‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر الانتقال الديمقراطي المحتجز في مصر
مصر - أغسطس 6, 2021

الانتقال الديمقراطي المحتجز في مصر

الانتقال الديمقراطي المحتجز في مصر

 

في مقدمة كتاب «الانتقال الديمقراطي المحتجز في مصر»، والصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، سنة 2016، رغم أن صاحب الكتاب غادر الحياة في 2009، يتناول الكاتب مشكلات ثلاث في المجال السياسي المصري بالتحليل:

المشكلة الأولى: الدولة السلطوية في مصر، ويرصد بشكل مختصر للغاية تطورات هذه السلطوية منذ لحظة احتجاجات الطلبة والعمال سنة 1968 وكيف عمل النظام النصاري على استيعابها من خلال بيان 30 مارس 1968، ثم وصول السادات للحكم وانقلابه على المكون اليساري داخل النظام الناصري فيما عرف بمعركة مراكز القوى في مايو 1971، والإصلاحات الديمقراطية التي أدخلها السادات من خلال دستور 1970، والتي على الرغم منها احتفظ بصلاحيات وسلطات شديدة الاتساع بموجب الدستور نفسه، ثم تخلص من القيد الوحيد على الرئيس والذي يحدد فترات حكم الرئيس بفترتين فقط كل منها 6 سنوات وذلك في تعديلات 1980 والتي مدت الولاية الرئاسية إلى عدد غير محدد من الدورات ومن ثم إلى أمد زمني غير محدد، ثم عهد مبارك حيث تمركز السلطة زاد وتعمق، وواصلت النخبة السياسية انكماشها، وغلقت قنوات المشاركة من أعلى ومن أسفل، كما هيمنة الإدارة الأمنية والبيروقراطية على إتخاذ القرار وعلى المجال السياسي ككل، كما تم إفراغ المجال السياسي من المواطنين، وبذلك أصبحت الدولة المصرية معلقة في الهواء بدون شرعية شعبية. محذراً من حالة اللايقين والغموض والضبابية التي ينظر من خلالها لمستقبل نظم الحكم السلطوية؛ كونها بدون أرتباطات قوية بالمجتمع فهي معلقة في الهواء، وكونها لا تتأسس على الديمقراطية وحكم القانون والشفافية، وإنما تتأسس على قيم الولاء والمحسوبية والشخصنة.

المشكلة الثانية: غياب المجتمع بشكل تام عن المجال السياسي في مصر؛ كنتيجة مباشرة للسلطوية، مع هزال المجتمع المدني، والانكماش المزهل في حجم وفاعلية النخبة السياسية، مع هامشية وتبعية الطبقة المثقفة العاملة بالسياسة. وقد نتج عن كل هذا أن وعي المجتمع والقوى الفاعلة بالمجال العام بالقضايا السياسية والاقتصادية والعلاقات الخارجية لم يتطور بالشكل الكافي الذي يمكن هذه القوى من بناء وعي متطور بهذه القضايا وطرق التعامل معها. وأن معضلة المجتمع السياسي المصري ذات جانبين؛ فمن جهة هناك تنوع في التوجهات وسط استقطاب عام بين التيارات الدينية السياسية والتيارات المدنية، مع مزاج عام في البلاد يؤيد الإصلاح السياسي والديمقراطي وتوق للتجديد السياسي، من جهة أخرى: فإن حجم الزخم السياسي للإصلاح والنضال الشعبي الفعلي من أجله أضعف كثيراً من أن يناله أو ينتزعه انتزاعاً من دولاب دولة لا تريده وتخشاه.

مشيراً إلى أن الأزمة لها بعد دستوري؛ فالفلسفة التي حكمت التطور الدستوري المصري كانت ذات مزاج محافظ تمنح الرئيس عادة سلطات غير محدودة، حتى مقترحات التعديل التي قدمتها قوى المجتمع السياسي المصري اتسمت بالنفس المحافظ ذاته، إضافة للاستقطاب التقليدي حول الدستور بين التيارات الدينية السياسية والتيارات العلمانية، ويقترح للخروج من هذا المأزق دستور صغير مركز ذات طبيعة إجرائية، يستبعد نقاط الخلاف بقدر كبير، ويترك تطوير هذا الدستور للخبرات التي يكتسبها الفاعلون السياسيون خلال هذه التجربة، كما يقترح نظام برلماني يفتح أفق للحوار والجدل بين القوى المختلفة عند كل قضية هامة، ولا يترك كل أوراق المسألة السياسية بيد الرئيس.

لكن بقي سؤال بدون إجابة، وهو مع وجود رغبة صادقة لدى الجميع للتغيير، يتواكب مع غياب القدرة على إحداث هذا التغيير  جراء ترهل المجتمع وهزال المجتمع المدني وتراجع اهتمام المجتمع بالشأن العام كيف يمكن في ظل هذا السياق يتم دفع عجلة التغيير في مصر؟

هناك مسارات 4 ممكنة؛ المسار الأول: حدوث تغير بطيء في مزاج المجتمع ووعيه بالتغيير. المسار الثاني: وعي نخبة الحكم بحتمية التغيير وكونه ضرورة لا يمكن تجاهلها وأن بقاء الوضع الحالي تكلفته أعلى بكثير من مكاسبه. المسار الثالث: الثورة، نخبة صغيرة تجازف بسلامها الشخصي فيتبعها حراك جماهيري واسع. المسار الرابع: إنقلابات في الأحداث غير متوقعة تقود للتغيير.

التعليق: الكتاب عبارة عن مقالات مجمعة للكاتب، وهذه النقاط المذكورة مأخوذة عن المقدمة، يعبر من خلالها السيد سعيد عن أفكاره بخصوص الوضع السياسي في مصر إبان السنوات الأخيرة من حكم مبارك، فالكاتب توفي في 2009 قبل ثورات الربيع العربي، وقد صدق حدثه إذ تحقق المسار الثالث أي “نخبة صغيرة تجازف بسلامها الشخصي فيتبعها حراك جماهيري واسع”، وذلك عبر إندلاع ثورة يناير. حالياً وبعد إخفاق تجربة التحول الديمقراطي ونجاح الثورة المضادة في إجهاض مكتسبات ثورة يناير، وعودة الأوضاع لما كانت عليه قبل ثورة يناير؛ حيث نظام شديد السلطوية، ومجال سياسي مؤمم بشكل كامل، وقوى سياسية مبعثرة وعاجزة، مع استقطاب إسلامي حاد، يواكبه رغبة واسعة في التغيير، مع عجز مجتمعي عن التحرك لتحقيق هذا التغيير. بالتالي يبدو ما جاء في مقدمة الكتاب صالح للاستخدام في فهم الواقع الراهن في مصر رغم مرور ما يزيد عن 10 سنوات منذ كتابة هذه المقدمة لأول مرة، ومفيد أيضاً في استشراف مستقبل الوضع في مصر. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

لماذا فشلت الدعوة للاحتجاج في 11 نوفمبر؟ محاولة للفهم والتقييم!!

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يدعوا فيها نشطاء بالخارج المجتمع المصري إلى التحرك ضد النظ…