‫الرئيسية‬ إفريقيا التقارب الخليجي التركي وتأثيره على إفريقيا
إفريقيا - ديسمبر 7, 2021

التقارب الخليجي التركي وتأثيره على إفريقيا

التقارب الخليجي التركي وتأثيره على إفريقيا

 

نمت مشاركة دول الخليج في القرن الإفريقي بشكلٍ كبير خلال العقد الماضي، لتصبح نقطة ساخنة أخرى في الصراع الإقليمي. حيث يقع القرن المجاور للبحر الأحمر، والذي يقع بين ممرين بحريين رئيسيين تعتمد عليهما التجارة العالمية وحركة المرور، هما مضيق باب المندب في الجنوب وقناة السويس في الشمال. وبينما تنفتح الصومال أيضًا على حوض المحيط الهندي الأوسع، وهو بحد ذاته طريق رئيسي للأمن البحري والتجارة، ومع احتدام السباق الرئيسي في المحيط الهندي، كانت دول الخليج حريصة على تأمين مصالحها الخاصة، وهكذا صارت منطقة القرن الإفريقي وشمال إفريقيا ساحة للتنافس بين المحورين؛ التركي القطري، والإماراتي السعودي. فمن ناحية؛ يُشكّل القرن الإفريقي ساحة أخرى مثل ليبيا وتونس تسعى فيها تركيا وقطر إلى تعزيز نفوذهم. ومن ناحية أخرى؛ عملت السعودية والإمارات بنشاط في إريتريا وإثيوبيا وأرض الصومال والسودان لمواجهة المحور التركي القطري. ولطالما أدى التنافس بين المحورين إلى توترات سياسية في المنطقة. فما هي أشكال التواجد التركي والإماراتي في إفريقيا؟ وكيف يُمكن أن يؤثر التقارب الأخير بينهما على إفريقيا؟ تلك هي التساؤلات التي سنسعى للإجابة عليها..

أولًا: التواجد التركي في إفريقيا:

تبرز أهمية القارة الإفريقية بالنسبة لتركيا بانفرادها عن باقي الدول المحورية بقربها من إفريقيا من خلال البحر المتوسط؛ على عكس ألمانيا وروسيا وإيران. ويكمن الفرق في الأهمية الجيوسياسية للقارة بين تركيا وإيران في أن الأخيرة يفصلها عن إفريقيا المحيط الهندي؛ بينما يفصل تركيا عن القارة فقط البحر المتوسط، وباستثناء هذا الفارق فإنه كما يأتي شرق إفريقيا في المرتبة الأولى من حيث الأهمية بالنسبة لإيران؛ فإن الأمر نفسه ينطبق على شمال إفريقيا بالنسبة لتركيا، والتي تعوّل عليها بوصفها مدخلًا لتحقيق أهدافها، والمساعدة على تجاوز العقبات التي تعترضها في القارة، إذ تحاول أن تنسّق مع مصر للولوج إلى شرقها، ومع الدول المغاربية لغربها، كما تعوّل أنقرة على الروابط التاريخية والحضارية التي تجمعها مع شعوب شمال إفريقيا في ذلك.[1] ومن الناحية الأمنية؛ فإن دول الشمال الشرقي، وتحديدًا مصر وليبيا، لهما أهمية كبيرة بالنسبة لتركيا، خصوصًا في ظل صراعها التاريخي مع اليونان والأزمة القبرصية؛ كما حدث عام 1974 عندما ساهمت طرابلس في دعم أنقرة إبان حربها في قبرص، فكانت الطائرات الحربية التركية تتزود بالوقود وغيره من مطار بنغازي العسكري، وساعدت ليبيا تركيا لتجاوز العقوبات في الحصول على طائرات وصواريخ بطرق سرية من إيطاليا ودول أوروبية أخرى.[2] وقامت السياسة التركية تجاه القارة على عدة مستويات..

  1. المستوى السياسي: تبنّت الحكومة التركية عام 1998 وثيقة بعنوان “سياسة الانفتاح على إفريقيا”، وكان ذلك جزئيًا ردًا على رفض الاتحاد الأوروبي ترشيحها لعضويته في قمة 1997، فسعت لتطوير العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية المستقبلية مع البلدان الإفريقية. وبوصول حزب العدالة والتنمية للسلطة كانت البداية الفعلية لتنفيذ بنود هذه الوثيقة في 2005، عندما أعلنتها الحكومة سنة إفريقيا. وكانت تركيا بدأت من السنة نفسها أيضًا بتنظيم استضافة لعدد كبير من زعماء دول إفريقيا، ما ساعد على إدخالها إلى مجلس الأمن الدولي عام 2008، وساهم في إنجاح مرشحها أكمل الدين إحسان أوغلو في تولّي منصب الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي عام 2005، وأصبحت تركيا عضوًا مراقبًا في منظمة الاتحاد الإفريقي عام 2003، ثم رفعت درجة هذه العضوية إلى مرتبة الشريك الاستراتيجي في 2008.[3] وفي هذا الإطار اتخذت تركيا في توجّهها نحو إفريقيا عدة مسارات: أولها؛ المسار الإغاثي: فقد عملت بالتعاون مع المنظمات الدولية على تطوير إفريقيا، حيث خصّصت 50 مليون دولار لتمويل مشروعات تنموية في دول إفريقية في الفترة بين 2008 و 2013، و 7,5 ملايين دولار لعدة دول إفريقية في منظمات دولية، مثل منظمة الصحة العالمية، وبرنامج الغذاء التابع للأمم المتحدة، والهلال الأحمر، لمساعدة تلك الدول لمواجهة الآثار السلبية للتصحر والجفاف والكوارث الطبيعية الأخرى. وثانيها؛ المسار الدبلوماسي: ويتمثل في تطور حجم الدبلوماسية التركية في إفريقيا، فلتدعيم تحركاتها في القارة سارعت إلى افتتاح 19 سفارة جديدة في الدول الإفريقية، ليرتفع بذلك عددها إلى 39 سفارة،[4] ثم إلى 43 سفارة عام 2021. وثالثها؛ المسار العسكري: حيث حققت أنقرة بالقاعدة العسكرية التي أقامتها في مقديشيو الكثير من الأهداف الهامة في تشكيل دورها في القارة، لاسيما أنها بذلك تمكّنت من تأمين مصالحها الاقتصادية بالقارة حيث تُعتبر الصومال بوابة الدخول الأولى إلى إفريقيا، وفى مايو2010 وبرعاية الأمم المتحدة استضافت تركيا “مؤتمر إسطنبول” بشأن الصومال، والذي تمخض عنه صدور إعلان إسطنبول كخارطة طريق لتسوية الصراع الصومالي، وهو ما أفضى إلى صياغة دستور للبلاد، وانتخاب البرلمان، الذي انتخب بدوره “حسن شيخ محمود” كأول رئيس غير انتقالي للصومال منذ عام 1991، كما استضافت المؤتمر الصومالي الثاني عام 2012.[5]

  2. المستوى الاقتصادي: استطاعت تركيا تحقيق نجاح في الحصول على حصة مهمة في أسواق إفريقيا، وتتمثل أهدافها ضمن هذا السياق في محاولة خلق مجال حيوي لطاقاتها وإمكانياتها الإنتاجية والفنية، على نحوٍ يؤدي إلى تحقيق مكاسب اقتصادية، من زيادة التبادل التجاري، وفتح سوق واسعة للصادرات الصناعية التركية، وضمان مورد مهم للخامات، وتدبير مجالات عمل جديدة للخبرات الفائضة لدى تركيا. وأصبحت تركيا العضو الخامس والعشرين في بنك التنمية الإفريقي من خارج القارة، ومن أجل تقييم المرحلة التي وصلت إليها العلاقات بين الطرفين ولتحديد الطرق والوسائل الكفيلة بتعزيزها، عُقدت في إسطنبول قمة التعاون التركية الإفريقية الأولى عام 2008 بمشاركة 49 دولة إفريقية وممثلو 11 منظمة إقليمية ودولية من ضمنها الاتحاد الإفريقي، والتي تمخضت عن”إعلان إسطنبول للتعاون التركي الإفريقي”.[6] وفي الجانب التجاري سجّلت الصادرات التركية إلى الدول الإفريقية معدلات نمو عالية خلال السنوات الأخيرة، فقد كان قرابة 9 مليارات دولار في 2005؛ ثم 15,87 مليار دولار في 2009؛ 14,1 مليار دولار في 2010، ليرتفع مجددًا إلى 17,1 مليار دولار في عام 2011، ونحو 50 مليار دولار في 2015، مشيرين إلى أن هذا سيساعد رجال الأعمال الأتراك على منافسة رجال الأعمال الأمريكيين والأوروبيين، بحيث لا يتبقى أمامهم سوى الشركات الصينية واليابانية التي سبقت تركيا إلى القارة الإفريقية.[7]

  3. المستوى الثقافي والديني: أولت حكومة العدالة والتنمية أهمية كبيرة للعلاقات الدينية في تحقيق أهدافها، فبعد أن احتضنت عام 2006 الدورة الأولى لقمة القيادات الدينية الإسلامية بإفريقيا، عقدت في نوفمبر 2011 باسطنبول القمة الثانية بحضور 110 مشارك، قدموا من 46 دولة إفريقية. وعلى الصعيد الثقافي استقبلت تركيا، في الفترة نفسها، مئات الطلبة الأفارقة، كما افتتحت عشرات المدارس التركية بالعديد من المدن الإفريقية.[8]

ثانيًا: التواجد الإماراتي في إفريقيا:

بدأت دولة الإمارات العربية المتحدة قبل عدة سنوات مشروعًا سياسيًا استراتيجيًا تعدى حدود الطموح الاقتصادي بكثير -وإن ظل الاقتصاد ركنًا أساسيًا فيه-، حيث لم يعد البترول وحده هو المحرك ولا عمود الأساس للإمارات التي تعلم جيدًا أن مخزونها من النفط والغاز الطبيعي لن تستمر إلى الأبد، وأنه لابد من أعمدة أخرى يستند إليها الاقتصاد الإماراتي.وقامت السياسة الإماراتية تجاه القارة على عدة مستويات..

  1. المستوى السياسي: هناك توجه إماراتي نحو السيطرة على القرن الإفريقي يهدف بالأساس إلى إبقاء دبي بعيدة عن منافسة الجيران –دول الخليج- كمركز إقليمي وعالمي للتجارة والسفر ونقل البضائع، ومن أجل ذلك تقوم بتحجيم الموانئ التي تدخل في إدارتها على مدى سنوات طويلة كي لا يؤثر ذلك على مكانة دبي كمركز أساسي للتجارة والأعمال. وفي هذا الإطار؛ عملت الإمارات على إقامة قاعدة عسكرية في ميناء عصب الإريتري، حيث عقدت مع إريتريا اتفاقًا لاستخدام أراضيها وموانئها كقاعدة للعبور والخدمات اللوجيستية لعملياتها في ميناء عصب. كما عرضت بناء أخرى في أرض الصومال، وهي منطقة تتمتع بالحكم الذاتي في شمال الصومال.[9]

  2. المستوى الاقتصادي: أدركت الإمارات قبل فترة طويلة مدى أهمية الموانئ البحرية في الاقتصاد العالمي فأقامت موانئ دبي، وبعد أن أصبحت رقمًا صعبًا في محيطها بدأت في التوسع خارج حدودها. حيث أحرزت الإمارات تقدمًا جيوستراتيجيًا توزع ما بين اليمن والقرن الإفريقي ومصر على استحياء، بعيدًا عن مناطق نفوذ السعودية التي تركت لها الإمارات قيادة الخليج والعالم الإسلامي، لتخلق لنفسها دورًا أشد أهمية وتأثيرًا خارج محيطها الإقليمي الخليجي المليء بالنزاعات ومحاولات السيطرة.[10] وفي هذا الإطار فقد أبرمت دولة الإمارات عددًا من الاتفاقيات –التي اعتبرتها بعض دول القرن الإفريقي غير القانونية فيما بعد- مع موانئ في بحر العرب والبحر الأحمر منها ميناء عدن وميناء دورالي بهدف إجهاض قيام مشاريع يمكن أن تؤثر على نشاط موانئ دولة الإمارات ولاسيما ميناء دبي، كما سعت الإمارات إلى توسيع قاعدتها في القرن الإفريقي وشرق إفريقيا ومنطقة المحيط الهندي، واستأجرت في هذا الصدد العديد من الموانئ، إما لاستخدامها بما يخدم حركة التصدير والاستيراد لأبي ظبي، أو تعطيلها خوفًا من تأثيرها على ميناء جبل علي الإماراتي، وخاصةً مع تعاظم أهمية مضيق باب المندب الذي تستخدمه حاملات النفط في العالم، حيث يمر به ما يقرب من 4.7 مليون برميل من النفط يوميًا.[11] وحصلت شركة “موانئ دبي العالمية” على حقوق الامتياز لإدارة وتشغيل ميناء جيبوتي لمدة عشرين عامًا، واستثمرت الإمارات مليار دولار في جيبوتي لبناء فنادق وتشیید منطقة حرة إلى جانب توفير الخدمات الجمركية، إلا أن نزاع قضائي الذي رفعته الحكومة الجيبوتية ضد شركة موانئ دبي العالمية بشأن امتياز ميناء جيبوتي قد عطّل هذا الأمر.[12] كما حصلت شركة “موانئ دبي العالمية” على حق إدارة ميناء بربرة في أرض الصومال، إلا أن هذا الأمر أدى لحدوث عدة مشكلات فيما بعد، فمن ناحية رأت حكومة أرض الصومال أن الاتفاقية مُجحفة للجانب الصومالي، ومن ناحية أخرى أدت لمشكلات مع حكومة الصومال التي اتهمت الإمارات بدعم أرض الصومال –الحكومة المُنشقة عن الحكومة الصومالية-.

ثالثًا: التقارب التركي- الإماراتي وتأثيره على إفريقيا:

جاءت زيارة ولي عهد أبي ظبي لأنقرة بعد نحو عقد من القطيعة السياسية بين البلدين، وصلت حد تهديد الرئيس التركي بسحب سفيره لدى أبو ظبي العام الماضي، بعد توقيع اتفاقية السلام بين الإمارات العربية المتحدة والكيان الصهيوني. حيث عاش البلدين سنوات من الخلاف مرت بمراحل عدة، زاد من توترها منعطفات ما عُرف بالربيع العربي، واحتضان تركيا لأحزاب الإسلام السياسي، واتهام أنقرة للإمارات بمساندة المحاولة الانقلابية الفاشلة على رئيسها في صيف عام 2016، وبعدها اصطفاف أنقرة إلى جانب قطر في خلافها السياسي مع دول خليجية أخرى. لكن متغيرات إقليمية كثيرة، دفعت الطرفين لإعادة حساباتهما، فجاءت الزيارة تتويجًا لاتصالات امتدت على مدى أشهر طويلة، بدأت باتصال هاتفي بين وزيري خارجية البلدين، ثم بزيارة لم تكن متوقعة، لمستشار الأمن الوطني الإماراتي الشيخ طحنون بن زايد إلى أنقرة ولقائه بأردوغان منتصف شهر أغسطس الماضي. وتلا ذلك اتصال هاتفي بين محمد بن زايد وأردوغان في أواخر الشهر نفسه، ليخرج بعدها أردوغان مادحًا الإمارات وواصفا إياها بـ”الدولة المحورية”، وكاشفًا عن اتصالات مكثفة جرت على أكثر من صعيد بين البلدين لاسيما على مستوى أجهزة الاستخبارات، ومؤكدًا بأن لقاء لابد سيُعقد بينه وبين ولي عهد أبي ظبي.

  1. دوافع الطرفين للمصالحة: تتمثَّل دوافع هذا التصالح في عدة ملفات ستتأثر إيجابًا، من بينها الأزمة السورية والخلافات في شرق المتوسط وليبيا. فتركيا تتهم الإمارات بمساندة قوات سوريا الديمقراطية ووحدات الحماية الكردية في شمال شرق سوريا بالمال والسلاح والتعاون الاستخباراتي، كما تتهمها بالتحالف مع اليونان وقبرص ضد توجهات أنقرة في البحر المتوسط، وبدعم قوات القائد العسكري خليفة حفتر في شرق ليبيا. كما أن أنقرة تريد من الإمارات دعمًا اقتصاديًا وأن توقف أبو ظبي دعمها للمسلحين الأكراد في سوريا، وأن تساند تركيا في مطالبها بالحصول على حصة من الغاز ومصادر الطاقة في شرق المتوسط، وأن تتوصلا إلى تفاهمات حول ملفات شائكة في ليبيا واليمن. وفي المقابل؛ تسعى أبو ظبي إلى شراء حصص في مشاريع تركية وإنشاء شراكات استراتيجية –كما حدث مع قطر-، لاسيما في مشروع قناة اسطنبول الجديدة، والذي سيربط بين بحر مرمرة والبحر الأسود. هذا فضلاً عن رغبتها بشراء بنوك وحصص في البورصة التركية، وكذلك إبداء رغبة في تأسيس شراكات قوية تدعم قطاع الصناعات الدفاعية التركية، الذي شهد نموًا كبيرًا في السنوات الأخيرة، تحديدًا في قطاع تصنيع الطائرات المسيرة. كذلك يبدو أن فتور العلاقات الخليجية الأمريكية في ظل إدارة جو بايدن، وتوجهات واشنطن الواضحة للانسحاب من المنطقة، بجانب التحديات الأمنية الكبيرة التي تواجهها دول الخليج في ظل ما تراه تلك الدول “تهديدًا إيرانيًا متصاعدًا”، ورفض شركات السلاح الأوروبية إبرام صفقات جيدة مع أبي ظبي بسبب تورطها في حرب اليمن، جعل من تركيا وسيطًا يمكن الاستناد عليه في التوصل إلى مقاربات تخفف من خطر وقوع مواجهة مع طهران. وفي خطوات عمليه بهذا الشأن؛ أعلنت الإمارات عن تأسيس صندوق لدعم الاستثمارات في تركيا بقيمة عشرة مليارات دولار أمريكي. وقد شهد أردوغان وبن زايد مراسم التوقيع على 10 اتفاقيات تتعلق بمجالات الطاقة، والمصارف، والنقل، والتكنولوجيا، والبيئة. وفي المقابل تتطلع أبو ظبي لدعم تركي لحصول اللواء أحمد إبراهيم الريسي المفتش العام لوزارة الداخلية الإماراتية على منصب رئيس المنظمة الدولية للشرطة الجنائية (الإنتربول)، بينما تعقد الجمعية العامة للمنظمة مؤتمرها السنوي في اسطنبول، رغم اعتراضات وجدل واسع أثارته منظمات حقوقية دولية من خلال بيان وقعته 19 منظمة اتهمت فيها الريسي بارتكاب انتهاكات في مجال حقوق الإنسان.[13]
  2. تأثير التقارب على إفريقيا: في الوقت الذي تسعى فيه تركيا وقطر الآن إلى الانفراج مع مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، قد يحصل القرن الإفريقي على فترة راحة من التنافس بين المحورين. وفي حين أن المصالح والأيديولوجيات المتضاربة لا تزال تُشكّل الديناميكيات في القرن الإفريقي، فقد أدى انتخاب جو بايدن كرئيس إلى إعادة تقويم للسياسات المصرية والخليجية والتركية تجاه المنطقة، مما أدى إلى محاولات مختلفة لإصلاح العلاقات بين الكتل المتعارضة. وأثار تعهد بايدن باتباع سياسة خارجية تركز على حقوق الإنسان مخاوف من أنهم قد يصبحون أهدافًا لغضب واشنطن، كما أدى وعد بايدن باستعادة الاتفاق النووي الإيراني إلى خلق حالة من عدم اليقين، مما أدى إلى إزاحة المحورين لبعض خلافاتهما العالقة في الوقت الحالي. واختتم جيفري فيلتمان، مبعوث بايدن الخاص للقرن الإفريقي، زيارة إلى الخليج في يونيو، حيث توقف في السعودية والإمارات وقطر. ويشير تعيين مبعوث خاص إلى الأولوية القصوى التي توليها واشنطن الآن لهذه المنطقة، كما أنه يعكس المخاطر التي ينطوي عليها الأمر إذا اشتدت المنافسة في القرن الإفريقي مرة أخرى بين المحورين.[14] ومن ثمَّ؛ فكل المؤشرات تتجه إلى أن العلاقات ستأخذ منحىً تعاونيًا، وتقوية للروابط والعلاقات في مجالات متعددة. والمُتوقع في ظل المفاوضات النووية الجديدة بين واشنطن وطهران أن تستعيد إيران رضا ومباركة إدارة بايدن لدورها وحضورها الإقليمي، وبالتالي تدرك تركيا ودول الخليج ضرورة تحسين علاقاتها في أقرب وقت. وثمَّة عامل آخر مهم، وهو وجود علاقات ومصالح وثيقة لكل دولة مع أطراف أخرى تدخل مع هذه المجموعة في نزاعات أو توترات. مثلاً لكلٍّ من تركيا والسعودية والإمارات علاقات قوية مع إثيوبيا، بينما تملك تركيا نفوذًا ودورا كبيرًا في القرن الإفريقي خصوصًا الصومال. وفي ضوء المعطيات الراهنة، يُمكن توقُّع أن تخف حدة التنافس على المصالح والنفوذ في إفريقيا ليس فقط بين تركيا ومصر وبعض دول الخليج، لكن أيضًا حتى فيما بين دول الخليج وبعضها البعض، وذلك على وقع انشغال أبي ظبي والرياض بما تعتبراه خطرًا إيرانيًا متزايدًا. فهذه الدول يمكنها التعاون أكثر من الصدام، وهذا بدوره سيُخفّف من التنافس في إفريقيا، حتى من الممكن أن تلعب أنقرة دورًا كبيرًا في الوساطة بين السودان وإثيوبيا بمباركة مصرية في حال حلحلة الخلافات بينهما.[15] وعلى الرغم من كون مدى تأثير مناخ الانفراج على القرن غير مؤكد، إلا أن الهدوء النسبي يوفر فرصة لواشنطن لتولّي بالقيادة ومنع هذا النوع من التنافس العنيف بين المحورين الذي ثبت أنه كارثي في ​​سوريا وليبيا.

الخُلاصة؛ يتضح من العرض السابق للتواجد التركي والإماراتي في إفريقيا مدى قوة المنافسة بين الجانبين، وكذلك مدى تأثير تلك المنافسة على استقرار الدول محل هذا التنافس؛ لاسيما دول القرن الإفريقي. ومن ثمَّ؛ فإن تقارب الطرفين التركي والإماراتي؛ سيؤدي بدوره إلى تهدئة التنافس بينهما في تلك المنطقة، وانصرافهما نحو ملفات أخرى كانت قد تأثَّرت أثناء فترة القطيعة بين الطرفين، مثل ملفات سوريا وليبيا وغاز المتوسط. ويأتي بالتزامن مع هذا الهدوء المُرجَّح من الجانبين التركي والإماراتي؛ نشاط أمريكي مُتصاعد في المنطقة، والتي توليها إدارة بايدن أهمية كبيرة، ظهرت في تعيين مبعوث أمريكي خاص بها، والاهتمام الأمريكي بالملفات الساخنة فيها خلال الفترة الماضية، مثل حرب التيجراي في إثيوبيا، وانقلاب البرهان في السودان، وغيرها من الملفات. كما يأتي أيضًا بالتزامن مع صعود روسي في المنطقة، تمثَّل مؤخرًا في التقارب الإثيوبي الروسي، مع نشاط روسي في أماكن أخرى من القارة مثل إفريقيا الوسطى ومالي وتشاد. كل هذا ربما يعني صعود التنافس الروسي الأمريكي في منطقة القرن الإفريقي على حساب التنافس التركي الإماراتي –في حالة نجاح التقارب التركي- الإماراتي-.

 

[1]أبو زيدي يحيى، “السياسة الإيرانية والسياسة التركية تجاه إفريقيا- دراسة مقارنة”، قراءات إفريقية، 19/5/2016. متاح على الرابط:  https://cutt.us/rMOyc

[2]نبيل المظفري، العلاقات الليبية التركية 1969م – 1989م: دراسة سياسية اقتصادية، (عمان: دار غيداء للنشر، ط1، 2011)، ص 132 – 138.

[3] Mehmet Ozkan, Birol Akgun, Turkey’s opening to Africa, P. 533.

[4]أحمد داود أوغلو، ترجمة: محمد جابر ثلجي، طارق عبد الجليل،العمق الاستراتيجي.. موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية، (الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات، ط2، 2011)، ص. 241.

[5]شاهيناز العقباوي، “تقدير استراتيجي: الوجود التركي في قارة إفريقيا”، المركز الديمقراطي العربي، 27/12/2017. متاح على الرابط: https://cutt.us/cDJAc

[6]“TURKEY IN AFRICA: THE IMPLEMENTATION OF THE ACTION PLAN AND AN EVALUATION AFTER FIFTEEN YEARS”,CENTER FOR MIDDLE EASTERN STRATEGIC STUDIES, ORSAM Report No: 124. July 2012, P 13.

[7]Idem.

[8]MICHAEL KAPLAN, “Turkey Helping Somalia Fight Al-Shabab? Turkish Military’s First Base In Africa Will Train African Soldiers”, The International Business Times, January 19, 2016.

[9]محمد مكاوي، “حرب الموانئ”.. كيف تتصارع 6 دول على مد نفوذها في القرن الإفريقي؟”، مصراوي، 27/12/2017. متاح على الرابط: https://cutt.us/MDuM0

[10]“سيطرة الإمارات على موانئ القرن الإفريقي.. طموح اقتصادي أم مشروع سياسي؟”، D&W، 6/9/2017. متاح على الرابط: https://cutt.us/Oqk1O

[11]“الإمارات بدأت تجر ذيول الخيبة في القرن الإفريقي”، السودان اليوم، 3/3/2018. متاح على الرابط: https://cutt.us/xfL0E

[12]أمينة العريمي، “العلاقات الخليجية الإفريقية.. ببن التكامل أو التنافس”، آراء حول الخليج، (دبي: مركز الخليج للأبحاث، 29/ 4/ 2018)، ص. 5.

[13]  شهدي الكاشف، “بعد لقاء أردوغان بمحمد بن زايد: هل تشهد العلاقات التركية الإماراتية مصالحة حقيقة؟”، عربي BBC، 24/11/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/blG3g

[14]  Aykan ErdemirVarsha Koduvayur, “Will Turkey’s Détente with Egypt and the Gulf Extend to the Horn of Africa?”, The National Interest, 19/9/2021. At: https://cutt.us/m8dk2

[15]  “تركيا ومصر والخليج.. تقارب قد يخفف تنافس القوى في القرن الإفريقي”، الحرة، 20/9/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/XFtBu

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

‫شاهد أيضًا‬

إفريقيا! ماذا بعد فوز ماكرون بالانتخابات؟

السياسة الخارجية الفرنسية في إفريقيا أُعيد انتخاب الرئيس المنتهية ولايته إيمانويل ماكرون ل…