في مصر والمنطقة. هو نفسه النظام الذي شن حملة شيطنة ضد المقاومة في أعقاب انقلاب 3 يوليو 2013م حتى سنوات قليلة مضت. وهو ما سمح لطيران الاحتلال في أعقاب الانقلاب وحتى اليوم بالتحليق فوق سماء سيناء بدعوى الحرب على الإرهاب من أجل إجهاض كل مسارات التهريب التي كانت تمد المقاومة بالسلاح. ويكفي أن هذا النظام حقق للعدو أكثر أحلامه وأمانيه وهو الانقلاب العسكري الذي قضى على أي أمل في مصر ديمقراطية وحرة ومستقلة في قرارها السياسي والسيادي على حد سواء. والموقف الذي ينبني على مصالح قد يتغير بين عشية أو ضحاها إذا تغيرت الموازنين وتناقضت المصالح بعكس المواقف الأخلاقية التي تتسم بالمصداقية والدوام.

وما يعزز من ترجيح التفسير الثالث أن نظام السيسي عمل على توظيف موقفه سياسيا من القضية الفلسطينية وغزة، وأطلقت عليه الآلة الإعلامية للنظام «الموقف التاريخي»، باعتباره أكبر داعم لفلسطين والمقاومة، وماكان للسيسي أن يجرؤ على هذا التحول إلا بضوء أخضر إسرائيلي إماراتي، لأنه يعلم ما يمكن أن تفعله تل أبيب وأبو ظبي نظرا لنفوذهما الواسع في القاهرة.  من جهة ثانية أن هذا الدور الذي يسوق النظام أنه  تاريخي في دعم فلسطين والمقاومة لم يتعرض لأي إنكار أو إدانة من جانب الاحتلال، بل على العكس لاقى موقف نظام السيسي من الحرب الأخيرة ثناء كبيرا من جانب حكومة الاحتلال وجميع المستويات السياسية والإعلامية في تل أبيب. وبحسب الباحث والمحلل السياسي المتخصص في الشأن الإسرائيلي الدكتور صالح النعامي فإن المستويات السياسية والعسكرية والإعلامية في دولة الاحتلال الإسرائيلي أجمعت على الإشادة بدور مصر، مبرزة كيف استفادت منه تل أبيب في خضم التصعيد الذي شهدته الأراضي الفلسطينية المحتلة والعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة. وقد حرص نتنياهو على توجيه الشكر للسيسي، لدور بلاده في قيادة جهود الوساطة التي أفضت إلى وقف إطلاق نار فجر الجمعة بعد 11 يوماً من العدوان، وكشفت وسائل الإعلام العبرية أن المخابرات المصرية لعبت دورا مهما في تقليص المخاطر التي تعرض لها العمق الإسرائيلي أثناء الحرب عبر الضغط على حركات المقاومة في غزة لعدم إطلاق الصواريخ في أكثر من محطة من محطات الحرب. وذكرت صحيفة “يسرائيل هيوم”، أوسع الصحف الإسرائيلية انتشارا والمقربة من نتنياهو، أن مصر ممثلة بأحمد عبد الخالق، مسؤول الملف الفلسطيني في جهاز المخابرات العامة المصرية، تعهدت لإسرائيل يوم الخميس 20 مايو ليس فقط بأن تلتزم المقاومة الفلسطينية بالموعد المحدد لوقف إطلاق النار في الثانية من فجر الجمعة، بل أكدت لتل أبيب أنها ستقنع المقاومة بعدم إطلاق الدفعة الأخيرة “التقليدية” من الصواريخ التي كانت المقاومة عادة ما تنهي بها الحروب وجولات التصعيد مع الاحتلال. ونقلت الصحيفة عن مصادر في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية “أمان” قولها إن مسار الحرب دل على أنه لا يوجد بديل عن الوساطة المصرية في الحروب والمواجهات مع حركة “حماس”. وحسب “أمان” فإن إسرائيل لا يمكنها الاستغناء عن الدور المصري، لا سيما في كل ما يتعلق بالعلاقة مع قطاع غزة والمواجهات مع “حماس”.

وقد وردت بوادر تحفظ من المقاومة من مشاركة شركات مصرية في إعادة الإعمار المرتقب؛ قد يكون ذلك نابعا من مخاوف من تردد كثيف لعناصر المخابرات المصرية على غزة بدعوى المشاركة في إعادة الإعمار بما يمكن هذه العناصر من التجسس على بنية المقاومة وخططها؛ وبالتالي ما عجزت عنه مخابرات الاحتلال في “سيف القدس” قد تحصل عليه من حليف وثيق كنظام السيسي.

 

فخ الموقف الأميركي

الفخ الثاني، هو الموقف الأميركي، لأنه أيضا يشهد تحولات شكلية عن مواقف إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب والتي كانت بالغة الانحياز الأعمى للاحتلال. وبحسب موقع “أكسيوس”  الأميركي، فإن رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو أبدى لوزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في جولته الأخيرة للمنطقة في أعقاب الحرب، أن لديه تحفظات على خطوة إعادة فتح القنصلية الأميركية بالقدس المحتلة بدلا من السفارة، لكن بلينكن أخبره أن هذه الخطوة ضرورية وفي مصلحة (إسرائيل)، وشدد بلينكن على أن إعادة فتح القنصلية لن يغير اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة (لإسرائيل)، ولا يعني أي اعتراف بالقدس عاصمة للفلسطينيين، الأمر الذي قال إنه مسألة مفاوضات مباشرة بين الطرفين. وقال بلينكن: “إذا لم نتواصل مع الفلسطينيين، فهذا سيضعف قدرتنا على دفع الأمور التي أعتقد أنها ستكون مفيدة للجميع، بما في ذلك (إسرائيل)”.

معنى ذلك أن التحولات الأميركية هي تحولات شكلية تستهدف بالأساس ضمان التفوق الإسرائيلي وضمان أمنها واستقرارها. يبرهن على ذلك أن معهد واشنطن للدراسات قد نشر مقالا لديفيد بولوك وهو “زميل برنشتاين” في معهد واشنطن ومدير مشروع فكرة، وهو على هيئة توصيات لإنقاذ العدو والتعاطي مع تداعيات أزمته بعد الجولة الأخيرة، ويكتسب التقرير أهمية لمكانة كاتبه من جهة، ولوجود ظلال على أرض الواقع لتطبيق هذه السياسات والتحايلات.

وأبرز عناوين هذه التوصيات كانت كما يلي:

  1. على “إسرائيل” أن تساهم في توفير المساعدة الإنسانية لسكان غزة، باعتبار المساهمة الصهيونية ستساهم في إصلاح الضرر السياسي الذي لحق بسمعة “إسرائيل”، وبشرط ألا تُعزى هذه المساعدة إلى “حماس” أو يتم تحويلها إليها.
  2. يجب مناقشة حماية الوضع الراهن في القدس بصراحة مع “السلطة الفلسطينية” وعدم السماح لحماس بالاستفادة بأي شكل من هذه الذريعة، وينبغي إطلاق محادثات جديدة لنزع فتيل هذه القضايا بين (إسرائيل) و”السلطة الفلسطينية” والأردن، ومن المهم جداً الآن دعم هذه السلطة سياسياً، لئلا تفقد المزيد من شعبيتها وسيطرتها لصالح “حماس”.

3- البحث عن وقف إطلاق النار طويل الأمد بين (إسرائيل) و”حماس”، وتبقى إعادة الإعمار اللازمة لقطاع غزة معرضة بالتأكيد لخطر كبير إذا لم يتم الالتزام بذلك، وقد يكون الأساس للمضي قدماً في هذا المسار جعلُ وقف إطلاق النار طويل الأمد على نحوٍ غير مشروط، تماماً كما يبدو الوقف الفوري الحالي، وقد تكون فترة الخمس سنوات هدفاً واقعياً في هذه المرحلة.(انتهى)

وفي سبيل تحقيق هذه الأهداف فإن الإدارة الأميركية توظف الدور المصري باعتباره الوسيط الأكثر تأثيرا في  الأحداث في سياق توظيف سطوة الجغرافيا التي وضعت قطاع غزة تحت رحمة النظام المصري باعتبارها المنفذ البري الوحيد للقطاع في ظل الحصار الإسرائيلي المفروض برا وبحرا على غزة.

 

فخ المفاوضات

الفخ الثالث الذي يجب على المقاومة الحذر منه وعدم الانجرار إليه هو فخ المفاوضات المباشرة مع الاحتلال، فالخطط الموضوعة تتضمن الإغراء والإغواء إذا فشلت أداة العنف والإرهاب والتدمير بالحروب، وذلك لن يتم إلا عبر مساومة المقاومة حول فك الحصار ورفع اسم حركة حماس من قوائم الإرهاب الأميركية وإعادة الإعمار بما يجعل من غزة دبي أخرى حسبما ورد على لسان الوسيط المصري في مباحثاته مع قادة المقاومة في غزة. يستهدفون بذلك استدراج المقاومة إلى فخ المفاوضات المباشرة مع الاحتلال وصولا إلى الاعتراف به، كما حدث تماما مع حركة فتح من قبل حتى تحولت إلى سلطة ذاتية لا دور لها سوى التنسيق الأمني مع الاحتلال وحراسته وضمان أمنه واستقراره.

لكن انتصار المقاومة في الحرب الأخيرة أجبر أميركا وأوروبا على تغيير قواعد التعامل مع حماس؛ وقد اعترف المبعوث الأميركي السابق للشرق الأوسط مارتن إنديك أن بلاده لن تتجاهل حركة المقاومة الإسلامية حماس ولكنها لن تعترف بها، وستبقيها على قائمة الإرهاب طالما أصرت على رفض الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود. وأكد إنديك في تصريحات لبرنامج “ما وراء الخبر” بحلقة (2021/5/22)، أن الصراع العسكري الأخير الذي اندلع بين المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة وإسرائيل، يؤكد أهمية تواصل الولايات المتحدة مع “حماس” لضمان عودة الاستقرار، ولكن هذا التواصل سيكون عبر وسيط، إما قطر أو مصر ولن يكون بشكل مباشر.  وبطريقة الإغراء والإغواء اعتبر إنديك أن اعتراف بلاده بحماس هو بمثابة “جائزة” ثمينة لها، مشددا على أن واشنطن لن تمنح هذه الجائزة لحماس قبل أن تعترف الأخيرة بحق دولة إسرائيل في الوجود». وحتى المصالحة الفلسطينية يراد لها أن تكون فخا للمقاومة وقد عبر إنديك عن ذلك بالقول إن الولايات المتحدة تريد أن يكون التوحد الفلسطيني بين السلطة الفلسطينية وحركة حماس قائما على أساس الاعتراف بوجود إسرائيل والتفاوض معها على أساس هذا الحق، وألا يكون التوحد الفلسطيني قائما على أساس الانصهار الفلسطيني في عباءة حماس وأفكارها الحالية.

وبحسب الأكاديمي د.إبراهيم البيومي غانم، فإنه يراد باستئناف عملية التفاوض في أعقاب انتصار المقاومة في جولة “سيف القدس” عزل قضية فلسطين عن عالمها الإسلامي وعن عمقها الإنساني والأخلاقي، ولذلك تسعى حكومة الاحتلال ومعها الإدارة الأميركية والعواصم الغربية إلى تعزيز مكانة السلطة الفلسطينية بإجراء عملية تعويم لرئيسها محمود عباس أبو مازن وذلك بهدف الحد من انتشار الحالة النضالية الجهادية للمقاومة داخليا وخارجيا. إزاء ذلك فإن أي حديث عن المفاوضات أو استئناف عملية السلام المزعوم هدفه هو: عزل القضية وإغلاق أفقها الإستراتيجي، ومحاصرة نتائج الانتصار الذي أحرزته المقاومة في معركة سيف القدس، وتمكين الجانب الصهيوني من تصفية المقاومة أملًا في حسم الصراع لصالحه نهائيًا.

مسار المفاوضات في ظل الاحتلال، مسار مغلق ومحكوم بموازين القوة المادية المختلة على الأرض. وهذه الموازين تكون دائمًا في صالح قوة الاحتلال، وفي صالح الأمر الواقع. وهو مسار محكوم عليه بالفشل، ولم يشهد تاريخ حركات التحرر الوطني مرة واحدة أن «المفاوضات» وحدها أدت إلى الاستقلال أو زوال الاحتلال. وكانت كل تجارب المفاوضات التي نجحت بين الاحتلال والقوى الوطنية المطالبة بالاستقلال عبارة عن مفاوضات من أجل ترتيب خروج المحتل وتنظيم رحيله، ولم تكن للمساومة على حق واحد من الحقوق الوطنية، ناهيك عن حق من الحقوق غير القابلة للتصرف.

ومسار المفاوضات مغلق بإحكام في قضايا التحرر الوطني لأنه ينكفئ بأطرافه على أنفسهم، ويتركهم وحدهم وجهًا لوجه من عدوهم، ويصرف اهتمام الضمير العالمي عنهم، ويحول جولات التفاوض إلى عمل عبثي، وهو ما آلت إليه مفاوضات «عملية السلام» منذ أوسلو في التسعينيات إلى اليوم، أي على مدار ثلاثين سنة تقريبًا. فالمفاوضات تبعث رسالة بأنهم خصوم يتساومون على صفقة لتحقيق أكبر المكاسب وليست وطنا محتلا يقاوم من أجل الحرية والاستقلال، وهذا هو سر هزيمة السلطة ومسار أوسلو لأنهم اختاروا المسار المسدود والطريق المغلق الذين لن يفضي إلى شيء.

 

فخاخ أخرى

هناك فخاخ يجب التنبيه منها:

1- وضع الرأي العام الدولي شرطا مقيدا للمقاومة حرصا على عدم خسارته، هو من أكبر الفخاخ، لأن القضية يجب أن تطرح بعنوانها الحقيقي وهو أنها قضية تحرر وطني يستخدم بها الكفاح بكل وسائله المشروعة بما فيه الكفاح المسلح. كما أن التعاطف لن يصل إلى مستوى قرارات مجلس الأمن الملزمة والتي لم تنفذ حتى الآن، وبالتالي فالمقاومة هي الأمل الوحيد.

2- التركيز على غزة ووضعها في مقابل العدو هو تكريس لمخطط العدو بتقسيم فلسطين وتفتيت الملف، بل يجب وضع الطرف الفلسطيني ككل في مواجهة العدو على مستوى أي تفاوض أو اتفاق للتهدئة وعدم التفريط في معادلة ربط غزة بالضفة والقدس.

3- هدنة طويلة الأمد ستسمح للعدو بلملمة قواه وتلافي أخطائه وإعادة الكرة من موقف أقوى، في حين أن المقاومة محاصرة، وبالتالي يجب الحذر من هذه المقاربة التي تسعى لجعل وقف إطلاق النار غير مشروط في مقابل الإعمار أو بشروط خاصة بغزة فقط دون بقية الأراضي المحتلة وعلى رأسها القدس.

الخلاصة، على المقاومة أن تستعد من الآن للجولة المقبلة وألا تلتفت إلى شيء سوى تطوير قدراتها الصاروخية لتكون أكثر دقة وتدميرا؛ وعلى ربط المقاومة بالقدس والضفة وفلسطينيي الداخل؛ فإن ذلك ليس كافيا لتحقيق النصر فقط بل قد يكون كفيلا بتحرير  الأرض والقدس. فالمقاومة بعد الانتصار في “سيف القدس” تقف على أعتاب مرحلة جديدة مليئة بالتحديات الجسام؛ ذلك أن المقاومة في أعقاب الانتصار المدوي تتأهب لتتولى قيادة المشروع الفلسطيني منفردة بعد الشعبية الجارفة التي حققتها أثناء الحرب وبعد الانتصار، لكن الاحتلال من جهة والأمريكان من جهة ثانية والعواصم الغربية من جهة ثالثة والنظم العربية من جهة رابعة تعمل بكل جهد من أجل إفراغ هذه الانتصار العظيم للمقاومة من معناه ومحتواه، ورصدت لذلك عدة فخاخ بالغة الحبكة من أجل الحد من الحالة النضالية الجهادية للمقاومة وما تحظى به من دعم شعبي واسع. ويكفي أن هذه المقاومة عرّت الجيوش العربية التي تعقد صفقات السلاح المليارية لتوجه سلاحها نحو صدور شعوبها المطالبة بالحرية والاستقلال الحقيقي. ويكفي أن جيش الاحتلال الذي هزم الجيوش العربية مجتمعة في ستة أيام فقط سنة 1967م يقف بكل طائراته ودباباته ذليلا عاجزا منذ 16 سنة أمام المجاهدين في غزة، ويشن الحرب تلو الحرب ولا يجرؤ على احتلال شبر واحد من غزة. بينما المقاومة أجبرت شعب الاحتلال على اللجوء إلى الملاجئ والمخابئ وأصابته بشلل كامل خلال الحرب؛ أليس هذا هو النصر المبين؟

 

 

المصادر

  • سيف القدس..هل تجبر واشنطن وأوروبا على تغيير قواعد تعاملهم مع حماس؟/ الجزيرة نت ــ 22 مايو 2021
  • مصادر لـ”العربي الجديد” تكشف كواليس اجتماعات حماس والوفد المصري/ العربي الجديد ــ 01 يونيو 2021
  • رئيس المخابرات المصرية ينهي زيارته لغزة.. والسنوار يشير إلى “عدد أسرى صفقة التبادل”/ العربي الجديد ــ31 مايو 2021
  • حسن أبو هنية/ حماس أقوى من قبل ومستعدة أكثر للهجوم/ “عربي 21” ــ الأحد، 30 مايو 2021
  • عدنان أبو عامر/ القاهرة مورد بديل عن تل أبيب وتحفّظ على مشاركة شركات مصرية.. كيف تنظر غزة لملف إعادة الإعمار؟/ عربي بوست ــ 26 مايو 2021م
  • مصر تدعو السلطة وحماس والاحتلال لمباحثات.. والأخير يوافق/ “عربي 21” ــ الخميس، 27 مايو 2021
  • د. عبد الله العقرباوي/ إنجازات غير مسبوقة لـ”سيف القدس”.. ما هي وكيف يستثمرها الفلسطينيون؟/ الجزيرة نت 23 مايو 2021م
  • كوخافي: المواجهة مع حماس مسألة وقت.. تجهيز متواصل/ “عربي 21” ــ الجمعة، 28 مايو 2021
  • عدنان أبو عامر/غرفة العمليات المشتركة للمقاومة في غزة نواة لـ”جيش التحرير”/ “الجزيرة نت” ــ 28 مايو 2021م
  • “هآرتس” تتحدث عن صناعة فلسطينية حساسة وسرية.. التفاصيل/ “عربي 21” ــ الأربعاء، 26 مايو 2021
  • عدنان أبو عامر/ خبير إسرائيلي: حماس “فكت” شيفرة حمضنا النووي وتجيد قراءتنا/ “عربي 21” ــ السبت 29 مايو 2021م
  • عريب الرنتاوي/ حماس بعد «سيف القدس»: في الطريق لقيادة النظام الفلسطيني/ الدستور الأردنية ــ السبت 22 مايو 2021م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

أحكام الإعدام على 12 من قيادات الإخوان والثورة .. دلالة السياق والرسائل

  أحكام الإعدام التي أصدرتها ما تسمى بمحكمة النقض المصرية يوم الإثنين 14 يونيو 2021م …