الجذور الفلسفية للعنف الإسرائيلي (قراءة في كتاب الفردوس الأرضي)

قراءة في كتاب الفردوس الأرضي

في كتابه الفردوس الأرضي، يفرق المسيري بين المكون الطبيعي أو المادي للإنسان، فهو يولد ويموت، إن تعرض للنار احترق، وإن تعرض للبرد هلك، يجوع ويعطش، وينام، وينطبق عليه ما ينطبق على الطبيعة من قوانين طبيعية حتمية، والمكون الإنساني، الذي يصعب رده إلى تفسيرات مادية، فالإنسان بهذا الاعتبار كائن له تاريخ؛ يتعلم من أخطائه ويطور معارفه وقناعاته، يطور وعي يمكنه من التحكم في الطبيعة وتوظيفها لصالحه، فهو يستفيد مما تراكم لديه من خبرات خلال مجابهته للطبيعة، وما تشكل لديه من وعي ومعرفة بالتحكم في الطبيعة وتوظيفها لصالحه.

وأن الإنسان يعيش حياته، كفرد أو جماعة، داخل هذه الازدواجية وهذا الجدل، والشد والجذب، بين الطبيعي والإنساني، بين الطبيعة والتاريخ1. كما أن هذا الصراع المستمر داخل الإنسان بين الطبيعة الثابتة والثقافة المتطورة، يعني أن القدرة على الفعل والتغيير داخل التاريخ تظل محدودة، والنتائج المتحققة منها نسبية وليست مطلقة، حيث التحكم النسبي في الطبيعة مع استحالة الانفكاك الكامل عن حتمياتها. وهو يعني أيضًا أن التاريخ لا نهاية له، وأن حل التناقضات ينتج عنه تناقضات جديدة، وأن التناقض نابع من وجود الإنسان المتأرجح بين الطبيعة والتاريخ؛ وأن نهاية التاريخ -بحيث يصبح التاريخ دائريًا بدون تجديد- مرهونة بنهاية الإنسان ذاته.

فقد ترك الإنسان الطبيعة الدائرية، وسقط في التاريخ وحدوده، ولا يمكنه إلا تقبل هذا الواقع؛ فلا سبيل الانفلات من حتميات الطبيعة، أو الانفلات من الضمير وحرية الإرادة، فالإنسان مشدود بين الطبيعة التي لا يستطيع الالتزام المطلق بحتمياتها، والإرادة الحرة التي لا يستطيع التحرر الكامل بها. والتاريخ هو مجال المحاولة والخطأ، ولا مجال للخروج من التاريخ والدخول في الطبيعة. كما أن من يهرب من التاريخ و”يهرب من معرفة قانون الضرورة، ويرفض فكرة الحدود التاريخية”، ليعيش في الفردوس، ينتهي به الأمر عادة في الجحيم، في عالم الصدفة العبثي الذي لا يحكمه قانون.

الواحدية وإعلان نهاية التاريخ:

في مقابل هذه الرؤية التركيبية، هناك رؤى واحدية بسيطة، تدعي الإطلاق ونفي الجدل ومحاولة تصفيته، وترفض المواضعات الاجتماعية، والحدود التاريخية، وترفض فكرة التناقض التي هي عماد أية رؤية ثورية تاريخية.

يمكن القول أن العلوم الاجتماعية مهووسة بالوصول إلى اللحظة الفردوسية ونهاية التاريخ، عبر اكتشاف القوانين التي تحكم الوجود الإنساني، ومن ثم تحقيق السعادة المطلقة وإنهاء الصراع الاجتماعي.

كما أن الإيمان بأن التقدم سيقود حتما إلى تحقيق الفردوس الأرضي، مع تجاهل حاجات الإنسان الحقيقية، ودون احترام لإمكانات الطبيعة، حتى بات تعظيم الإنتاج والاستهلاك هدف في ذاته دون غاية نهائية، أيضًا رؤية واحدية بسيطة.

وقد ظهرت محاولة نفي الجدل ومحاولة تصفيته في ظل انتشار (الفلسفات البرجوازية)، حيث رفض المعالجات الإنسانية للتناقض، أو رفض فكرة التناقض من الأساس، والنظر للإنسان بوصفه كائن يحكمه قانون العرض والطلب، أو بوصفه مجموعة من الرغبات البسيطة التي يمكن إشباعها2.

كما أن الغيبية التقليدية/ الدين التي تدعي احتكار الحقيقة المطلقة والنهائية، وسبل الخلاص، أيضًا تعد تعبيرًا عن الواحدية ونهاية التاريخ3. ونشير هنا إلى أن الديانة اليهودية ديانة حلولية، لا تركز على فكرة البعث في عالم آخر، وتؤكد فكرة الفردوس الأرضي.

المجتمع الأمريكي والإسرائيلي كتعبير عن الواحدية:

هناك تشابه حد التطابق بين الوجدان الأمريكي والوجدان الصهيوني، في رفض التاريخ بعناد وإصرار. المهاجرين البيوريتانيين قرروا بناء حياتهم في المستعمرات الأمريكية على البساطة، والعودة إلى القواعد التي وضعها المسيحيون الأوائل، بوصفها نقطة سكون ميتافيزيقية غير متطورة أو متغيرة، مع رفض التاريخ المسيحي كله.

الصهيونية أيضا هي رفض للتاريخ اليهودي في مجتمعات الشتات “الدياسبورا”، وإدعاء استمرارية التاريخ اليهودي، وفكرة تاريخ يهودي متصل يعبر عن أمة واحدة؛ فهم يقدسون أيام “البساطة الأولى” حيث كان يعيش اليهود ككيان قومي مستقل لم تدخل عليه الشوائب غير اليهودية،

ويتشارك المجتمعين، خاصة في لحظة التأسيس، في استخدام أي إشارة متوهمة باعتبارها رسالة من الإله تبارك مسعاهم؛ وبذلك باركوا وبرروا كل عملياتهم العدوانية، وفي الطابع العنصري، حيث يعد المجتمعان الأمريكي والإسرائيلي من أكثر المجتمعات عنصرية، فالعنف العنصري نتيجة طبيعية للرؤى اللاتاريخية التي تتعامى عن الواقع وتعقيداته، وفي النظر للذات بوصفها صاحبة رسالة ربانية خاصة جاءت لتحقيقها، وفي عقلية الريادة/الكاوبوي التي تفضل الفعل على الفكر، والمهتم بالربح وغير المعني كثيرا بالأبعاد الأخلاقية.

كما أن كلا المجتمعين مجتمعات استيطانية يتكون من مهاجرين عليهم طرح هوياتهم القديمة ليكتسبوا هوية قومية جديدة.

الواحدية والعنف البرجماتي:

اعتبر “المسيري” أن وليم جيمس هو التعبير الفلسفي عن الرؤية الأمريكية للعالم، وأن الفلسفة البراجماتية هي النظرية الحاكمة للعقلية الأمريكية والعقلية الصهيونية؛ إذ أن الفلسفة البراجماتية تسقط البعد التاريخي -المتجاوز- للإنسان وتستبقي فقط الإنسان بوصفه كائن محكوم فقط بقوانين الطبيعة. كما يعد نموذج الرائد الأمريكي “الكاوبوي” المؤمن بقدراته الخارقة للعادة على إخضاع أي شيء، وعلى غزو البرية العذراء، ونموذج التاجر أو العاهرة هو التعبير النموذجي عن فلسفة وليم جيمس البراجماتية4. وقد نشأت البراجماتية في تربة الرأسمالية المبنية على التنافس والصراع والفردية، والمنفصلة عن فكرة القيمة والمرتبطة بفكرة الثمن والعرض والطلب5، وتجد جذورها عند الداروينيين ومن بعدهم نيتشه.

والبراجماتية هي فلسفة الفعل/ السلوك، دون أوهام نظرية أو تاريخية، فالحقيقة هي ما تعرفه أنت عن الواقع، ما تراه وتلمسه وتشمه وتتذوقه، إذ ليس للعالم معنى مستقل عن المعنى الذي تضفيه عليه، والمعرفة نسبية ذاتية لا وجود حقيقي لها خارج عقولنا، والحقيقي هو ما ينجح. والعالم متغير لا ضمان فيه لأي شيء وتحفه المخاطر، والإنسان فرد مستقل في عالم معادي لا يأبه به، فلا قوانين ولا روابط، وله كامل الحق في إحراز النجاح في حقله، حسب تصوره بالطريقة التي تناسبه، أما القيم فهي ما توافقنا و تواضعنا عليه، والعبقري هو الأقدر على تغيير الواقع وإخضاع الطبيعة (لقد ولدنا كلنا لنحارب).

هذا الاستقطاب العميق -في البراجماتية- والمزج الخرافي بين الحرية والحتمية، والمثالية والعملية، هذه العودة للطبيعة، الروسوية – الداروينية – النيتشوية؛ وهذا التعالي الكامل على الأخلاق، والإلتزام اللاعقلاني بالحركة الطبيعية، هو أيضًا البنية الكامنة في الفكر الصهيوني6.

حيث يتم تعرية فلسطين من تاريخها وتحويلها إلى مجرد أرض، شيء ينتمي إلى عالم الطبيعة. ويتم اعتبار تخلف العرب العلمي والتكنولوجي، سبب عدم أحقيتهم في فلسطين (البقاء للأصلح)، وباسم التقدم يتم تحويل الفلسطيني إلى إنسان طبيعي مثل الهنود الحمر يمكن اصطياده، ويتم تحويل الفرد الصهيوني إلى مخلوقات مثالية لا تاريخية.ص: 51

الخاتمة:

يمكن القول أن العلماني مقابل التقليد التاريخي المتراكم، وطبقات المعنى والقيم. وأن عقلية السوق القائمة على منطق العرض أو الطلب، أو الهيمنة مقابل الخضوع، وأن منطق الفردانية مقابل منطق المجتمع، هو التعبير النهائي عن الرؤية البسيطة اللاتاريخية.

1 عبد الوهاب المسيري، الفردوس الأرضي دراسات وانطباعات عن الحضارة الأمريكية الحديثة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر (بيروت)، ط. الأولى (1979)، ص: 13

2 المرجع السابق، ص: 16

3 المرجع السابق، ص: 15

4 المرجع السابق، ص: 47 – 48

5 المرجع السابق، ص: 47 – 48

6 المرجع السابق، ص: 49

Editor P.S.

كاتب ومدون

جميع المشاركات

المنشورات ذات الصلة

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأكثر قراءة

اتبعنا

التصنيفات

آخر المقالات

Edit Template

رؤية تحليلية للأخبار السياسية والاقتصادية في العالم العربي والإسلامي والعالمي، ودراسات استراتيجية للوضع السياسي المحلي والإقليمي والعالمي

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا لتلقي التحديثات على البريد الإلكتروني الخاص بك

You have been successfully Subscribed! Ops! Something went wrong, please try again.

جميع الحقوق محفوظة لرؤية للتخطيط والدراسات الاستراتيجية ©2022