في السابع من يوليو 2022، أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي، قراراً برقم 304 لسنة 2022، بتعيين القاضي صلاح عبدالمجيد يوسف والقاضي محمد ايمن عباس نائبين لرئيس المحكمة الدستورية العليا[1]. والقاضي صلاح عبدالمجيد يوسف هو اللواء صلاح الرويني ، رئيس هيئة القضاء العسكري، وقد أدى اليمين الدستورية أمام الجمعية العامة للمحكمة الدستورية العليا، يوم 17 يوليو 2022، في سابقة هي الأولى من نوعها بتاريخ القضاء، أن ينضم عضو بالقوات المسلحة إلى تشكيل المحكمة الدستورية، ويُعين نائبًا لرئيسها منذ إنشائها عام 1979. فيما لم يشير القرار الجمهوري الذي نص على تعيين “الرويني” في الدستورية إلى اسم العائلة أو إلى منصبه السابق كرئيس لهيئة القضاء العسكري، ولم يشير إلى ذلك أيضاً بيان المحكمة الدستورية بخصوص التعيينات الجديدة، وقال فقط “أنه بموجب قرار رئيس الجمهورية الأخير، أصبح تشكيلها متضمنًا جميع الجهات والهيئات القضائية”[2].

سنحاول في هذه السطور الوقوف على القرار، من حيث الجدل الذي أثاره حول مسألة عسكرة الدولة ومؤسساتها، بما فيها السلطة القضائية، كذلك سنسعى للوقوف على تداعيات القرار وانعكاساته.

 

قرار تعيين الرويني وجدل العسكرة:

لم يثار الكثير من الجدل حول القرار، بل يمكن القول أن ثمة إجماع لدى الرأي العام، والمراقبين المهتمين بالشأن المصري، أن قرار تعيين الرويني في أعلى هيئة قضائية في البلاد، هو جزء من سياسات هيمنة المكون العسكري على كل مؤسسات وسلطات الدولة، وأن القرار سيكون له تداعياته السلبية حتى وإن كانت دستورياً. لكن نشير مع ذلك إلى وجهة نظر أخرى دافعت عن القرار، وحاولت تفنيد الانتقادات التي أثارها، هذه الجهة مثلتها المحكمة الدستورية العليا نفسها، وذلك على لسان المتحدث باسم المحكمة المستشار محمود غنيم. سنستعرض في هذه السطور وجهتي النظر، والحجج التي طرحها كل فريق.

يرى غالبية المراقبين أن قرار تعيين اللواء الرويني نائباً لرئيس المحكمة الدستورية العليا، هو جزء من سياسات العسكرة، ولا يمكن اعتباره قرار بدون سياق كلي حاكم، فهو قرار أنبنى على قرارات سابقة، كما سيكون له ما بعده، وفي هذا الإطار يمكن الإشارة إلى عدد من النقاط، وهي:

أما ما قبل القرار؛ (1) فإن قرار تعيين الرويني، هو قرار متعمد، كجزء من سياسة عسكرة القضاء، فتعيين الرويني في منصبه الجديد كنائب رئيس المحكمة الدستورية العليا، ما كان ليتم بدون التعديلات الدستورية التي تمت في 2018، والتي “جعلت القضاء العسكري جزءًا من السلطة القضائية بضمه إلى المجلس الأعلى للجهات والهيئات القضائية، وأعضائه شأنهم شأن باقي أعضاء مجلس الدولة أو محكمة النقض أو هيئتي النيابة الإدارية وقضايا الدولة، ومن ثم لهم الحق في التعيين بالمحكمة الدستورية وهيئة المفوضين، بل ورئاستها أيضًا”[3]، في الوقت ذاته جعلت التعديلات الدستورية القضاء العسكري هيئة قضائية تابعة لوزارة الدفاع، حيث يعين وزير الدفاع رئيس هيئة القضاء العسكري وأعضائها[4]. من ثم يعين وزير الدفاع هيئة القضاء العسكري وأعضائها، ويمكن عندها أن ينقل رئيس الجمهورية هؤلاء القضاة العسكريين المعينين إلى الهيئات القضائية العليا في البلاد، وهو ما ينسف دعاوي استقلال القضاء، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار الصلاحيات الواسعة التي منحتها التعديلات الدستورية المشار إليها لرئيس الجمهورية فيما يخص شؤون القضاة من تعيينات وترقية وندب وخلافه.

(2) أن قرار تعيين اللواء الرويني نائباً لرئيس المحكمة الدستورية العليا، كان على حساب الرئيس السابق لهيئة المفوضين بـ«الدستورية» نفسها، المستشار عماد البشري، نجل المستشار طارق البشري، حيث يعطي قانون المحكمة الدستورية العليا الأولوية في التعيين فيها لرئيس هيئة المفوضين بها. وكانت المحكمة الدستورية العليا قد أعلنت، في فبراير الماضي، تصعيد المستشار عوض عبد الحميد بدلًا من المستشار عماد البشري في رئاسة هيئة المفوضين، قائلة وقتها إن البشري قد غادر البلاد دون توضيح تفاصيل[5].

أما ما بعد القرار وتداعياته؛ (1) فإن بحسب التعديلات الدستورية الأخيرة، يمكن لرئيس المحكمة الدستورية العليا الاستمرار في منصبه حتى بلوغه سن التقاعد في القضاء (70 عامًا)، وكون رئيس الجمهورية له سلطة الاختيار بين أقدم خمسة مستشارين بالمحكمة عند تعيين رئيسها، ما يعني أن حظ اللواء الرويني في تولي منصب رئيس المحكمة الدستورية كبيراً للغاية؛ فالرئيس الحالي للمحكمة الدستورية العليا المستشار بولس فهمي يبلغ من العمر 65 عام، فإذا أكمل مدته حتى عام 2027، عندها سيكون كثير من أعضاء المحكمة العليا قد بلغ سن المعاش (70 عام) وسيكون الطريق مفتوح أمام الرويني لتولي المنصب[6].

بحسب هذه الرؤية التي عبر عنها المتحدث الرسمي باسم المحكمة الدستورية العليا، اللواء محمود غنيم، فإن القرار صحيح من الناحية الدستورية، ولا يحمل أية دلالات سلبية، ويمكن تأكيد ذلك بالإشارة إلى هذه النقاط: (1) بحسب المتحدث باسم المحكمة الدستورية العليا، المستشار محمود غنيم، فإن رئيس المحكمة المستشار بولس فهمي، هو من رشح الرويني لهذا المنصب، وأن فهمي هو من عرض على الرويني أن  يترك وظيفته كرئيس للقضاء العسكري وينتقل للعمل عضوًا بالدستورية، ليكون أحدث أعضائها في ترتيب الأقدمية، وبعد موافقته، عرض رئيس المحكمة الأمر على الجمعية العامة للمحكمة، التي وافقت بالإجماع بعد أن اطلع قضاتها على «ملفه ورأي الجهات الأمنية فيه». بالتالي فإن المحكمة هي من رشحت الرويني لعضويتها، وأن قرار السيسي بتعيين الرويني هو استجابة لرغبة المحكمة الدستورية ولقرار الجمعية العامة للمحكمة التي اختارت الرويني بالإجماع[7].

(2) أن تعيين الرويني كنائب لرئيس المحكمة الدستورية العليا ليس دليلاً على العسكرة، بل دليل على مكانة المحكمة الدستورية العليا، فاللواء الرويني قبل توليه منصبه الجديد في المحكمة الدستورية كان رئيساً لهيئة القضاء العسكري، وهي جهة قضائية تماثل القضاء المدني، بالتالي انتقاله من القضاء العسكري للقضاء المدني لم يضف إليه الكثير. كما أن الكفاءة واستقامة السلوك هي المعيار، وعندما يخلع العسكري بدلته العسكرية يصبح مدنيا[8].

 

دلالات القرار وتداعياته:

بعيداً عن الجدل بشأن كون القرار جزء من سياسات العسكرة بالتالي هو قرار متعمد الغرض منه بسط هيمنة العسكريين على السلطة القضائية، أو كون القرار استجابة لرغبة المحكمة الدستورية وليس الغرض منه ضمان دخول العسكريين للمحكمة الدستورية، في كلا الحالتين سواء كان القرار مغرض أو غير مغرض، فإن القرار سيكون له تداعيات سلبية على السلطة القضائية، كما أن القرار محمل بالدلالات والتي أكثرها ذات طابع سلبي، نذكر من هذه الدلالات:

 

الخاتمة:

يمكن القول ختاماً، أن النظام الحالي يقود خطوات متسارعة في سياسة عسكرة الدولة، وتحويل كل مؤسسات الدولة إلى مجرد امتدادات للمؤسسة العسكرية. والسؤال هنا، هل هذه القرارات نابعة من اعتقاد صانع القرار أن العسكريين هم أفضل من يقود جهاز الدولة، ونابعة من ثقة مطلقة في المؤسسة العسكرية وركون تام لها؟ أم أن هذه القرارات هي مكافئات ورشاوي للنخبة العسكرية لضمان ولائها؟ أم أن هذه القرارات في حقيقتها هي استجابة لمطامح العسكريين في توسيع انتشارهم في كامل أجهزة الدولة، واستجابة لمطالبهم خوفاً من انقلابهم على القيادة السياسية؟

[1] وكالة أنباء الشرق الأوسط، قرار جمهوري بتعيين نائبين لرئيس المحكمة الدستورية العليا، تاريخ النشر: 7 يوليو 2022، الرابط: https://tinyurl.com/24ex92ej

[2] شبكة رصد، لأول مرة بالتاريخ.. تعيين لواء بالقوات المسلحة كنائب رئيس في المحكمة الدستورية، تاريخ النشر: 19 يوليو 2022، الرابط: https://tinyurl.com/2cqqnqtg

[3] رنا ممدوح، عسكرة «الدستورية».. ما وراء تعيين رئيس «القضاء العسكري» نائبًا لرئيس المحكمة، مدى مصر، تاريخ النشر: 19 يوليو 2022، الرابط: https://tinyurl.com/2xroth9k

[4] رنا ممدوح، «عسكرة وسيطرة»: ما فعلته التعديلات الدستورية في السلطة القضائية، مدى مصر، تاريخ النشر: 22 يوليو 2019، الرابط: https://tinyurl.com/28wkkosq

[5] رنا ممدوح، عسكرة «الدستورية».. ما وراء تعيين رئيس «القضاء العسكري» نائبًا لرئيس المحكمة، مدى مصر، مرجع سابق.

[6] المرجع السابق.

[7] المرجع السابق.

[8] المرجع السابق.

[9] ناثان براون، توغّل السيسي العسكري، مركز مالكوم كير-كارنيغي، تاريخ النشر: 21 يوليو 2022، الرابط: https://tinyurl.com/25lcmdmv

[10] بوابة الحرية والعدالة، دلالات تعيين رئيس القضاء العسكري نائبا للمحكمة الدستورية، تاريخ النشر: 20 يوليو 2022، الرابط: https://tinyurl.com/2565unz7

[11] محمد سندباد، ما وراء اختيار قاض عسكري نائبا لرئيس “الدستورية” في مصر؟، عربي 21، تاريخ النشر: 20 يوليو 2022، الرابط: https://tinyurl.com/29vontoz

[12] الموقف المصري (فيس بوك)، تعيين رئيس “القضاء العسكري” نائبًا لرئيس المحكمة الدستورية العليا.. ماذا بقي من استقلال القضاء في مصر؟، تاريخ النشر: 20 يوليو 2022، الرابط: https://tinyurl.com/2xkddoqu