العملية التركية العسكرية في عفرين وحسابات العلاقة المعقدة مع روسيا وأمريكيا
العملية التركية العسكرية في عفرين وحسابات العلاقة المعقدة مع روسيا وأمريكيا عادت تركيا مجددا إلى مشهد التدخل العسكري العلني على سوريا، ولكن هذه المرة تحت مسمي "عملية غصن الزيتون"، بهدف تطهير منطقة عفرين شمال غربي سوريا من وحدات حماية الشعب الكردية، الامتداد العسكري السوري لحزب العمال الكردستاني التركي. كما أعلن رئيس الوزراء التركي عن بدء التحرك البري من العملية التي يفترض أن تتكون من أربع مراحل وتهدف إلى “تنظيف” منطقة عفرين من وحدات الحماية وإنشاء منطقة آمنة بعمق 30 كلم.[1] لم تتحدد المرحلة الزمنية لهذه العملية العسكرية، لاسيما مع تلويح أردوغان أنه يستهدف تحرير كافة المناطق الخاضعة للأكراد، حتى تلك الخاضعة لنفوذ أمريكي عسكري مباشر، وهي منبج وشرق الفرات، وهو ما ردت عليه واشنطن بطرحها «قوة أمن الحدود» في مناطق «قوات سوريا الديموقراطية».[2] رغم أن الولايات المتحدة الأمريكية أعلنت أن منطقة غرب الفرات – أي عفرين – لا تقع ضمن نطاق عملياتهم ونفوذهم، بهدف عدم تصعيد التوتر أكثر ضد أنقرة.[3] لا يمكن أن تهمل أنقرة التوافق السياسي حول التدخل العسكري في دولة مأزومة مثل سوريا، دون أن يكون هناك تفاهمات ما، يمكن أن تندرج تحت عنوان صفقة، في حالة صحت وجود تلك التفاهمات بداية، وماذا ستقدم أنقرة في مقابل ما ستأخذه من عفرين ثانيا، لاسيما أن العملية العسكرية تواجه رفضا شديدا من واشنطن وطهران ودمشق فضلا عن باريس، وهى أطراف المعادلة التي لا يمكن التحرك مفردً دون النظر إلى مصالحهم في سوريا، ولذا تتوجه الأنظار نحو موسكو التي لم تبدي رفضًا قاطعا للعملية، فضلا عن علاقاتها الطيبة مع أنقرة، ودخولهم في مرحلة تقترب من التحالف الإستراتيجي. قالت أنقرة إنها أبلغت النظام السوري بالعملية كتابياً وبشكل غير مباشر عن طريق الروس (النظام نفى ذلك)، وذكر قائد القيادة المركزية الأمريكية جوزيف فوتيل إنها أبلغتهم بالعملية قبل إطلاقها، وزار رئيسا أركان الجيش وجهاز الاستخبارات التركيين موسكو قبل العملية بساعات. أكثر من ذلك، فقد استدعت الخارجية التركية ممثلي دول جوار سوريا والاتحاد الأوروبي والدول دائمة العضوية في مجلس الأمن لإطلاعهم على العملية وشرح موقف تركيا.[4] أولاً: تفاهمات تركية روسية: هل يمكنها الصمود؟ في هذا الجزء من التقرير نبحث طبيعة التفاهمات الروسية –التركية حول ملف الأكراد ولاسيما منطقة عفرين، وبحث الأبعاد المختلفة وراء التحرك التركي والقبول الروسي، مرورا بالإجراءات التي إتخذتها أنقرة في طريق تعبيد الطريق لغصن الزيتون، وأثر ذلك على نتائج مؤتمر سوتشي المقبل، ومآلات الأزمة السورية على ضوء تلك التفاهمات. صمت روسي على عملية عفرين: تقع منطقة عفرين ضمن النفوذ الميداني لموسكو، لذا يصعب تفهم الموقف الروسي بعيدا عن وجود رضى كامل عنها، لاسيما أنها قامت بسحب قواتها قبل بدأ العملية، فضلا عن قيام وزير خارجيتها بتحميل واشنطن مسئولية التصعيد بدلا أنقرة. وجاء حيثيات الإنسحاب الروسي في بيان أعلنته وزارة الدفاع جاء فيه أن الانسحاب لضمان سلامة عناصر تلك القوات، خلال العمليات التي تنفذها تركيا في عفرين ومحيطها. وجاء الانسحاب بعد رفض «الوحدات» الكردية لمقترح روسي بعودة سلطة الدولة السورية إلى المناطق التي تسيطر عليها «الوحدات» غرب الفرات، عفرين ومنبج، كخطوة لتجنّب أي عمل عسكري تركي، إلا أن الرفض الكردي الذي صاحبها إطمئنان بالحماية الأمريكية قد دفع روسيا لاعطاء الضوء الأخضر للحملة العسكرية التركية. فقد "قامت «الوحدات» الكردية ومناصريها بحملة شرسة في عفرين ضد الدور الروسي، إذ رأت عدة شخصيات قيادية وعسكرية أن تصرف موسكو يوازي الاعتداء التركي نفسه. وأشار القيادي في «حركة المجتمع الديمقراطي»، ألدار خليل، إلى أن «الوحدات رفضت طلباً روسياً بتسليم عفرين للنظام السوري»، محمّلاً «الجانب الروسي مسؤولية الهجوم على عفرين".[5] وحتى يفهم الموقف الروسي بالتحديد، لابد أن نشير الي الدور الأمريكي الداعم للأكراد وحيثيات النفوذ الكردي-الأمريكي. وهو ما سنتحدث عنه لاحقا تواً. الدولة الكردية والنفوذ الأمريكي: مدخل لفهم الموقف الروسي: كان من الممكن تجنيب عفرين مصائر الميادين السورية الأخرى. كان الأمر يتوقف إلى حد كبير على «وحدات حماية الشعب» الكردية التي فوّتت على نفسها، وعلى مئات الآلاف من السوريين في أكثر من ٣٠٠ قرية في ريف المدينة، فرصة النجاة من العملية التركية الواسعة التي تبدو قدراً لا بد منه، على ضوء تمسك الأكراد بخيار الذهاب نحو كيان بدأت ملامحه تتبلور تدريجياً، في الأشهر الستة الأخيرة، وبناء مؤسسات الأمر الواقع.[6] تحاول واشنطن تحت مظلة التحالف الدولي رسم مساحات نفوذها في شمال وشرق سوريا بالإعتماد على قوات سوريا الديمقراطية، لاسيما بعد أن أعلن قائد المنطقة الوسطي المركزية الأمريكية في شهر ديسمبر 2017، إعتزام التحالف الدولي تدريب قوات أمن حدود في المناطق الخاضعة لنفوذ التحالف، والفكرة هنا هي سعي الولايات المتحدة لتقنين أوضاعها في مرحلة ما بعد داعش، وهو الأمر الذي ترفضه موسكو وانقرة ودمشق وطهران. ولذا فقد أصبحت حدود الدولة الكردية واضحة وجلية على أرض الواقع. وحتى تؤكد واشنطن على وصول رسالتها جيدا لموسكو، استيقظ الروس بعد أيام من إعلان بوتين انتصاره العسكري في سوريا، على قصف بقذائف الهاون، استهدف قاعدته الجوية في حميميم. قالت صحيفة «كوميرسانت» إنه دمر 4 قاذفات طراز سوخوي-24 ومقاتلتين من طراز سوخوي-35 إس، وطائرة نقل من طراز إن-72، ومستودع ذخيرة، بجانب إصابة ومقتل عشرات العسكريين الروس. من جانبها، نفت وزارة الدفاع الروسية حصيلة الضحايا، وأكدت صحة الهجوم، زاعمةً مقتل اثنين فقط، دون ذكر أية خسائر أخرى، زاعمة أن مقاتلين تابعين لتنظيم القاعدة هم من نفذوا الهجوم. ولم تكد روسيا تفيق من هذا الهجوم المفاجئ لتحتفل بأول يوم في العام الجديد على وقع قنابل ألقتها طائرات بدون طيار «درون» مجهولة على القاعدة نفسها. أسفر الهجوم عن إصابة طائرات روسية بقنابل صغيرة، وبينما تبحث عمن يقف وراء الهجوم فوجئت يوم السادس من يناير/كانون الثاني الجاري بهجوم منظم شنته 13 طائرة بدون طيار تحمل قنابل على قاعدتي طرطوس وحميميم في التوقيت عينه. قالت روسيا إنها نجحت هذه المرة في إسقاطها، بدون أي خسائر مادية أو بشرية. ثلاث عمليات متزامنة ومنظمة ضد أكثر الأماكن الروسية تحصينًا، لا تقف وراءه جماعة مسلحة، وهو ما أعلنه «بوتين» ليقول إن روسيا تعرف «المحرض» على الهجوم، وينفي التهمة عن شركائه، ويؤكد أن الهجوم استهدف ضرب العلاقات بين بلاده وتركيا، وسط اتهامات من وزارة الدفاع الروسية لواشنطن بالضلوع في الهجمات المنظمة، حيث أكدت قيام طائرة تجسس أمريكية من طراز «بوسيدون» بالتحليق فوق البحر المتوسط وعمل دوريات بين طرطوس وحميميم، بالتزامن مع الهجوم. تدرك واشنطن أن موسكو ستعرف من يقف وراء الهجوم، وهي تريدها أن تعرف، لتقول لروسيا إنه لا تثبيت للأقدام دون التوصل لاتفاق، وهو ما تحاول روسيا عمله بالشراكة مع تركيا وإيران إلى جانب النظام السوري. والحقيقة أنه من الصعب الحديث عن صفقة فعلية تمت بين موسكو وأنقرة، وتوخيا للدقة، يمكننا القول بأن الواقع الذي فرضه التحالف الدولي بقيادة واشنطن هو ما أجبر موسكو على إطلاق يد أنقرة في…