بحسب كتاب “مدخل إلى الأيديولوجيات السياسية”1، فإن الفاشية نموذج سياسي يقوم على عدد من الأسس، هي؛ (1) الجماعة القومية: افتراض وجود جماعة توحدها روابط مشتركة، هذه الروابط إما عرقية “أصل مشترك”، وإما ثقافية “معايير، وقيم مشتركة، وتاريخ مشترك”. والجماعة في التصور الفاشي كتلة متجانسة ذات لون واحد. (2) القيادة: الأقلية المتميزة التي تقود جماهير الأمة، وعلى رأس هذه النخبة يتربع القائد الملهم الذي يجسد الإرادة الشعبية، وينطق بصوت الحكمة. هذا فيما يتعلق بسوسيولوجيا الفاشية، أما جهاز الحكم في ظل المنظومة الفاشية، يكون كالتالي:
النظام الشمولي: حيث يماهي بين الشعب والدولة، ويصادر التعددية باسم تمثيل الجوهر الحق للشعب2، وفيه يتربع على قمة النظام القائد الملهم، يساعده النخبة المتميزة التي يؤطرها عادة حزب وحيد حاكم، وفي نهاية المنظومة تأتي الجماهير التي لا تنتظم في كيانات سياسية خاصة بها، إنما تكون صلتها بالمجموعة الحاكمة إما عبر الحزب وقنواته، وإما عبر الأجهزة الكوربوراتية التي تحكم الدولة عبرها.
عادة لا تعرف الشمولية نظام تعدد الأحزاب، إذ التعددية تعني أن المصالح متنوعة، والتصورات عن الحقيقة والخير العام كثيرة ومتباينة، التعددية عادة ما تستند إلى مبدأ الفردانية الليبرالي. أما المنظومة الفاشية لا تُعنى بالفرد، هناك فقط أمة عضوية، تتجسد إرادتها في قائد ملهم، ونخبة متميزة، تتفاعل عبر حزب وحيد يترجم تصورات وإرادات القائد والنخبة المعاونة له، إلى سياسات واقعة.
المجتمع المدني: لا تعرف النظم الشمولية فكرة المجتمع المدني، بوصفه وسيط بين الدولة والمجتمع، وبوصفه إطار تنظيمي يحقق من خلاله المجتمع أهدافه ويدير شؤونه في القضايا الأقل صلة بالسياسة. النظام الشمولي يفترض أن الدولة وأجهزتها هي التجسيد الحي للإرادة العامة، وهي التعبير الحقيقي عن مصالح الجماهير ورغباتهم وتطلعاتهم، وهي الأقدر على إدارة الاجتماع وتحسين جودة الحياة وتحقيق كل الأهداف العمومية.
المجال الاقتصادي: إن قلنا أن الرأسمالية هي تعبير عن الفكرة الليبرالية في المجال الاقتصادي، حيث الوحدة الأساسية هي الفرد، وحيث المنافسة هي الحاكمة، والربح هي الغاية. وإن قلنا أن الاشتراكية هي التعبير الاقتصادي عن “مشاركة العمال وأصحاب رأس المال في تملك وسائل الإنتاج، وفي الإدارة التعاونية للاقتصاد”. فإن الاقتصاد الفاشي، تكون الدولة تقريبا هي المالك الحقيقي للثروة والموارد، حتى في ظل وجود رأسماليين وعمال، فهي كونها ممثل للإرادة العامة، توجه الاقتصاد، وتنظم العلاقة بين الرأسماليين والعمال. بالطبع من غير المستبعد أن يكون هناك رأسماليين كبار في ظل منظومة حكم فاشية، ومن غير المستبعد أن تكون هناك عمالة مهمشة وضعيفة ونصيبها من الإنتاج هامشي، لكن يظل المميز بين المنظومة الرأسمالية والمنظومة الفاشية، أن الأخيرة تظل هي الحكم والرقم الأهم في المعادلة، والمالك الحقيقي للثروة، أو الرأسمالي الأكبر.
البطل: المثل الأعلى للجماهير في المنظومة الفاشية هو البطل، الذي يحفزه الواجب والشرف للتضحية بالذات في سبيل أمته، فهو يتسم بالولاء والتفاني والطاعة.
كما يقال أن الفاشية تأثرت بالداروينية الإجتماعية، فهي تفترض أن الصراع هو جوهر الوجود الاجتماعي، وأن الحرب خير في ذاتها، وقد انعكست هذه الرؤية بطريقتين؛ الأولى: تبني الفاشية -في صيغتها النازية بصورة أساسية- لفكرة هندسة المجتمع الذي تحكمه؛ عبر تحسين النسل أو التناسل الانتقائي، وكذلك عبر التعقيم القسري للعناصر الضعيفة، ولعل أقصى تحقق لهذا المبدأ جاء في صورة إبادة العناصر التي رأت النازية أنها أجنبية وتلطخ الجوهر الصافي للأمة. الثانية: اعتماد الصراع والحرب طريقة أساسية للعلاقة مع الأمم الأخرى. وفي تعاطي الفاشية مع الداخل الذي تحكمه، وفي الخارج مع الآخر الذي تتعامل معه، جاءت ذات طابع عنصري في غالب الأحيان.
نشير كذلك إلى أن الفاشية ترفض تعدد الأصوات ووجهات النظر، وترفض التنوع في المجال السياسي، لذلك فهي تعادي النظام الديمقراطي؛ ليس فقط لكونه يدمج التعددية في النظام، لكن لأنه يفرز وجهات نظر مختلفة، وهو ما يتنافى مع جوهر الفاشية القائمة على الصوت الواحد، والتعبئة المستمرة كأننا في حالة حرب دائمة وأبدية.
هل انتهت الفاشية بنهاية الحرب العالمية الثانية:كانت الفاشية الإيطالية والنازية الألمانية هي الشكل النموذجي للنظام الفاشي، فهل انتهت الفاشية بسقوط تلك النظم على وقع الهزيمة؟ لا يبدو أن الفاشية غابت بشكل تام عن المشهد السياسي العالمي، بل يمكن رصد ملامح فاشية في أكثر من نظام، نستعرض هنا نموذجين؛ الأول: الفاشية الصهيونية. الثاني: فاشية النظام في مصر.
أولًا… فاشية النظام السياسي المصري:
لعل أبرز ملامح فاشية النظام المصري، الحرص على السيطرة على المجال العام وتأميمه، فالدولة الفاشية لا تؤمن بالمجتمع المدني، وترى أن الدولة هو الكيان الوحيد القادر على معالجة كل القضايا، لذلك صدر قانون الجمعيات الأهلية الذي يضمن تحقيق هذه السيطرة3. ونشأت المؤسسات الثلاث “الهيئة الوطنية للصحافة، والهيئة الوطنية للإعلام، والمجلس الأعلى للإعلام” التي تضمن رقابة صارمة على ما ينشر أو يبث أو يذاع، حتى على مواقع التواصل الاجتماعي، وعلى الحسابات الشخصية، في حال زادت أعداد المتابعين عن 5 آلاف شخص4. مع الحرص الواضح على منع ظهور تنظيمات نقابية مستقلة، وإخضاع ما ظهر منها، ومن آليات تحقيق ذلك تحويلها “من حركة عمّالية اجتماعية مناهضة إلى منظمات غير حكومية تدافع عن حقوق العمال، ولا فارق يُذكَر بينها وبين المنظمات ذات الطابع الحكومي”5.
ومن صور فاشية النظام المصري، حرص الحكومة على لعب دور الوسيط بين العمال وأصحاب رؤوس الأموال، حتى وإن كان هذا الدور لصالح المستثمرين، لكنها في النهاية، وعبر القمع والتعامل السلبي مع صور الاحتجاج العمالي تعمل على التوسط هي بين الطرفين بشكل يحول دون ظهور تكوينات عمالية قوية، تبلور مطالب وتبني خطاب وتعي موقعها الطبقي ودورها النضالي.
ومن فصول الفاشية المصرية مجموعات “الكمايتة” ودعوتهم الشوفينية، ومعاركهم الوهمية الآمنة، ضد كل ما هو عروبي وأفريقي، في “انسلاخ كامل عن حقائق التاريخ والجغرافيا، كون مصر تقع في أفريقيا ابتداءً، كما أنها جزء من الأمّة العربية بحكم وقائع التاريخ وحقائق الجغرافيا، وأنّ الصلات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية أكبر من أن يتم تجاهلها أو التقليل منها6“.
ثانيًا… الفاشية الصهيونية:
العنصرية هي أبرز ملامح الفاشية، وليس هناك أكثر وضوحًا من العنصرية الإسرائيلية، حيث يوضع اليهود مقابل الغوييم، والإسرائيلي المتحضر مقابل العربي القذر. والعنصرية هنا موقف مبدئي لا يتبدل، بمعنى أن الكيان ينظر للعرب بوصفهم جنس أقل “خليط نُقش من الأجناس على درجة واطئة من التطور البشري ويتكلمون بلسان عربي”. بالتالي لا مجال للوصول إلى حالة استقرار، فمع كل تمدد للدولة الصهيونية سيدفع العرب للتنازل عن مزيد من الأرض7.
والجدار العازل، والإبادة الدائرة في غزة، وسياسات التطهير في القدس والضفة، كلها نتاج العنصرية الصهيونية؛ فالعنصرية مكون رئيسي في الصهيونية، وهي بدورها (مشروع قوميّ عرقيّ عنصريّ غير مفترق البتّة عن المشروع النازيّ وعرقيته الآرية “المتفوّقة”، ولا عن الفاشية الإيطالية الطامحة إلى استرداد “عظمة روما”!8).
الخاتمة:
ما أود قوله أن الفاشية ليست مشروع سياسي من الماضي، انتهى بهزيمة الفاشيات في الحرب العالمية الثانية، إنما مشروع سياسي لا يزال يطل برأسه، في أكثر من دولة حول العالم. فيما تعد إسرائيل في نسختها الراهنة أكثر المشروعات السياسية قربا للنموذج الفاشي. كما نجد الفاشيات أو بعض ملامحها في النظم الغربية التي يحكمها يمينيين، وعلى رأسها بالطبع الولايات المتحدة.
وأن معرفة الواقع -والفاشية- جزء من هذا الواقع، لأمرين؛ الأول: معرفة أين نقف، والثاني: لتسليط الضوء على نموذج للحكم يلزم تجنب تكراره في حال حدث تغيير في المشهد الراهن.
1 أندرو هيود، مدخل إلى الأيديولوجيات السياسية، ترجمة: محمد صفار، القاهرة: المركز القومي للترجمة، ص: 247 – 276
2 عمرو عدلي، مصر بين فاشية مجهضة وأخرى محتملة، جدلية، 20 نوفمبر 2013، في: https://tinyurl.com/4rfmnptx
3 حسن مسعد، قانون الجمعيات الأهلية الجديد: تعديلات شكلية لتحسين صورة مصر دولياً؟، المفكرة القانونية، 10 أغسطس 2025، في: https://tinyurl.com/msuvzp4k
4 منشورات قانونية، قانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 180 لسنة 2018، 7 أغسطس 2018، في: https://tinyurl.com/yz22kwzp
5 شيماء الشرقاوي، محمد العجاتي، النقابات المستقلة حالة مصر 2004-2015: تجارب بين التطورات السياسية والعوامل الذاتية، مبادرة الإصلاح العربي، 9 نوفمبر 2021، في: https://tinyurl.com/smws92u8
6 حسن حافظ، اختراع “الكيميتية”.. الطريق نحو الفاشية!، عروبة 22، في 4 يونيو 2024، في: https://tinyurl.com/3pw2c7s9
7 أحمد مصطفى جابر، عن الأقنعة المتبدلة للفاشية: العرق والقوة، باب الود، 15 فبراير 2017، في: https://tinyurl.com/4rwkxkx7
8 جورج كعدي، الفاشيّة الصهيونيّة (1): الدين قناع لنشأة الكيان الإباديّ، ضفة ثالثة، 14 نوفمبر 2024، في: https://tinyurl.com/3uze5y8v
