‫الرئيسية‬ بحوث ودراسات المواقف الدولية من عودة حركة طالبان إلى حكم أفغانستان: المحددات والتوجهات
بحوث ودراسات - أغسطس 26, 2021

المواقف الدولية من عودة حركة طالبان إلى حكم أفغانستان: المحددات والتوجهات

المواقف الدولية من عودة حركة طالبان إلى حكم أفغانستان: المحددات والتوجهات

 

مع سقوط العاصمة الأفغانية، كابول، يوم 15 أغسطس 2021، تعود حركة طالبان إلى حكم البلاد بعد عشرين عامًا من إطاحة الولايات المتحدة الأميركية لها في نوفمبر 2001 بسبب استضافتها تنظيم القاعدة الذي تبنى هجمات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن، ورفض الحركة إغلاق معسكراته وتسليم قادته[1].

وقد فوجئ المجتمع الدولي بسيطرة حركة طالبان على العاصمة الأفغانية كابل وتسلمها السلطة في وقت قصير، بعد بدء القوات الأمريكية والأطلسية الانسحاب تدريجياً. ورغم حالة الترقب والحذر في البداية، فإن المواقف الدولية سرعان ما بدأت تتضح بعد ذلك[2]. ففي حين قد تتجه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى توظيف سلاح العقوبات ضد طالبان، إذا لم تلتزم الأخيرة بعدم التعرض للرعايا الأمريكيين والأوروبيين المغادرين أفغانستان، فإنه من الملحوظ أن أغلب الدول المجاورة لأفغانستان كانت تتوقع انهيار الحكومة الأفغانية، وإن ليس بهذه السرعة، وشرعت في الانفتاح على طالبان[3].

وتسعى هذه الورقة إلى توضيح محددات وتوجهات المواقف الدولية من عودة حركة طالبان إلى حكم أفغانستان، وذلك بالتركيز على مواقف كل من حركة طالبان نفسها، والولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والصين، وروسيا، والهند، وإيران، وباكستان، وتركيا. وأخيرًا، توضيح مدى تأثير الانسحاب الأمريكي وعودة طالبان إلى الحكم في أفغانستان على منطقة الشرق الأوسط.

 

أولًا: حركة طالبان:

المواقف الدولية من عودة حركة طالبان إلى حكم أفغانستان: المحددات والتوجهات

يرتبط التساؤل الأبرز المتعلق بالحالة الأفغانية الحالية، بكيفية نجاح حركة طالبان في الحفاظ على استمراريتها لنحو عقدين، بالرغم من الضربات القوية التي تلقتها الحركة منذ عام 2001، إذ استطاعت البقاء وبناء قوتها من جديد، حتى إن بعض التقديرات تشير إلى أن مقاتلي الحركة في الوقت الحالي تتراوح أعدادهم بين 50 و60 ألف مقاتل، بينما أشارت تقديرات أخرى إلى أنهم قد يصلون إلى 100 ألف مقاتل[4]. ويمكن الإشارة إلى مجموعة من العوامل التي ساهمت في بقاء وصمود الحركة على مدى عقدين كاملين، وساعدتها على العودة مرة أخرى إلى حكم أفغانستان، تتمثل أبرز تلك العوامل في مجموعة من الاستراتيجيات التي أتبعتها الحركة عبر ثلاث مراحل رئيسية:

المرحلة الأولى: مرحلة القتال والمواجهة مع الولايات المتحدة:

وفى هذه المرحلة، فقد اتبعت الحركة مجموعة من الاستراتيجيات التي هدفت بصورة رئيسية إلى الحفاظ على بقائها وتوفير الدعم اللازم لمحاربة الولايات المتحدة، وتمثلت أبرز تلك الاستراتيجيات في:

1- تقوية الحاضنة الاجتماعية: فحركة طالبان تنحدر من عرقية “البشتون” كبرى التكوينات القبلية في أفغانستان (نحو 42–45% من إجمالي السكان)، الذين يتموضعون في مناطق واسعة من شرق وجنوب البلاد، تصل إلى نحو 50% من مساحة أفغانستان؛ ما جعلها تتمتع بحاضنة اجتماعية راسخة مكنتها من احتواء الصدمات الأمنية والعسكرية التي تعرضت لها طوال العقدين الماضيين.

وقد تجذرت الحاضنة الاجتماعية لحركة طالبان خلال الفترة الماضية، بالنظر إلى سياسات الولايات المتحدة الخاطئة خلال حقبة ما بعد الغزو، التي عمدت إلى تهميش “البشتون” على نحو كبير، والاعتماد بصورة متزايدة على العرقيات الأخرى الأقل حضوراً في البلاد، كالأوزبك والطاجيك؛ ما جعل “البشتون” أكثر دعماً لطالبان الذين رأوا فيهم فرس الرهان لإعادة الاعتبار القبلي إليهم، بعد توارث الحكومات الأفغانية المتعاقبة استراتيجية تهميش “البشتون” الأمريكية ولو كان الرئيس الأفغاني الفار أشرف غني نفسه من “البشتون”.

2- نزوع متزايد نحو المحلية: فعلى الرغم من حرص قيادات القاعدة المتحالفة مع طالبان قبل نحو ربع قرن على جر الحركة نحو تبني خطابات “أممية” تنحو باتجاه إحياء “الخلافة” الإسلامية؛ فإن الحركة تتبنى “خطابات محلية”؛ فهي وإن كانت تسعى إلى تكوين حكومة “إسلامية”، فهي تعمل على بلوغ هذه الهدف في صورة “إمارة” لا “خلافة”، وهي –بخلاف النظام الإيراني– لا تهدف إلى تصدير نموذجها، كما أنها تنظيم أفغاني محلي ليس له أي توجه نحو إنشاء فروع معلومة خارج رقعة البلاد الجغرافية، كما هو الحال في التنظيمات الجهادية الأخرى؛ كالقاعدة وداعش.

ويبدو أن حرص الحركة على إبراز هذه الاختلافات دليل على أنها قد استوعبت خبرتها الماضية، وما جنته من تحالفها السابق مع تنظيم القاعدة وحمايتها لقياداته، التي أدت بها إلى فقدان السلطة في كابول، وغزو الولايات المتحدة وحلفائها البلاد لنحو عقدين من الزمن.

3- تطوير دبلوماسية نشطة وقدرات تفاوضية: نجحت طالبان في بناء خبرات تفاوضية عميقة خلال العقدين الماضيين، على الصعيد الداخلي وعلى الصعيد الخارجي كذلك. داخلياً عمدت طالبان إلى إدارة العلاقات الاجتماعية مع القبائل والتكوينات العرقية الأفغانية على نحو جيد، بما قد يفسر حالة السقوط السريع للمدن الأفغانية في يد الحركة؛ الواحدة تلو الأخرى، ومن دون قتال يذكر، حتى في مناطق الشمال التي تخلو من الحاضنة الاجتماعية للحركة.

أما على الصعيد الخارجي، فبعدما رفضت الولايات المتحدة أي مجال للحوار أو التفاوض مع طالبان قبل عشرين عاماً، حينما اتخذت قرارها بغزو أفغانستان؛ بدت واشنطن خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة أكثر سعياً إلى التفاوض مع طالبان؛ إذ رحبت واشنطن بفتح مكتب اتصال لطالبان في قطر، وعقدت جولات من المفاوضات بين الجانبين، أسفرت عن إبرام ما وصفته دوائر أمريكية بالاتفاق التاريخي بين واشنطن وطالبان بالدوحة، في فبراير 2020، لانسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان خلال 14 شهراً، بحضور المبعوث الأمريكي الخاص بأفغانستان زلماي خليل زاد، والمسؤول السياسي لطالبان الملا عبد الغني بارادار، ووزير الخارجية الأمريكي السابق مايك بومبيو.

4- التقارب مع القوى الكبرى غير الغربية: لم يكن لنسخة طالبان الأولى أي أصدقاء على الصعيد الدولي، لكن طالبان 2021 بدأت في نسج علاقات متوجهة شرقاً لكسب القوى الدولية غير الغربية، كالصين وروسيا، مستفيدةً من حالة الاستقطاب الدولي الحاصل بين واشنطن وكل من موسكو وبكين.

ففي نهاية يوليو 2021، أوفدت طالبان عدداً من قياداتها إلى الصين لطمأنة بكين بأن الحركة لن تسمح باستخدام أفغانستان قاعدةً لشن هجمات تستهدف أمن الدول الأخرى، وهو ما ردت عليه بكين بأنها لن تتدخل في الشؤون الأفغانية، بل ستساعد في حل المشاكل وإرساء السلام. وقبل ذلك، قام وفد من طالبان بزيارة موسكو، في 9 يوليو 2021 لكسب ود روسيا من خلال التأكيد على أن الحركة لن تسمح بوجود تنظيم “داعش” أو أي تنظيمات إرهابية على الأراضي الأفغانية[5].

المرحلة الثانية: المرحلة الانتقالية (ما بعد القتال وقبل الوصول إلى الحكم):

وأثناء هذه المرحلة، اتبعت الحركة مجموعة من الاستراتيجيات التي هدفت بصورة رئيسية إلى تراكم أوراق القوة بيدها، وتسريع خروج القوات الأمريكية عبر ضمان الخروج الآمن لهذه القوات، وتحييد القوى الخارجية، وتمثلت أبرز تلك الاستراتيجيات في:

1- الحفاظ على مسارات التفاوض: فعلى الرغم من توسع رقعة المعارك بين طالبان والقوات الأفغانية، بسبب إصرار الحركة على توسيع نطاق سيطرتها على مراكز الولايات والوصول إلى العاصمة، بات لافتاً أنها تنخرط في محادثات عدة استضافتها العديد من الدول، منذ دخولها في مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية.

فعلى سبيل المثال، في الوقت الذي سيطر فيه مقاتلو الحركة على مدينة بول خمري عاصمة ولاية بغلان شمال البلاد، كان وفد الحركة يتفاوض في الدوحة مجدداً، في مباحثات دولية موسعة حول مستقبل أفغانستان، في 10 أغسطس 2021، وهو ما سبق وأن تكرر في المباحثات التي استضافتها إيران في 7 يوليو 2021، حيث سيطرت الحركة علي المعبرين الحدوديين مع إيران في أعقاب انتهاء المباحثات مباشرة، علي الرغم من توقيع الطرفين على بيان المباحثات الختامي الذي أكد على “ضرورة اتجاه جهود الطرفين نحو الحل السياسي والسلمي”.

ويشير ذلك إلى أن اعتماد الحركة نهج المفاوضات لا يعني توقفها عن محاولات فرض السيطرة على الأرض، والحصول على أوراق ضغط في مواجهة الأطراف كافة، ممثلين في الحكومة الأفغانية، والولايات المتحدة الأمريكية، ودول الجوار الإقليمي.

2- السيطرة على المعابر: تركز حركة طالبان جهودها القتالية بشكل ملحوظ للسيطرة على المعابر والولايات الحدودية، حيث تمتلك أفغانستان 10 معابر حدودية مع كل من باكستان وإيران وطاجيكستان وتركمانستان وأوزباكستان. وقد استطاعت الحركة أن تستولي على 7 منها منذ يونيو 2021.

وبالتالي فإن استيلاء طالبان على المعابر الحدودية يعني حصولها على إيرادات هذه المعابر. إذ لم يعلن عن إغلاق المعابر التي سيطرت عليها الحركة – باستثناء دعوة إيران التجار إلى وقف تجارتهم عبر معبري إسلام قلعة وأبو نصر فراهي- مما يعني استمرار التجارة فيها، وبالتالي حصول طالبان على رسوم العبور والجمارك، كما أن سيطرة طالبان على المعابر تمكنها من فرض حصار نوعي على السلاح والمواد الغذائية الواردة للحكومة مما يعني مزيداً من التضييق عليها.

3- طمأنة دول الجوار: تسعى الحركة إلى توجيه رسائل طمأنة إلى دول الجوار، من أجل دفعها إلى إجراء تغيير في موقفها باتجاه التعامل معها كطرف لا يمكن تجاهله. فعلى الرغم من أن دول الجوار الأفغاني في مجملها هي دول معادية للحركة- باستثناء باكستان الحليف القديم لها- فإن طالبان قد استطاعت مخاطبة دول الجوار وطمأنتها في أكثر من سياق، إذ يبدو أنها قد استوعبت قواعد اللعبة السياسية والدولية، مستفيدة من خبرتها السابقة، حيث دأبت على تنظيم زيارات لروسيا وإيران، ومخاطبة الصين ودعوتها للاستثمار في أفغانستان، والتأكيد لطاجيكستان على أنها لا تريد زعزعة استقرارها.

كما أن استيلاء الحركة على المعابر الحدودية مع أغلب هذه الدول، والسيطرة على الولايات المتاخمة لها، يدفع دول الجوار دفعاً نحو التعامل وربما التنسيق معها، حفاظاً على أمن حدودها من التهديد المحقق إذا ما أرادت طالبان.

أكثر من ذلك، لا يستبعد سيناريو التعاون، أو بالأحرى التعامل الاضطراري، لدول الجوار مع حركة طالبان، ليس فقط في ظل عدم إعلان أي من دول الجوار عن إغلاق معابرها مع أفغانستان، وبصفة خاصة تلك التي سيطرت عليها الحركة، مما يعد مؤشراً على استعداد مبدئي للتعامل مع الحركة في تسيير حركة المعابر، وإنما أيضاً في ظل اعتبار أهم وهو الاعتراف الأمريكي بالحركة وتحولها إلى شريك سياسي في البلاد من خلال اتفاق السلام الذي أبرم بين الطرفين، في فبراير 2020.

ويلاحظ في هذا السياق أنه على الرغم من قلق دول الجوار الأفغاني من صعود طالبان مرة أخرى، فإن هذه الدول لم تصدر عنها مواقف يمكن وصفها بالحادة أو التصعيدية تجاه طالبان، فبرغم الخلاف المذهبي مع إيران، والأيديولوجي مع الصين، والعداء الروسي والطاجيكي للحركات الجهادية الإسلامية، يلاحظ أن الخطاب الذي يتناول سياسة الحركة في البلاد من قبل هذه الدول يعتمد على مصطلحات حيادية، تدعو الحركة لوقف العنف، والالتزام بمسارات التفاوض مع الحكومة. فيما لا يتضمن الخطاب الطاجيكي – على سبيل المثال- إشارات لكون طالبان مصنفة من قبل السلطات الطاجيكية كمنظمة إرهابية، إذ تتحسب طاجيكستان للدخول في حرب أهلية مجدداً مع الجماعات الإسلامية التي حتماً ستجد طالبان سبلها للتواصل معها في الداخل الطاجيكي[6].

المرحلة الثالثة: مرحلة التمكين والوصول إلى الحكم:

وخلال هذه المرحلة، اتبعت الحركة مجموعة من الاستراتيجيات التي هدفت بصورة رئيسية إلى الحصول على شرعية وقبول داخلي وخارجي لعودتها إلى الحكم مرة أخرى، وتمثلت أبرز تلك الاستراتيجيات في:

1- البعد عن نزعة الانتقام: المشهد الأول الذي يعكس حجم التغيير في عقلية الحركة ميلها نحو طي صفحة الخلافات مع خصوم الداخل والخارج معًا، وتنحية استراتيجية الانتقام جانبًا، وهو ما أكده الناطق باسمها ذبيح الله مجاهد خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده في العاصمة كابول حين قال: “اعتبارًا من اليوم نعلن انتهاء عدائنا مع كل من وقف ضدنا في أفغانستان.. لن ننتقم من المتعاونين مع الاحتلال ولا من أفراد النظام السابق وهم شركاؤنا في بناء وطننا”.

المتحدث أكد أن “الحرية والاستقلال حقان مشروعان للشعب الأفغاني”، لافتًا إلى أن طالبان لا تريد تصفية حسابات مع أحد داخل أفغانستان، متابعًا “أصدرنا عفوًا عن كل من وقف ضدنا، ولا نريد استمرار الحرب بل نسعى لإزالة كل أسبابها”.

يتناغم هذا التصريح مع الفروق الكبيرة بين دخول الحركة العاصمة كابل عام 1996 ودخولها اليوم، ففي المرة الأولى كان الانتقام الشعار الأبرز، إذ أعدمت الحركة الرئيس الأفغاني الأسبق محمد نجيب، بدعوى تحالفه مع السوفييت وقتها، الأمر الذي اضطر معه الرئيس – حينها – برهان الدين رباني للهروب ومعه رئيس الحكومة قلب الدين حكمتيار، لكن اليوم لم توجه الحركة رصاصة واحدة صوب أي أحد، بل حاولت جاهدة طمأنة أنصار نظام الرئيس الهارب أشرف غني بالبقاء في منازلهم دون أي تهديدات أو خطر يهددهم.

2- التأكيد على احترام حقوق المرأة: كان هذا الملف هو التخوف الأبرز حضورًا على منصات التناول الإعلامي منذ بسط الحركة سيطرتها على المشهد، ولعل ما حدث قبل ربع قرن تقريبًا السبب الرئيسي وراء هذا التخوف، فقد اتخذت الحركة وقتها إجراءات صارمة بحق المرأة ومنها منع التعليم والعمل وتضييق عملية الخروج من منزلها إلا بشروط قاسية.

لكن اليوم الوضع تغير بصورة لافتة، فبعد أقل من 24 ساعة على دخول طالبان القصر الجمهوري تظاهرت سيدات في العاصمة كابل، ورفعن لافتات كتبن عليها 4 كلمات باللغة الإنجليزية “توجد نساء في أفغانستان”، دون أن يعترضهن أحد، كما ظهر – لأول مرة في تليفزيون أفغاني – أحد مسؤولي طالبان ضيفًا في حوار تديره مذيعة أفغانية دون وجه مغطى، وهو أمر مستغرب على الحركة صاحبة التاريخ المشين فيما يتعلق بحقوق المرأة.

طالبان وعبر متحدثها الرسمي أكدت أنها تتعهد بمنح المرأة حقوقها التي أقرها الإسلام، مضيفًا “المرأة عنصر مهم في أفغانستان، وهناك قانون يُكرس احترامها وصيانة حقوقها، وسيكون هناك حضور نشط ومهم للمرأة. ونحن نطمئن العالم وكل من يساوره القلق بشأن مستقبل النساء في بلادنا بأننا نمنح المرأة حقوقها الكاملة طبقًا للشريعة الإسلامية”.

3- الانفتاح على الإعلام: كان الإعلام أحد ضحايا السيطرة الطالبانية الأولى قبل عشرين عامًا، فمنعت وسائل الإعلام الحديثة كالتليفزيون بجانب منع الصور كذلك، فيما تم الاقتصار الإعلامي على إذاعة بيانات وتعليمات الحركة وبث خطب قادتها ومحاضراتهم.

اليوم تسعى الحركة لتقديم وجه مغاير في التعامل مع الإعلام، فالقادة لا يمانعون إجراء أي أحاديث مع أي قناة كانت، فظهر رئيس المكتب السياسي محمد نعيم، في مداخلة مع التليفزيون المصري، فيما أجرت قناة إسرائيلية لقاءً مع المتحدث الرسمي لها، حتى إن أخفى المراسل العبري هوية قناته، إلا أن عدم تشدد المتحدث باسم الحركة في معرفة هويتها يعد تطورًا غير مسبوق في التعامل مع هذا الملف.

4- فتح قنوات دبلوماسية مع الدول كافة: هروبًا من الانعزالية التي كانت عليها الحركة خلال ولايتها الأولى، تحاول اليوم الانفتاح بشكل كامل على كل الدول عبر قنوات دبلوماسية مفتوحة دون شروط مسبقة، حتى مع الدول ذات الخصومة السياسية والعداء التاريخي معها.

الأعوام الثلاث الأخيرة تحديدًا شهدت سيولة دبلوماسية لدى الحركة في التعامل مع العديد من الدول، وهو ما تجسده الزيارات المتتالية لممثلي طالبان لبعض العواصم، بعضها كانت تصف طالبان بـ”الجماعة المحظورة” كروسيا على سبيل المثال.

المتحدث باسم الحركة حاول طمأنة المجتمع الدولي من خلال مغازلته بالتأكيد على أن بلاده لن تُستخدم ضد الآخرين، ولن تكون منصة لتهديد أمن واستقرار أي دولة أجنبية، مؤكدًا احترام كابل الشؤون الداخلية للدول وعدم الزج بنفسها في معارك لا تخصها.

5- البعد عن سياسات الإقصاء والاستئثار بالسلطة: كان الانفراد بالسلطة أبرز المآخذ التي تعرضت لها الحركة في ولايتها الأولى، وهو ما أثار مخاوف بقية التيارات السياسية ومكوناتها الشعبية والقبلية والعرقية، الأمر الذي وسع الفجوة بين طالبان والمجتمع الأفغاني.

تسعى الحركة اليوم للاستفادة من دروس الماضي، ولعل بعض المشاهد تعكس تلك الاستفادة منها إرجاء إعلان الإمارة الإسلامية بالبلاد، خشية استفزاز الشيعة والطاجيك على وجه الخصوص، يتزامن ذلك مع تصريحات إيجابية صادرة عن قادتها الساعات الماضية بشأن التشاركية في الحكم والتمثيل الشامل لكل المجتمع الأفغاني، وهو ما يتناغم مع تجنب الطالبانيين – على الأقل في الوقت الراهن – الدخول في معارك جانبية مع بعض القوى المرتبطة بإثنيات داخلية كإيران وطاجكستان وباكستان. وفي السياق ذاته أبدت طالبان بعض المرونة حيال الأقليات والأعراق الأخرى، حين أكدت على لسان متحدثها الرسمي: “سنحترم المعتقدات الدينية والقيم الروحية لجميع الأفغان”[7].

ومع ذلك، لا تزال هناك مجموعة من التحديات التي تواجه حركة طالبان بعد وصولها إلى الحكم، تتمثل أبرزها في:

– الحفاظ على تماسك الحركة: سيكون التماسك الداخلي لـ”طالبان” أول وأهم اختبار، حيث ينحدر مقاتلو الحركة من العديد من الأفراد والجماعات، وبعضهم لديه أفكار متعارضة حول ما يجب أن تكون عليه طالبان. وسيتمثل أول مؤشر على قدرة طالبان على السيطرة على المسلحين العابرين للحدود، فيما إن كان قادة طالبان قادرين على الاحتفاظ بالولاء المركزي وضمان الالتزام بالأهداف المركزية، بدلاً من المصالح المحلية أو الشخصية، في خضم العملية الانتقالية من التمرد إلى الحكم، حيث إن القادة المحليين الذين تربطهم علاقات وثيقة بالمقاتلين الأجانب قد يكونون أكثر تعاطفًا مع شركائهم في القتال أكثر من تعاطفهم مع هيئة الحكم في كابل[8].

– الحصول على شرعية الحكم: فعلى الرغم من هروب الرئيس الأفغاني أشرف غنى إلى أوزباكستان، لكنه رفض التنحي من الرئاسة وقد يكون لديه تطمينات من عدة دول غربية بأنهم لن يعترفوا بحكم “طالبان” مما يجعل منه نواة لحكومة أفغانية في المنفى.

وبجانب غنى، فقد أعلن أمر الله صالح، النائب الأول للرئيس الأفغاني، في 17 أغسطس 2021، أنه لا يزال موجوداً داخل أفغانستان، وأنه “الرئيس الشرعي المؤقت” للبلاد بعد فرار الرئيس أشرف غني إلى الخارج، داعياً للانضمام لـ “المقاومة ضد طالبان”. وقد استند صالح في ذلك على ما وصفه بالنص الصريح في دستور جمهورية أفغانستان الإسلامية؛ ففي حالة غياب الرئيس أو هروبه أو وفاته يكون النائب الأول للرئيس هو القائم بأعمال الرئيس[9].

أضف إلى ذلك، فمن المرجح ألا تعترف الدول الغربية بحكم طالبان لأفغانستان في حالة سيطرتها على الحكم بصورة منفردة وعنيفة. وفى حالة ما إذا اعترفت الصين أو روسيا بـ”طالبان”، فسيكون فوزا كبيرا للحركة، حيث لم يعترف أي عضو دائم في مجلس الأمن في الأمم المتحدة بأول حكومة لها في أواخر التسعينيات. وقد تعترف بكين بـ”طالبان” مخالفة لرغبة القوى الغربية، كما سبق للصين الاعتراف بالقيادة العسكرية الجديدة في ميانمار، حيث قبلت فعليا الجيش كحكومة شرعية. ولكن في حين أن الاعتراف الدبلوماسي الصيني سيكون اختراقًا كبيرا تحققه الحركة، إلا أنه سيتطلب من “طالبان” ممارسة المزيد من التأثير أو السيطرة على العناصر المتشددة الأجنبية داخل أفغانستان، وهو أمر قد لا تتمكن من القيام به بشكل كامل[10].

– احتمالات الحرب الأهلية: فبما أن حركة “طالبان” عمادها البشري إثنية البشتون التي تمثل قرابة 43 في المئة من السكان، فإنها ستجد نفسها عاجلاً ام آجلاً في مواجهة الإثنيات الاخرى متل الطاجيك (24 في المئة من السكان) والاوزبك (10 في المئة) والهزارة الشيعة (عشرة في المئة) وغيرها. وعليه اذا لم تتوصل إلى صيغة ائتلافية ترضي غالبية المكونات الأفغانية، فإن ذلك الأمر قد يتسبب بإشكالات سياسية وأمنية كبيرة[11].

أضف إلى ذلك، فأن سيطرة “طالبان” على معظم أفغانستان كانت نتيجة انهيار قوات الأمن الأفغانية، وليس بالضرورة هزيمتهم. وإذا احتفظ جنود الشرطة بأسلحتهم ونقلوا ولاءاتهم من الدولة إلى قبائلهم وميليشياتهم، فإن هذا يمثل تحديًا لـ”طالبان” مما ينذر بحدوث حرب أهلية، كما قد تمثل هذه الميليشيات المحلية أداة يمكن استغلالها من قوى خارجية لتقويض استقرار “طالبان”[12].

– العلاقة مع التنظيمات الجهادية: جمعت حركة طالبان وتنظيم القاعدة علاقة قوية ومكلِّفة في ذات الوقت، وكان من كلفها العالية الحرب التي شنَّتها الولايات المتحدة الأميركية على أفغانستان. وحيث لا يمكن تجاهل العلاقة التاريخية بين القاعدة وطالبان يبدو أن طالبان اليوم تحتاج إلى إعادة تعريف العلاقة ومقتضياتها. ولم يتوانَ حلف الناتو عن تحذير الحركة، وقال الأمين العام للحلف، ينس ستولتنبرغ، في أول مؤتمر صحفي له منذ سقوط كابل في أيدي طالبان: “أولئك الذين يتولون السلطة الآن يتحملون مسؤولية ضمان ألا يستعيد الإرهابيون الدوليون موطئ قدم (في أفغانستان)”.

أما تنظيم الدولة، حديث الظهور في أفغانستان، فيشكل تحديًا جوهريًّا لمستقبل المشروع السياسي لطالبان، وقد تجد الحركة نفسها مجبرة على الدخول في عمليات مواجهة مسلحة مع التنظيم[13].

 

ثانيًا: أمريكا:

المواقف الدولية من عودة حركة طالبان إلى حكم أفغانستان: المحددات والتوجهات

اعترفت الولايات المتحدة بالفشل في أفغانستان ووصفها الرئيس الأمريكي جو بايدن بأنها “مقبرة الغزاة” ملقيًا باللوم على الحكومة الأفغانية المدعومة من واشنطن التي سقطت في وقت قياسي وهرب رئيسها، وأكد بايدن أن “القوات الأميركية يجب ألا تقاتل وتموت في حرب رفضت القوات المحلية خوضها”.

وقال بايدن -في تغريدة له-: “مهمتنا العسكرية الحالية في أفغانستان قصيرة ومركزة، وهي نقل مواطنينا وحلفائنا بأقصى سرعة. بمجرد انتهاء مهمتنا في أفغانستان نُنهي أطول حرب خاضتها الولايات المتحدة”. وأصدر بايدن قرارًا بتخصيص 500 مليون دولار من ميزانية الطوارئ لتلبية احتياجات الهجرة العاجلة من أفغانستان. وذكر بايدن أنه أمر بإرسال 6 آلاف جندي إلى أفغانستان للمساعدة في إجلاء المواطنين والحلفاء والأفغان المعرضين للخطر[14].

وتحاول إدارة بايدن التنصل من المسئولية أمام المجتمع الدولي، إزاء التقدم السريع لحركة طالبان والمكاسب الكبيرة التي حققتها خلال الأيام الماضية، وذلك من خلال التحرك بين عدة قنوات مختلفة على النحو التالي:

1-  الدفاع عن قرار الانسحاب ومهاجمة دونالد ترامب: أكد الرئيس الأمريكي جو بايدن على انه لا يشعر بالندم بشأن قراره بسحب القوات الأمريكية من أفغانستان، وأن الوجود العسكري الأمريكي إلى أجل غير مسمى ليس خيارًا مطروحاً، لأنه أجبر على اتخاذ هذا القرار نتيجة إرث الرئيس السابق دونالد ترامب الذي أبرم صفقة مع طالبان تركتهم في وضع عسكري قوي منذ عام 2001 في إشارة إلى اتفاق الدوحة الموقع فبراير 2020 وسحب 2500 جندي قبل أن يترك منصبه وفرض الأول من مايو 2021 موعدًا نهائيًا لانسحاب القوات الأمريكية.

2- القاء اللوم على القيادة الأفغانية: فقد وجه الرئيس جو بايدن بنفسه انتقادا لاذعاً للقيادة الأفغانية، مشيراً إلى أن واشنطن قد استثمرت أكثر من تريليون دولار على مدى عقدين، في تدريب أكثر من 300 ألف جندي أفغاني وتجهيزهم بمعدات حديثة، وتحذير المتحدث باسم البنتاجون “جون كيربي”، من اعتبار استمرار الدعم الجوي الأمريكي “المنقذ الوحيد” للوضع الأمني المتدهور في أفغانستان، خاصة وأن الحكومة الأفغانية لديها ما تحتاجه لوقف تقدم طالبان، وأشار إلى أن عدد القوات الأفغانية في إشارة إلى 300 ألف جندي الذين تم تدريبهم وتجهيزهم، يفوق عدد مقاتلي طالبان الذين يقدر عددهم بنحو 75 ألفًا، بل و تصر إدارة بايدن على أن الأمر متروك الآن للحكومة الأفغانية للفوز أو الخسارة في هذه الحرب المستمرة منذ عقود.

3- استمرار الترويج إلى إمكانية تغيير سلوك طالبان: تحاول إدارة جو بايدن الترويج للرؤية الأمريكية التي تفيد بأن إعطاء حركة طالبان الموافقة الدولية التي تطمح إليها قد تؤثر على تصرفاتها وتهدئة سلوكها من خلال استئناف محادثات السلام بين طالبان والمسئولين الأفغان التي تعثرت وسط تصاعد العنف، وفي إطار تحقيق ذلك أرسل جو بايدن المبعوث الأمريكي الخاص لأفغانستان “زلماي خليل زاد ” إلى الدوحة هذا الأسبوع لإجراء مفاوضات مع مسئولي طالبان[15].

ولكن، لم تغنى تلك المبررات من توجيه العديد من الانتقادات لإدارة بايدن، بدعوى أن الانسحاب الأمريكي من أفغانستان سيكون له سلبيات كثيرة تتمثل في:

– عودة طالبان إلى الحكم وإمكانية تحولها، مرّة أخرى، إلى بؤرة استقطاب لتيارات متشدّدة تستهدف الولايات المتحدة ودولًا أخرى في المنطقة. بجانب، الفشل الأمريكي في القضاء على القدرات العسكرية لـ “طالبان: التي صمدت وقاتلت عشرين عامًا، وأظهرها الانسحاب الأميركي بمظهر المنتصر عسكريًا. فضلًا عن الفشل الأمريكي في الحفاظ على حكومة حليفها الرئيس أشرف غني ما جسد اعترافًا بفشل سياسي آخر في سياسات ما سُمّي “بناء الأمة” أو “بناء الدولة”.

– تراجع الثقة بالولايات المتحدة وصدقيتها بين حلفائها في المنطقة والعالم؛ فالطريقة التي تخلت بها واشنطن عن حلفائها في أفغانستان توحي بأنها باتت تميل إلى التخفيف من أي التزامٍ يمكن أن يمثل عائقًا لتوجهها نحو التركيز على التحديات والتهديدات الاستراتيجية التي تواجهها، مثل صعود الصين.

– احتمال أن تؤدّي عودة طالبان إلى حكم أفغانستان إلى بث الروح في التنظيمات الجهادية المتشدّدة التي تلقت ضربة كبيرة بعد هزيمة تنظيم داعش في العراق وسورية، باعتبار أن ما حصل يُعدّ نصرًا كبيرًا للحركة ومناصريها[16].

كما يمكن أن يتعزز التحالف بين طالبان والقاعدة في المرحلة الراهنة من أجل القضاء على وجود تنظيم داعش في أفغانستان؛ إذ إن ثمة صراعًا محتدمًا بين طالبان وداعش منذ بزوغ ولاية خراسان التابعة لداعش في أفغانستان، وهو ما عدَّته طالبان ضغطاً على مساحة نفوذها[17].

أضف إلى ذلك، فقد كانت غالبية التقديرات الأمريكية حول تحول أفغانستان إلى «ملاذ آمن» للهجمات الإرهابية تقول إنها تحتاج 24 شهراً بعد الخروج الأمريكي، لكن بعد إفراج حركة طالبان عن آلاف الإرهابيين الذين كانوا في سجون الحكومة الأفغانية، ومنهم سجناء سابقون في غوانتانامو وعناصر خطيرة من تنظيم داعش، تقلصت الفترة الزمنية التي يمكن أن تقوم فيها هذه الجماعات بعمليات إرهابية، وهذا هو التحذير الذي أطلقه رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية الجنرال مارك ميلي، في 15 أغسطس 2021، عندما أبلغ أعضاء من الحزبين في الكونغرس بأن تشكيل جماعات وتنظيمات إرهابية في أفغانستان يتسارع بشكل غير مسبوق، وأنه بهذا يعدل عن توقعه الذي قدمه للكونغرس في مايو 2021 والذي قال إن تشكيل الجماعات الإرهابية في أفغانستان يحتاج لعامين[18].

– يوحي انسحاب واشنطن من أفغانستان بعد 20 عامًا بهذا الشكل غير المخطط، والذي تزامن مع انسحابها من العراق بعد تهديدات الفصائل الشيعية باستهدافها، وسبقه تخليها عن عدد من حلفائها بالشرق الأوسط، فضلا عن إحجام واشنطن عن القيام بدورها كقوة عظمى بتراجع سياسي أمريكي واضح، مقابل تصاعد النفوذ الروسي سياسيًا وعسكريًا والنفوذ الصيني اقتصاديًا وسياسيًا. وحال نجحت جهود موسكو وبكين في إرساء الاستقرار بأفغانستان وإدارة الدولة بعد الانسحاب الأمريكي بأقل الخسائر، مما يعزز نفوذهم بوسط آسيا، ربما يؤدي ذلك على المدى الطويل لنظام دولي جديد متعدد الأقطاب تتقاسم فيه واشنطن وموسكو وبكين قيادة العالم[19].

– بالرغم من إظهار استطلاعات الرأي تأييد غالبية الأمريكيين قرارَ الرئيس بايدن سحب القوات الأمريكية من أفغانستان، لكن التطورات الأخيرة وسيطرة حركة طالبان على مجمل الأراضي الأفغانية قد تحمل الكثير من التداعيات السلبية على إدارة الرئيس بايدن. فقد كشف استطلاع للرأي، عن تراجع شعبية الرئيس الأميركي جو بايدن، 7 نقاط، إلى أدنى مستوى له خلال العام الجاري مع انهيار الحكومة الأفغانية المدعومة من واشنطن، واستيلاء حركة طالبان على أفغانستان. وقد خلص الاستطلاع الذي أجرته وكالة «رويترز» للأنباء، وأعلنت عنه، في 17 أغسطس 2021، إلى أن 46% من الأميركيين فقط يؤيدون أداء بايدن، فيما يُعدّ أدنى مستوى تم تسجيله في استطلاعات الرأي الأسبوعية، منذ توليه منصبه في يناير 2021. وكانت هذه النسبة أقل من نسبة 53%، التي أبدت تأييدها لـ بايدن خلال استطلاع مماثل في 13 من نفس الشهر (أغسطس)[20].

وهناك توقعات بأن يؤثر قرار بايدن بالسلب على الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي القادمة، لا سيما مع شروع الجمهوريين في توظيف هذا الملف لتسجيل مكاسب سياسية لصالح الحزب الجمهوري. كذلك قد تولّد التطورات الأخيرة في أفغانستان صراعاً مكتوماً بين الرئاسة الأمريكية وبين المؤسسة العسكرية، خاصة في ظل مطالبة بعض الشخصيات داخل البنتاجون بضرورة وجود استراتيجية واضحة للانسحاب من أفغانستان جنباً إلى جنب مع رفض تيار واسع لفكرة الانسحاب الأمريكي، وهى تطورات قد يكون لها ارتدادات سلبية في المجمل على دوائر صنع القرار الأمريكي[21].

وعلى الرغم من تلك الانتقادات، يبدو أن هناك اصرار من قبل الولايات المتحدة على استكمال انسحابها من أفغانستان بغض النظر عن العواقب الناجمة عن هذا الانسحاب، وذلك لمجموعة من الأسباب يمكن توضيحها على النحو التالي:

1- قضية موضع اتفاق: بالرغم من حالة التوجس والخوف من الانسحاب التي أبداها بعض السياسيين أو بعض الجهات أو المؤسسات على الساحة الأمريكية، إلا أن مضمون هذه الحالة لم ينكر أهمية الانسحاب من أطول الحروب أمدًا في التاريخ الأمريكي، وإنما يدعو إلى خروج أكثر تنظيمًا وتعقلًا وأقل اندفاعًا. وهو ما يتضح في محورية القضية والتوافق بشأنها خلال الانتخابات الرئاسية الأمريكية بين الرئيس ترامب وبايدن، ما يعني أن هذه المسألة تحمل قدرًا من التوافق، ما يلمح إلى أهمية وحيوية هذه القضية وكذا ضرورة التعاطي معها.

2- تردي الأوضاع الداخلية: تشهد الولايات المتحدة أوضاعًا داخلية شديدة التعقيد لا سيما مع التفشي الواسع لجائحة كورونا، وما ارتبط بها من تداعيات اقتصادية هائلة ألقت بظلالها على أغلب الأسر الأمريكية، وفرضت على الإدارة الأمريكية أعباء إضافية، مما يعني أن الموارد الأمريكية باتت في حاجة ملحة إلى إعادة التخصيص، لا سيما تجاه القضايا الداخلية الأكثر إلحاحًا. بعبارة أوضح، لم يعد من المنطق أن تستنزف الولايات المتحدة مواردها في الخارج، مع ترك قضايا الداخل بلا تعاطٍ عملي وحقيقي[22].

3- انتفاء أسباب الغزو: فبحسب إدارة بايدن، فإن هدف الولايات المتحدة من غزو أفغانستان عام 2001 كان “واضحًا”، وتمثل في “اجتثاث القاعدة ومنع الهجمات الإرهابية المستقبلية ضد الولايات المتحدة”. وترى الإدارة أن هذا الهدف قد تحقق، خصوصًا بعد مقتل زعيم القاعدة، أسامة بن لادن، عام 2011.

وقد استفادت الإدارة من تقدير للاستخبارات الأميركية مفاده أن القاعدة و”الجماعات الإرهابية” الأخرى في أفغانستان ما عادت تشكل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الأميركي، وهي غير قادرة على شنّ هجمات جديدة في العمق الأميركي. بناء عليه، لم يعد هناك مبرر بالنسبة إلى بايدن لبقاء القوات الأميركية في أفغانستان. ومن الواضح أنه لا يعتبر الحفاظ على النظام القائم في أفغانستان من أهداف الغزو، كما أنه لا يستطيع أن يضمن عدم عودة طالبان.

4- انتشار التهديدات الإرهابية خارج أفغانستان: ترى إدارة بايدن أن تهديد الجماعات المتطرفة بات أكثر انتشارًا حول العالم، ويتضمن ذلك حركة الشباب في الصومال، والقاعدة في شبه الجزيرة العربية، والنصرة في سورية، وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” الذي يحاول إنشاء فروع له في دول مختلفة من أفريقيا وآسيا.

وهذا يعني أن إبقاء آلاف الجنود على الأرض وتركيزهم في بلد واحد فقط، بتكاليف تبلغ مليارات الدولارات كل عام، لا يحمل أي قيمة إضافية. وعوضًا عن الاستمرار في الحرب مع طالبان، كما يرى بايدن، فإن على الولايات المتحدة “تتبع وتعطيل الشبكات والعمليات الإرهابية التي انتشرت إلى ما هو أبعد من أفغانستان منذ هجمات سبتمبر 2001”.

5- نشوء مصادر تهديد جديدة: لم تعد المؤسسات الأميركية العسكرية والاستراتيجية والأكاديمية ترى أن الإرهاب يمثل التهديد الأبرز الذي يواجه الولايات المتحدة في المرحلة المقبلة؛ فهناك الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية. وبالتالي، فإن الاستمرار في صراعات لا يمكن كسبها يستنزف القدرات الأميركية، ويضعف قدرتها على القيادة العالمية في مواجهة خصوم تزداد قدراتهم على تهديد المصالح الأميركية[23].

كما تشمل الأهداف الأمريكية بالانسحاب من أفغانستان خلق حالة من الفوضى في جنوب آسيا، فسيطرة طالبان تعني خلق مشكلات لروسيا والصين وإيران وحتى باكستان والهند، وهي دول منافسة للولايات المتحدة، فطالبان توفر ملآذات آمنة لحركات جهادية مناهضة لهذه الدول، فروسيا قلقة من تنامي قوة الحركات الجهادية في آسيا الوسطى وشمال القوقاز التي ترتبط بعلاقة وطيدة مع طالبان أمثال حركة أوزبكستان الإسلامية والحركات الطاجيكية وغيرها.

والصين قلقة من تصاعد قوة حركة تركستان الشرقية التي تمثل الجهادية من أقلية الأويغور في الصين، وإيران قلقة على مصير أقلية الهزارة الشيعة في أفغانستان، ومن تنامي الجهادية الإيرانية البلوشية وغيرها، وباكستان تخشى عودة طالبان باكستان، والهند مرتابة من صعود القاعدة في شبه القارة الهندية وحلفائها[24].

وتسعى واشنطن أيضًا إلى تصدير بعض الإشكاليات التي ستنتج عن سيطرة طالبان على حكم أفغانستان مثل مشكلة اللاجئين. فمن المتوقع نزوح أعداد كبيرة خارج البلاد خلال المرحلة القادمة لحين استجلاء الوضع في ظل الصورة المشوهة والمثيرة للقلق عن الحركة الطالبانية لدى قطاع كبير من الشعب الأفغاني التي ترسخت طيلة السنوات الماضية.

ففي باكستان على سبيل المثال هناك 3 ملايين لاجئ أفغاني، نصفهم فقط معترف به أمميًا وتقدم له مساعدات، أما النصف الآخر فيقيم بصورة غير شرعية، وهو ما يرهق ميزانية الدولة التي تعاني من أوضاع اقتصادية صعبة لا سيما في السنوات الأخيرة، بحسب تقرير لـ”الجزيرة”.

ويقترب عدد اللاجئين الأفغان في إيران من نظيره في باكستان، متجاوزًا 2.5 مليون مواطن، فيما تشير مصادر أخرى إلى أن العدد الحقيقي أكبر من ذلك في ظل عدم تسجيل نسبة كبيرة من اللاجئين في سجلات الأمم المتحدة، يتمركزون في مدن طهران ومشهد وقم وكرمان.

وهناك العديد من الدول الأخرى التي تتصاعد مخاوفها من تدفق اللاجئين خلال المرحلة المقبلة رغم عدم وجود حدود مشتركة مع كابول، أبرزها تركيا، التي قررت وزارة دفاعها تعزيز قواتها على الحدود مع إيران بهدف منع العبور غير القانوني للأفغان[25].

6- امتلاك أوراق ضغط أخرى: لا يعنى انسحاب الولايات المتحدة عسكريًا من أفغانستان، أنها لا تمتلك أوراق ضغط فعالة للتأثير على الحكومة القادمة داخل أفغانستان. فواشنطن تمتلك العديد من أوراق الضغط التي قد تستخدمها ضد حكومة طالبان، ويأتي على رأسها العقوبات الاقتصادية.

وفى هذا السياق، فقد كشفت صحيفة واشنطن بوست، أن إدارة بايدن جمدت احتياطيات الحكومة الأفغانية المودعة في الحسابات المصرفية الأمريكية، لمنع حركة طالبان من الوصول إلى مليارات الدولارات الموجودة في المؤسسات الأمريكية.

وبالإضافة إلى الاحتياطيات، ترسل الولايات المتحدة حاليًا ما يقرب من 3 مليارات دولار سنويًا لدعم الجيش الأفغاني، أو ما يقرب من 15 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، ومن المتوقع أن يتوقف هذا التمويل عن التدفق أيضًا، إلى جانب مبالغ مالية أصغر، مثل 20 مليون دولار لتجنيد النساء في قوات الأمن الوطنية الأفغانية.

أيضًا، يتم تمويل حوالي 80 في المائة من ميزانية أفغانستان من قبل الولايات المتحدة ومانحين دوليين آخرين. وقال المفتش العام الأمريكي الخاص بإعادة إعمار أفغانستان، في 16 أغسطس 2021، إن نصف إجمالي سكان أفغانستان يحتاجون إلى مساعدات إنسانية في عام 2021، بزيادة ستة أضعاف عما كان عليه الحال قبل أربع سنوات، مستشهداً بإحصاءات الأمم المتحدة. وهو ما يشير إلى الوضع الكارثي التي قد تواجه أفغانستان تحت حكم طالبان في حالة التوقف المتوقع لهذا الدعم الأمريكي والدولي[26].

كما ستعمل الولايات المتحدة على وقف التمويل المقدم إلى أفغانستان عبر المنظمات الدولية خاصة صندوق النقد والبنك الدوليين. وفى هذا السياق، فقد أعلن صندوق النقد الدولي، في 18 أغسطس 2021، أنه علق المساعدات المرصودة لأفغانستان، بسبب الضبابية المحيطة بوضعية القادة في كابل بعد سيطرة حركة طالبان على البلاد. وكان من المقرر أن يحرر صندوق النقد دفعة أخيرة من المساعدات لأفغانستان، في إطار برنامج تمت المصادقة عليه في نوفمبر 2020، بإجمالي قدره 370 مليون دولار. وكان البرنامج الممتد على 42 شهرا قد أفضى إلى تحرير دفعة أولى فورية بلغت 115 مليون دولار. وتم تحرير الدفعة الثانية التي بلغت 149.4 مليون دولار في مطلع يونيو 2021، بعد تقييم أول للتقدم الذي تم إحرازه على صعيد تنفيذ البرنامج، وبقيت الدفعة الأخيرة البالغة 105.6 ملايين دولار[27].

 

ثالثًا: الاتحاد الأوروبي:

المواقف الدولية من عودة حركة طالبان إلى حكم أفغانستان: المحددات والتوجهات

عبر قادة الدول الأوروبية عن قلقهم إزاء ما يحدث من تطورات في أفغانستان. وهدد الاتحاد الأوروبي قادة طالبان بأنهم سيواجهون حتماً عزلة دولية وعقوبات اقتصادية إذا تم الاستيلاء على السلطة عن طريق العنف.

وفي هذا السياق قال جوزيب بوريل، منسق السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي: “إذا تم الاستيلاء على السلطة بالقوة وإعادة تأسيس إمارة إسلامية، فإن طالبان ستواجه عدم الاعتراف والعزلة ونقص الدعم الدولي واحتمال استمرار النزاع وعدم الاستقرار الذي طال أمده في أفغانستان”.

ومن جانبها أكدت برلين أحد الداعمين والمانحين الأساسيين لمساعدات التنمية في أفغانستان، على لسان وزير الخارجية الألماني هايكو ماس أنه “لن نعطي أفغانستان فلساً واحداً بعد الآن إذا سيطرت طالبان بالكامل على السلطة وطبقت الشريعة وإذا أقامت دولة خلافة”. وشدد على أنّ أفغانستان “لا يمكن أن تستمر من دون مساعدات دولية”. وشارك الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون القادة الأوروبيين قلقهم ومخاوفهم، وجدد دعوته في لقاء إعلامي، 16 أغسطس 2021، الجميع إلى ضرورة العمل السياسي والدبلوماسي الموحد، لمواجهة ما أسماه “الإرهاب الإسلامي بجميع أشكاله”[28].

وتتمثل الهواجس الأوروبية من أفغانستان في بعدين أساسيين، وهما الإرهاب، واللاجئين. وتمثل القضية الثانية التهديد الأكبر، بالنظر إلى تدفق اللاجئين الأفغان بالفعل على دول الجوار، خاصة إيران، في محاولة للوصول إلى تركيا، ومنها إلى أوروبا.

ويلاحظ أن ملف الهجرة أحد القضايا التي تثير انقسامات حادة بين الدول الأعضاء، ففي حين علّقت بعض الدول ترحيل المهاجرين الأفغان الذين رفضت طلبات لجوئهم، مثل فرنسا وألمانيا وهولندا، تصر دول أخرى على ترحيلهم، حتى لا يرسل ذلك رسالة خاطئة للاجئين الأفغان بإمكانية استيعابهم.

ولا تمتلك أوروبا من أدوات كافية للتأثير على طالبان، خاصة بعد رحيل الولايات المتحدة، ولذا، فإنها سوف تسعى لإدارة هذا الملف بالتعاون مع تركيا، عبر تقديم حزمة مساعدات اقتصادية بهدف استيعاب اللاجئين داخل حدودها، ومنعهم من الانتقال إلى الدول الأوروبية[29].

 

رابعًا: الصين:

المواقف الدولية من عودة حركة طالبان إلى حكم أفغانستان: المحددات والتوجهات

تتمثل أبرز محددات السياسة الخارجية الصينية تجاه أفغانستان في:

1- التهديد الأمريكي: شكل الوجود العسكري الأمريكي في “الفناء الخلفي” للصين في أفغانستان تهديداً استراتيجياً خطيراً للصين. وكانت بكين تأمل بالتأكيد أن تنسحب الولايات المتحدة من هناك، ولكنها كانت ترغب فقط في أن يتم الانسحاب بشكل منظم، وبعد أن يتم التوصل إلى اتفاق سلام بين طالبان والحكومة الأفغانية، وهو ما انعكس على تصريحات وزارة خارجيتها، التي انتقدت الولايات المتحدة مراراً وتكراراً، لتصرفها “غير المسؤول في انسحابها المتسرع”.

ومن جانب أخر، يلاحظ أنه في مقال رأي افتتاحي نشر في جريدة “جلوبال تايمز” الصينية الحكومية، أرسل المقال تهديداً إلى تايوان، التي تعتبرها الصين جزءاً لا يتجزأ من ترابها الوطني، إذ يؤكد المقال أن الانسحاب الأمريكي من أفغانستان قد أظهر أن الولايات المتحدة، أقرب وأقوى حلفاء تايوان، لن تساعد تايوان عندما تكون في أمس الحاجة إليها.

2- الحدود المشتركة: فهناك حدود مشتركة بين الصين وأفغانستان تصل إلى 70 كيلومتراً تقريباً، وهي حدود مع منطقة شين جيانغ ذات الأغلبية الأويغورية المسلمة، والتي تتعرض لاعتداءات وتضييق من الصين، حسب منظمات دولية[30]. وتريد الصين منع أي اتصال بين حركة “طالبان” والمسلمين من طائفة الأويغور الذين يسعون للاستقلال عن الصين، لاسيما وأن “حركة تركستان الشرقية الإسلامية”؛ وهي حركة لمقاتلين من الأويغور في إقليم شين جيانغ الصيني، تنشط حالياً في أفغانستان.

3- إدماج أفغانستان في مبادرة الحزام والطريق: تسعى الصين إلى توسيع نفوذها وروابطها مع أفغانستان في إطار مشروعها العالمي الطموح “حزام واحد، طريق واحد”. وتعد الصين الآن أكبر شريك تجاري لأفغانستان، وأكبر مستثمر في مشروعات هذا البلد، ولهذا فإن استقرار أفغانستان يمثل مصلحة صينية. وترى بكين أن أفغانستان هي حلقة الوصل الرئيسة بين جمهوريات آسيا الوسطى والممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني (CPEC)، إذ توفر أفغانستان أقصر طريق بين آسيا الوسطى وجنوب آسيا، وبين الصين والشرق الأوسط؛ ويمكن أن يكون بمثابة بوابة لبحر العرب.

كما أن إدماج أفغانستان ضمن “الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني” في إطار مبادرة “الحزام والطريق”، يكتسب أبعاداً وتداعيات سياسية مهمة بالنسبة للصين. فمن ناحية، لا شك أن ضم أفغانستان إلى هذا الممر سيمثل فرصة كبيرة لتوسيع حجم النفوذ الصيني في أفغانستان وفي إقليم جنوب آسيا، من جانب، وتعميق ارتباطها بباكستان من جانب آخر، بعيداً عن دائرة النفوذ الهندي[31].

فضلا عن مشاريع أخرى لإعادة إعمار أفغانستان عبر قروض طويلة الأمد. كما تمتلك أفغانستان عناصر أرضية نادرة مثل اللانثانم والسيريوم والنيوديميوم وعروق الألمنيوم والذهب والفضة والزنك والزئبق والليثيوم. وتُستخدم العناصر الأرضية النادرة في كل شيء من الإلكترونيات إلى السيارات الكهربائية والأقمار الصناعية والطائرات، وهى العناصر التي تسعى الصين بقوة إلى امتلاكها[32].

وتتمثل سياسات بكين في التعامل مع طالبان، الحاكم الفعلي لأفغانستان، تتمثل في التالي:

1- الاعتراف بطالبان: يتوقع أن تتجه الصين للاعتراف بطالبان كحاكم شرعي لأفغانستان، وهو الأمر الذي وضح في تصريح المتحدثة باسم الخارجية الصينية، هوا تشون ينغ، والتي أكدت أنه في حالة إيفاء طالبان بوعودها، فإن الصين مستعدة لإقامة “علاقات ودية” مع حركة طالبان. كما في حين تتدافع الولايات المتحدة وحلفاؤها لإجلاء السفارات من أفغانستان، فإن الصين -ومعها روسيا- لم تفعل ذلك.

2- تعزيز التفاهمات الدبلوماسية: سوف تواصل الصين تكثيف لقاءتها مع مسؤولي طالبان، على غرار الاجتماع الذي جمع بين الملا عبدالغني بارادار، زعيم طالبان، ووزير الخارجية الصيني أواخر يوليو 2021، والتي أكدت فيها طالبان أنّ أفغانستان لن تشكل قاعدة للانفصاليين الإيجور.

3- توجيه استثمارات صينية: قدمت بكين تلميحات لطالبان بتوجيه استثمارات صينية إليها، بما في ذلك “استثمارات كبيرة في مشاريع الطاقة والبنية التحتية”. وفي حال نجاح طالبان في تحقيق الاستقرار في أفغانستان، وهو أمر مرجح بشدة، فإن الصين سوف تدمجها في مبادرة الحزام والطريق، مما يسمح لها بربط طرق التجارة التي تمر عبر آسيا الوسطى بتلك التي تمر عبر باكستان.

4- التنسيق مع حليف طالبان: تعد باكستان أقوى حلفاء الصين في جنوب آسيا، ونظراً للعلاقات القوية التي تجمع بين إسلام آباد وطالبان، فإنه يحتمل أن تحدث تفاهمات بين الأطراف الثلاثة، ليست فقط أمنية، ولكن اقتصادية كذلك.

5- التدخل العسكري المحدود: تدرك بكين جيداً مخاطر التورط عسكرياً في أفغانستان، والتي يُنظر إليها على أنها “فخ استراتيجي” أضعف القوى العظمى الأخرى التي احتلتها على مدار التاريخ. وتشير التحليلات الصينية إلى أفغانستان باعتبارها “مقبرة الإمبراطوريات”. وفي ضوء ذلك، يتوقع ألا تتدخل الصين عسكرياً في أفغانستان، إلا لمواجهة إرهابيي الإيجور الذين يهددون أمنها بشكل مباشر، وإن كان من المتوقع أن يكون ذلك الأمر ملاذاً أخيراً، وبعد توظيف الوكلاء المسلحين على غرار شبكة حقاني، لمواجهة الإيجور.

6- دمج كابول في الهياكل الأمنية الصينية: يمكن أن تدعم الصين دمج أفغانستان في آليات وإطار عمل منظمة شنغهاي للتعاون، والتي هي منظمة إقليمية مكرسة لمناقشة القضايا الأمنية، ولا تمتلك أي قدرات عسكرية جماعية. وقد أسستها الصين وروسيا وكازاخستان وقيرغيزستان وأوزبكستان وطاجيكستان في عام 2001. وانضمت الهند وباكستان كأعضاء رسميين في عام 2017[33].

ومع ذلك، لا تزال هناك مجموعة من العقبات التي تقف في طريق الانفتاح الصيني على أفغانستان تتمثل في:

– الهاجس الأمني وغياب الاستقرار السياسي داخل أفغانستان، وهو ما  جعل الصينيون يجمدون المشاريع الاقتصادية بها، إذ إن كبرى المشاريع الصينية في أفغانستان بقيت مجمدة، على غرار منجم النحاس في آيناك، الذي أعلنت الصين سنة 2007 استثمار 3 مليارات دولار لاستغلاله، بقي بدون استغلال بسبب الحالة الأمنية والسياسية غير المستقرّة.

كذلك، تتخوّف الصين من تكرار سيناريو الهجمات على المواطنين الصينيين كما يحدث في باكستان التي تعرف اعتداءات ضد العمّال الصينيين من طرف جماعات مسلّحة مثل «جيش تحرير بلوتشستان»[34].

– إمكانية نشوء تعاون صيني – باكستاني – أفغاني أمر قد يثير حفيظة بعض الدول التي قد تضع مجموعة من العراقيل أمام هذا التحالف يأتي على رأس هذه الدول الهند وإيران. فالربط التجاري بين الدول الثلاث قد يكون على حساب مشروع ميناء تشابهار الإيراني، المدعوم من الهند، والذي تم تدشين الاتفاق الخاص به في مايو 2016 بين إيران والهند وأفغانستان.

وترغب الهند في إقامة ممر جديد لنقل البضائع إلى أفغانستان التي لا توجد لها منافذ بحرية، عبر إيران، وبصورة تقلص اعتمادها على باكستان، كما أن الميناء يمكن أن يكون مدخلاً كذلك للتجارة لباقي دول آسيا الوسطى، وهو ما يأتي على حساب باكستان مرة أخرى، إذ إنها لعبت على مدار سنوات دور الممر إلى دول آسيا الوسطى عبر ميناء كراتشي. ولا شك أن ربط أفغانستان بمشروع الطوق والطريق الصيني سوف يمكن باكستان من تأكيد مركزيتها في التجارة، سواء بالنسبة لأفغانستان، أو دول آسيا الوسطى، وبصورة تجيء على حساب إيران والهند[35].

– إن الرغبة الصينية والروسية في ملأ الفراغ الذي سيتركه الخروج الأمريكي من أفغانستان، لا يُلغي التنافس بين هذين القطبين العالميين، سواء من الناحية الاقتصادية، أو الجيوستراتيجية.

فرغم أن كلًا من الصين وروسيا يشتركان في السعي نحو استقرار أفغانستان، تحت سيطرة واضحة من أجل ضمان تحييد التهديدات الأمنية، المتمثّلة في الحركات المسلّحة التي قد تنتقل عبر الحدود إلى الصين أو عبر آسيا الوسطى تجاه روسيا؛ وهو ما ظهر في مشاركة 10 آلاف جندي من الجيشين الصيني والروسي في تدريبات مشتركة في الصين خلال شهر أغسطس 2021، وذلك باستخدام الذخيرة الحية وسلاح الطيران والمدفعيات، كما من المتوقّع إجراء تدريبات مشتركة إضافية في سبتمبر 2021، مع لقاءات على مستوى المسؤولين العسكريين والأمنيين للتنسيق المتواصل.

فإن هذا لا ينفي التنافس الاقتصادي على الكعكة الأفغانية، وأطماع الطرفين في الاستفادة من الثروات الطبيعية في أفغانستان. فعين الصين تقع دائمًا على مناجم النحاس، بالإضافة إلى مخططها بعيد المدى لإدماج أفغانستان في طريق الحرير، أما روسيا فتقع عينها على مشاريع إعادة الإعمار، بالإضافة إلى مجال الطاقة[36].

 

خامسًا: روسيا:

المواقف الدولية من عودة حركة طالبان إلى حكم أفغانستان: المحددات والتوجهات

ترى روسيا أن وصول طالبان إلى الحكم في أفغانستان سيحقق لها مجموعة من المكاسب، منها:

1- مواجهة الجماعات الإرهابية: ترى روسيا أن سيطرة حركة طالبان على السلطة في أفغانستان، من شأنها القضاء على تهديد الحركات الجهادية الأخرى، مثل تنظيم “داعش” “والقاعدة” وهو ما تعهدت به الحركة من خلال «اتفاق الدوحة» الذي نصّ على ألا تسمح طالبان بنشاط الحركات الجهادية داخل أراضيها كما أن وصولها إلى سدّة الحكم سيدفع الحركة إلى التعامل بمنطق الدولة وتقييد نشاط الجماعات الجهادية الأخرى التي من شأنها تهديد أمن روسيا عبر حكومات آسيا الوسطى (طاجكستان، تركمانستان، أوزباكستان، وهى دول كانت ضمن الاتحاد السوفيتي السابق) بالتسلّل عبر حدودها الشماليّة، سواء للقيام بعمليات مسلّحة أو تهريب المخدّرات، بجانب تخوفها من تحالف طالبان مع الجماعات الاسلامية في الشيشان.

2- وقف تصدير المخدرات: تعوّل روسيا على حركة طالبان في حال وصولها إلى السلطة، في معالجة مشكلة نبتة الأفيون المستخدمة في صناعة المخدّرات، والتي تصدّر أفغانستان 90% منه إلى روسيا وأوروبا، وتعرف روسيا وفاة 70 ألف قتيل سنويًا بسبب هذا المخدّر؛ ولذلك فإنها تعوّل على طالبان من أجل ضبط هذا التهديد، خصوصًا أن حكومة طالبان حين حكمت البلاد في تسعينات القرن الماضي كانت قد منعت زراعة الأفيون بصورة مطلقة تطبيقًا للشريعة الإسلامية[37].

وفى المقابل، لاتزال هناك مجموعة من المخاوف لدى روسيا من سيطرة طالبان على الحكم، منها:

– تخشى موسكو من أن يؤدى صعود طالبان إلى الحكم  لتصدير النموذج الطالباني إلى الجمهوريات السوفيتية السابقة، لا سيما في آسيا الوسطى، مما قد يؤدي إلى توترات عسكرية وسياسية واسعة النطاق في المجال الحيوي الروسي[38].

فوجود قوة طالبان العسكرية بجانب حدود الجمهوريات الإسلامية التي تحت نفوذ روسيا هو بمثابة تجديد إشعال فتيل حركات التحرر في تلك الجمهوريات، كما حدث من قبل في التسعينات، مما سيجعل الروس في قلق وتحفز.

– التخوف الروسي من إمكانية نزوح ولجوء العديد من الأفغان إلى أراضيها وأراضي حلفائها، ما قد يتسبب في مزيد من الأعباء الاقتصادية عليها، بجانب ما يمثله ذلك من مخاطر أمنية في حالة وجود عناصر ذات خبرات قتالية بين هؤلاء اللاجئين ولعل أبرز مثال على ذلك قيام طاجيكستان بغلق الحدود ونشر 20 ألف جندي بعد هروب مئات الجنود الأفغان إليها بعد الإعلان عن الانسحاب الأمريكي من أفغانستان[39].

وقد كانت تلك المخاوف، وراء قيام موسكو بإجراء تدريبات عسكرية مشتركة، في 4 أغسطس 2021، مع كل من طاجكستان، تركمانستان، أوزباكستان على حدود أفغانستان، استعدادا لما يمكن أن يكون تحالفا إقليميا لردع طالبان حال نقلت حربها إلى الخارج، وهو افتراض يُعزِّزه إعلان وزارة الدفاع الروسية تعزيز ترسانتها العسكرية في طاجيكستان على وقع تدهور الوضع الأمني في أفغانستان بعد أن فر أكثر من ألف من أفراد الأمن الأفغان عبر الحدود إلى طاجيكستان ردا على تقدم مقاتلي طالبان [40].

وبناءً على المعطيات السابقة، فقد أظهرت ردة فعل روسيا على السيطرة المفاجئة لحركة طالبان على الحكم في أفغانستان عن وجود نوع من الانفتاح والقبول الروسي لوصول الحركة إلى الحكم، ولكنها أظهرت أيضًا رفض موسكو لسيطرة الحركة على السلطة بصورة منفردة، وهو ما يمكن توضيحه كما يلي:

1- بعد يوم من سيطرة طالبان على العاصمة كابول، فقد نقلت وكالة تاس للأنباء، في 16 أغسطس 2021، عن زامير كابولوف، الممثل الخاص للرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن أفغانستان، عدداً من التصريحات حملت رسائل إيجابية ومتفائلة بشأن طالبان. فقد قال كابولوف إن روسيا لا ترى أن حركة طالبان في أفغانستان تمثل تهديداً لآسيا الوسطى، مضيفاً أن موسكو مهدت الطريق سلفاً لإقامة اتصالات مع طالبان وأن المسؤولين الروس بالفعل على اتصال بمسؤولي حركة طالبان عبر سفارة موسكو في كابول.

2- خلال الأسابيع القليلة الماضية، منذ أوشكت واشنطن على إكمال انسحابها ومن ثم تكثيف طالبان حملتها لاستعادة البلاد كاملة، أصبح القبول الروسي لحركة طالبان معلناً ولا لبس فيه، إذ اتهم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الحكومة الأفغانية بعرقلة مفاوضات تقاسم السلطة. وفي المقابل، امتدح لافروف موقف مفاوضي حركة طالبان ووصفهم بأنهم “أشخاص عاقلون”[41].

3- سبق، أن رعت روسيا محادثات سلام بين طالبان والحكومة الأفغانية في مارس 2021، وصرّحت أيضًا بأن الحركة «لا تشكّل تهديدًا لآسيا الوسطى». المحادثات الروسية مع الحركة بدأت بصورة غير رسمية منذ عدّة سنوات، وكان أبرز محطاتها اللقاء الذي تداولته تقارير صحافية بين الرئيس الروسي بوتين وزعيم حركة طالبان الملا أختر منصور، سنة 2015 من أجل حضّ الحركة على قتال «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)». وقد احتضنت قطر مؤخرًا محادثات بين ممثّلين عن الحركة من جهة، وممثلين عن حكومات روسيا، وأوزباكستان، وتركمانستان.

4- أعلنت روسيا صراحة أنها لن تجلي سفارتها في كابول؛ إذ لا خطر من سيطرة طالبان على السلطة، وهو ما يشير إلى السياسة الناعمة التي تنتهجها روسيا تحديدًا تجاه سيطرة طالبان على مجريات الأمور في أفغانستان[42].

ورغم ذلك، يبدو أن موسكو لن تقدم في الوقت الراهن على الاعتراف بحكم طالبان، وستراقب تصرفات الحركة ومدى تأثير هذه التصرفات على المصالح الروسية، كما أن موسكو لا ترغب في انفراد طالبان بالسلطة وتدفع في اتجاه تكوين حكومة ائتلافية مع القوى السياسية الأخرى.

وفى هذا السياق، فقد نقلت وكالة الإعلام الروسية عن المبعوث الخاص لروسيا إلى أفغانستان، زامير كابولوف، قوله إن بلاده لن تتسرع في اتخاذ قرار بخصوص الاعتراف بالسلطات الجديدة في أفغانستان، وأضاف أن موسكو ستراقب تصرفات السلطات الجديدة عن كثب ثم تتخذ قراراً. وهو ما أكده أيضًا، وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، في 17 أغسطس 2021، بقوله “إن روسيا ترى إشارات مشجعة من طالبان مثل رغبتهم في تشكيل حكومة بمشاركة قوى سياسية أخرى، لكنها لن تتسرع في الاعتراف بها كسلطة شرعية لأفغانستان، مثل جميع الدول الأخرى.

أضف إلى ذلك، فإن روسيا لا تتسرع في رفع الحركة من قائمة التنظيمات المحظورة لديها. فقد قال ديمتري بيسكوف، المتحدث باسم الكرملين، أواخر يوليو 2021، إنه “لا توجد بعد خطط روسية لرفع حركة طالبان من قائمة التنظيمات المحظورة في موسكو”، بحسب وكالة تاس الروسية. لكن الآن ومع السرعة التي تمت بها سيطرة طالبان على العاصمة كابول وانهيار الحكومة الأفغانية وتسليمها تماماً، ربما تكون مسألة رفع الحركة من قائمة الحظر الروسية أمراً مفروغاً منه، بحسب مراقبين. وهو الاحتمال الذى أصبح أكثر ترجيحًا، بعد تصريح المتحدث باسم المكتب السياسي لحركة “طالبان”، سهيل شاهين إن “(طالبان) تناقش مع الجانب الروسي قضية رفع العقوبات عن الحركة”[43].

 

سادسًا: إيران:

المواقف الدولية من عودة حركة طالبان إلى حكم أفغانستان: المحددات والتوجهات

تتمثل أبرز محددات السياسة الإيرانية تجاه أفغانستان عموماً، وتحت حكم طالبان خصوصًا، في:

1- الجوار الجغرافي: تعد أفغانستان جارة شرقية لإيران، وتشاركها في حدود ممتدة بطول 920 كم، وهو ما جعل الأوضاع غير المستقرة في أفغانستان على مدى العقود الماضية مصدر قلق دائم للنظام السياسي في طهران.

2- التداخل الديموغرافي: تتشابك القوميات والأعراق بين إيران وأفغانستان، لاسيما على جانب الحدود بين البلدين، حيث تقيم القومية البلوشية في محافظة سيستان وبلوتشستان شرق إيران، والتي تمتد بتركيبتها العرقية إلى داخل المنطقة الغربية الأفغانية. جدير بالذكر أن هذا الإقليم في إيران هو من أكثر المناطق توتراً، حيث يعد مأوى للحركات السنية المناهضة للنظام في طهران.

هذا فضلاً عن علاقات إيران ببعض القوميات الأخرى في أفغانستان، مثل القومية الطاجيكية وغيرها من القوميات التي تقطن الشمال الأفغاني، وهو ما يفرض على إيران اهتماماً خاصاً بالأوضاع في أفغانستان نتيجة هذه الترابطات القومية والعرقية.

3- حماية الشيعة الأفغان: تقدم إيران نفسها باعتبارها حامية للشيعة في أفغانستان والعالم. وتُشير تقديرات إلى أن الشيعة في أفغانستان يقدرون بنحو 15% إلى 29% من السكان ومعظمهم من الطائفة الاثنا عشرية التي تهيمن على إيران. وتتمتع إيران بعلاقات قوية مع شيعة أفغانستان، خاصة قبائل الهزارة، كما أن هناك قبائل شيعية أخرى، مثل قبيلة الفرسيوان، وقبيلة قيزلباش وقبيلة السيدز.

وتتخوف إيران من أن تقوم حركة طالبان، بعد سيطرتها على الأمور في أفغانستان، من القيام بعمليات تنكيل واسعة ضد الشيعة في أفغانستان، لاسيما في ضوء الخبرة التاريخية الخاصة بقيام الحركة عام 1998 بشن هجوم واسع على مدينة مزار شريف في الجزء الشمالي من أفغانستان، ومحاصرة القنصلية الإيرانية، وقتل 10 دبلوماسيين إيرانيين رداً على دعم إيران لتحالف القبائل الشمالية بزعامة برهان الدين رباني وقيادة أحمد شاه مسعود.

4- التبادل التجاري والموارد المائية: ترتبط إيران بأفغانستان بعلاقات تجارية واسعة، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين العام الماضي حوالي 4 مليارات دولار. ويمر أغلبها عبر ثلاثة معابر حدودية بين الدولتين. هذا فضلاً عما تمثله أفغانستان من منبع لأنهار تجري في إيران وتحديداً نهر هلمند[44].

5- العلاقات التاريخية: فقد جمعت علاقات متضاربة بين إيران، القوة الإقليمية النافذة ذات الغالبية الشيعية، وحركة طالبان السنية خلال فترة حكم طالبان وإقامتها “الإمارة الإسلامية” بين العام1996 و2001، ولم تعترف طهران بتلك “الإمارة”، وهي تصنف طالبان “منظمة إرهابية”، وسبق أن اتهمها باضطهاد الشيعة الأفغانية[45].

6- مشكلة اللاجئين: تخشى إيران من أن تؤدى هيمنة طالبان المحتملة على مقاليد الحكم إلى ارتفاع وتيرة الهجرة الأفغانية إلى إيران، وإن كانت محطّة انتقال إلى بلدان أخرى، أو محطة مكوث. وفي حين أن العامين الماضيين شهدا انخفاض أعداد اللاجئين الأفغان الذين تُقدّرهم المصادر بين 1.5 و2.5 مليون، نتيجة تحسن الوضع الأمني في أفغانستان، وتدهور الوضع الاقتصادي في إيران، فإن الاضطراب الأمني في أفغانستان سيعكس هذا المسار، خصوصًا إذا أخذنا بالحسبان تخوف الجالية الشيعية في أفغانستان من هيمنة طالبان.

وقد بدأت بالفعل أعداد متزايدة من النازحين الأفغان بالتحرك نحو النقاط الحدودية مع إيران، خاصة بعد سيطرة طالبان على ولاية نيمروز، إلا أن السلطات الإيرانية لا تزال تحاول إبقائهم داخل الأراضي الأفغانية. ويحمل تزايد أعداد المهاجرين معه أعباء اقتصادية لإيران، ويشكل مصدر قلق على المستويين الأمني والاجتماعي. كما يشكّل عدم الاستقرار الأمني على الحدود مع أفغانستان مصدر قلق جديد للنظام في إيران، لتداعياته على تهريب الأسلحة، والمخدرات، وتداعياته المحتملة على تفاقم الوضع الأمني في إقليم بلوتشستان.

7- التنافس الإقليمي: ينظر النظام السياسي في طهران إلى الساحة الأفغانية باعتبارها حديقة خلفية لإيران، يجب مراقبتها دائماً، ومنع سيطرة أي من القوة الاقليمية المعادية عليها.

وتُعدُّ المملكة العربية السعودية على رأس القوى الإقليمية التي تعتبرها إيران منافساً غير مرغوب به في أفغانستان. ويجري الحديث في الأوساط السياسية الإيرانية عن علاقات عضوية بين حركة طالبان والنظام السياسي والأمني السعودي، وينظر أحياناً إلى طالبان بوصفها أداة من أدوات السعودية لخوض التنافس الإقليمي مع إيران موازنة الملف اليمني. ويمكن ملاحظة تزايد الوعي بمثل هذا الاحتمال لدى مراكز صنع القرار السياسي في طهران، والتي تُشير إلى احتمال أن تُشكِّل أفغانستان “يمناً إيرانياً”.

كما أظهرت تركيا رغبتها في خوض غمار التنافس الإقليمي في أفغانستان بعد انسحاب الولايات المتحدة، من خلال محاولة أنقرة الوجود والسيطرة على مطار كابول بعد انسحاب القوات الأمريكية منه. وأثبتت مجمل التطورات الإقليمية أن تركيا تحاول دائماً الوجود في البلدان المحيطة بإيران؛ فهي تسعى لمزاحمة الوجود الإيراني في سوريا، والعراق، وتتدخل في أزمة مرتفعات قره باغ، وتوجد بالقرب من الحدود الإيرانية الشمالية الغربية، ولديها أيضاً وجود في منطقة الخليج عبر قاعدتها في قطر، وهي تحاول اليوم أن تكمل الطوق حول إيران من خلال تعزيز وجودها في أفغانستان. وكل ذلك بحسب تحليلات صادرة عن مراكز تفكير إيرانية.

وترى مراكز التفكير الإيرانية التطلعات التركية في أفغانستان في إطار نزعة أردوغان للتوسع الإقليمي. ويحمل الوجود التركي في أفغانستان تداعيات اقتصادية إلى جانب التداعيات السياسية؛ إذ تحاول تركيا مزاحمة إيران في الأسواق الأفغانية؛ ما من شأنه أن يدعم موقع تركيا في خريطة بلدان حزام الطريق الصيني.

كما ستحصل باكستان على ورقة ضغط على إيران في حال هيمنة حركة طالبان على أفغانستان، بوصفها حركة تربطها بباكستان علاقات قوية على الصعيد الأمني والاجتماعي، خصوصاً إذا أخذنا بالحسبان أن جهات مختلفة، ومن ضمنها الحكومة الأفغانية، تتهم إسلام آباد بتقديم الدعم اللوجستي والعسكري للحركة. وستؤدي سيطرة طالبان على الحكم في أفغانستان، أو هيمنتها على أجزاء واسعة من الأراضي الأفغانية إلى اقتراب أجهزة الأمن الباكستانية من الحدود الإيرانية؛ ما يرفع احتمال توسيع نفوذها في داخل إيران خاصة عبر إقليم سيستان وبلوتشستان[46].

 

وبناءً على ما سبق؛ يمكن الإشارة إلى مجموعة من التوجهات التي ستحكم الموقف الإيراني من سيطرة طالبان على حكم أفغانستان، أبرزها:

– رفض هيمنة طالبان على الحكم؛ فإيران لا ترغب بهيمنة طالبان على مقاليد الحكم في أفغانستان، وتعارض إنشاء “إمارة إسلامية طالبانيّة”. بينما تتمثل الرؤية المفضلة لدى طهران، في إنشاء حكومة حليفة، تشارك فيها طالبان إلى جانب تنظيمات مقربة من إيران. وهذا هو طريق الحلّ الذي ألمح إليه وزير الخارجية الإيراني السابق جواد ظريف من خلال التأكيد على الرغبة الإيرانية في إنشاء حكومة إسلامية توافقية.

– تمتلك إيران أدوات فعّالة تمكنها من التدخل في الملف الأفغاني؛ فعلى الصعيد المحلي تربط إيران علاقات جيدة ببعض أمراء الحرب المحليين في أفغانستان، مثل أحمد مسعود، نجل أحمد شاه مسعود، حليف إيران السابق في أفغانستان، وصلاح الدين رباني، نجل برهان الدين رباني، زعيم حزب الجمعية الإسلامية.

كما يمكن أن يكون “لواء فاطميون” أداة قوية بيد إيران لخوض معارك في أفغانستان، بداعي الدفاع عن الأقلية الشيعية. و”لواء فاطميون” ميليشيا مسلحة كوّنها الحرس الثوري من الشيعة الأفغان خلال تجربة الحرب الأهلية السورية؛ ما يجعله مدرباً لخوض مثل هذه المعارك. كما أكد تنظيم ربع الله الشيعي العراقي استعداده لخوض أية معارك للدفاع عن المصالح الشيعية في أي مكان من العالم[47].

بجانب، إمكانية قيام إيران بدعم وتسليح الأقلية الشيعية “أقلية الهزارة” في أفغانستان؛ فقد تم تشكيل العديد من الفصائل المسلحة لهذه الأقلية مثل ميليشيات “فدائي بابا مزاري”، الذين تقدر أعدادهم بالآلاف، وتتولى الشبكات الدينية نقل المال لهم لشراء الأسلحة، ولا تخفي إيران ذلك التعاون فقد اعترفت إيران رسمياً بعلاقتها بتلك الميليشيات، إذ بعد سلسلة من المواقف الرسمية التي صدرت عن الحكومة الأفغانية بشأنها واعتبارها تدخلاً إيرانياً في الشؤون الداخلية، صرح وزير الخارجية الإيراني السابق محمد جواد ظريف قائلاً إن “عددهم لا يتجاوز 5 آلاف مقاتل، وهم جزء من مجهود مكافحة الإرهاب، ومستعدون للتعاون مع الحكومة الأفغانية[48].

وترتيباً على ما سبق، يمكن التأكيد على ما يلي:

– ستتضمن استراتيجية إيران السياسية، استغلال الورقة الطائفية، من أبناء مجتمع الشيعة في أفغانستان، في استعادة ما تفعله إيران في أكثر من دولة إقليمية، الأمر الآخر يتعلق بمحصلة ما تطمح إليه إيران من خلال هذه الفصائل المسلحة، فهي لا تبتغي في أي حال الانتصار أو الوصول للسلطة، لكن فقط شغل مساحات من أفغانستان وتحويلها إلى مناطق نفوذ إيرانية مغلقة، حيث إن مناطق الهزارة الشيعية تقدر بحوالي” 200 ألف كيلومتر مربع”.

– هناك إمكانية تصور تطبيق طهران النموذج السوري أو العراقي في أفغانستان، وذلك باستخدام الميليشيات الوكيلة لإنشاء ملاذ آمن للشيعة في محافظة هرات وأماكن أخرى من أفغانستان، وبمرور الوقت، يمكن أن تنتج مثل هذه الاستراتيجية قوة عسكرية قوية تدعمها إيران بالتوازي مع قوات الأمن الأفغانية، ويشبه ذلك إلى حد كبير ما حدث مع “الحشد الشعبي” العراقي عن طريق عملية نقل لقوات لواء “الفاطميون” من سوريا إلى أفغانستان.

– من المؤكد أن محاولة توسيع النفوذ الإيراني في أفغانستان قد تسحب الأموال والموارد من العمليات الإقليمية الأخرى للنظام الإيراني، ومع ذلك، فمن شأنها أيضاً أن تخدم هدف طهران الاستراتيجي المتمثل في أن تصبح قوة مهيمنة إقليمية[49].

 

سابعًا: تركيا:

المواقف الدولية من عودة حركة طالبان إلى حكم أفغانستان: المحددات والتوجهات

خلال اجتماع لحلف شمال الأطلسي (الناتو) في مايو 2021، قدَّمت تركيا عرضاً لحراسة وإدارة مطار حامد كرزاي في كابل بعد انسحاب الولايات المتحدة وقوات الناتو الأخرى من أفغانستان بحلول سبتمبر 2021، حيث تتولى تركيا تشغيل المطار منذ 6 سنوات في إطار بعثة الحلف.

وفي 14 يونيو 2021، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، عقب لقائه الرئيس الأمريكي جو بايدن، خلال قمة الناتو، إنه عرض تحمُّل قوات بلاده مسؤولية حماية مطار كابول، مُشيراً إلى أن تركيا ستقوم بهذه المهمة إذا حصلت على الدعم اللوجستي والتمويل اللازم من الولايات المتحدة، واعتبر أن تركيا هي “البلد الوحيد الموثوق به الذي يحتفظ بقوات في أفغانستان”. وفي حين قالت الولايات المتحدة إنها لا تزال تدرس العرض التركي، رحّبت به ألمانيا، لافتة إلى أن تركيا لن تستطيع القيام بمهمة حماية المطار وحدها، وستحتاج إلى دعم من حلف الناتو[50].

وتستند تركيا في قيامها بحراسة وإدارة مطار حامد كرزاى إلى عدد من العوامل أبرزها تمتعها بعلاقات جيدة مع بعض أمراء الحرب السابقين، مثل قلب الدين حكمتيار، وزعيم الحزب الإسلامي، والذراع السياسية للإخوان المسلمين، وكذلك عبد الرشيد دوستم، قائد حركة “جنبيش”، والذي يتمتع بنفوذ قوي في المجتمع الأوزبكي. وإلى جانب هؤلاء، فإن أنقرة تعول على دعم إسلام أباد، وهو ما وضح من زيارة وزير الدفاع التركي خلوصي أكار إلى إسلام آباد، في 11 أغسطس 2021، حيث طالب بأن تقوم الأخيرة بالضغط على طالبان، لدفعها للقبول بالدور التركي في تأمين مطار كابول، كما أعلن أردوغان استعداده للقاء زعيم حركة طالبان هبة الله أخوند زادة في محاولة لإرساء السلام في أفغانستان[51].

ويمكن الحديث عن عدة دوافع تقف خلف هذا المقترح التركي، أبرزها:

الأوّل يرتبط بحسابات تركيا الإقليمية لاسيما فيما يتعلق بتمدّد نفوذها مؤخراً في القوقاز وآسيا الوسطى ودول المجلس التركي وهي جبهة غالباً ما يتم تجاهلها وقد عادت الى الضوء مؤخراً مع الانتصار الذي حققته أذربيجان نهاية العام الماضي وانتهى بتحرير أراضيها من الاحتلال الأرميني بدعم تركي بالإضافة الى إعلان شوشا للتحالف الاستراتيجي بين البلدين. كما أن انسحاب القوات الأجنبية من أفغانستان في هذه المرحلة سيشجّع بعض الدول الإقليمية المنافسة لتركيا على محاولة ملئ الفراغ بطرق متعددة، ومن بين الدول المهتمة بذلك إيران والهند وروسيا.

أمّا الدافع الثاني فيرتبط بوضع تركيا داخل حلف شمال الأطلسي، حيث خضعت عضويتها للتشكيك من قبل بعض المتطرفين الأيديولوجيين في الغرب والولايات المتّحدة تحديداً، ووصل الأمر إلى حد المطالبة بطردها من الحلف. من خلال طرحها الحالي، تؤكّد تركيا على محوريها ودورها المركزي في حلف الناتو وعلى كونها البوابة الشرقيّة القوّية للحلف فضلاً عن قدرتها على تأدية مهام والتزامات لا يستطيع أي من أعضاء الحلف الآخرين تأديتها، وهو ما من شأنه أن يزيد من أهمّية ومكانة أنقرة داخل الحلف.

وبخصوص الدافع الثالث، فهو يتعلق بالعلاقة الإشكالية بين تركيا والولايات المتّحدة الأمريكيّة. خروج القوات الدولية من أفغانستان سيخلق حالة من الفراغ في البلاد، ومن المعلوم أنّ أفغانستان تقع في قلب منطقة آسيا الوسطى على تخوم غرب آسيا وشبه القارة الهندية وشرق آسيا، وبالتالي هي منطقة مهمة جداً للقوى العظمى والكبرى كالولايات المتّحدة والصين وروسيا. انسحاب الولايات المتّحدة من هناك سيقوّض من الوجود الأمريكي في آسيا الوسطى وسيتيح لكل من بكين وموسكو تعزيز نفوذهما في الوقت الذي تسعى واشنطن وحلف شمال الأطلسي الى الحد من نفوذهما المتمدّد مؤخراً. التواجد التركي يتيح للولايات المتّحدة وحلف شمال الأطلسي إبقاء موطئ قدم هناك بإشراف تركي[52].

وأخيرًا، يتمثل الدافع الرابع، في وقف التهديدات القادمة من أفغانستان تجاه تركيا والتي تتمثل بصورة رئيسية في ملفي الإرهاب والهجرة. فقد أكد أردوغان على أن تركيا تبذل العديد من الجهود للتصدي لكافة أشكال الهجرة غير النظامية والإرهاب القادمين من أفغانستان وذلك عبر مراقبة وتأمين الحدود مع إيران. وفى هذا السياق، فقد أشار أردوغان إلى أن هناك “4 ولايات متاخمة للحدود الإيرانية هي: وان، وهكاري، وإغدير، وآغري”. وزاد مشدداً على أنّ “جداراً سيُشيّد على كامل الحدود مع إيران، ولقد انتهينا بالفعل من ذلك عند ولايتي آغري وإغدير، ومقابل ولاية هكاري وصل العمل لمنتصفه وبقى القليل، ومقابل ولاية وان، فإنّ العمل يستمر بشكل مكثف للانتهاء منه”[53].

ولكن، لا تزال هناك مجموعة من الإشكاليات التي تقف أمام هذا المقترح التركي تتمثل أبرزها في:

أولا ـ شرعية التواجد التركي. يعدّ هذا الأمر ضرورياً لتأمين خلفيّة قانونية لتواجد القوّات التركية في أفغانستان. عملت هذه القوات منذ العام 2001 وحتى اليوم تحت ثلاثة مستويات. الشرعية الدولية والشرعيّة الإقليمية والشرعية الداخلية من خلال قرارات صادرة عن مجلس الأمن وأخرى صادرة عن حلف شمال الأطلسي وثالثة صادرة عن البرلمان التركي الذي قام نهاية العام الماضي بتمديد عمل القوات التركية في أفغانستان لمدّة 18 شهراً إضافياً بدءاً من 6 يناير 2021.

مع انتهاء عمل القوات الدولية وسحب القوات الأمريكية من أفغانستان، سيكون هناك حاجة لغطاء قانوني يؤمّن العمل للقوات التركية في حال تمّ قبول المقترح التركي المتعلق بحماية وتشغيل مطار حامد كرزاي الدولي في أفغانستان. عدم وجود مثل هذا الغطاء يجعل القوّات التركية في موقف ضعيف على المستوى القانوني والدولي، ما يفتح المجال أمام استهدافها سياسياً وأمنيّاً أيضاً. ولذلك، فإنّ هذه النقطة تحتاج إلى نقاش عميق مع واشنطن والحلفاء الدوليين.

ثانياً ـ تغيير وجهة نظر طالبان. علّقت طالبان باكراً على مقترح تركيا تأمين حماية لمطار كابل بالرفض. لكن القارئ لما بين السطور يستطيع أن يرى أنّ طالبان لم تغلق الباب تماماً. ففي تعليله لرفض المقترح التركي، قال سهيل شاهين المتحدث باسم حركة “طالبان” إنّ القوات التركية في أفغانستان هي جزء من قوات حلف شمال الأطلسي المتواجدة في البلاد، ولذلك فإنه ينبغي لتركيا سحب قواتها من أفغانستان بموجب الاتفاق الذي تم مع الولايات المتحدة في 29 فبراير 2020، مضيفا أنه “بخلاف ذلك، فإن تركيا دولة إسلامية. وأفغانستان لها علاقات تاريخية معها. نأمل في أن تربطنا بهم علاقات وثيقة وطيبة مع تأسيس حكومة إسلامية جديدة في البلاد في المستقبل”.

لكن ماذا إذا عملت القوات التركية في أفغانستان تحت يافطة أخرى غير تلك التابعة للناتو؟ في هذه الحالة من الممكن الالتفاف على تعليل طالبان. لكن إقناع طالبان لن يكون بالأمر السهل خاصة أنّ الحركة رفضت حضور مؤتمر إسطنبول حول أفغانستان في 16 أبريل بحجّة أنّها ليست جاهزة للمشاركة فيه، وأنّ أجندته غير واضحة. علاوةّ على ذلك، ستتساءل الحركة بالتأكيد عن المقابل الذي من المفترض أن تحصل عليه في حال موافقتها على هذا المقترح. وفى ظل غياب علاقات قوية بين تركيا وطالبان ستلجأ تركيا إلى الدور الباكستاني المحتمل في مثل هذه العملية وهي المعضلة الثالثة.

ثالثاً ـ موقف باكستان. هناك حرص تركي على إشراك باكستان. إذ إنه على الرغم من بعض المواقف الباكستانية الإيجابية في هذا الصدد، فلا يوجد موقف رسمي واضح حتى الآن، ومن غير المعلوم ما إذا كان ذلك مرتبطاً بعدم تبلور نتائج المرحلة الأولى من المقترح –التي تتضمن تفاوضاً تركياً مع الجانب الأمريكي- بشكل حاسم بعد أم إنّه مرتبط بحسابات أخرى تتعلق بطبيعة العلاقة مع طالبان في هذه المرحلة أو ربما الحساسية التي قد تنجم لدى بعض الدول كالصين عن انخراط باكستان في اتفاق من هذا النوع مع أمريكا[54].

رابعًا – خطورة استعداء تركيا لروسيا والصين والهند وإيران، إن دخول تركيا كصديق للولايات المتحدة في أفغانستان أمر مقلق لدول المنطقة. ومن الواضح أن أي انفتاح أمريكي على تركيا ودورها المحتمل في أفغانستان ما بعد الانسحاب يمثل أحد نماذج استراتيجية الاحتواء المزدوجة لواشنطن تجاه روسيا والصين، وكلاهما له علاقات إشكالية مع أردوغان. وبالتالي، فإن تنامي الدور التركي في المشهد الأفغاني وفي آسيا الوسطى عموماً لا يمكن أن يريحهم.

فمن ناحية أولي، تراهن تركيا على زمام القيادة في العالم التركي الممتد من البحر الأسود إلى سهول آسيا الوسطى ومنطقة شين جيانغ الصينية. وقد غيّرت تركيا موقفها بشكل مفاجئ بشأن قضية الأويغور بعد سنوات من السلبية، وأخذت تتعامل مع هذه المسألة بوصفها قضية دبلوماسية بين أنقرة وبكين.

ومن ناحية ثانية، فإن دور تركيا في أفغانستان وآسيا الوسطى سوف يتحدى علاقتها مع روسيا، التي تتعرض بالفعل لضغوط في ليبيا وسوريا والقوقاز وربما في البحر الأسود والبلقان. وتاريخياً كانت روسيا وتركيا خصمين في أفغانستان. وقد عبّرت روسيا عن رفضها للعرض التركي بشأن حماية مطار كابول، وقال زامير كابولوف، المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى أفغانستان، إن خطط تركيا لضمان أمن المطار بعد انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان، تنتهك الاتفاقات المبرمة مع حركة “طالبان”.

ومن ناحية ثالثة، تأمُل الولايات المتحدة في إبقاء إيران غير متوازنة على المستوى الإقليمي من خلال تشجيع سياسة التوسع التركية. والتنافس التركي-الإيراني ملموس بالفعل في العراق وسوريا والقوقاز.

ومن ناحية رابعة، يُشكِّل وجود تركيا في أفغانستان تهديداً قوياً للأمن القومي الهندي، حيث أقامت أنقرة روابط عميقة مع الجماعات الإسلامية في الهند مثل الجبهة الشعبية للهند (PFI) والجماعة الإسلامية، وهي جماعة جهادية كشميرية[55].

 

ثامنًا: باكستان:

المواقف الدولية من عودة حركة طالبان إلى حكم أفغانستان: المحددات والتوجهات

مع التقدم السريع لحركة طالبان في الاستيلاء على عواصم الأقاليم الأفغانية، زعم الرئيس الأفغاني أن باكستان قد سمحت بعبور أكثر من 10 آلاف جهادي عبر الحدود لمساعدة طالبان، بالإضافة إلى اتهامه إسلام آباد بعدم ممارسة ضغوط كافية على الحركة للقبول بمسار التسوية السلمية. وبطبيعة الحال، فقد أنكرت باكستان هذا الدعم.

 ومن جانب آخر، فقد رفضت باكستان السماح لواشنطن باستخدام قواعدها العسكرية لتوجيه المقاتلات الأمريكية ضربات إلى طالبان، عقب انسحاب الجيش الأمريكي من هناك، وهو ما يمثل دعماً باكستانياً غير مباشر لحركة طالبان[56].

ومع دخول طالبان إلى العاصمة كابول، فقد رحبت باكستان بعودة الحركة إلى السلطة. حيث اعتبر رؤوف حسن مساعد رئيس الوزراء الباكستاني في تغريدة على حسابه الرسمي على تويتر، بأن ذلك يمثل انتقالاً سلمياً للسلطة من حكومة أشرف غني “الفاسدة” إلى حكم طالبان، على حد تعبيره[57].

وتعتبر باكستان أن وصول حركة “طالبان” إلى الحكم وثيقة تأمين للوصول إلى أهدافها الاستراتيجية الطويلة الأمد في أفغانستان. فقد واجهت باكستان قضية القومية البشتونية التي طالبت بإقامة دولة باشتونستان منفصلة منذ أربعينيات القرن الماضي. وبالتالي، فإن السيطرة والتأثير على أفغانستان من قبل حكومة يسيطر عليها البشتون (حركة طالبان بشكل أساسي) من شأنه أن يقلل الطلب (داخل باكستان) على البشتون المنفصلة.

كما ترى باكستان أن وجود حكومة موالية لها في أفغانستان ضروري لتقويض النفوذ الهندي في داخل أفغانستان[58]. كما أن باكستان سوف تمتلك القدرة على دعم حركات المقاومة الكشميرية، والتي كان بعضها يتخذ من أفغانستان مقراً لها، وهو ما يكسب باكستان أدوات ضغط إضافية في مواجهة الهند.

وإلى جانب الحسابات الاستراتيجية والأمنية، فإن هناك حسابات جيواقتصادية، إذ إن سيطرة طالبان على أفغانستان سوف يعصف بخطط الهند الرامية إلى ربطها بمحور الشمال – الجنوب، والذي يهدف إلى ربط آسيا الوسطى بميناء مومباي مروراً بإيران، وفى المقابل، فإن باكستان بالتعاون مع الصين سوف يتمكنان من ربط أفغانستان بمشروع “الحزام والطريق” الصيني[59].

 

تاسعًا: الهند:

المواقف الدولية من عودة حركة طالبان إلى حكم أفغانستان: المحددات والتوجهات

لم تكن الهند متحمسة مطلقاً لسيطرة طالبان على الحكم بعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان. حيث تساور الهند هواجس وقوع انتفاضة كشميرية عشية الانسحاب الغربي من أفغانستان كما شاهدتها بأم العين عشية الانسحاب السوفيتي 1989؛ فالجماعات الإسلامية المسلحة التي تقاتل في أفغانستان ستبحث لها عن أرضية جديدة لممارسة عملياتها، ولن تجد أقرب من كشمير؛ نظراً للتشاطر الديني والعرقي واللغوي والجغرافي مع الكشميريين. كما أن وصول طالبان للحكم سيدعم الجماعات المقاتلة التي تجمعها روابط مع طالبان، ومنها الجماعات المناهضة للهند، مثل عسكر طيبة وجيش محمد.

ومن ناحية ثانية، فإن الانسحاب الأمريكي من أفغانستان سيُحدِث تغييرات في ديناميات جنوب آسيا، خصوصاً أن الولايات المتحدة استخدمت باكستان نقطة انطلاق للتوصل إلى اتفاق سلام مع “طالبان”. وهناك شعور قوي بأن الهند هي الخاسر الرئيس في صفقة أمريكا مع “طالبان”. فهذه الصفقة، أولاً، تُعزز من وضعي باكستان و”طالبان”، وبالتالي ستخلق بيئة معاكسة على الحدود الغربية للهند. وثانياً، أضعفت الصفقة حكومة غني، الحليف الأبرز للهند داخل أفغانستان، والتي قد تتلاشى قريباً من الوجود، في ظل إمكانية تشكيل حكومة تكون “طالبان” جزءاً أساسياً فيها، ما يعني أن دور الهند سيتضاءل إلى حد كبير في أفغانستان[60].

وبناءً على المخاوف السابقة؛ فقد اتخذت الهند قرارا بسحب عدد من دبلوماسييها من العاصمة الأفغانية بالتزامن مع توسُّع طالبان في بسط نفوذها وتمدُّدها العسكري الأيام الماضية. وتخشى الهند من سقوط أفغانستان في يدي الحركة بالكامل دون تقاسم للسلطة مع النظام القائم، لتصبح أفغانستان فعليا حليفا باكستانيا[61]. وتسعى الهند حالياً إلى التنسيق مع إيران في مواجهة تطورات الصراع الأفغاني، خاصة في ضوء تشارك الدولتين مخاوف بشأن سيطرة طالبان على كابول. لذلك كثفت نيودلهي بالفعل مشاوراتها مع طهران في الفترة الأخيرة. فقد قام سوبر اهمانيام جيشانكار، وزير الشؤون الخارجية الهندي، بزيارات دبلوماسية إلى إيران وروسيا لمناقشة التطورات في أفغانستان[62].

ورغم ذلك، فإن أهمية الهند، واهتمام طالبان بالتواصل مع شتى الأطراف الدولية، وتنامي قوتها في الفترة المقبلة، لعله يفتح الباب لدرجة من الاستقلالية عن باكستان قد تُتيح تنسيقا أفغانيا-هنديا في عهد طالبان[63]. ففي أواخر يونيو 2021 وبعيد إعلان أمريكا سحب قواتها من أفغانستان، استقبلت الهند – التي أغلقت الباب لسنوات أمام حركة طالبان – وفدًا من قيادات الحركة في العاصمة نيودلهي، على رأسهم الملا عبد الغني برادار، الرجل الثاني في الحركة، لمحاولة تخفيف التوتر وفتح صفحة جديدة بين الطرفين[64].

 

عاشرًا: الشرق الأوسط:

المواقف الدولية من عودة حركة طالبان إلى حكم أفغانستان: المحددات والتوجهات

تترد أصداء الانسحاب الأمريكي من أفغانستان في منطقة الشرق الأوسط، وقد تركزت أغلب التحليلات خلال هذه الفترة على مدى تأثير ما يحدث في أفغانستان سلبًا وإيجابًا على منطقة الشرق الأوسط، وقد خلصت هذه التحليلات إلى مجموعة من النتائج لعل أبرزها:

1- إحياء جماعات الإسلام السياسي: فعلى الرغم من تعرض جماعات الإسلام السياسي (وفى القلب منها جماعة الإخوان المسلمين) للاعتقال والقتل والمطاردة بعد نجاحهم في الوصول إلى الحكم بعد ثورات الربيع العربي في 2011، فإن رجوع حركة طالبان مرة أخرى إلى الحكم بعد إخراجها على يد القوات الأمريكية منذ 20 عامًا، قد يعيد الأمل إلى هذه الحركات لتنظيم صفوفها والعمل مرة أخرى للعودة إلى الحكم.

وكان لافتًا احتفال البعض بحركة طالبان، وسعت إلى التكريس لصورة إيجابية للحركة، وهو أمر يستبطن محاولة للرد على الأطروحات التي تتحدث عن انتهاء تجربة الإسلام السياسي في الحكم. وكذلك يكشف تحليل مضامين بعض مواقع التواصل الاجتماعي عن تركيز بعض العناصر الإخوانية على ضرورة استخدام السلاح أداةً لتحقيق الأهداف؛ وذلك على غرار النموذج الطالباني.

أضف إلى ذلك، فإن أفغانستان تحت حكم طالبان قد توفر ملاذًا آمنًا للإسلاميين الهاربين من قمع سطات بلادهم، وقد تكون بديلًا مناسبًا عن كلًا من قطر وتركيا التي أصبحت تضع مجموعة من العراقيل أمام المعارضين المقيمين على أراضيها خاصة بعد توجه الدولتين للتصالح مع كل من مصر والسعودية والإمارات.

2- تحفيز المليشيات المسلحة على ممارسة القوة: يحتمل أن ينتج استيلاء طالبان على السلطة، حالة من “إغراء القوة” بالنسبة إلى المليشيات المسلحة في منطقة الشرق الأوسط. ولعل النموذج الأبرز على ذلك، مليشيا الحوثي في اليمن التي قد تنظر إلى حركة طالبان كنموذج قابل للاستنساخ في الحالة اليمنية، فتستمر في مسارها العسكري فترة زمنية أكبر على أمل أن تحقق مكاسب مماثلة لمكاسب طالبان. ويعزز من تلك الاحتمالية استمرار مراهنة الحوثيين على توسيع نفوذهم في مناطق جديدة داخل اليمن، وخصوصاً مأرب ذات الأهمية الاستراتيجية.

3- إعادة الزخم للتنظيمات الإرهابية في المنطقة: صحيح أن اتفاق الدوحة المُوقَّع بين واشنطن وحركة طالبان، في فبراير 2020، نص على التزام الحركة بقطع علاقاتها بالتنظيمات الإرهابية؛ فإن هذا لا ينفي احتمالية استفادة تنظيم القاعدة من سيطرة حركة طالبان على السلطة، خاصةً أن العلاقات بين الطرفين تاريخية، كما أفاد تقرير صادر عن الأمم المتحدة، في شهر يونيو 2021، بأن طالبان والقاعدة لا تزالان متحالفتين بشكل وثيق، ولا يظهر أي مؤشر على قطع العلاقات[65].

ووفق تقديرات وزارة الدفاع الأمريكية فإن حركة طالبان وقادتها لم يعلنوا في أي يوم من الأيام انتهاء علاقاتهم مع تنظيم القاعدة، وأن الارتباط بين الحركة و«القاعدة» ما زال فعالاً وقوياً، وخير شاهد على ذلك أن «القاعدة» هنأت «طالبان» على اتفاق السلام مع الولايات المتحدة، وأصدرت بيان تضامن وتعاون ودعم في 20 مارس 2020، ولم يكتف بيان «القاعدة» برسالة التحالف التي وجهها إلى زعيم «طالبان» هبة الله أخوند زاده بل حث بيان تنظيم القاعدة في مختلف أنحاء العالم على اتخاذ حركة طالبان نموذجاً يحتذى به، بالإضافة إلى أن حالة التهليل والنشوة التي تعيشها فروع القاعدة في العالم بعد سيطرة «طالبان» على المدن الأفغانية تؤشر بوضوح إلى المساحة الكبيرة من التعاون بين حركتي طالبان والقاعدة[66].

4- نقل الصراع بعيدًا عن منطقة الشرق الأوسط: فالانسحاب الأمريكي من أفغانستان قد يتسبب في وقوع حرب أهلية داخلية مصحوبة بتدخلات وصراعات اقليمية ودولية، وإذا نظرنا إلى الدول التي يمكن أن تتورط في هذا الصراع (روسيا وإيران والصين وأمريكا وتركيا)، سنجدها دول منخرطة بالأساس في صراعات المنطقة. وبالتالي، فإن بروز نقطة صراع جديدة في أفغانستان بجانب درجة أهميتها قد تدفع هذه الدول نحو التركيز على الصراع في أفغانستان ووضع الصراع في منطقة الشرق الأوسط في مرتبة أقل، بل وربما إنهاء أو تقليل تدخلها في منطقة الشرق الأوسط من أجل التفرغ للصراع في أفغانستان.

5- تصاعد الدور القطري: فعلى مدار السنوات الماضية، لعبت الدوحة دورًا رئيسيًا في الصراع الأفغاني، من خلال الوساطة بين أطرافه المختلفين. فقد استضافت المفاوضات بين الولايات المتحدة وطالبان، التي توجت بالتوقيع على اتفاق الدوحة في شهر فبراير 2020.

كما تعمل حاليًا على إقناع أطراف الصراع الأفغاني –وعلى وجه التحديد طالبان والحكومة الأفغانية– بالتوصل إلى مصالحة وطنية مع تسوية سياسية شاملة وانتقال سلمي للسلطة، وذلك في أعقاب سيطرة طالبان على كابول. وهو ما ظهر في اللقاء الذى جمع نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، في 17 أغسطس 2021، مع وفد من طالبان برئاسة نائب زعيم الحركة ورئيس مكتبها السياسي بالدوحة الملا عبد الغني برادار، حسبما أفادت وكالة الأنباء الرسمية (قنا)[67]. وهو اللقاء الذى يأتي بالتزامن مع زيارة وفد تابع للحكومة الأفغانية ويضم المسؤول البارز عبد الله عبد الله إلى قطر، في 15 أغسطس، للقاء ممثلين عن حركة “طالبان”[68].

6- اتساع أزمة الثقة بين واشنطن وحلفائها بالمنطقة: فحلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وآسيا وأوروبا لم يعد لديهم ثقة في التزامات واشنطن الدفاعية تجاههم في مواجهة التهديدات، كما سيعزز الانسحاب الأمريكي من أفغانستان قوة دول مثل روسيا والصين وإيران في تحدي السياسات الأمريكية والضغط على دول الجوار وتهديد أمنهم بسبب تصدع الردع الأمريكي[69].

كما أن سيطرة طالبان بهذه السرعة على العاصمة كابل يبعث برسالة مخيفة إلى حكام الشرق الأوسط، الذين قد يجدون صعوبة في الاستمرار لخمسة أسابيع إذا سحبت الولايات المتحدة قواتها أو دعمها العسكري؛ إذ إن الديوان الملكي في الرياض وأبوظبي وعمان، وكذلك القصر الرئاسي في القاهرة، يجب عليهم أن يسألوا أنفسهم كم أسبوعاً يمكنهم أن يصمدوا إذا كان هناك مسلحون إسلاميون يحظون بشعبية قادمون إليهم. وقد سبق، أن أكد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب قوله إن السعودية قد تصمد لأسبوعين إذا غادرت الولايات المتحدة.

ويشير انسحاب الجيش الأفغاني من قتال طالبان إلى إمكانية تكرار المشهد نفسه في مصر والسعودية، خاصة بعد قيامهما بالتخلص من القيادات العليا للجيش بصورة منتظمة، واختيار القيادات بناءً على الولاء الشخصي للحاكم وليس بناءً على الكفاءة العسكرية[70].

كما يخشى حلفاء واشنطن (وعلى رأسها السعودية وإسرائيل) من أن تقوم أمريكا بإجراء مماثل عبر سحب باقي جنودها من العراق وسوريا، ما قد يتسبب في فراغ ستملأه بالتأكيد قوى معادية (إيران). وتزداد المخاوف السعودية من إمكانية أن يؤدى الانسحاب الأمريكي من أفغانستان إلى خلق بؤرة جديدة للتوتّر في المنطقة ويحوّل الأراضي الأفغانية إلى ملاذ لتنظيمات إرهابية، لاسيما تنظيمي القاعدة وداعش اللذين سبق لهما أن تعرّضا لأمن المملكة وحاولا ضرب استقرارها. كما لا ترغب الرياض في رؤية أفغانستان تتحوّل بعد انسحاب القوات الأميركية منها إلى خاصرة رخوة للتدخلات الإيرانية في ضوء تجارب عملية سابقة أظهرت استغلال إيران لبؤر التوتّر لتركيز موطئ قدم فيها على غرار ما فعلته في العراق وسوريا واليمن[71].

وبالنسبة لإسرائيل، فإن دوائر صنع القرار الإسرائيلي تعتقد أنَّ الحدث الأفغاني ليس معزولاً عنها؛ ففي البعد النفسي والمعنوي، عندما تتمكَّن قوة تحرّر وطني من دحر قوة احتلال أجنبي، فإن ذلك يعني إنذاراً وهاجساً لها كقوة احتلال، وربما استحضر الكيان مشهد الانسحاب الأميركيّ وكأنّه مشهد يخشى حدوثه على أرض فلسطين التي احتلّها وهجّر أهلها قبل نحو 73 عاماً.

وتدرك “إسرائيل” من جهة أنَّ الانسحاب الأميركي من أفغانستان يعني تراجعاً في مكانة ودور أكبر حليف لها. ومن جهة أخرى، هو رسالة تخلٍّ عن الحلفاء والأصدقاء. وربما لا نبالغ إذا اعتقدنا أن قيادة العدو تتساءل في دوائرها المغلقة: هل يأتي اليوم الذي تتخلى فيه صديقتنا الصدوق “أميركا” عن “إسرائيل”، وتدير لها ظهرها، في حال تحول الحلف إلى عبء عليها، وليس رافعة لها؟!

لا شك في أنَّ الهواجس الإسرائيلية تتطابق تماماً مع هواجس دول التطبيع العربي المتحالفة مع الولايات المتحدة، بل هي أكثر وأشدّ وأعمق. وتخشى “إسرائيل” أن تتراجع قوة الدفع العربية نحو التطبيع والتحالف معها والبحث عن سياسة أكثر توازناً في المنطقة، نتيجة انعدام اليقين تجاه تماسك تحالفها مع الولايات المتحدة، والتي اعتبرت أن التطبيع مع “إسرائيل” رافعة لهذا التحالف.

تعي قيادة العدو الإسرائيلي أنَّ انتصار “طالبان” سيترك رسالة مشجعة ومحفزة لحركات المقاومة في المنطقة، ما سيدفعها إلى التمسك بنهج المقاومة المسلحة ضدها، ويراكم مقدراتها، ويعزز حلف المقاومة ومحوره في المنطقة، الذي ربما تنضم إليه دولة جديدة، هي أفغانستان، بقيادة حركة “طالبان” الإسلامية. وما عزّز تخوفات العدوّ هو الصور والرسائل المتبادلة بين قيادة حركة “حماس” وقيادة حركة “طالبان”، ولا نستبعد تنظيم زيارات ولقاءات بين قيادة “طالبان” وقيادات محور المقاومة في المنطقة. عسكرياً، تخشى “إسرائيل” أن تنتقل التكنولوجيا والخبرة العسكرية التي اكتسبتها حركة “طالبان” إلى يد حركات المقاومة في المنطقة[72].

– أن صعود طالبان في أفغانستان قد يستخدم كورقة من قبل بعض الدول العربية، مثل مصر، للتأكيد بأن هناك مخاطر حقيقية داخلية وإقليمية، وبالتالي قد يعزز النهج الأمني لدى العديد من الدول في المنطقة[73].

ومن الجدير بالذكر هنا، أن الشارع المصري انقسم حيال ما حدث في أفغانستان إلى قسمين رئيسيين، الأول: الفريق المؤيد لما حدث، الداعم للانتصار الطالباني على الجيش النظامي واستعادة الحكم مرة أخرى بعد 20 عامًا، وهذا الفريق ينقسم إلى قسمين، أحدهما يمثله الإسلاميون والمتعاطفون معهم على وجه الخصوص ممن يتعاملون مع المشهد على أنه انتصار للحركة الإسلامية التي تتخذ من الشريعة منهاجًا لها. أما الآخر فيمثله اليساريون والمعارضون للوجود الأمريكي في أفغانستان، وهؤلاء يندرج فرحهم من هذا السقوط المدوي للولايات الأفغانية في قبضة الحركة الإسلامية في إطار النكاية والفرح في النموذج الأمريكي الذي يرون فيه خصمهم الأبرز أيديولوجيًا في المنطقة.

أما القسم الثاني فهو الفريق المضاد للأول تمامًا، الذي يرفض سيطرة طالبان على الحكم، معتبرًا أن ذلك ردة للخلف وعودة للأصولية في البلاد، ومن المحتمل أن تمتد إلى بلدان المنطقة برمتها، ويستند أنصار هذا الرأي في موقفهم إلى العداء الأيديولوجي لأي تيار ينتمي للإسلام أو يتعلق بأحد تلابيبه، ومعظم هذا الفريق من التيار الليبرالي العلماني والقبطي بجانب ما يطلق عليهم “الدولجية” أي المنتمين لدولة الجنرالات.

ولا يمكن قراءة ردة فعل الشارع المصري مع تطورات المشهد الأفغاني بمعزل عن السياق العام الداخلي، فالتيار الأكبر من الرافضين لطالبان ربطوا بين الحركة وجماعة الإخوان في مصر، متوهمين أن أي انتصار لأي فصيل إسلامي ولو على حدود الكرة الأرضية فإن ذلك سيعزز من وضعية الإخوان في مصر رغم المساعي الممارسة لوأدهم من الخريطة السياسية طيلة السنوات الماضية. ويسير هذا الفريق على منهجية محور الثورات المضادة، الرامي إلى وأد أي تجربة مهما كانت وفي أي مكان، خشية نقل العدوى لبلادهم فتكون النتيجة الإطاحة بالأنظمة الحاكمة بها، ومن ثم يرى المعارضون لوصول طالبان للحكم أن هذه الخطوة ربما تحيي الأمل في نفوس ما تبقى من أنصار الإخوان والمتعاطفين معهم في الداخل.

وفي الجهة الأخرى فإن المؤيدين لهذا الانتصار الطالباني – لا سيما من الإسلاميين – يرون في هذه الخطوة مدادًا يمكن أن يحيي بداخلهم شرايين الأمل اليابسة، لا سيما بعد الضربات التي تلقتها التجربة الثورية في مختلف بلدان الربيع العربي، وآخرها تونس، التي كان يراهن عليها البعض في أن تكون الاستثناء الذي يبقي على الأمل حيًا[74].

 

 

المصادر: 

[1] ” خلفيات عودة طالبان إلى حكم أفغانستان وتداعياتها”، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 17/8/2021، الرابط: https://bit.ly/3k7LSDZ

[2] “هل سيعترف العالم بحكم طالبان لأفغانستان، تي أر تي عربي، 17/8/2021، الرابط: https://bit.ly/3CUIEfv

[3] “تكيّف برجماتي: استسلام أمريكي وتقبل إقليمي بسيطرة طالبان على أفغانستان”، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 16/8/2021، الرابط: https://bit.ly/3yWy7OK

[4] “ألغاز كابول: كيف يمكن فهم السقوط السريع للدولة الأفغانية؟”، أنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية، 15/8/2021، الرابط: https://bit.ly/3AROuNc

[5] “من الحرب للسياسة: ما الذي تغيَّر في حركة طالبان خلال عقدين؟”، أنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية، 17/8/2021، الرابط: https://bit.ly/2Uw45Cs

[6] “العودة إلى كابول: استراتيجية طالبان للسيطرة على السلطة في أفغانستان”، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 15/8/2021، الرابط: https://bit.ly/2UqUQn5

[7] “طالبان: ملامح الوجه الجديد”، نون بوست، 18/8/2021، الرابط: https://bit.ly/2Xujrs6

[8] ” معركة شاقة أمام طالبان للحصول على الشرعية الدولية أو الإقليمية”، الخليج الجديد، 18/8/2021، الرابط: https://bit.ly/3z1IXCS

[9] ” نائب الرئيس الأفغاني يُنصِّب نفسه “رئيساً شرعياً” للبلاد.. استند إلى الدستور ودعا لمقاومة “طالبان””، عربي بوست، 17/8/2021، الرابط: https://bit.ly/2UxQz1c

[10]  “مرحلة حساسة.. ماذا بعد سيطرة طالبان على أفغانستان؟”، الخليج الجديد، 17/8/2021، الرابط: https://bit.ly/3k4RNcO

[11] ““طالبان” في ميزان الحسابات الآسيوية.. من الرابح ومن الخاسر؟”، 180 بوست، 17/8/2021، الرابط: https://bit.ly/37VrnVg

[12] “مرحلة حساسة.. ماذا بعد سيطرة طالبان على أفغانستان؟”، مرجع سابق.

[13] “ماذا بعد سيطرة طالبان؟”، مركز الجزيرة للدراسات، 18/8/2021، الرابط: https://bit.ly/3D0oVve

[14] المرجع السابق.

[15] “كيف ساهمت إدارة “بايدن” في تصعيد حركة طالبان؟”، مركز رع للدراسات الاستراتيجية، 15/8/2021، الرابط: https://bit.ly/3sp9dVm

[16] ” خلفيات عودة طالبان إلى حكم أفغانستان وتداعياتها”، مرجع سابق.

[17] “رسائل طالبان: الارتدادات القادمة في الشرق الأوسط بعد “سقوط كابول””، أنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية، 16/8/2021، الرابط: https://bit.ly/37XcRfT

[18] “العرب والسيناريوهات القادمة في أفغانستان”، حفريات، 17/8/2021، الرابط: https://bit.ly/3gdtpEG

[19] ” أبعاد وتداعيات سيطرة حركة “طالبان” الخاطفة على أفغانستان”، مجلة السياسة الدولية، 16/8/2021، الرابط: https://bit.ly/2W7hWzV

[20] “شعبية بايدن في أدنى مستوياتها”، الأخبار، 18/8/2021، الرابط: https://bit.ly/3sr6MBC

[21] “ألغاز كابول: كيف يمكن فهم السقوط السريع للدولة الأفغانية؟”، مرجع سابق.

[22] “الانسحاب الأمريكي من أفغانستان وإعادة هندسة التفاعلات الإقليمية”، المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، 4/7/2021، الرابط: https://bit.ly/3ic00eC

[23] “قرار الانسحاب الأميركي من أفغانستان: دوافعه وتداعياته المحتملة”، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 26/4/2021، الرابط: https://bit.ly/3yRalTD

[24] “طالبان ومستقبل “الجهادية العالمية” بعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان”، تي أر تي عربي، 7/7/2021، الرابط: https://bit.ly/3egOqxr

[25] “انتصار طالبان وهواجس دول الجوار”، نون بوست، 17/8/2021، الرابط: https://bit.ly/3spbIak

[26] ” WP: واشنطن جمدت احتياطات حكومة كابول لتحرم طالبان من المليارات”، عربى21، 17/8/2021، الرابط: https://bit.ly/3CZfNH1

[27] “صندوق النقد الدولي يعلق المساعدات المرصودة لأفغانستان”، سكاي نيوز عربية، 19/8/2021، الرابط: https://bit.ly/3CXDpvH

[28] “هل سيعترف العالم بحكم طالبان لأفغانستان، تي أر تي عربي، 17/8/2021، الرابط: https://bit.ly/3CUIEfv

[29] “تكيّف برجماتي: استسلام أمريكي وتقبل إقليمي بسيطرة طالبان على أفغانستان”، مرجع سابق.

[30] “هل سيعترف العالم بحكم طالبان لأفغانستان، مرجع سابق.

[31] “انسحاب القوات الأجنبية من أفغانستان: التداعيات والسيناريوهات”، مركز الإمارات للسياسات، 12/7/2021، الرابط: https://bit.ly/3gi6at9

[32] ” خريطة دبلوماسية جديدة.. كيف أصبح ما تبقى من تأثير أمريكي في أفغانستان رهينة في يد خصومها الكبار؟”، عربي بوست (مترجم)، 17/8/2021، الرابط: https://bit.ly/3j0dH1P

[33] “حسابات متغيرة: هل تتجه الصين إلى احتواء حركة طالبان بعد سقوط كابول؟”، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 17/8/2021، الرابط: https://bit.ly/3AXr6hk

[34] ” ما السر وراء سياسة روسيا والصين الناعمة تجاه طالبان؟”، ساسة بوست، 16/8/2021، الرابط: https://bit.ly/3stUEzZ

[35] “حسابات متغيرة: هل تتجه الصين إلى احتواء حركة طالبان بعد سقوط كابول؟”، مرجع سابق.

[36] ” ما السر وراء سياسة روسيا والصين الناعمة تجاه طالبان؟”، ساسة بوست، 16/8/2021، الرابط: https://bit.ly/3stUEzZ

[37] المرجع السابق.

[38] “الانسحاب الأمريكي من أفغانستان وإعادة هندسة التفاعلات الإقليمية”، مرجع سابق.

[39] “لماذا ينسحب الأمريكان من أفغانستان؟”، عربى21، 7/7/2021، الرابط: https://bit.ly/3AXD8rC

[40] “”جند الله” في القصر الرئاسي.. كيف انتصرت طالبان؟ وكيف يستعد العالم للتعامل معها؟”، ميدان، 16/8/2021، الرابط: https://bit.ly/3iUhEoB

[41] “مصائب بايدن عند بوتين فوائد.. كيف ترى روسيا عودة طالبان لحكم أفغانستان؟”، عربي بوست، 16/8/2021، الرابط: https://bit.ly/2UwO3Z4

[42] ” روسيا تكشف عن موقفها من “طالبان”: تلقَّينا “إشارات مشجعة”، لكننا لن نتسرَّع في الاعتراف بها”، عربي بوست، 17/8/2021، الرابط: https://bit.ly/3z1oQEW

[43] “تداعيات الانسحاب الأمريكي من أفغانستان: محليًا وإقليميًا”، المركز الديمقراطي العربي، 4/8/2021، الرابط: https://bit.ly/3sr4C57

[44] “تعاون محتمل: اتجاه إيران للانفتاح على طالبان وتحجيم التهديدات”، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 18/8/2021، الرابط: https://bit.ly/3svXbcL

[45] ” بعد سيطرة طالبان.. كيف تفكر “إيران” في شيعة أفغانستان؟”، مركز رع للدراسات الاستراتيجية، 16/8/2021، الرابط: https://bit.ly/2W6cbST

[46] ” الموقف الإيراني في أفغانستان بعد انسحاب القوات الأمريكية”، مركز الإمارات للسياسات، 15/8/2021، الرابط: https://bit.ly/3ssBCK6

[47] المرجع السابق.

[48] ” بعد سيطرة طالبان.. كيف تفكر “إيران” في شيعة أفغانستان؟”، مرجع سابق.

[49] المرجع السابق.

[50] “مستقبل الدور التركي في أفغانستان بعد الانسحاب الأمريكي: الفرص والمخاطر والسيناريوهات”، مركز الإمارات للسياسات، 27/6/2021، الرابط: https://bit.ly/2VC7P5r

[51] “تكيّف برجماتي: استسلام أمريكي وتقبل إقليمي بسيطرة طالبان على أفغانستان”، مرجع سابق.

[52] “الدوافع الاستراتيجية لمقترح تركيا حماية مطار كابول في أفغانستان”، عربى21، 26/6/2021، الرابط: https://bit.ly/3wOPgbn

[53] “أردوغان: نرحّب بالتصريحات المعتدلة لقادة طالبان”، 19/8/2021، تي أر تي عربي، 19/8/2021، الرابط: https://bit.ly/3k6ymAD

[54] “العقبات المنتظرة في وجه دور تركي محتمل في أفغانستان”، عربى21، 3/7/2021، الرابط: https://bit.ly/3yRrtbS

[55] “مستقبل الدور التركي في أفغانستان بعد الانسحاب الأمريكي: الفرص والمخاطر والسيناريوهات”، مرجع سابق.

[56] “تكيّف برجماتي: استسلام أمريكي وتقبل إقليمي بسيطرة طالبان على أفغانستان”، مرجع سابق.

[57] “هل سيعترف العالم بحكم طالبان لأفغانستان، مرجع سابق.

[58] “مستقبل الصراع الإقليمي على أفغانستان بعد الانسحاب الأمريكي”، مركز الإمارات للسياسات، 27/7/2020، الرابط: https://bit.ly/36w04QK

[59] “تكيّف برجماتي: استسلام أمريكي وتقبل إقليمي بسيطرة طالبان على أفغانستان”، مرجع سابق.

[60] “مستقبل الصراع الإقليمي على أفغانستان بعد الانسحاب الأمريكي”، مرجع سابق.

[61] “”جند الله” في القصر الرئاسي.. كيف انتصرت طالبان؟ وكيف يستعد العالم للتعامل معها؟”، مرجع سابق.

[62] “تكيّف برجماتي: استسلام أمريكي وتقبل إقليمي بسيطرة طالبان على أفغانستان”، مرجع سابق.

[63] “”جند الله” في القصر الرئاسي.. كيف انتصرت طالبان؟ وكيف يستعد العالم للتعامل معها؟”، مرجع سابق.

[64] “انتصار طالبان وهواجس دول الجوار”، نون بوست، 17/8/2021، الرابط: https://bit.ly/3spbIak

[65] “رسائل طالبان: الارتدادات القادمة في الشرق الأوسط بعد “سقوط كابول””، مرجع سابق.

[66] “العرب والسيناريوهات القادمة في أفغانستان”، مرجع سابق.

[67] “قطر تؤكد لطالبان على حماية المدنيين وتحقيق المصالحة والانتقال السلمي للسلطة”، شبكة الصين العربية، 18/8/2021، الرابط: https://on.china.cn/3AUUipc

[68] “مفاوض: وفد حكومي أفغاني سيلتقي ممثلي “طالبان” في قطر”، أر تي اسأل أكثر، 15/8/2021، الرابط: https://bit.ly/3srcJP0

[69] “دروس أفغانستان: كيف يرى الداخل الأمريكي الانسحاب من مناطق الصراعات؟”، أنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية، 18/8/2021، الرابط: https://bit.ly/3z2JdSq

[70] “رسالة “مخيفة” لحكام الشرق الأوسط.. ماذا تعني هزيمة أمريكا في أفغانستان؟”، عربي بوست (مترجم)، 18/8/2021، الرابط: https://bit.ly/3mh5urO

[71] “حذر سعودي إزاء تطوّر الأحداث في أفغانستان”، العرب، 17/8/2021، الرابط: https://bit.ly/2W3lq6e

[72] “أسباب خشية “إسرائيل” من تحرير أفغانستان”، الميادين، 18/8/2021، الرابط: https://bit.ly/3AWmhVq

[73] “ماذا يعني “انتصار” طالبان لحلفاء أمريكا العرب وللتنظيمات المتطرفة؟”، دويتشة فيلة، 16/8/2021، الرابط: https://bit.ly/3CXMCnD

[74] “كيف استقبل المصريون انتصار طالبان؟”، نون بوست، 18/8/2021، الرابط: https://bit.ly/3sr8TW4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

اختراق “سولارويندز SolarWinds” الهجوم الأكبر في 2020

وصف بأنه الهجوم الأكبر والأوسع في تاريخ الهجمات والاختراقات السيبرانية، هو الهجوم الذي است…