‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر أحكام الإعدام على 12 من قيادات الإخوان والثورة .. دلالة السياق والرسائل
مصر - يونيو 18, 2021

أحكام الإعدام على 12 من قيادات الإخوان والثورة .. دلالة السياق والرسائل

أحكام الإعدام على 12 من قيادات الإخوان والثورة .. دلالة السياق والرسائل

 

أحكام الإعدام التي أصدرتها ما تسمى بمحكمة النقض المصرية يوم الإثنين 14 يونيو 2021م بتأييد الإعدام بحق 12 من قيادات الإخوان المسلمين وثورة 25 يناير أبرزهم الدكتور عبدالرحمن البر، عميد كلية أصول الدين بجامعة الأزهر فرع المنصورة، والدكتور محمد البلتاجي والدكتور أحمد عارف والدكتور صفوت حجازي والدكتور أسامة ياسين، وزير الشباب والرياضة بحكومة الدكتور هشام قنديل. والسجن بمددة متفاوتة بحق نحو 637 آخرين على رأسهم فضيلة الدكتور محمد بديع المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين وعدد كبير من قيادات الجماعة وثورة يناير،  يمثِّل سابقة تاريخية تعبر عن الوضع القانوني الهش الذي بات يهدد منظومة العدالة الجنائية بشكل عام في مصر؛ فقادة وأعضاء الجماعة، المحكوم عليهم بـ أحكام الإعدام، لم يدانوا بقتل أي شخص، نظراً لعدم معرفة طبيعة الجناية في حالات الوفاة في صفوف الشرطة القائمة بالفض، بمساعدة الجيش، ما يخرج الحكم عن إطار السوابق المعروفة لمحكمة النقض المصرية، التي لطالما عُرفت بوضعها شروطاً صارمة لتأييد أحكام الإعدام.

ويمكن عزو ذلك وتفسيره للأسباب الآتية:

أولا، التعديل القانوني الذي أدخله النظام على قانون محكمة النقض عام 2017 بحجة “الإسراع في تحقيق العدالة” جعل المحكمة تمضي مسرعة في النظر بالطعون على أحكام الجنايات دون تدقيق كافٍ، ودون أن تكون ملزمة بإعادتها للدراسة الموضوعية في محاكم الجنايات مرة أخرى، ما حقق بالفعل سرعة في النظر بالقضايا، وبخاصة المتعلقة بوقائع “العنف والإرهاب”، المتهم فيها المعارضون السياسيون، بغضّ النظر عن تحقيق العدالة بذاتها. فضلاً عن ذلك فإن القضية، منذ تحريكها، مضت في اتجاه محاسبة شهود الدم والضحايا، لا الجناة الذين قُتل على أيديهم مئات المواطنين.[[1]]

ثانيا، تبني المحكمة لرواية النظام وتجاهل كل الدلائل الموثقة في التقارير الدولية وحتى المحلية والحكومية التي تنسف محاولة النظام تصدير ما حدث وكأنه كان معركة وجود بين تيار إرهابي وقوات الدولة، وأن كلا الطرفين كانا مسلحين، وأن الاعتصام كان خطراً على الأمن القومي، وأنه كان ساحة لارتكاب جرائم قتل وتعذيب لمعارضي الرئيس الشهيد محمد مرسي ومؤيدي السيسي، وأن المعتصمين، ومنهم المقتولون والمتهمون الذين قدموا للمحكمة وأدينوا، حرضوا على قتل أفراد الجيش والشرطة خلال فض الاعتصام، وما تلاه من أحداث شغب انتقامية ضد الأقسام في كرداسة بالجيزة وبعض محافظات الصعيد. وهذا الأمر لا يستوي مع أبسط الأدلة، وعلى رأسها ما أعلنه وزير الداخلية آنذاك محمد إبراهيم من أن الشرطة وجدت في اعتصام رابعة 9 أسلحة آلية وطبنجة (مسدس قديم جداً) واحدة و5 فرد خرطوش، بعدما كان يُصور في وسائل الإعلام، وحتى الآن، بأن الاعتصام كان به أسلحة ثقيلة.

ثالثا، تجاهلت محاكم النظام  سواء الجنايات في الحكم الأول في سبتمبر 2018م أو النقض في الحكم الحالي أدلة البراءة، وأبرزها شيوع التهمة، كما لم يثبت  أن أحد المحكوم عليهم ضبط متلبسا بسلاح يستخدمه في أي جريمة لا قبل الاعتصام ولا خلاله ولا بعده،  وأيدت المحكمة الحكم بالمؤبد على السيد/عصام سلطان، نائب رئيس حزب الوسط رغم أنه جرى اعتقاله قبل عملية الفض بأسبوعين، وهناك أربعة من المحكوم عليهم بـ أحكام الإعدام اعتقلوا قبل الفض بشهر كامل وهم: (محمد عبد الحي حسين الفرماوي، 30 عامًا، ويحمل رقم 705 في عريضة الاتهام، ومصطفى عبد الحي حسين الفرماوي، 40 عامًا، رقم 706 في عريضة الاتهام، وأحمد فاروق كامل محمد، 37 عامًا، محام رقم 707 في عريضة الاتهام، وهيثم سيد العربي محمود، مهندس مدني، ويحمل رقم 708 بعريضة الاتهام)، وبالتالي فلا مجال أصلا لوضعهم في القضية التي تتعلق بفض الاعتصام. وإمعاناً في محو الحقيقة، تناسى القضاء خلال التحقيق والمحاكمة، واقعة مقتل ما بين 600 و700 من المواطنين العزل، حسب بيانات منظمات حقوقية رسمية حكومية. وهو الرقم الذي ارتفع بعد ذلك بعد وفاة مئات المصابين؛ فلم يتم استدعاء أي من المسؤولين عن الفض، بينما وجهت للمعتصمين السجناء اتهامات بالنسبة لسفك الدماء، كتنظيم اعتصامات دون تصريح وتعطيل الطرق والمواصلات. بل، واكتفت النيابة بندب قاضٍ من محكمة استئناف القاهرة للتحقيق في قتل المعتصمين، كواقعة مستقلة بذاتها عن جريمة الاعتصام. لكن ما حصل فعلياً في ذلك التحقيق اقتصر على تجميع محاضر إثبات الوفاة وبعض المحاضر الشرطية الإدارية، التي وثقت خلال ساعات الفض، وأثبت فيها جميعاً أن الفض تم بواسطة قوات الشرطة، بعد استئذان النائب العام الراحل هشام بركات، في محاولة لقوننة  إجراءات الفض وما ترتب عليها من سفك للدماء.[[2]]

رابعا، أحكام الإعدام باعتبارها حكما سياسيا يكشف إلى أي مدى جرت السيطرة على القضاء حتى تحولت منصات القضاء إلى أدوات قتال يوظفها النظام لقهر الشعب وتكريس أجندته الاستبدادية وحكمه الشمولي، فتحولت المحاكم إلى بنادق، والقضاة إلى قناصة والأحكام إلى قذائف يمعنون بها في قتل من تبقى من الضحايا الذي أفلتوا من المحرقة الأولى في رابعة؛ أملا في قتل المعنى الذي يحملونه والقيم التي يضحون من أجلها، معنى أن تبقى حرا وفيا لوطنك وثورتك، وترفض الظلم والسطو على بلدك من جانب حفنة من الجنرالات الفسدة بقوة العنف والإرهاب والانقلابات العسكرية. فالهدف من هذه الأحكام هو إشعال النار في المعاني والمبادئ والقيم التي يحملها هؤلاء العلماء والشباب النابغين الذين يراد اغتيالهم بأداة الأحكام القضائية المسيسة بعد محاكمات هزلية افتقدت إلى أدنى معايير النزاهة والعدالة. و«كانت لحظة الحكم بالإعدام على المعنى، قبل الأشخاص الذين يجسّدون معنى أن ترفض انقلابًا عسكريًا وتمارس حقك في التعبير عن رفضه. ويبدو  أن قرار محكمة النقض البات والنهائي، جاء في هذا التوقيت بمناسبة نزول وزير خارجية السيسي ضيفًا على قطر، للإمعان في قتل ذلك المعنى، والإمعان أكثر في تحدّي وإهانة كل من احترموا هذا المعنى واعتبروه حقًا إنسانيًا وأخلاقيًا وسياسيًا».[[3]]

وأمام الفضائح المدوية للقضاة خلال المحاكمات السياسية، أصدر السيسي، الثلاثاء 15 يونيو 2021م، وبعد حكم الإعدام الجائر بيوم فقط، قانونا ينص على منع التغطية الإعلامية للمحاكمات الجنائية، من خلال وضع شروط شبه مستحيلة تتضمن موافقة جميع أطراف المحاكمة على تلك التغطية، سواء كانت في شكل تصوير، أو تسجيل، أو بث، أو عرض بأي وسيلة. وينص القانون الجديد على عقوبة بغرامة لا تقل عن 100 ألف جنيه (6380 دولار أميركي) ولا تزيد على 300 ألف جنيه (19 ألف دولار)، مع مصادرة الأجهزة المستخدمة، ومحو المحتوى، إذا تمت تغطية المحاكمة من دون موافقة كل من رئيس المحكمة، والنيابة العامة، والمتهم، والمدعي بالحق المدني، أو ممثلي أي منهما، وهو الأمر الذي يعد ضربا من الاستحالة العملية مع تعدد المتهمين والمدعين في أنواع مختلفة من القضايا، سيما أن العديد من الأطراف تكون متضررة بشكل مباشر من نشر محتوى جلسات المحاكمة. ويستهدف السيسي بذلك التغطية على المخالفات الجسيمة التي يمارسها القضاة بحق المعتقلين السياسيين والتي لا تخرج للعلن إلا من خلال المحامين الذين يقومون بتصويرها.[[4]]

توظيف السياق

أغرى النظام للإقدام على هذه الخطوة من التصعيد أمران: الأول هو التقارب بين النظام العسكري في مصر مع كل من قطر وتركيا؛ وكلتاهما تستضيف الآلاف من قيادات وأعضاء “الإخوان” وقد يكون من بينهم  بقض من حكم عليهم في هذه القضية غيابيا. والثاني، هو فتح اتصالات متقدمة مع الإدارة الأميركية الجديدة بعد الدور الذي لعبه النظام في التهدئة ووقف إطلاق النار بين المقاومة والاحتلال الإسرائيلي وهو الدور الذي قوبل بإشادة أميركية دفعتها  إلى تخفيف حدة الانتقادات التي كانت توجهها لنظام السيسي بشأن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

وكان إقدام النظام على تنفيذ حكم الإعدام بحق 17 من الأبرياء في قضية قسم كرداسة في أبريل 2021م بمثابة عملية جس نبض لردود الأفعال الدولية والتركية والقطرية على وجه التحديد في ظل التقارب بين نظام السيسي والدولتين المعروفتين خلال السنوات الماضية برفض الانقلاب في مصر واحتضان الآلاف من قيادات وعناصر الجماعة الفارين بدينهم وحريتهم من مصر، كان إعدام 17 بريئا في قضية كرداسة لقياس مدى وحجم ومنسوب رد الفعل التركي القطري وصولا إلى الموقف الدولي حتى يبنى النظام على ذلك حدود  ومستقبل العلاقات بينه وبين أنقرة والدوحة. فلما مرت جريمة الإعدام دون ردود فعل دولية تذكر حتى من جانب الحكومتين التركية والقطرية تمادى النظام في ظلمه وإجرامه فأقدم على المزيد من التصعيد.

الرسائل والدلالات

الحكم بهذه الطريقة يمثل هروبا من جانب نظام السيسي من تبعات عقدة الدماء  منذ فض اعتصام رابعة، إلى المزيد من التنكيل بشهود الدماء الذين لجأوا إلى “الممرات الآمنة” ليجدوا في انتظارهم قضية وتحقيقات وإدانة وعقوبة بدلاً من الحرية التي وُعدوا بها إبان إخلائهم من الميدان أثناء الفض. فرغم الصورة القمعية الوحشية التي بدت عليها المذابح وبدا عليه الحكم الأخيرة إلا أنها لا تنفي الخوف الدفين من أي محاسبة مستقبلية أو إجراءات قضائية دولية تلاحق كبار القادة والجنرالات المتورطين في الدماء. كما تجاهل القاضي عدم تورط أيا من المحاكمين في أي قضايا دماء أو عنف، ولم يتم تحريز أي سلاح مع أي منهم.

الحكم يحمل كثيرا من الرسائل والدلالات إذا تمت قراءته في سياقه المحلي والإقليمي والدولي،  فالرسالة الأولى والمغزى الأساسي من هذه الأحكام الجائرة هو إصرار النظام بقيادة الطاغية عبدالفتاح السيسي على المضي  في طريق الدماء، وتأكيد على أن النظام ماضٍ  في قمعه واستبداده الذي طال الجميع إسلاميين وعلمانين وغير مسيسيين، فالنظام مصرٌّ على سفك واسترخاص دماء المصريين  التي بدأها بعشرات المذابح الدموية في مجلس الوزراء ومحمد محمود وماسبيرو والعباسية وإستاد بور سعيد والحرس الجمهوري والمنصة ورابعة والنهضة وغيرها؛  من أجل تكريس حكمه الشمولي؛ فالدماء هي اللغة التي يفهمها النظام، الذي تأسس بقوة السلاح عبر انقلاب عسكري على المسار الديمقراطي في 03 يوليو 2013م، وليس ثمة فارق بين القتل برصاص القناصة أو بالاغتيال مباشرة بزعم تبادل إطلاق النار أو القتل بقصف أحكام القضاء المسيس؛ فالحكم هو مذبحة جديدة ينفذها النظام بغطاء قضائي يتلقى أوامره من الجهات الأمنية وما تسمى بالأجهزة السيادية. ويستهدف النظام منه أمرين: التنكيل بالمعارضين من جهة، وتخويف الشعب من المعارضة والاحتجاج أو الثورة من جهة ثانية.

الرسالة الثانية، أن لتوقيت الحكم مغزى  إذا جرت قراءته في سياقه المحلي والإقليمي والدولي؛ حيث يأتي متزامنا مع عدة أحداث كبرى: الأول، ذكرى انقلاب (30 يونيو /3 يوليو 2013م) وما تلاه من مذابح وحشية. والثاني، بدء إثيوبيا في حجز مياه النيل بداية من يوليو المقبل (2021م). والثالث، الذكرى الثانية لاستشهاد الرئيس محمد مرسي.  وبدلا من لملمة الصفوف وتوحيد الشعب ضد أكبر عدوان يهدد مصر عبر تاريخها كله فإذا بالنظام يقدم على هذه الجريمة النكراء في أعقاب عملية الشحن العنصري من خلال بث مسلسل (الاختيار 2) في رمضان الماضي (1442 هــ 2021م) ليزيف به التاريخ ويكرس الانقسام والاستقطاب الحاد في وقت كان يتعين فيه على أهل الحكم ــ لو كانوا راشدين  ــ لملمة الصفوف لمواجهة العدوان الإثيوبي وجفاف النيل المرتقب باعتبارها قضية قومية تستوجب الوحدة والتكاتف، لكن النظام العسكرى أبى إلا الإصرار على المزيد من شق الصفوف وتمزيق كل أواصر الوحدة وتفتيت كل معنى لتماسك المجتمع وقوته لمواجهة هذه الأخطار الوجودية الخطيرة.

ثالثا، الرسالة الأهم من هذه الأحكام الجائرة، هي الإصرار على سحق الإخوان وغلق أي احتمالات بشأن المصالحة أو تسوية الأزمة مع الجماعة بصفة خاصة والإسلاميين والمعارضة غير المستأنسة بشكل عام. فالحكم صدر من مكتب السيسي شخصيا، والقضاء والأجهزة المخابراتية والأمنية إنما يمتثلون فقط لتلك التوجيهات والأوامر التي تخضع لتكتيكات السيسي وأجهزته الذي يعتقد أنه كلما أمعن في التنكيل بالإخوان والإسلاميين حظى بمكانة أعلى لدى الحكومات الغربية التي ترى في الإسلاميين خطرا على استقرار المنطقة لرفضهم القبول بدمج إسرائيل في المنطقة والتعامل معها كقوة احتلال على عكس النظم العربية التي تبدي أعلى صور الإذعان والتودد لإسرائيل.  وتذهب تفسيرات إلى أن الحكم يستهدف تقوية موقف السيسي مستقبلا بشأن أي وساطة تتعلق بالتسوية السياسية للأزمة المصرية؛ ومثل هذه الأحكام تمنحه أوراق للمساومة عليها مستقبلا؛ إذ يسمح له القانون بالتدخل في أي وقت للعفو الاستثنائي عن المحكوم عليهم بالإعدام، حتى بعد انقضاء الفترة القانونية المتاحة أمامه لتغيير العقوبة، والمقدرة بأسبوعين اثنين وفق قانون الإجراءات الجنائية. كما أن هناك عشرات السوابق خلال السنوات العشرين الماضية بإهمال تنفيذ أحكام الإعدام لسنوات طويلة، أو التباطؤ فيها، على الرغم من مسارعة الدولة بتنفيذ الأحكام في قضايا العنف ذات الطابع السياسي خلال السنوات الخمس الأخيرة.

الرسالة الرابعة، هي إصرار النظام على كسر روح الصمود الأسطوري من جانب قيادات الإخوان وعناصرها في سجونه ومعتقلاته، ورغم بشاعة القمع والانتهاكات إلا أن هذا الصمود يدفع النظام إلى القلق المتزايد والإصرار على كسر هذه الروح الصامدة وإكراه الجماعة ودفعها إلى رفع راية التسليم والاعتراف بالنظام، خصوصا وأن الجماعة تتمسك برفضها للانقلاب ومنحه أي اعتراف أو شرعية من جانبها حتى بعد استشهاد الرئيس محمد مرسي. وبحسب محللين فإن النظام يستهدف بهذه الأحكام الجائرة الحصول على على  أوراق  ضغط يساوم بها الإسلاميين إذا ما أجبر على الجلوس على مائدة التفاوض على خلفية تردي الأوضاع المعيشية والاقتصادية وتزايد معدلات الغضب الشعبي الناتج عن الغلاء الفاحش وفشل النظام في حل أزمة سد النهضة ، وفي ظل مخاوف النظام من اندلاع ثورة شعبية، فربما تجبره القوى الدولية والإقليمية على التهدئة والتفاوض من أجل ضمان بقائه وليس حرصا على المصالحة ذاتها.

هل يمكن تنفيذ الحكم؟

وحول قدرة النظام على تنفيذ هذه الأحكام؛ تنقل تقارير عربية عن مصادر أمنية مطلعة ترجيحها ألا تحدث أي استثناءات لإنقاذ “الإخوان” المحكوم عليهم بالإعدام “إلا إذا تغيرت الأوضاع السياسية تماماً، داخلياً وخارجياً، وليس فقط إحراز تقدم في المحادثات مع قطر وتركيا”. وبحسب هذه المصادر فإن النظام “لا يرغب على الإطلاق في توجيه رسالة إيجابية من أي نوع للإخوان. وإلى جانب المحكوم عليهم بالإعدام، فإن قادة الجماعة المحبوسين مهددون بالوفاة داخل السجن، والنظام لا يكترث إطلاقاً بهذه المسألة”.

أما موعد تنفيذ هذه الأحكام فإنه يخضع  لتقديرات موقف تجريها الدائرة المقربة من السيسي وأجهزته في المخابرات العامة والأمن الوطني بناء على الأوضاع الاجتماعية والسياسية القائمة، ومدى إحساس النظام بقوة شعبيته أو في أعقاب أعمال درامية أو سينمائية تمثل غطاء وتمهيدا لتنفيذ مثل هذه الأحكام كما جرى مع شهداء قضية كرداسة في رمضان 1442هــ2021م. كما يمكن توظيف توقيت التنفيذ أو حتى العفو بناء على ما يتعرض له النظام من ضغوط أو مساوات من جهات دولية أو رغبة النظام في توجيه رسائل للخارج. وبالتالي فإن  الحكم في حالة قيادات “الإخوان” في رابعة، وإن كان باتاً ونهائياً وغير قابل للطعن من الناحية القانونية، فلن ينفذ إلا بقرار يضع في الحسبان الأبعاد المختلفة للتنفيذ، داخلياً وخارجياً، من رئاسة الجمهورية والأجهزة الرسمية للدولة.

ويبدو أن نظام السيسي بات يدرك أن المعادلة الدولية والإقليمية حاليا قد تسمح له بتنفيذ المزيد من القمع وأحكام الإعدام دون اكتراث لعواقب مثل هذا القرار الخطير، ومن خلال تقديرات الموقف قد تصل أجهزة السيسي إلى أن النظام قادر على دفع الفواتير السياسية والأمنية الناتجة عن مثل هذا الإجراء والإصرار على إعدام هؤلاء القيادات الذين يمثلون نماذج من الوزن الثقيل داخل المجتمع والجماعة.

بعد الحكم الأخير، فإن الكرة في  ملعب السيسي وفق الموازين المادية البحتة؛ وسيكون له حق “العفو” أو استبدال العقوبة” خلال 24 ساعة من تاريخ عرض الحكم عليه.. فما عساه يقرر؟! فالقرار هنا ليس محض “جرة قلم”.. وإنما سيخضع لحسابات شديدة الدقة والحساسية، وذلك لما سيحمله من دلالات على نوايا النظام إزاء التسوية النهائية لملف جماعة الإخوان المسلمين والقوى الشعبية والحزبية المولية لها ولمسار ثورة 25 يناير،  وما سيترتب على تلك التسوية أيًا كان مضمونها، من استحقاقات داخليًا وخارجيًا. وانعكاسات ذلك على تقوية أو إضعاف الموقف المصري أمام التهديدات الوجودية التي تحاصر مصر وأهمها أزمة مياه النيل مع إثيوبيا. قد يكون الحكم بحد ذاته إجراء يقوي موقف النظام إذا كانت تركيا وقطر تقومان حاليا في أجواء من السرية والكتمان من أجل تسوية الأزمة المصرية بالتزامن مع التقارب مع النظام، فقد يستخدم نظام السيسي هذه الورقة للضغط والمساومة على الجماعة وأنصارها من أجل الاعتراف بشرعيته مقابل تخفيف هذه الأحكام أو حتى العفو عن المحكوم عليهم. وهو ما يضع الجماعة أمام اختبار آخر بالغ القسوة؛ لأن الاعتراف بشرعية النظام قد تعصم بعض القيادات من الإعدام أو السجن لكنه سيدمر الأسس الدينية والأخلاقية التي يقوم عليها موقف الجماعة والمؤمنين بمسارها بالرفض المطلق لأي عملية سطو على الحكم بقوة السلاح والانقلابات، وهو موقف بالغ الانتصار للفكرة الإسلامية في جوهرها ونقائها الأصيل.  الأمر مفتوح على كل السيناريوهات والأرجح أن يمضي السيسي في ظلمه وطغيانه دون اكتراث كعادته ويمضي في التصعيد إلى مداه البعيد دون النظر إلى العواقب والمآلات الخطرة.  والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

 

 

 

[1] أحكام الإعدام في قضية رابعة: رسالة للخارج وتمسك برفض المصالحة في الداخل / العربي الجديد ــ 16 يونيو 2021

[2] أحكام الإعدام في قضية رابعة: رسالة للخارج وتمسك برفض المصالحة في الداخل / العربي الجديد ــ 16 يونيو 2021

[3] وائل قنديل/ رفعت الجلسة .. الحكم بعد المسلسل/ العربي الجديد ــ 16 يونيو 2021

[4] السيسي يصدر قانون حظر تغطية المحاكمات الجنائية / العربي الجديد ــ15 يونيو 2021

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

إلغاء حالة الطوارئ.. قراءة في الأبعاد السياسية والقانونية والاقتصادية

    يطرح توقيت وصياغة قرار الجنرال عبد الفتاح السيسي، بإلغاء حالة الطوارئ مساء الإثني…