‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر أزمة التوكتوك في مصر.. 3 سيناريوهات محتملة
مصر - ديسمبر 13, 2021

أزمة التوكتوك في مصر.. 3 سيناريوهات محتملة

أزمة التوكتوك في مصر.. 3 سيناريوهات محتملة

 

تتجه الحكومة المصرية نحو إجراءات حاسمة ضد مركبات التوكتوك التي تزايدت أعدادها بشدة خلال السنوات الماضية وباتت ظاهرة تستعصي على الحل من وجهة نظر الحكومي والمؤيدين لها وشرائح أخرى من المجتمع، يبرهن على ذلك ثلاثة إجراءات:

أولا، القرار الوزاري الأخير رقم 533 لسنة 2021م الذي أصدرته نيفين جامع، وزيرة التجارة والصناعة، يوم الثلاثاء 09 نوفمبر، الخاص بوقف استيراد المكونات الأساسية للتوكتوك، وتشمل القاعدة والشاسيه والمحرك، على أن يعمل بالقرار من اليوم التالي لنشره في صحيفة الوقائع الرسمية.[[1]] وهو ما تم يوم الخميس 11 نوفمبر حيث نشرت الوقائع المصرية القرار الوزاري ليبدأ العمل به فعليا من يوم الجمعة 12 نوفمبر 2021م. «وهو ما أدى إلى تباين بين تجار التكاتك وقطع غيارها بين فريق يقلل من شأن هذه الخطوة، وفريق أوقف البيع بالتقسيط تحسبا لأي متغيرات، وفريق ثالث شرعت في البحث عن مجالات أخرى خشية صدور قرارات مستقبلية بتحول الـ توك توك إلى خردة واستبدالها بسيارات “ميني فان”».[[2]]

ثانيا، كما يبرهن على ذلك أيضا، أن الحكومة كانت قد حظرت استيراد مركبات التوكتوك ذات العجلات الثلاث، والدراجات النارية وشاسيهاتها بغرض الاتجار وذلك بالقرار الوزاري رقم 417 لسنة 2014م. لكن هذا القرار بمنع استيراد التوكتوك قبل سبع سنوات لم يفض ــ كما كانت ترغب الحكومة  ــ إلى تقليص هذه المركبات؛ لأن القرار أدى إلى زيادة مطردة في ورش تجميع التوكتوك؛ حيث كان يتم استيراد قطع غياره وتجميعه في مصر، ما أدى إلى زيادة عدد المركبات وليس الحد من انتشارها؛ الأمر الذي دفع الحكومة نحو إصدار القرار الأخير بوقف استيراد قطع الغيار أيضا وأهمها القاعدة والشاسيه والمحرك؛ على أمل أن يؤدي ذلك إلى تقليص أعداد التكاتك وصولا إلى القضاء عليها واستبدال سيارات الفان بها كما تستهدف الحكومة.

ثالث الإجراءات التي تؤكد أن الحكومة ماضية في تنفيذ مذبحة للتكاتك أو الحد من انتشارها هو استبعاد التوكتوك من قانون المرور الجديد؛ الأمر الذي يؤشر إلى قرب اختفائه تدريجيا وسط تساؤلات حول مصيره ومصير ملايين العاملين عليه.

غموض وتشكيك

بعض الموالين للنظام يشككون في جدوى القرار؛ متسائلين: هل يتم تطبيق هذا القرار بقوة وعزيمة وشجاعة، أم يتم الالتفاف عليه؟!. ويبرهن ــ رئيس تحرير الشروق عماد الدين حسين ــ على ذلك بأن هناك العديد من القرارات لكنها لم تنفذ. ويستدل على ذلك بالقرار الوزاري رقم رقم ٤١٧ لسنة ٢٠١٤، منذ سبع سنوات بوقف استيراد التكاتك والدراجات النارية وشاسيهاتها، بغرض الاتجار، لكن شيئا من هذا لم ينفذ للأسف. ويستدل أيضا بالخطة التفصيلية التي قدمتها وزارة الصناعة في مارس 2021م، لإحلال التوك توك بسيارات المينى فان، وأصدرت القرار رقم ١٣٩ لسنة ٢٠٢١ بتشكيل لجنة لوضع الآليات التنفيذية لمشروع الإحلال وتحديد مصادر وآليات التمويل والاستبدال والتخريد ودراسته ضمن المبادرة التجريبية للبرنامج من خلال المبادرة القائمة، على أن يتم الإنجاز خلال شهرين، من خلال لجنة مشكلة من عدة وزارات وهيئات. ولكن الشهرين مضيا ومضت بعدهما عدة شهور، ولم يتم إنجاز شىء عملى. [[3]]

وكانت دراسة قدرت أعداد التكاتك بنحو ثلاثة ملايين مركبة، ومتوسط الإيراد بنحو 120 جنيها يوميا، ما يهدر على الدولة نحو 3 مليارات جنيه في صورة تراخيص ومخالفات مهدرة، حسب دراسة أعدّها أستاذ الإدارة المحلية الدكتور حمدي عرفة، مشيرا إلى أنها توفر 250 ألف فرصة عمل سنويا. لكن هناك تقديرات مختلفة تصل برقم التكاتك إلى  نحو 5.4 ملايين مركبة، حسب مستشار رابطة ملاك التكاتك صبري عبادة. أما عدد المركبات المرخصة حتى نهاية ديسمبر 2020 فلا يتجاوز نحو 275 ألفا فقط. وفقا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. ويعتمد نحو 30 مليون مصري على “التوكتوك” كونه وسيلة نقل شعبية سريعة وخفيفة ورخيصة نوعا ما، وقادرة على حمل الأشخاص وبضاعتهم أو أحمالهم الثقيلة إلى أي مكان سواء داخل المدن والقرى والأحياء الضيقة أو حتى بين القرى والمدن أيضا.[[4]]

بين الأهداف المعلنة والخفية

الهدف من القرار ــ بحسب الوزيرة ــ  هو تنفيذ المبادرة الرئاسية التي أطلقها الجنرال عبدالفتاح السيسي الخاصة بإحلال المركبات للعمل بالطاقة النظيفة وبصفة خاصة «الغاز الطبيعى» حيث تستهدف الحكومة إتاحة سيارات «ميني ڤان» بديلا عن «التوك توك».

كما يستهدف القرار من جهة ثانية ـ وفقا لتصريحات الوزيرة ـ أن يكون بداية لتقنين أوضاع مركبات «التوك توك» المنتشرة في كافة المحافظات من خلال منح التراخيص للمركبات التي تنطبق عليها الاشتراطات الفنية المعتمدة من جهات التراخيص، مع دراسة إتاحة آليات تمويلية للراغبين في إحلال مركبة «التوك توك» بسيارة ميني ڤان تعمل بالغاز الطبيعى، على غرار المبادرة التي يتم تنفيذها حالياً للسيارات الملاكى والأجرة والميكروباص.

الهدف الثالث ــ  بحسب الحكومة ــ هو الارتقاء بنمط حياة المصريين وتوفير وسيلة نقل آمنة؛ وهو ما يتفق مع توصيات اللجنة التي شكلتها وزارة التجارة والصناعة لوضع قواعد وآليات لإحلال المركبات ذات العجلات الثلاث بسيارات نقل ركاب صغيرة «ميني ڤان»، حيث انتهت اللجنة إلى إصدار عدد من التوصيات تم رفعها إلى  رئيس مجلس الوزراء والذى وجه بسرعة تنفيذ هذه التوصيات.

الهدف الرابع، هو القضاء على الحالة الوبائية التي تسبب فيه التوكتوك؛ حيث يرى المؤيدون لقرار الحكومة أن التوكتوك  تسبب في كثير من الفوضى وانتشار الجرائم والبلطجة وترويج المخدرات وخطف الأطفال والنساء، وتزايد معدلات السرقة ويرى هؤلاء أن حكومات نظام مبارك التي أدخلت التوكتوك سنة 1996م أجرمت في حق مصر، بل أجرموا ــ  بحسب الكاتب السلطوي عماد الدين حسين رئيس تحرير جريدة الشروق ــ فى حق هذا البلد بصورة ربما أخطر كثيرا من أعدى أعدائها. ويرى أن حظر التوك توك ليس فقط مقتصرا على فوضى المرور ولكن على القيم السلبية التى نشرها أو ساعد على نشرها بصورة وبائية فى المجتمع المصرى. فرغم أن غالبية سائقى التوك توك شباب يريدون فرصة عمل من أجل معيشتهم بكرامة لكن بعضهم لعب دورا خطيرا فى ترويج المخدرات وجرائم النشل والخطف، والأخطر إفساد الذوق العام بالأغانى الهابطة التى يسمعوها، والألفاظ الخارجة التى يتحدثون بها. ثم إن انتشار التكاتك لعب دورا كبيرا فى انصراف العديد من الصنايعية عن المهن والحرف الفنية من نجارين وسباكين ولحامين ونقاشين، مما رفع من أسعار هذه المهن والحرف وقلل من كفاءة الصنايعية.[[5]]

هذه هي الأهداف المعلنة من جانب الحكومة، فماذا عن الأهداف الخفية التي تمثل المآرب الحقيقية للنظام من وراء هذه التوجهات وتلك الحملات التي تستهدف ملايين التكاتك التي يسترزق من ورائها ملايين المصريين؟

مآرب أخرى

في المقابل، تذهب تقديرات إلى أن وراء هذه الحملة التي تشنها الحكومة على التكاتك عدة مآرب تستهدف في المقام الأول زيادة موارد الدولة ضمن إطار مخططات ضم الاقتصاد الموازي (غير الرسمي) إلى الاقتصاد الرسمي للدولة؛ من خلال فرض رسوم  باهظة على أصحاب التكاتك ضمن عمليات التقنين التي تتحدث عنها الحكومة

أول الأهداف هو استغلال أزمة التوكتوك لتكون بابا جديدا من أبواب الجباية وزيادة موارد الدولة، والهدف الأساسي هو إجبار أصحاب التكاتك على ترخيصها؛ فالحديث عن إلغاء التوكتوك الهدف منه هو ترهيب العاملين عليه حتى يمتثلوا لضغوط الحكومة والإذعان لعمليات التقنين والترخيص؛ وهو ما يُدِرُ على الحكومة مبالغ ضخمة؛ فإذا علمنا أن أعداد التكاتك في مصر تصل وفق تقديرات غير رسمية إلى نحو 5 ملايين مركبة، فإن حصيلة الحكومة من الضرائب والرسوم قد تصل إلى نحو 15 مليار جنيه.

يبرهن على ذلك عدة شواهد، فضمن محاولات تقنين وجود “التوكتوك” لجأت الحكومة عام 2008 إلى فرض 5 آلاف جنيه غرامة على أصحاب المركبات غير المرخصة، ورغم ذلك لم يتقدم للترخيص إلا 10% من أصحاب “التوكتوك”.[[6]] كما شرعت حكومة مصطفى مدبولي في عمليات تقنين أوضاع التوكتوك منذ يونيو 2021م؛ حيث انتهى اجتماع مجلس الوزراء برئاسة مصطفى مدبولي، وحضور كل من وزراء المالية، والتنمية المحلية، والتجارة والصناعة، ومسئولي الإدارة العامة للمرور والجهات المعنية، إلى ضرورة وأهمية تقنين أوضاع مركبات “التوك توك” على مستوى الجمهورية، والعمل على تيسير إجراءات الترخيص لأصحابها، لافتا إلى أن هناك فوائد واسعة من التقنين، سواء للمجتمع، أو لصاحب “التوك توك” نفسه، الذي سيتم التأمين عليه، وسيكون له معاش. وفي ذات الاجتماع تحسرت الحكومة على قلة أعداد التكاتك المرخصة والتي لا تزيد عن 10% فقط في 22 محافظة بدأت إجراءت التقنين بها. كما انتهى الاجتماع أيضا إلى أن وزارة الداخلية ستتولى دراسة المدة المقترحة للإنتهاء من تراخيص جميع مركبات “التوك توك” الموجودة حالياً، حسب الطاقة الاستيعابية للوحدات المرورية، مع إمكانية تخصيص ساحات لأعمال الفحص، وإعطاء التراخيص خاصة بمركبات “التوك توك” لتيسير الإجراءات.[[7]]

الهدف الثاني هو تعزيز بيزنس الجيش؛ ذلك أن الشائع بين أصحاب وسائقي التكاتك أن القرار الحكومي يتستر خلف عبارات براقة ولافتات ومعاني حضارية من أجل التغطية على المآرب الحقيقية الخافية؛ فمشروع استبدال الميني فان بالتوكتوك لا يستهدف إعادة المظهر الحضاري للشارع لامصري، وإنما بوابة خفية لإنعاش ما وصف بأنه “بيزنس” سيارات الميني فان، الذي تستفيد منها جهات بعينها. يبرهن على ذلك أن تم الإعلان بصحف ومواقع موالية للسلطة عن وجود تنسيق بين الحكومة ووزارة الإنتاج الحربي لتجميع سيارات “الميني فان” في مصر. ومعلوم أن مصانع الانتاج الحربي ستدخل في مجال السيارات الكهربائية بمختلف أنواعها، من أتوبيسات النقل الداخلي التي تعمل بالكهرباء، والأوتوبيسات التي تعمل بين المحافظات، ومنها سيارات “ميني فان” الصغيرة التي سيتم طرحها كبديل للتوكتوك.[[8]]

الهدف الثالث هو إنعاش البنوك المصرية، وجهات تمويل دولية ترتبط بشبكات مصالح مع حيتان داخل النظام؛ فأحد أهداف القرار الحكومي بشأن التوكتوك هو ضمه لمبادرة تحويل السيارات للعمل بالغاز الطبيعي بدلا من البنزين والسولار بمشاركة الجهات الحكومية والشركات المحلية والعالمية المعنية؛ وهو ما يحقق أرباحا طائلة لجهات التمويل المذكورة. وهي المبادرة التي أطلقها السيسي بداية سنة 2021م، وهناك تكليفات رئاسية بتوسيع قاعدة المواطنين المستفيدين منها، وبناء عليه وجه رئيس الوزراء بتشكيل لجنة فنية برئاسة وزيرة الصناعة والتجارة الخارجية تكون مهمتها دراسة آليات مشاركة التوكتوك في المبادرة كإحدى وسائل المواصلات المستخدمة في مصر، حسب المتحدث باسم المبادرة طارق عوض. [[9]]

تجاهل الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية

يتجاهل القرار الأبعاد والتداعيات الاقتصادية للقرار على ملايين العاملين على التوكتوك، كذلك شركات الاستيراد وورش التجميع؛ وبحسب عضو الشعبة العامة للمستوردين مصطفى المكاوي الذي يمتلك مصنعا لقطع الغيار التكميلية للتوكتوك فإن القرار يتجاهل البعد الاقتصادي والاجتماعي والإنساني لشريحة كبيرة من العاملين والمتعاملين مع هذه المركبة. كما يشير إلى أن تقديرات العمالة المباشرة وغير المباشرة في صناعة التوكتوك تتجاوز 10 ملايين عامل[[10]]، وأن حجم الاستثمارات في النشاطات المرتبطة بتلك الصناعة يبلغ 5 مليارات جنيه في أنشطة الاستيراد، ونحو 60 إلى 80 مصنعا للصناعات المغذية، بخلاف نشاط التجميع نفسه (40% من أجزاء التوكتوك تصنيع محلي). ومن جانب آخر ، فإنه يعيل ملايين البيوت، ويستوعب ملايين الشباب العاطلين، فكيف يتوقف؟!”. وفي تعليقها على القرار، قالت مجموعة “غبور أوتو” الوكيل الرئيسي لشركة “بجاج” الهندية، المصنعة لهذه المركبة، إنها تحاول توفير حلول بديلة لتخفيف النقص المتوقع في الأداء، في حين توقع عضو مجلس إدارة الشركة منصور قباني أن يتكبد نحو 19 مصنعا ينتج المكونات المحلية خسائر فادحة. [[11]]

كذلك فإن الغالبية الساحقة من أصحاب التكاتك يرفضون إجبار الحكومة لهم على تنفيذ هذا المشروع وسحب مركباتهم مقابل منحهم قروض يشترون بها سيارات الميني فان. وذلك لاعتبارات مالية واقتصادية؛ فمن جهة فتكلفة السيارة الفان مرتفعة مقارنة بالتوكتوك؛ واستهلاكها للوقود مرتفع، بخلاف غلاء قطع الغيار والصيانة الخاصة بها؛ فمن سيشتري سيارة يحتاج الى قرض يتم سداده على 7 سنوات وعليه أن يدفع أقساطاً شهرية تصل إلى 2000 جنيه، بينما هناك توكتوك مستعمل يتراوح سعره من 10 إلى 20 ألف جنيه ويدر أرباحاً أكثر؟!”.

علاوة على ذلك فإن التكلفة المرتفعة للميني فان ووقودها وصيانتها سوف ينعكس على تعريفة الأجرة التي سترتفع؛ وبالتالي سينعكس ذلك على مزيد من الأعباء على المواطنين الفقراء والبسطاء من مستخدمي التكاتك وهم الشريحة الأكثر فقرا في البلاد.

هناك عقبات أخرى؛  فالسيارة الفان ليست في خفة التوكتوك الذي يصل بالزبون حتى باب بيته مقتحما الأزقة والحواري والشوارع الضيقة، كما أن “الميني فان” حمولتها سبعة ركاب، “فهل يمكن لسائقها أن ينطلق بها بفرد واحد يدفع خمسة جنيهات كما يفعل مع التوكتوك أم ينتظر تجميع السبعة؟ وكيف سيقوم سائق التوكتوك بتوصيل كل منهم إلى بيته؟”، فهذه التفاصيل البسيطة هي سبب انتشار التوكتوك عن غيره من وسائل النقل الأخرى؛ فهل تتجاهل الحكومة هذه الحقائق والتفاصيل؟.

من جانب ثالث، الحكومة لم تعلن آليات الاستبدال، وهل ستساوي الإصدارات الحديثة من التكاتك بالقديمة؟ وكيف سيتم تسعير التوكتوك؟ فهل ستساوي بين موديل 2018 وسعره 55 ألف جنيه بموديل 2007 وسعره 15 ألفاً فقط؟ ومن سيعوض أصحاب التكاتك وسائقيها عن الأيام التي ستكون بين سحب التوكتوك وتسليم الميني فان؟ وماذا ستفعل الحكومة بكل هذه الملايين من المركبات التي ستجمعها؟ وهل سيتم إعادة تدويرها، أم تخريدها والتخلص منها؟ وماذا عن أصحاب محال قطع الغيار والعاملين في مصانع تجميعها في مصر؟

من جانب رابع، إذا افترضنا أن سعر الميني فان في مشروع التمويل المرتقب الذي ترعاه الحكومة والبنوك ومؤسسات تمويل أخرى يصل إلى نحو 120 ألف جنيه للسيارة؛ معنى ذلك أن  الحكومة تحتاج إلى نحو 480 مليار جنيه كتمويل لاستبدال 4 ملايين توكتوك. لكن الطاقة الإنتاجية لسيارات الميني فان في مصر والتي ستتولى هيئات وشركات الجيش تجميعها في مصر لا تكفي لطرح ملايين السيارات كما تأمل الحكومة، وبالكاد تستطيع صناعة وتجميع ما بين 30 و40 ألف سيارة سنوياً، ما يعني أن الحكومة تحتاج 40 عاماً لاستبدال 4 ملايين توكتوك.[[12]]

“3” سيناريوهات محتملة

أمام هذه الحقائق والعقبات التي تبرهن على صعوبة مشروع استبدال الميني فان بالتوكتوك، فإن الحكومة فيما يبدو تضغط من أجل الوصول إلى صيغة وسط مع أصحاب التكاتك؛ تقوم على منحهم حرية عملية الاستبدال وفق إمكاناتهم شرط أن يلتزموا بتقنين أوضاع التكاتك من خلال ترخيصها والالتزام بدفع مستحقات الدولة من هذه البيزنس الضخم. فالدولة تنظر إلى ملف التوكتوك باعتباره جزءا من ملف الاقتصاد الموازي الذي تستهدف دمجه في الاقتصاد الرسمي من أجل زيادة غلتها من الضرائب والرسوم والتأمينات وخلافه؛  فإذا كان بمصر نحو 4 ملايين توكتوك، متوسط ربح المركبة الواحدة يوميا 120 جنيها، معنى ذلك أن مكاسب التكاتك في مصر تصل إلى نحو “480” مليون جنيه يوميا، و14.4 مليار جنيه شهريا، لتصل أرباح التكاتك إلى نحو 173 مليار جنيه سنويا؛ تستهدف الدولة الحصول على حصتها من هذا البيزنس الضخم، والتي قد تصل إلى ما بين 20 إلى 30 مليار جنيه سنويا كضرائب وتأمينات ورسوم وترخيص ومخالفات وخلافه. هذا إذا افترضنا أن متوسط الربح اليومي للمركبة الواحدة 120 جنيها فقط، رغم أن معظم التكاتك تحقق ضعف هذا الرقم كل يوم؛ الأمر الذي يغري نظام السيسي من أجل تعظيم غلة الحكومة من هذه البيزنس الضخم متجاهلا أنه يوفر الستر والحماية لملايين الأسر من البسطاء والفقراء المهمشين الذين لم توفر لهم الدول فرص عمل تحترم آدميتهم وتراعي ظروفهم.

أمام النظام ثلاثة سيناريوهات:

الأول، هو الأخذ بآراء المتشددين داخل النظام والرافضين لوجود التوكتوك من الأساس، والعمل على التخلص من التكاتك عبر إجبار المواطنين على تبديلها بسيارات الفان. لكن هذا السيناريو قد يفضي إلى صدام مع ملايين المنتفعين من بيزنس التوكتوك من أصحابه وسائقيه وأرباب الشركات والتجار والمصانع والورش.

الثاني، هو ترك الأمور تمضي كما هي عليه؛ وقد اتخذت الحكومة قرارات سابقة بشأن التوكتوك لكنها لم تحرك ساكنا ولم تتشدد في مواجهة هذه الظاهرة، وهو ما يعني استمرار الوضع وتفشي الجرائم التي يكون تزايدت بفعل انتشار التكاتك والبلطجة التي ترافقها.

الثالث، هو الذهاب إلى  تقنين أوضاع التكاتك بوصفه أفضل السبل للجميع، ويمثل حلا وسطا بين المؤيدين والمعارضين؛ كما أنه سيجعل لكل توكتوك هوية مثل السيارات تماما؛ وهو ما يحد من انتشار الجرائم ويمنح المواطنين هامشا من الأمان؛ لكن ذلك لن يتحقق إذا تعاملت الحكومة مع الملف كعادتها بحالة من الطمع والجشع دون اعتبار للأبعاد والجوانب الأخرى، لذلك يتعين أن تكون رسوم التقنين وإجراءاته يسيرة في متناول الجميع، مع عدم فرض الرسوم والضرائب الباهظة التي تجعل أصحاب التكاتك يتراجعون عن تقنين مركباتهم كما جرى خلال السنوات الماضية. مع وضع ضوابط  مرورية تحد من عربدة بعض البلطجية من سائقي التكاتك.

 

 

 

 

[1] أمينة صالح  وياسمين كرم/«الصناعة» تعلن وقف استيراد المكونات الأساسية لـ «التوك توك» (تفاصيل)/ المصري اليوم ــ الثلاثاء 09 نوفمبر 2021م

[2] حظر استيراد الـ”توك توك” في مصر يربك الأسواق: 3 نتائج متباينة/ العربي الجديد ــ  الجمعة 03 ديسمبر 2021

[3] مرجع سابق.. عماد الدين حسين/ هل يتم تنفيذ وقف استيراد التكاتك؟/ بوابة الشروق ــ الإثنين 15 نوفمبر 2021

[4] محمد عبدالله/ بعد أن فشلت مرارا.. هل تنجح خطة الحكومة المصرية في إنهاء ظاهرة “التوكتوك”؟/ الجزيرة نت ــ 12 نوفمبر 2021م

[5] عماد الدين حسين/ هل يتم تنفيذ وقف استيراد التكاتك؟/ بوابة الشروق ــ الإثنين 15 نوفمبر 2021

[6] محمد عبدالله/ بعد أن فشلت مرارا.. هل تنجح خطة الحكومة المصرية في إنهاء ظاهرة “التوكتوك”؟/ الجزيرة نت ــ 12 نوفمبر 2021م

[7] الحكومة تبدأ إجراءات تقنين أوضاع التوكتوك/ بوابة الشروق ــ الأحد 20 يونيو 2021// انظر أيضا: ممدوح الولي/التوكتوك وسيلة المواصلات الأولى بمصر تنتظر تسهيل الترخيص منذ 13 عاما/ “عربي 21” ــ الأحد، 26 سبتمبر 2021

[8] بتكلفة تصل إلى 480 مليار جنيه.. هل يُستبدل “التوكتوك” بمصر لصالح عربات الإنتاج الحربي؟/ عربي بوست ــ 04 يونيو 2021م

[9] مرجع سابق ــ محمد عبدالله/ بعد أن فشلت مرارا.. هل تنجح خطة الحكومة المصرية في إنهاء ظاهرة “التوكتوك”؟/ الجزيرة نت ــ 12 نوفمبر 2021م

[10] مجدي أبو العينين/ طلب إحاطة لإعادة النظر في قرار استبدال «التوك توك»: «يضر 5 ملايين أسرة»/ المصري اليوم ــ الإثنين 10 مايو  2021م

[11] مرجع سابق ــ محمد عبدالله/ بعد أن فشلت مرارا.. هل تنجح خطة الحكومة المصرية في إنهاء ظاهرة “التوكتوك”؟/ الجزيرة نت ــ 12 نوفمبر 2021م

[12] بتكلفة تصل إلى 480 مليار جنيه.. هل يُستبدل “التوكتوك” بمصر لصالح عربات الإنتاج الحربي؟/ عربي بوست ــ 04 يونيو 2021م

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

‫شاهد أيضًا‬

موقف القوى المدنية من الحوار الوطني .. الدوافع والتداعيات

موقف القوى المدنية من الحوار الوطني الدوافع والتداعيات   دعا عبد الفتاح السيسي، إلى ا…