أعلن وزير الخارجية الفرنسي جون نويل بارو، في 30 يونيو 2025، أن 15 دولة وجهت نداء جماعيًا تعتزم فيه الاعتراف بدولة فلسطين. وقال بارو عبر منصة “إكس” عقب اختتام مؤتمر حل الدولتين “في نيويورك، في الفترة من 28 إلي 30 يونيو 2025، مع 14 دولة أخرى توجه فرنسا نداء جماعيًا: نعرب عن عزمنا الاعتراف بدولة فلسطين وندعو الذين لم يفعلوا ذلك حتى الآن إلى الانضمام إلينا”. والى جانب فرنسا، انضمت كندا وأستراليا، العضوان في مجموعة العشرين، إلى هذا النداء المشترك. ووقعت دول أخرى على الدعوة، وهي أندورا وفنلندا وأيسلندا وأيرلندا ولوكسمبورغ ومالطا ونيوزيلندا والنرويج والبرتغال وسان مارينو وسلوفينيا وإسبانيا. وأعربت 9 دول منها – لم تعترف بعد بالدولة الفلسطينية – عن استعدادها أو اهتمامها الإيجابي بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، وهي أندورا وأستراليا وكندا وفنلندا ولوكسمبورغ ومالطا ونيوزيلندا والبرتغال وسان مارينو. وقالت القناة 12 الإسرائيلية إن البيان المشترك صدر بالتنسيق مع دول سبق أن اعترفت بدولة فلسطين، ومن بينها إسبانيا وأيرلندا وسلوفينيا والنرويج. كما أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، في 29 يونيو 2025، أن بلاده ستعترف رسميًا بدولة فلسطين بحلول سبتمبر المقبل (موعد انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة المقبلة) ما لم تتخذ إسرائيل خطوات ملموسة للسماح بدخول المساعدات إلى قطاع غزة وتلتزم بحل الدولتين وتمتنع عن ضم الضفة الغربية.
أولًا: سياقات الاعترافات الأوروبية بالدولة الفلسطينية:
مر الاعتراف الأوروبي بالدولة الفلسطينية بعدة مراحل، تمثلت في:
- وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة في نوفمبر 2012 على الاعتراف الفعلي بفلسطين دولة ذات سيادة من خلال رفع وضعها في المنظمة الدولية كمراقب إلى “دولة غير عضو” بعد أن كانت “كيانًا”.
- في عام 2014، أعلنت السويد اعترافها بفلسطين، ووصفته بأنه “خطوة مهمة تؤكد حق الفلسطينيين في تقرير المصير”، وقالت إنها تأمل أن يؤدي ذلك إلى “جعل الأطراف أقل تفاوتًا”.
- صوت البرلمان البريطاني أيضًا لصالح الاعتراف بالدولة الفلسطينية في عام 2014، على الرغم من أن مشروع القانون غير ملزم، وتجاهلت الحكومة التي يقودها حزب المحافظين في ذلك الوقت النتيجة.
- لم تمر سوى عشر سنوات أخرى قبل أن تحذو المزيد من دول أوروبا الغربية حذو السويد، حيث أعلنت النرويج وإسبانيا وأيرلندا الاعتراف بالدولة الفلسطينية في مايو 2024، وسط حرب إسرائيل على غزة منذ السابع من أكتوبر 2013، أعقبها اعتراف كل من أرمينيا وسلوفينيا بدولة فلسطين.
- حتى مايو 2025 حظت (دولة فلسطين) باعتراف 147 دولة من أصل 193 دولة عضوًا في الأمم المتحدة، أي ما يمثل 75% من المجتمع الدولي، كدولة ذات سيادة.
- في أواخر يونيو 2025، أعلنت كل من فرنسا وبريطانيا وكندا وأستراليا وأندورا وفنلندا ولوكسمبورغ ومالطا ونيوزيلندا والبرتغال وسان مارينو أنها ستعترف بدولة فلسطين في اجتماع الأمم المتحدة في سبتمبر 2025.
وتأتي هذه الاعترافات الأوروبية الحالية بالدولة الفلسطينية في سياق ظهور مؤشرات واضحة على وجود تحولات في المواقف الأوروبية من العدوان الإسرائيلي المستمر على غزة منذ منتصف عام 2024، والتي اكتسبت زخمًا أكبر بعد خرق إسرائيل للهدنة الأخيرة التي جرى التوصل إليها في 19 يناير 2025، واستئناف عدوانها، بعد شهرين، في 19 مارس، في ضوء تفاقم الوضع الإنساني، وتواتر التقارير الحقوقية عن التجويع الممنهج الذي تقوم به، واستهداف مباشر للنساء والأطفال. وبحلول مايو 2025، برزت مؤشرات على موجة تحول واسعة في المواقف الأوروبية من الجانب الإسرائيلي، اتخذت السمات التالية:
- ارتفاع منسوب نقد السلوك الإسرائيلي من جانب عدد من العواصم الأوروبية، خاصة فيما يتعلق بمنع دخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، واعتبار تصعيد سياسة التجويع المشددة التي دخلت حينها شهرها الثالث “مفزعة” أو “غير مقبولة”، واستنكار “اتخاذ الغذاء سلاحًا”.
- إعلان العديد من المسؤولين في أوروبا أن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة ذهبت بعيدًا وتجاوزت حدود “الدفاع عن النفس”.
- قرار الاتحاد الأوروبي مراجعة “اتفاقية الشراكة الأوروبية الإسرائيلية” أخذًا بعين الاعتبار السياسات الإسرائيلية القائمة، وهي المرة الأولى التي يلوح الأوروبيون فيها بخطوة تحذيرية على هذا النحو.
- صدور مواقف وتصريحات في بعض الدول الأوروبية تعرب عن التوجه إلى فرض قيود شاملة أو جزئية على صادرات الأسلحة إلى الجانب الإسرائيلي ووارداتها منه. حيث أعلنت بلجيكا وإسبانيا إلغاء اتفاقيات عسكرية وتجارية سابقة مع إسرائيل، وطالبتا بإعادة النظر في اتفاقية الشراكة الأوروبية – الإسرائيلية التي تتيح لإسرائيل امتيازات تجارية ضمن السوق الأوروبية.
- التلويح بفرض إجراءات ذات طابع عقابي على الجانب الإسرائيلي، تمس الاستيطان وبعض قادة المستوطنين، والوزيرين المتطرفين، إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، على وجه التحديد. فرضت بريطانيا والنرويج وكندا وأستراليا ونيوزيلندا عقوبات على الوزيرين المتطرفين، يوم 10 يونيو 2025، بينما قادت السويد خلال ذلك تحركًا لإقناع الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات عليهما أيضًا.
- استدعاء سفراء إسرائيليين في عدد من العواصم الأوروبية لإبلاغهم رسائل اعتراض أو طلب توضيحات معينة مثلما فعلت إيطاليا وفرنسا وإسبانيا والبرتغال.
- صدور قرارات من حكومات وسلطات محلية وهيئات دون مستوى الحكومات في بلدان أوروبية، مثل إعلان الحكومة البريطانية تجميد مباحثات اتفاقية جديدة للتجارة الحرة، أو إعلان مقاطعات وبلديات وهيئات إيطالية وإسبانية مثلًا، قطع علاقات التعاون أو الشراكة أو الاستثمار أو التوأمة مع الجانب الإسرائيلي.
- يلاحظ أن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بعد صدور مذكرة الاعتقال ضده من قبل المحكمة الجنائية الدولية، لم تستقبله أي عاصمة أوروبية منذ بدء الحرب على غزة سوى المجر (أبريل 2025) التي تواجه انتقادات أوروبية مزمنة وتشتهر قيادتها السياسية اليمينية بالطابع السلطوي وبتوجهات مناهضة للخط الأوروبي العام.
- رفض أوروبا توجهات “الحسم” في الضفة الغربية التي تحاول إسرائيل من خلالها تقويض أي فرصة لقيام دولة فلسطينية (ولو كانت دولة شكلية منزوعة السلاح في الواقع)، وبالتالي رفض سياسات الاستيطان واستهداف القرى والتجمعات الفلسطينية في المنطقة “ج” وتهجير المخيمات في الضفة.
- رفض “نوايا التهجير” والتطهير العرقي في قطاع غزة علاوة على نوايا الاستيطان المعلنة فيه من جانب أقطاب في حكومة بنيامين نتنياهو.
ثانيًا: دوافع الاعترافات الأوروبية بالدولة الفلسطينية:
تتمثل أبرز الأسباب التي تقف خلف الاعترافات الأوروبية بالدولة الفلسطينية فيما يلي:
1- الضغوط الشعبية: تصاعدت الاحتجاجات الشعبية المنددة بالانتهاكات الإسرائيلية في معظم العواصم الأوروبية، وباتت تشكل زخمًا كبيرًا وصداعًا في رأس الحكومات والأنظمة، خاصة في ظل وجود جالية عربية وإسلامية كبيرة تشكل رقمًا صعبًا في الخارطة الديموغرافية للمجتمع الأوروبي. وهو ما أجبر العديد من الحكومات الأوروبية، التي وجدت نفسها في حرج أخلاقي كبير، على إعادة النظر في مواقفها من الحرب الإسرائيلية علي غزة، لا سيما بعد تصاعد الخطاب الذي يتهم هذه الدول بالتواطؤ مع “إسرائيل” في تلك الإبادة.
ومؤخرًا، شهدت عواصم ومدن أوروبية مظاهرات يومية تطالب بوقف التجويع والإبادة الجماعية للفلسطينيين. وذلك بعدما أدت الحرب المتواصلة، وانهيار الخدمات الأساسية، والقيود المشددة المفروضة على إيصال المساعدات الإنسانية وتوزيعها، إلى خلق أوضاع كارثية في مجال الأمن الغذائي، شملت السكان في مختلف أنحاء القطاع. ووردت تقارير متزايدة عن وفيات ناجمة عن المجاعة، في حين جرى إدخال نحو 20 ألف طفل في غزة إلى المستشفيات، منذ أبريل 2025، بسبب سوء التغذية الحاد، وبات من الواضح أن قطاع غزة يرزح تحت وطأة المجاعة، في ظل منع وصول الغذاء إلى الغزيين، نتيجة السياسات الإسرائيلية الهادفة إلى معاقبتهم وإبادتهم جماعيًا. ومنذ أواخر مايو 2025، تولت مؤسسة “غزة الإنسانية”، وهي منظمة تحوم حولها شبهات متعددة، عملية توزيع الغذاء من خلال أربعة مراكز تقع داخل مناطق يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي، وتديرها شركات أمنية أمريكية خاصة؛ وقد أدى هذا التغيير إلى تباطؤ شديد في تدفق المساعدات الإنسانية. وعلاوة على ذلك، لقي مئات الفلسطينيين مصرعهم على الطرق المؤدية إلى تلك المراكز، إما نتيجة لإطلاق قوات الاحتلال النار، أو بسبب التدافع والدهس في أثناء انتظارهم الحصول على الغذاء.
2- الضغوط السياسية: وضعت تطورات الحرب والانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة، والمشاهد المرعبة القادمة من قلب قطاع غزة لحظة بلحظة، حكومات أوروبا في مأزق سياسي كبير، سواء أمام شعوبها أو في مواجهة ما تزعم التمسك به من مبادئ وأخلاقيات ومرتكزات إنسانية وحضارية. كما شكلت الخطوات التي اتخذتها عدد من دول القارة في مواجهة هذه الإبادة، كاعتراف إيرلندا وإسبانيا والنرويج بفلسطين، ضغوطًا إضافية على حكومات الدول داخل الاتحاد الأوروبي، وزاد من تعقيد الموقف إصدار المحكمة الجنائية الدولية، في نوفمبر 2024، مذكرة اعتقال بحق نتنياهو ووزير الحرب السابق يوآف غالانت، مما وضع قادة القارة في موقف بالغ الحرج، إذ إن تجاهل تلك القرارات يعني عمليًا تقويض المحكمة وغيرها من المؤسسات التي تعول عليها أوروبا في محاولتها لفرملة التوغل الروسي في القارة.
أضف إلي ذلك، القلق الأوروبي المتنامي الناتج من ممارسات الحكومة الإسرائيلية في توسيع المستوطنات في الضفة الغربية والاعتداءات المتكررة على الحرم القدسي الشريف وهجمات عصابات المستوطنين اليومية على قرى فلسطينية، ومن نيات حكومة نتنياهو ضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية وقطاع غزة أيضًا؛ ما من شأنه أن يقوض نهائيًا أي أفق لحل الدولتين الذي تتمسك به الدول الأوروبية في مقاربتها تجاه حل القضية الفلسطينية. وقد تزامنت أعمال الإبادة الجماعية في غزة مع تصعيد مواز في الضفة؛ تمثل في توسع الاستيطان، وارتفاع وتيرة عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين، فضلًا عن نقل صلاحيات إدارة الضفة من الجيش إلى السلطات المدنية الإسرائيلية، في خطوة تُفسر على نطاق واسع بأنها تمهيد فعلي للضم الكامل.
ناهيك عن أن منع إدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، بدءًا من مارس 2025، مثل معضلة مضاعفة للدول الأوروبية التي دأبت على محاولة تعويض قصور مواقفها السياسية المتقاعسة بالتركيز على إظهار تقديم مساعدات إنسانية للشعب الفلسطيني والظهور أحيانًا مع بعض شحنات الإغاثة المتجهة إلى غزة. أدت سياسات الحصار الشامل إلى تعطيل هذا الوجه من مسعى “الغسيل الأخلاقي” لسياسات منحازة لم يعد بوسعها إظهار “استجابات إنسانية” معهودة.
3- البراغماتية الأوروبية: تحاول أوروبا من خلال هذا التحرك استعادة نفوذها المفقود في الشرق الأوسط، والبحث عن موطئ قدم لها في المنطقة عبر البوابة الفلسطينية، في مواجهة الهيمنة الأمريكية والانفراد التام بإدارة الخارطة السياسية والاقتصادية، والسعي للظهور مجددًا كلاعب مؤثر في الملعب الإقليمي، بعد أن سُحب البساط من تحت أقدام المستعمرين القدماء.
ثالثًا: حدود الاعترافات الأوروبية بالدولة الفلسطينية:
يُنظر إلى خطوة الاعتراف بدولة فلسطين على أنها تساعد في ترسيخ فكرة حل الدولتين باعتباره الإجابة الوحيدة الممكنة للسلام في المنطقة، وعلى النقيض من المقترحات الخاصة بالسيادة الإسرائيلية الكاملة علي جميع الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة. كما إن الاعتراف بدولة فلسطينية سيؤدي إلى اضطرار الحكومات الأوروبية إلى مراجعة علاقاتها مع إسرائيل، وربما يؤدي إلى حظر أوروبا لمنتجات المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. أضف إلي ذلك، فإن التحول نحو اعتراف القوى الغربية الصديقة لإسرائيل بفلسطين، وعلي الرغم من استمرار تمتعها بدعم الولايات المتحدة، قد تجد إسرائيل نفسها معزولة بشكل متزايد على الساحة العالمية، وسوف تفتقد جبهة موحدة من الدعم الغربي من الحلفاء الذين تدخلوا للدفاع عنها، وقدموا لها الدعم الدبلوماسي في المحافل الدولية، وتعاونوا معها بشأن مخاوفها الأمنية الأساسية، مثل طموحات إيران النووية والإقليمية. وعليه؛ فإن هذه الاعترافات قد تساعد في ترسيخ رواية خطيرة بالنسبة لإسرائيل تتمثل في “أن إسرائيل دولة تحتل وتنتهك حقوق الإنسان وتقتل الأطفال”، ما قد يؤدي إلي حملات نزع الشرعية عن إسرائيل إلى حظر تصدير الأسلحة إليها، وإلي فرض عقوبات اقتصادية وعزلة دبلوماسية عليها.
ولذلك؛ أعرب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو – المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب في غزة – عن معارضته الشديدة للخطوة (الاعترافات الأوروبية بالدولة الفلسطينية)، مدعيًا أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية هو “عقاب للضحية”، وأن قيامها على حدود إسرائيل سيجعلها “دولة جهادية” تشكل تهديدًا لاحقًا حتى للدول الأوروبية. وبحسب تحليلات إسرائيلية، فأن السلطة الفلسطينية لا تختلف في جوهرها عن حركة حماس، حيث أنها “تدفع الأموال للذين يقتلون اليهود”، وأن “عدم وقوع هجوم من جهة الضفة يعود فقط إلى عجز السلطة، وليس إلى اختلاف في النوايا”. كما اعتبرت هذه التحليلات أن انتشار المستوطنين الكثيف في الضفة هو ما منع تكرار الهجوم الذي شنته حماس في 7 أكتوبر 2023 من الشرق. ولذلك، تدعو هذه التحليلات إلى تعزيز وجود المستوطنين عبر فرض السيادة الكاملة على الأراضي الفلسطينية، وتفريغ الاعتراف بالدولة الفلسطينية من أي مضمون عبر خطوات عملية تشمل فرض السيادة الإسرائيلية من البحر إلى النهر، واستقدام يهود العالم للاستيطان في فلسطين التاريخية، وتشجيع الهجرة الطوعية للفلسطينيين، لتحقيق أغلبية يهودية طويلة الأمد.
وفي المقابل، فإن البعض يقلل من أهمية هذه الاعترافات الأوروبية بالدولة الفلسطينية؛ لعدة أسباب:
1- أن قرار الاعتراف بدولة فلسطينية هو رمزي في الغالب، لأن إسرائيل تحتل الأراضي التي يسعى الفلسطينيون منذ فترة طويلة إلى إقامة دولتهم المستقلة عليها، وهي الضفة الغربية وقطاع غزة، على أن تكون عاصمتها القدس الشرقية.
2- على الرغم من أن الاعتراف الفرنسي والبريطاني، خصوصًا، في حال تحققه، سيحمل دلالة رمزية كبيرة، فإنه مشروط بجملة من المطالب التي تفرغه إلى حد بعيد من مضمونه السياسي. ومن بين أبرز هذه الاشتراطات، إبعاد حركة حماس، ونبذ خيار المقاومة، ونزع سلاح الفصائل الفلسطينية، ثم إنه لا يطالب إسرائيل بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، أو الالتزام بوقف الاستيطان، أو القبول بحدود واضحة وفق المرجعيات الدولية. وبهذا المعنى، فإن الدولة التي يفترض أن تعترف بها فرنسا وبريطانيا وغيرهما من الدول تبقى كيانًا نظريًا فاقدًا للسيادة الفعلية على الأرض التي يتوسع فيها الاستيطان الكولونيالي، وربما يتطابق مع السلطة الفلسطينية المحدودة الصلاحيات، بحيث يتحول إلى مجرد تغيير في تسميتها، إضافة إلى منحها العضوية الكاملة في الأمم المتحدة؛ وحتى هذا ليس مرجحًا، لأن الولايات المتحدة قادرة على ممارسة حق النقض “الفيتو” ضد منح فلسطين العضوية الكاملة.
3- لا ينعكس هذا الاعتراف على حياة الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية، وقد يكون بديلًا من ممارسة ضغط حقيقي لوقف الحرب الإسرائيلية علي غزة؛ بفرض الاتحاد الأوروبي عقوبات فعلية على إسرائيل مثلًا، أو وقف الامتيازات التي تحظى بها على الأقل على مستوى الشراكة معه.
4- ما زالت أوروبا السياسية، مع استثناءات قليلة من قبيل الحكومة الإسبانية، تمتنع عن توصيف سياسات الاحتلال بـ”الإبادة الجماعية”، و”التطهير العرقي”، و”جرائم الحرب”، و”الجرائم ضد الإنسانية”، فضلًا عن “الإرهاب” و”الترويع” و”عمل وحشي”. وتتمسك التصريحات الأوروبية التي تظهر الانشغال بسقوط ضحايا فلسطينيين في غزة مثلًا، بتقاليد متكرسة تتحاشى مثلًا تسمية الفاعل الإسرائيلي بصراحة وتستبعد الإشارة إلى “جيش الاحتلال” أو الصفة الإسرائيلية.
كما تتركز كثير من المواقف الأوروبية الناقدة، بدءًا من مايو 2025، على سياسة التجويع المشددة وتجاهلت سياسة جيش الاحتلال في القتل الجماعي أو لم تمنحها الأولوية في الانتقادات. وكانت المواقف الأوروبية تتولى تصريف نقدها نحو “عنف المستوطنين” في الضفة حتى في سياق حرب الإبادة الجارية، دون الإشارة تقريبًا إلى ما يقترفه جيش الاحتلال في الضفة ذاتها أو في غزة بالأحرى، من انتهاكات جسيمة وإن بلغت مبلغ جرائم الحرب.
وتتركز الاستجابات الأوروبية التي توحي بتوجهات عقابية محتملة، على المستوطنين أو وزراء محسوبين على الاستيطان أساسًا، وكأنها عقوبات مترتبة على خلفيتهم الاستيطانية وتوجهاتهم الفاشية وليس على حكومة دولة تمارس قواتها وسلطاتها إبادة جماعية، ويجري ذلك مع استمرار إعفاء جيش الاحتلال وعموم الدولة والحكومة من العقوبات أو حتى الانتقادات الأوروبية الصريحة غالبًا.
5- تتخذ المواقف الأوروبية الناقدة للجانب الإسرائيلي طابعًا لفظيًا أو رمزيًا ولا تتضمن إجراءات عقابية تذكر قياسًا بما فرضته أوروبا على دول وكيانات أخرى. ومن المفارقات أن أطرافًا أوروبية سارعت إلى تعليق المساعدات للسلطة الفلسطينية ووكالة “الأونروا” مؤقتًا في سياق الحرب على غزة، دون فرض أي عقوبة تذكر على الجانب الإسرائيلي طوال عشرين شهرًا من الحرب. ويعد قرار مراجعة “اتفاقية الشراكة الأوروبية الإسرائيلية”، في مايو 2025، مثالًا واضحًا على الطابع الرمزي أو الشكلي لكثير من الانتقادات الأوروبية. من المتوقع أن يعطل عدد من الدول الأعضاء أي قرار بتعليق الاتفاقية أو إلغائها، خاصة تلك الدول المنحازة لإسرائيل مثل المجر.
علاوة على عدم فتح الحكومات الأوروبية المعنية ملفات مواطنيها الذين يخدمون في جيش الاحتلال ومنهم آلاف الفرنسيين حسب تقارير عدة.
6- تبدو أوروبا معنية باستمرار منح الأفق السياسي للشعب الفلسطيني عبر الخيار السلمي (لإبعاده عن خيار المقاومة) وإن تبددت فرصه الواقعية، وإبقاء شعار “حل الدولتين” قائمًا رغم تآكل إمكانية تطبيقه بفعل إجراءات الاحتلال الدؤوب على الأرض على مدار ثلث قرن منذ إبرام اتفاق أوسلو (1993-1994).
ختامًا؛ يمكن قراءة موجة الاعترافات الأوروبية الأخيرة بالدولة الفلسطينية كنوع من “الترضية السياسية”، تُقدم للفلسطينيين والعرب والجاليات المسلمة، تعويضًا عن التواطؤ الفعلي في الحرب أو المراوغة في الضغط الجاد على الاحتلال، فهي محاولة لإمساك العصا من المنتصف: من جهة، تقدم اعترافًا شكليًا رمزيًا لا يحمل في طياته تأثيرًا ميدانيًا حقيقيًا؛ ومن جهة أخرى، تتجنب الصدام مع تل أبيب أو إثارة حفيظة الحليف الأمريكي، عبر الامتناع عن اتخاذ مواقف حادة أو تنفيذ خطوات عملية تتجاوز حدود الدبلوماسية التقليدية.