الفاشية… المفهوم وتجسداته الراهنة

بحسب كتاب “مدخل إلى الأيديولوجيات السياسية”1، فإن الفاشية نموذج سياسي يقوم على عدد من الأسس، هي؛ (1) الجماعة القومية: افتراض وجود جماعة توحدها روابط مشتركة، هذه الروابط إما عرقية “أصل مشترك”، وإما ثقافية “معايير، وقيم مشتركة، وتاريخ مشترك”. والجماعة في التصور الفاشي كتلة متجانسة ذات لون واحد. (2) القيادة: الأقلية المتميزة التي تقود جماهير الأمة، وعلى رأس هذه النخبة يتربع القائد الملهم الذي يجسد الإرادة الشعبية، وينطق بصوت الحكمة. هذا فيما يتعلق بسوسيولوجيا الفاشية، أما جهاز الحكم في ظل المنظومة الفاشية، يكون كالتالي:النظام الشمولي: حيث يماهي بين الشعب والدولة، ويصادر التعددية باسم تمثيل الجوهر الحق للشعب2، وفيه يتربع على قمة النظام القائد الملهم، يساعده النخبة المتميزة التي يؤطرها عادة حزب وحيد حاكم، وفي نهاية المنظومة تأتي الجماهير التي لا تنتظم في كيانات سياسية خاصة بها، إنما تكون صلتها بالمجموعة الحاكمة إما عبر الحزب وقنواته، وإما عبر الأجهزة الكوربوراتية التي تحكم الدولة عبرها. عادة لا تعرف الشمولية نظام تعدد الأحزاب، إذ التعددية تعني أن المصالح متنوعة، والتصورات عن الحقيقة والخير العام كثيرة ومتباينة، التعددية عادة ما تستند إلى مبدأ الفردانية الليبرالي. أما المنظومة الفاشية لا تُعنى بالفرد، هناك فقط أمة عضوية، تتجسد إرادتها في قائد ملهم، ونخبة متميزة، تتفاعل عبر حزب وحيد يترجم تصورات وإرادات القائد والنخبة المعاونة له، إلى سياسات واقعة. المجتمع المدني: لا تعرف النظم الشمولية فكرة المجتمع المدني، بوصفه وسيط بين الدولة والمجتمع، وبوصفه إطار تنظيمي يحقق من خلاله المجتمع أهدافه ويدير شؤونه في القضايا الأقل صلة بالسياسة. النظام الشمولي يفترض أن الدولة وأجهزتها هي التجسيد الحي للإرادة العامة، وهي التعبير الحقيقي عن مصالح الجماهير ورغباتهم وتطلعاتهم، وهي الأقدر على إدارة الاجتماع وتحسين جودة الحياة وتحقيق كل الأهداف العمومية. المجال الاقتصادي: إن قلنا أن الرأسمالية هي تعبير عن الفكرة الليبرالية في المجال الاقتصادي، حيث الوحدة الأساسية هي الفرد، وحيث المنافسة هي الحاكمة، والربح هي الغاية. وإن قلنا أن الاشتراكية هي التعبير الاقتصادي عن “مشاركة العمال وأصحاب رأس المال في تملك وسائل الإنتاج، وفي الإدارة التعاونية للاقتصاد”. فإن الاقتصاد الفاشي، تكون الدولة تقريبا هي المالك الحقيقي للثروة والموارد، حتى في ظل وجود رأسماليين وعمال، فهي كونها ممثل للإرادة العامة، توجه الاقتصاد، وتنظم العلاقة بين الرأسماليين والعمال. بالطبع من غير المستبعد أن يكون هناك رأسماليين كبار في ظل منظومة حكم فاشية، ومن غير المستبعد أن تكون هناك عمالة مهمشة وضعيفة ونصيبها من الإنتاج هامشي، لكن يظل المميز بين المنظومة الرأسمالية والمنظومة الفاشية، أن الأخيرة تظل هي الحكم والرقم الأهم في المعادلة، والمالك الحقيقي للثروة، أو الرأسمالي الأكبر. البطل: المثل الأعلى للجماهير في المنظومة الفاشية هو البطل، الذي يحفزه الواجب والشرف للتضحية بالذات في سبيل أمته، فهو يتسم بالولاء والتفاني والطاعة. كما يقال أن الفاشية تأثرت بالداروينية الإجتماعية، فهي تفترض أن الصراع هو جوهر الوجود الاجتماعي، وأن الحرب خير في ذاتها، وقد انعكست هذه الرؤية بطريقتين؛ الأولى: تبني الفاشية -في صيغتها النازية بصورة أساسية- لفكرة هندسة المجتمع الذي تحكمه؛ عبر تحسين النسل أو التناسل الانتقائي، وكذلك عبر التعقيم القسري للعناصر الضعيفة، ولعل أقصى تحقق لهذا المبدأ جاء في صورة إبادة العناصر التي رأت النازية أنها أجنبية وتلطخ الجوهر الصافي للأمة. الثانية: اعتماد الصراع والحرب طريقة أساسية للعلاقة مع الأمم الأخرى. وفي تعاطي الفاشية مع الداخل الذي تحكمه، وفي الخارج مع الآخر الذي تتعامل معه، جاءت ذات طابع عنصري في غالب الأحيان. نشير كذلك إلى أن الفاشية ترفض تعدد الأصوات ووجهات النظر، وترفض التنوع في المجال السياسي، لذلك فهي تعادي النظام الديمقراطي؛ ليس فقط لكونه يدمج التعددية في النظام، لكن لأنه يفرز وجهات نظر مختلفة، وهو ما يتنافى مع جوهر الفاشية القائمة على الصوت الواحد، والتعبئة المستمرة كأننا في حالة حرب دائمة وأبدية. هل انتهت الفاشية بنهاية الحرب العالمية الثانية:كانت الفاشية الإيطالية والنازية الألمانية هي الشكل النموذجي للنظام الفاشي، فهل انتهت الفاشية بسقوط تلك النظم على وقع الهزيمة؟ لا يبدو أن الفاشية غابت بشكل تام عن المشهد السياسي العالمي، بل يمكن رصد ملامح فاشية في أكثر من نظام، نستعرض هنا نموذجين؛ الأول: الفاشية الصهيونية. الثاني: فاشية النظام في مصر. أولًا… فاشية النظام السياسي المصري: لعل أبرز ملامح فاشية النظام المصري، الحرص على السيطرة على المجال العام وتأميمه، فالدولة الفاشية لا تؤمن بالمجتمع المدني، وترى أن الدولة هو الكيان الوحيد القادر على معالجة كل القضايا، لذلك صدر قانون الجمعيات الأهلية الذي يضمن تحقيق هذه السيطرة3. ونشأت المؤسسات الثلاث “الهيئة الوطنية للصحافة، والهيئة الوطنية للإعلام، والمجلس الأعلى للإعلام” التي تضمن رقابة صارمة على ما ينشر أو يبث أو يذاع، حتى على مواقع التواصل الاجتماعي، وعلى الحسابات الشخصية، في حال زادت أعداد المتابعين عن 5 آلاف شخص4. مع الحرص الواضح على منع ظهور تنظيمات نقابية مستقلة، وإخضاع ما ظهر منها، ومن آليات تحقيق ذلك تحويلها “من حركة عمّالية اجتماعية مناهضة إلى منظمات غير حكومية تدافع عن حقوق العمال، ولا فارق يُذكَر بينها وبين المنظمات ذات الطابع الحكومي”5. ومن صور فاشية النظام المصري، حرص الحكومة على لعب دور الوسيط بين العمال وأصحاب رؤوس الأموال، حتى وإن كان هذا الدور لصالح المستثمرين، لكنها في النهاية، وعبر القمع والتعامل السلبي مع صور الاحتجاج العمالي تعمل على التوسط هي بين الطرفين بشكل يحول دون ظهور تكوينات عمالية قوية، تبلور مطالب وتبني خطاب وتعي موقعها الطبقي ودورها النضالي. ومن فصول الفاشية المصرية مجموعات “الكمايتة” ودعوتهم الشوفينية، ومعاركهم الوهمية الآمنة، ضد كل ما هو عروبي وأفريقي، في “انسلاخ كامل عن حقائق التاريخ والجغرافيا، كون مصر تقع في أفريقيا ابتداءً، كما أنها جزء من الأمّة العربية بحكم وقائع التاريخ وحقائق الجغرافيا، وأنّ الصلات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية أكبر من أن يتم تجاهلها أو التقليل منها6“. ثانيًا… الفاشية الصهيونية: العنصرية هي أبرز ملامح الفاشية، وليس هناك أكثر وضوحًا من العنصرية الإسرائيلية، حيث يوضع اليهود مقابل الغوييم، والإسرائيلي المتحضر مقابل العربي القذر. والعنصرية هنا موقف مبدئي لا يتبدل، بمعنى أن الكيان ينظر للعرب بوصفهم جنس أقل “خليط نُقش من الأجناس على درجة واطئة من التطور البشري ويتكلمون بلسان عربي”. بالتالي لا مجال للوصول إلى حالة استقرار، فمع كل تمدد للدولة الصهيونية سيدفع العرب للتنازل عن مزيد من الأرض7. والجدار العازل، والإبادة الدائرة في غزة، وسياسات التطهير في القدس والضفة، كلها نتاج العنصرية الصهيونية؛ فالعنصرية مكون رئيسي في الصهيونية، وهي بدورها (مشروع قوميّ عرقيّ عنصريّ غير مفترق البتّة عن المشروع النازيّ وعرقيته الآرية “المتفوّقة”، ولا عن الفاشية الإيطالية الطامحة إلى استرداد “عظمة روما”!8). الخاتمة:ما أود قوله أن الفاشية ليست مشروع سياسي من الماضي، انتهى بهزيمة الفاشيات في الحرب العالمية الثانية، إنما مشروع سياسي لا يزال يطل برأسه، في أكثر من دولة حول العالم. فيما تعد…

تابع القراءة

سياسات الإفقار والانقسام الطبقي بين مصر و “إيجيبت”

السياسات العامة تتعلق بما تلزم به الحكومة نفسها تجاه المجتمع الذي تحكمه من سياسات، في مجالات الصحة والتعليم والإسكان، وفي سائر الخَدمات التي من المفترض أن توفرها الحكومات لشعوبها. تبني الحكومة لسياسات أقل اهتمامًا بجمهور المواطنين يقود بالضرورة إلى حدوث تململ شعبي يظل يتصاعد وصولا إلى احتجاجات واسعة، أو تفكك اجتماعي واسع تحت ضغط الحاجة وقسوة الأوضاع، هذا المسار يتأكد حدوثه في ظل سيطرة الدولة على كل الموارد واحتكارها كل مصادر السلطة والثروة، بشكل لا يسمح للمجتمع بالبحث عن إشباع احتياجاته خارج المسار الذي تقدمه الدولة. وهو ما ينطبق على الأوضاع في مصر، إذ أن الدولة هي مصدر كل قيمة -دون مبالغة- سواء كانت معنوية أو مادية، وفي الوقت نفسه تتخلى تدريجيا عن التزاماتها تجاه غالبية مواطنيها، مقابل اهتمام واضح بأقلية محظوظة، ففي السنوات الـ 15 الأخيرة تنكص عن كل التزاماتها، في الوقت ذاته تبدي نهم غير مسبوق للسيطرة على كل الموارد وامتصاص كل الثروات التي راكمها المجتمع في العقود السابقة على يناير 2011. سياسة ينجم عنها بالضرورة إعادة توزيع الثروة، وإعادة رسم خريطة الغنى والفقر في المجتمع. فالنظام المصري بحَسَب مراقبين1 يعيد إنتاج أشكال التفاوت الطبقي، ويعيد توزيع الثروة والملكيات، بصورة غير مسبوقة؛ بشكل تختفي فيه التدرجات والألوان ويصبح لدينا لونين فقط؛ الأبيض سكان إيجيبت، والأسود وهم غالبية سكان مصر ممن يعانون الفقر أو يحاولون بيأس الهروب منه. مع سياسات إعادة توزيع الثروة انطلقت عمليات الفرز الدائرة بين سكان مصر وأهل إيجيبت ليس فقط فرزا وفق مستوى الدخل، إنما وفق معايير ثقافية؛ ويكفي أن تتابع الجدالات المتجددة عن منع المحجبات من ارتياد بعض الأماكن الترفيهية، أو التعليقات الطبقية لسكان الكومباوندات عن مشكلات تحدث لمجتمعاتهم المسورة بسبب الزوار من عمال وغرباء، أو مشاجرات طلبة المدارس الدولية وسلوكيات بعضهم المثيرة للجدل. هذه النقاشات تكشف وعي الشارع بما يحدث، وإدراكه التحيزات الطبقية للنظام القائم. وفي الحقيقة فإن المراقب للأوضاع في مصر يدرك ببساطة تحيز النظام المصري لأهل إيجيبت على حساب الغالبية من سكان مصر؛ وهو تحيز لا يبدو مفهومًا، إذا قرأناه من زاوية أن أصحاب رؤوس الأموال في مصر راكمو ثرواتهم بالاعتماد على المحسوبية والمشروعات الخدمية غير المنتجة، بالتالي هم أبناء السلطة ونتاج سياساتها، ويحتاجونها لمواصلة مراكمة الثروة، في حين لا تحتاجهم السلطة. لكن هذا التحيز يبدو مفهومًا، إذا أخذنا في الاعتبار أن سكان مصر وهم الغالبية، هم من يفجرون الثورات ويقودون الاحتجاجات ويحلمون بالتغيير، ويمثلون ضغطًا على النظام القائم. إيجيبت حين تختفي المواطنة ويحضر السوق: ليست الجنسية هي معيار الانتماء إلى ايجيبت إنما حجم الثروة ومستوى الدخل، فالجنسية والولادة في مصر، والتمتع بالانتماء لها، لا يجعل صاحبه من سكان ايجيبت؛ وهذا يحقق أمرين؛ الأول: الشعور بالتميز والاختلاف لمن يملك البقاء في هذه الأماكن، الثاني: يستهدف تحقيق رغبة الدولة في خلق إيرادات أجنبية. نشير هنا إلى إعلان سلفستر ستالون عن مشروع ساوث ميد في الساحل الشمالي، وقد كان الحوار في الإعلان “باللغة الإنجليزية و بلكنة أمريكية خالصة، وتُرجمَ للعربية كأنه إعلان غربية. كما نشير إلى إعلانات “طلعت مصطفى” المتحدثة بالعربية، لكن الخطاب السائد فيها أيضًا هو “العالمية”2. مظهر آخر من مظاهر اعتماد معيار الثروة كمعيار وحيد للانتماء لـ “إيجيبت” نقرأه في الإعلان الترويجي لمشروع رأس الحكمة الذي اشتمل على عبارة “فقط للأجانب وأصحاب الجنسية المزدوجة أو الجنسية الثانية أو جواز السفر الثاني أو الجنسيات المتعددة”، مصحوبة بصورة جوية للمشروع3. ومن أبرز ملامح سكان إيجيبت، الهروب إلى المجتمعات المسورة، نهم الاستحواذ والتملك والاستهلاك، الحرص على الاستعراض، خاصة لدى الصاعدين الجدد إلى الطبقة، الحديث بغير العربية4، الانفصال عن المجتمع من حيث عاداته وتقاليده وربما همومه، “أنماط علاقات غير مألوفة بين من ينتمون ” لـ Egypt ” وبينهم والمجتمع، فهم فيما بينهم يرون أن كل شيء مباح وأن علاقاتهم مبنية على المساواة والندية، ويرون أنهم أفضل حالا من المجتمع الذي يعيشون فيه، فهم صفوة المجتمع، ولا ينبغي عليهم أن يكونوا صداقات مع أي أحد ممن “ينتمون لمصر” بسبب الاختلافات الكبيرة بينهم”5. لكن أبرز ملامح أهل إيجيبت، أن ليس لهم حقوقًا سياسية، بمعنى أن ما اكتسبوه من امتيازات ليس بوصفهم مواطنين، إنما باعتبارهم يملكون ثمن هذه الامتيازات والخدمات؛ ومن ثم يمكن سحب هذه الامتيازات منهم في حال عجزوا عن الوفاء بتكلفتها. ويمكن كذلك أن يطالهم الإقصاء والتهميش في حال حاولوا ترجمة امتيازاتهم الطبقية إلى امتيازات سياسية. وبالتالي فإن علاقتهم هي علاقة زبونية، هم زبائن والدولة مقدم خدمة؛ بالتالي فالدولة في هذه الحال أقرب للشركة. سكان مصر… بلاد الأشياء الأخيرة: يعيش أهل مصر ظروف هي معكوس أوضاع أهل إيجيبت؛ إذ تتبخر كل الضمانات، ويصبح كل شيء عرضة للتغيير، وكل حق عرضة للانتزاع. ومراجعة سريعة لسياسات الحكومة خلال الفترة الأخيرة يكشف ذلك بصورة واضحة. إذ تحولت الخدمات إلى أدوات فرز طبقي، وباتت السياسات الحكومية تتجه بصورة واضحة إلى تقليص الخدمات المقدمة للجمهور، عبر رفع سعر الخدمة، أو حتى خصخصتها بالكامل وإخضاعها لمنطق السوق القائم على تعظيم الربح وتقليل التكلفة. نشير هنا إلى ثلاث أمثلة: الأول… التعليم: هناك مدارس دولية للطبقة الغنية والشرائح الأعلى من الطبقة الوسطى، وهناك عدة شرائح من المدارس الخاصة، يختلف مستوى الخدمات التعليمية التي تقدمها، باختلاف الشرائح التي تستهدفها، وأخيرًا، المدارس التجريبية والحكومية. والجامعات كذلك باتت أداة فرز طبقي. الثاني… الصحة: نجد الأمر نفسه، إذ هناك مستشفيات خاصة، يختلف مستوى الخدمة الطبية التي تقدمها باختلاف الوضع الطبقي للفئات المستهدفة، وفي قاع الهرم المستشفيات الحكومية التي تداعى مستوى الخدمات التي تقدمها بشكل كبير. ليس هذا فقط، إنما هذه المستشفيات باتت عرضة للخصخصة، بعد التصديق على قانون يسمح للقطاع الخاص في استئجار المستشفيات الحكومية6، وهو ما ألقى بظلال كئيبة على المستشفيات التي أدركها قطار الخصخصة، مثل مستشفى أورام دار السلام «هرمل»7. ومع الخصخصة تأتي قرارات إعادة تسعير الخدمات الصحية التي تقدمها المنشآت الصحية الحكومية، إذ أصدر “وزيرا الصحة والتنمية المحلية، لائحة جديدة للمستشفيات ومراكز الخدمات العلاجية والوحدات الصحية ومكاتب الصحة، وتضمنت اللائحة التي أصدرها الوزيران برقم 75 لسنة 2024، ونشرتها جريدة الوقائع المصرية، رفع أسعار تذاكر العيادات الصباحية من جنيه إلى عشرة جنيهات في المستشفيات العامة، وخمسة جنيهات في الوحدات الصحية، على أن يجوز مضاعفة كل منها خمس مرات، بعد موافقة مديرية الصحة المختصة. بالإضافة إلى تقليص نسبة العلاج المجاني بالمستشفيات العامة من 60% في اللائحة القديمة، إلى 25% في اللائحة التي بدأ تطبيقها في الرابع من مارس 20248. الثالث… الإسكان: يكفي أن نعرف أن بيانات “المركزي للإحصاء” تُظهر تراجع نسبة وحدات الإسكان الاقتصادي من إجمالي الوحدات التي نفذتها الحكومة، من 99.3% في 2014/ 2015 إلى 40.6% في 2022/ 20239. وأن محافظتي الجيزة والقاهرة شهدت “هدم ما يعادل 57343 وحدة سكنية، وعليه إخلاء ما يقارب 2867150…

تابع القراءة

الدور المصري في مستقبل غزة بعد وقف الحرب

تعمل المؤسسات الأمنية والدبلوماسية والاقتصادية في مصر على وضع رؤية شاملة لإدارة مرحلة ما بعد الحرب في غزة، ورسم حدود واضحة للدور المصري فيها بما يشمل ملفات إعادة الإعمار والإشراف عليها، والمشاركة المحتملة في قوات دولية لحفظ السلام داخل قطاع غزة، إلى جانب تنظيم عملية تشغيل معبر رفح، بين القطاع ومصر، وضبط الحدود، وضمان الأمن في المناطق المحاذية لسيناء المصرية1. ويمكن الإشارة إلي الدور المصري المرتقب في مستقبل غزة، كما يلي: 1- تستضيف مصر ثماني فصائل فلسطينية لوضع اللمسات الأخيرة على ملامح إدارة مؤقتة في غزة. وحسب صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية، تعقد الفصائل السياسية الفلسطينية مناقشات مغلقة يمكن أن تتيح لحماس لعب دور في تشكيل الإدارة في غزة بعد الحرب، رغم تعهد إسرائيل بالقضاء على النفوذ السياسي للحركة في القطاع والخلاف المستمر منذ عقود بين حماس والسلطة الفلسطينية. وتعمل الفصائل الفلسطينية الثماني المشاركة في المناقشات، بما في ذلك على وجه الخصوص حركتي فتح وحماس، على التوصل إلى إجماع بشأن العناصر الرئيسية لإدارة مؤقتة. ونقلت الصحيفة الأمريكية عن وزير الخارجية بدر عبد العاطي قوله في مقابلة إن الهدف هو إنشاء لجنة إدارية مكونة بالكامل من التكنوقراط من غزة. وأضاف عبد العاطي “الهدف الرئيسي هو تمكين الفلسطينيين، بمن فيهم السلطة الفلسطينية، من إدارة غزة كجزء لا يتجزأ من الضفة الغربية، وكخطوة نحو إنشاء الدولة الفلسطينية”. وأوضح أن أعضاء اللجنة سيتولون إدارة شؤون الحياة اليومية للفلسطينيين، في حين تكلف أجهزة الشرطة بمهام تطبيق القانون والحفاظ على الأمن في غزة. وقال عبد العاطي إن مجلس الأمن الدولي هو من يجب أن يحدد التفويض الدقيق لـ”مجلس السلام” (المزمع إنشائه لتولي إدارة الشئون السياسية والمدنية والاقتصادية في القطاع)، بما في ذلك علاقته باللجنة الفلسطينية، لكنه شدد على أن مصر والفصائل الفلسطينية متفقون على أن الشؤون المدنية في غزة يجب أن تدار من قبل الفلسطينيين أنفسهم2. وسبق أن أوضح عبد العاطي علي أنه تم التفاهم مع “كل الأطراف المعنية على 15 من الشخصيات التكنوقراط البارزة في غزة لإدارة القطاع لمدة 6 أشهر؛ ليكونوا نواة حقيقية لفرض الأمن والقانون في غزة”3. وكانت القمة العربية التي عقدت بالقاهرة في مارس 2025، اعتمدت لجنة إدارية فلسطينية غير فصائلية قادرة على إدارة قطاع غزة مؤقتاً، لحين عودة السلطة الفلسطينية، والتي تعد من مخرجات وساطة مصرية بين الفصائل الفلسطينية، لا سيما بين حركتي “فتح” و”حماس” على مدار أشهر4. وتمثل هذه النقطة خلاف حاد بين القاهرة وتل أبيب، حيث ترفض إسرائيل رفضًا قاطعًا لأي دور لحماس والسلطة الفلسطينية في غزة ما بعد الحرب، كما عبر عنه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. 2- تقوم مصر، بالتنسيق مع الأردن والسلطة الفلسطينية، بتدريب 10 آلاف من أفراد الشرطة التابعة للسلطة الفلسطينية؛ لتقوم بسد الفراغ الأمني في قطاع غزة بعد وقف الحرب5. حيث أن هذه القوات الشرطية ستحل محل القوات التابعة لحركة حماس. 3- أكد وزير الخارجية بدر عبد العاطي علي القبول ودعم قوة الاستقرار الدولية – المقترحة في خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والتي ستكون مسئولة عن فرض الهدوء والأمن داخل غزة – المتوقع نشرها في يناير 2026، ولم يمانع عبد العاطي إمكانية نشر هذه القوات داخل غزة وليس فقط علي حدودها، ولكنه وضع عدة شروط علي إمكانية المشاركة بها، تتمثل في: ضرورة مشاركة جنود أمريكيين في هذه القوات، وكان نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس قد أكد أن واشنطن لا تخطط لنشر قوات في إسرائيل أو غزة6. كما تصر القاهرة علي ضرورة أن يتم تشكيل هذه القوات بقرار صادر عن مجلس الأمن وبإشراف مباشر من الأمم المتحدة، وليس بتفاهمات ثنائية أو ترتيبات منفردة، ضمانًا للشرعية الدولية وتجنبًا لأي تسييس في عملها، وحتي لا تكون تحت إدارة أو وصاية دولة بعينها. وأن تعمل هذه القوات وفق صلاحيات محددة ومهام زمنية واضحة، لضمان أمن الحدود، ومتابعة تطبيق بنود اتفاق وقف إطلاق النار بين حماس وإسرائيل، والمساعدة في إعادة الإعمار والإغاثة الإنسانية7. وتصر مصر علي أن يكون دور هذه القوات “رقابي”، وأن يقتصر دورها علي حفظ السلام والفصل بين القوات الإسرائيلية وحماس وتأمين الحدود، وترفض القاهرة بشكل قاطع أن يكون دورها تنفيذيًا عبر قيامها بتدمير البنية العسكرية ونزع سلاح حماس والفصائل، وفي هذا السياق، أكد رئيس هيئة الاستعلامات المصرية ضياء رشوان إن تكليف القوة الدولية المزمع تشكيلها في قطاع غزة، بنزع سلاح حركة المقاومة الإسلامية (حماس) قد يؤدي إلى صدامات واشتباكات مسلحة، ولن تقبل أي دولة مشاركة في تلك القوة بالتصدي لهذا الأمر، مؤكدًا في الوقت ذاته علي أن الفلسطينيين لن يقبلوا بقوة أجنبية تتولى أمن غزة أو بوصاية جديدة تحل محل الاحتلال8. وفي سياق متصل، قال موقع “ميدل إيست آي” البريطاني، نقلًا عن مسئولين مصريين، أن القاهرة تريد وقتًا للتفاوض على تسليم الأسلحة الثقيلة مع حماس بطريقة منسقة، ولن تدخل في مواجهة مع الحركة، وأضاف أن مصر ترى أن التركيز في عملية نزع السلاح يجب أن يكون على منح عفو لمقاتلي حماس الذين يسلمون أسلحتهم9. ويمكن تفسير تحفظات مصر من المشاركة في هذه القوة الدولية المعنية بتثبيت الاستقرار في قطاع غزة، رغم ما قد تمنحها من نفوذ دبلوماسي، وتدفق محتمل للمساعدات، بعدة أسباب، أبرزها؛ أن مهمة هذه القوة، قد تتحول من دور مؤقت، إلى تورط طويل الأمد ومكلف، خاصة إذا اضطرت إلى مواجهة حماس والفصائل أو احتواء تدخلات إسرائيلية محتملة. أن المشاركة في هذه القوة التي تصنف بأنها منحازة للغرب، وتعمل على نزع السلاح، سيكون برأي البعض “تعاونًا” مع إسرائيل أو الولايات المتحدة، ما قد يثير احتجاجات أو اضطرابات، ويزيد من تعقيد المشهد بالنسبة للقاهرة، التي لا تبدي تسامحًا كبيرًا مع المظاهرات أو مع توظيف القضية الفلسطينية، من قبل جماعات مثل جماعة “الإخوان المسلمين”، وقد يعيد ذلك إحياء تحديات أيديولوجية، تهدد استقرار النظام المصري بشكل عام. ولا تزال مصادر تمويل هذه القوة غير واضحة، وإن كان من المتوقع أن تأتي من جهات مانحة إقليمية ودولية. ولكن إذا كان على مصر المساهمة في هذا التمويل، ولو من خلال تغطية نفقات قواتها المشاركة في القوة، فإن ذلك سيزيد من الضغوط على ميزانية الجيش، المثقلة أصلًا بعمليات سيناء، ويحول الموارد عن قطاعات حيوية مثل خدمة الدين والبنية التحتية والتعليم والصحة10. ناهيك عن أن ملف الحدود يظل الأكثر حساسية بالنسبة لمصر، خصوصًا مع استمرار سيطرة الجيش الإسرائيلي على ممر صلاح الدين (فيلادلفي) بطول 14 كيلومترًا على الحدود بين قطاع غزة ومصر، وهو ما تعتبره القاهرة مساسًا مباشرًا باتفاقياتها الأمنية (مع الاحتلال) وبتوازن سيناء الدقيق (الأمني). وأعلنت مصر صراحة أن أي بقاء إسرائيلي دائم على الشريط الحدودي يعد “خطاً أحمر”، وأن إعادة فتح معبر رفح لن تتم إلا بعودة إدارة فلسطينية للمعبر وبخروج كامل للقوات الإسرائيلية من جانب المعبر في الجهة الفلسطينية، وهو ما…

تابع القراءة

تجميد اتفاق الغاز بين مصر وإسرائيل: الأسباب والمآلات

جمد وزير الطاقة الإسرائيلي، إيلي كوهين، في 30 أكتوبر 2025، صفقة تصدير الغاز إلى مصر، التي أُبرمت قبل ثلاثة أشهر، معلنًا رفضه توقيع الرخصة التصديرية اللازمة لإتمام الاتفاق، حسبما نقلت وكالة “أسوشيتد برس” عن بيان من مكتبه، أرجع خلاله رفض التوقيع إلى ضرورة ضمان شروط تجارية أفضل للسوق المحلية، وسط تخوفات من ارتفاع أسعار الكهرباء في إسرائيل. رفض كوهين التوقيع على الرخصة التصديرية، وإن كان لا يلغي الاتفاق نهائيًا، إلا أنه أثار استياء الجانب الأمريكي، في ظل تشغيل شركة “شيفرون” الأمريكية كبرى حقول الغاز الطبيعي الإسرائيلية، ما تسبب في إلغاء زيارة وزير الطاقة الأمريكي، كريس رايت، لإسرائيل. شركة “نيوميد” الإسرائيلية، المساهمة في حقل “ليفياثان”، اعتبرت أن بيان كوهين لا يعني أي تغيير في الصفقة، معربة عن ثقتها في الحصول على جميع الموافقات اللازمة لإتمام الصفقة البالغ قيمتها 35 مليار دولار، لتزويد مصر بـ 130 مليار متر مكعب إضافية حتى عام 2040، والتي سبق وأعلنت عنها في أغسطس 20251. وفي أغسطس 2025، أُعلن عن اتفاقية من أضخم اتفاقيات الطاقة في تاريخ العلاقات بين مصر و”إسرائيل”، قُدرت قيمتها بنحو 35 مليار دولار، وتمتد حتى عام 2040. وتعتبر هذه الصفقة  تعديل لاتفاق سابق تم توقيعه بين تل أبيب والقاهرة عام 2019، وكان يقضي ببيع الطرف الأول 60 مليار متر مكعب فقط للطرف الثاني حتى عام 2030. ويتمثل إجمالي ما سيضخه حقل “ليفياثان” الخاضع لسيطرة إسرائيل إلى مصر وفق الاتفاق الجديد نحو 130 مليار متر مكعب حتى عام 2040. يتضمن الاتفاق مرحلتين، تبدأ الأولى بإمدادات جزئية عام 2026، تقدر بنحو 20 مليار متر مكعب من الغاز تليها المرحلة الثانية بنحو 110 مليارات متر مكعب بعد استكمال توسعة خطوط الربط بين الحقل ومحطات الإسالة في مصر. ومن المقرر أن تستخدم القاهرة الإمدادات الإسرائيلية لتغطية جزء من الطلب المحلي، كما تعيد تصدير كميات على شكل غاز مسال2. أولًا: دوافع إسرائيل لتجميد اتفاق الغاز مع مصر: على الرغم من التوترات في العلاقات الدبلوماسية والسياسية بين مصر وإسرائيل منذ اندلاع حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، فإن تلك التوترات، حتى وقت قريب، لم تنعكس على التعاون المتبادل في مجال الطاقة. فمنذ بداية الحرب تصاعدت عدة أزمات بين الطرفين حول التهجير، ومحور فيلادلفيا، ومعبر رفح، والدور المستقبلي للسلطة الفلسطينية في قطاع غزة، وغيرها من القضايا التي كانت مصر الأكثر حساسية تجاهها بحكم موقعها السياسي والجغرافي فيما يتعلق بقطاع غزة. ففي الأسابيع الخمسة الأولى من الحرب تقلص إمداد الغاز الإسرائيلي إلى مصر بأكثر من 50 في المئة، بسبب توقف ضخ الغاز من حقل “تمار”، الذي يقع على بعد حوالي 20 كم قبالة سواحل غزة، خشية تعرضه للقصف بصواريخ المقاومة. ولكن في المقابل، استمر الغاز الإسرائيلي الذي يصل إلى مصر عبر الأردن في التدفق كالمعتاد منذ بداية الحرب. فقد سعت كل من مصر وإسرائيل إلى إبقاء التبادل التجاري في مجال الطاقة بعيدًا عن التوترات الناتجة عن الحرب؛ لإدراكهما أن هذا الموضوع يمثل مصلحة استراتيجية للطرفين وله فوائد متبادلة. فقد أتاح فصل الغاز عن التطورات المرافقة للحرب والخلافات السياسية إمدادًا منتظمًا للطاقة لمصر، انعكس بطبيعة الحال على استقرارها السياسي، وعدم تعميق أزمتها الاقتصادية، وتكريس نفسها كمركز إقليمي لتسييل الغاز وإعادة تصديره إلى الأسواق الأوروبية، ومن ناحية إسرائيل فقد حافظت على سوق نهم لغازها ما وفر لها إيرادات مهمة، وعزز من دورها كمصدر إقليمي للطاقة3، خاصة وأنها لا تمتلك محطات إسالة لتصديره إلى أوروبا، وأن كلفة تأسيس تلك المحطات تتجاوز المليار دولار، ومن دون الاتفاق مع القاهرة لن تستطيع تل أبيب التصرف في إنتاج كميات الغاز المستخرجة من الحقول الواقعة شرق البحر المتوسط4. ومن المهم الإشارة إلى أن إسرائيل كانت الطرف الأكثر استفادة من هذه الصفقة، إذ كانت ترى فيها أداة رئيسية لتعويض العجز المالي الذي خلفته الحرب وتكاليفها الباهظة على القطاع الاقتصادي الإسرائيلي، فتل أبيب كانت بحاجة لاتفاق بهذا الحجم لتقليل فجوة الخسائر المتراكمة لأكثر من عامين من الحرب. إضافة إلى ذلك، استطاع الكيان فرض معظم شروطه أثناء صياغة الاتفاق، وأبرزها إلغاء بند جوهري كان يمنح مصر حق خفض كميات الاستيراد في حال تراجع سعر خام برنت إلى ما دون 50 دولارًا للبرميل، هذا التعديل يعني عمليًا أن القاهرة ستكون ملزمة بدفع قيمة الغاز وفق الأسعار الحالية، حتى إذا انخفضت الأسعار عالميًا أو تراجعت احتياجات السوق المحلي المصري. كما تضمن الاتفاق بند “Take or Pay” الذي يلزم شركة “بلو أوشن إنرجي” – ممثل الجانب المصري – بدفع قيمة الكميات المتعاقد عليها سواء تم استلامها فعليًا أم لا، وبموجب هذا الشرط النمطي في عقود الطاقة، تصبح مصر مرغمة على تحمل التزامات مالية ثابتة حتى لو تراجعت رغبتها أو حاجتها للاستيراد من “إسرائيل”5. غير أن تصاعد الخلافات السياسية، خاصة تلك المرتبطة بالحرب على قطاع غزة، والاتهامات الإسرائيلية لمصر بانتهاك اتفاقية السلام والملحق الأمني المتعلق بسيناء، أخذ يلقي بظلاله على مجمل العلاقات بين الطرفين6. ففي أوائل سبتمبر 2025، أصدر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تعليماته بعدم استكمال تنفيذ اتفاق الغاز بين مصر وإسرائيل إلا بموافقته المباشرة. وقد علقت صحيفة “يديعوت أحرونوت”، نقلًا عن مراقبين، أن تل أبيب تستخدم الطاقة كورقة ضغط سياسية وأمنية، عبر ربط التزام القاهرة باتفاقية السلام الموقعة بين الجانبين عام 1979 باستمرار إمدادات الغاز الإسرائيلي. وخلال العدوان الإسرائيلي على غزة، كررت تل أبيب شكواها إلى واشنطن بخصوص توقف القوات الدولية بقيادة الولايات المتحدة عن مراقبة الانتشار العسكري المصري في سيناء، كذلك عبر مسؤولون إسرائيليون عن قلقهم إزاء إدخال القاهرة قوات ومعدات بسيناء تتجاوز ما يسمح به اتفاق السلام الموقع قبل قرابة 50 عامًا7. ولا يتوقف الانتقاد الإسرائيلي علي زيادة عدد قوات الجيش المصري في سيناء باعتباره انتهاكًا مصريًا لاتفاقية السلام، وإنما يركزون أيضًا علي تعاظم قوة الجيش المصري بشكل عام. ومنهم سفير إسرائيل في الأمم المتحدة داني دانون الذي هاجم تعاظم قوة الجيش المصري وادعى أنهم يستعدون لكل سيناريو، وذلك خلال مقابلة صحفية في يناير 20258. وبالتالي، فإن إسرائيل تسعي إلي توظيف اتفاق الغاز كورقة ضغط استراتيجية علي مصر لدفعها إلى قدر أكبر من المرونة في ملف تهجير سكان غزة – وهو خط أحمر لدى القاهرة لما يمثله من تهديد مباشر للأمن القومي المصري – إضافة إلى التجاوب مع باقي المطالب الإسرائيلية فيما يتعلق بمستقبل غزة قيام قوة الاستقرار الدولية – المقرر تشكيلها لفرض الأمن في غزة –، والمنتظر أن تشارك فيها مصر، بنزع سلاح حماس من قطاع غزة، وهو ما ترفضه القاهرة التي تصر علي اقتصار دور هذه القوة في مراقبة وقف إطلاق النار بين حماس وإسرائيل. كما يمكن تفسير الخطوة الإسرائيلية بتجميد اتفاق الغاز مع مصر باعتباره مساحة للمناورة مع العواصم الغربية، إذ تقدم رسالة ضمنية مفادها أن أي ضغط سياسي على إسرائيل فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية سيؤذي أمن الطاقة…

تابع القراءة

التحرك المصري علي الجبهة اللبنانية: دوافعه وملامحه

استقبل الرئيس اللبناني جوزاف عون رئيس المخابرات المصرية اللواء حسن رشاد، في 28 أكتوبر 2025، في قصر بعبدا بالعاصمة اللبنانية بيروت. وحضر اللقاء وفد مصري رافق رشاد، كما حضره من الجانب اللبناني المدير العام للأمن العام اللواء حسن شقير ومدير المخابرات في الجيش العميد أنطوان قهوجي. وجاءت الزيارة بالتزامن مع زيارة الموفدة الأمريكية، مورغان أورتاغوس، إلى لبنان وبعد أيام قليلة من لقاء اللواء رشاد مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في القدس المحتلة، في 21 أكتوبر 2025، ما يمنحها بعدًا سياسيًا وأمنيًا بالغ الحساسية في لحظة إقليمية متوترة. وتناول لقاء عون مع رشاد الملفات الأمنية والعسكرية والتنسيق بين الدولتين، وكيفية الاستفادة من أجواء اتفاق غزة وقمة شرم الشيخ لتوسيعها لتشمل لبنان، بحسب ما أوردته الرئاسة اللبنانية على منصة إكس. كما تم خلال اللقاء عرض الأوضاع في المنطقة عمومًا وفي جنوب لبنان خصوصًا، إضافة إلى الوضع في غزة. وأبدى اللواء رشاد “استعداد بلاده للمساعدة في تثبيت الاستقرار في الجنوب وإنهاء الوضع الأمني المضطرب فيه. كما جدد تأكيد دعم مصر للبنان”1. أولًا: دوافع التدخل المصري علي الجبهة اللبنانية: تتمثل دوافع التحرك المصري علي الجبهة اللبنانية في: ثانيًا: ملامح التحرك المصري علي الجبهة اللبنانية: تقوم الوساطة المصرية لوقف الحرب علي الجبهة اللبنانية بين إسرائيل وحزب الله علي مرحلتين: الأولي؛ تثبيت وقف إطلاق النار ووقف الخروقات الإسرائيلية المتكررة في الجنوب، والحصول علي ضمانات أمريكية – وإسرائيلية بعدم توسيع الحرب، في مقابل التزام لبناني واضح بتعزيز انتشار الجيش وتقليص حضور السلاح غير المنضبط قرب الحدود. الثانية؛ بحث صيغة لانسحاب إسرائيلي من خمس نقاط حدودية في الجنوب، في إطار آلية رقابة (الميكانيزم) تشمل لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة وفرنسا و”يونيفيل”، مع بحث توسيعها بمشاركة عربية، بينها مصر6. وفي ضوء هذه الرؤية المصرية، يمكن الوقوف علي عدة سيناريوهات للتحرك المصري في لبنان: ولكن هذه التحركات المصرية المنتظرة، ستواجه عدة عقبات، تتمثل في: 1 “خاص| ما حمله رئيس المخابرات المصرية من رسائل في زيارته إلى لبنان”، العربي الجديد، 28/10/2025، الرابط: https://www.alaraby.co.uk/politics/%D8%AE%D8%A7%D8%B5-%D9%85%D8%A7-%D8%AD%D9%85%D9%84%D9%87-%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AE%D8%A7%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D8%B1%D8%B3%D8%A7%D8%A6%D9%84-%D9%81%D9%8A-%D8%B2%D9%8A%D8%A7%D8%B1%D8%AA%D9%87-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86 2 “القاهرة تدخل على خط الجبهة اللبنانية… لماذا الآن وأيّ فرصٍ لوساطتها؟”، النشرة، 30/10/2025، الرابط: https://www.elnashra.com/news/show/1748030/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D9%87%D8%B1%D8%A9-%D8%AA%D8%AF%D8%AE%D9%84-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D9%87%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%A2%D9%86-%D9%88%D8%A3%D9%8A%D9%91- 3 “تحرك مصري بلبنان لتثبيت الاستقرار العربي.. قراءة فى دبلوماسية الظل”، مجلة السياسة الدولية، 29/10/2025، الرابط: https://www.siyassa.org.eg/News/22153/%D8%AA%D8%AD%D9%84%D9%8A%D9%84%D8%A7%D8%AA/%D8%AA%D8%AD%D8%B1%D9%83-%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A-%D8%A8%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86-%D9%84%D8%AA%D8%AB%D8%A8%D9%8A%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A-%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A9-%D9%81%D9%89-%D8%AF%D8%A8%D9%84%D9%88%D9%85%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B8%D9%84-.aspx 4 “حصري: القاهرة تتحرّك لـ”فرملة” حرب إسرائيلية واسعة على لبنان عبر مبادرة انسحاب وضغط دبلوماسي منسّق”، عربي بوست، 7/11/2025، الرابط: https://arabicpost.net/%d8%aa%d9%82%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%b1-%d8%ae%d8%a7%d8%b5%d8%a9/2025/11/07/%d8%ad%d8%b5%d8%b1%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%a7%d9%87%d8%b1%d8%a9-%d8%aa%d8%aa%d8%ad%d8%b1%d9%91%d9%83-%d9%84%d9%80%d9%81%d8%b1%d9%85%d9%84%d8%a9-%d8%ad%d8%b1%d8%a8-%d8%a5%d8%b3%d8%b1%d8%a7/ 5 “15 اتفاقية بين مصر ولبنان.. وبيروت تتطلع لدعم سياسي واقتصادي من القاهرة”، الشرق نيوز، 2/11/2025، الرابط: https://asharq.com/politics/159163/15-%D8%A7%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%82%D9%8A%D8%A9-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D9%85%D8%B5%D8%B1-%D9%88%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86-%D9%88%D8%A8%D9%8A%D8%B1%D9%88%D8%AA-%D8%AA%D8%AA%D8%B7%D9%84%D8%B9-%D9%84%D8%AF%D8%B9%D9%85-%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A-%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D9%8A/ 6 “حصري: القاهرة تتحرّك لـ”فرملة” حرب إسرائيلية واسعة على لبنان عبر مبادرة انسحاب وضغط دبلوماسي منسّق”، مرجع سابق. 7 “تحرك مصري بلبنان لتثبيت الاستقرار العربي.. قراءة فى دبلوماسية الظل”، مرجع سابق. 8 “تحركات مصرية متصاعدة لتجنب عودة الصراع في الجنوب اللبناني”، الشرق الأوسط، 2/11/2025، الرابط: https://aawsat.com/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A/5204308-%D8%AA%D8%AD%D8%B1%D9%83%D8%A7%D8%AA-%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%B9%D8%AF%D8%A9-%D9%84%D8%AA%D8%AC%D9%86%D8%A8-%D8%B9%D9%88%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%B1%D8%A7%D8%B9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%86%D9%88%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86%D9%8A 9 “تحرك مصري بلبنان لتثبيت الاستقرار العربي.. قراءة فى دبلوماسية الظل”، مرجع سابق. 10 “حصري: القاهرة تتحرّك لـ”فرملة” حرب إسرائيلية واسعة على لبنان عبر مبادرة انسحاب وضغط دبلوماسي منسّق”، مرجع سابق.

تابع القراءة

الموقف المصري من سيطرة قوات الدعم السريع علي الفاشر: المحددات والأبعاد

أعلنت ميليشيا “الدعم السريع” التي يقودها محمد حمدان دقلو (حميدتي) سيطرتها على مدينة الفاشر السودانية، عاصمة ولاية شمال دارفور، في 26 أكتوبر 2025، بعد معارك قاسية انتهت بالاستيلاء على مقر الفرقة السادسة، باعتباره آخر معقل للجيش في الفاشر، وهو ما يعني سيطرة الميليشيا على ولاية دارفور بأقاليمها الخمسة1. برر رئيس “مجلس السيادة” عبد الفتاح البرهان، انسحاب الجيش السوداني من آخر معاقله في مدينة الفاشر بأن القرار اتخذ لحماية المدنيين وتجنيب المدينة مزيدًا من الخسائر البشرية والمادية، رغم وقوع مجازر عقب الانسحاب2. وقد أثار سقوط المدينة في يد الدعم السريع، عقب شهور من الحرب الدامية بين الجيش والدعم السريع منذ أبريل 2023، مخاوف من تأثير ذلك على مصر وأمنها القومي، خاصة لو انفصلت دارفور مثل جنوب السودان وزاد تفتت السودان الأم3. فمن أصل 18 ولاية بعموم البلاد، تسيطر قوات الدعم السريع حاليًا على جميع ولايات إقليم دارفور الخمس غربًا، عدا بعض الأجزاء الشمالية من ولاية شمال دارفور لا تزال في قبضة الجيش الذي يسيطر على معظم مناطق الولايات الـ13 المتبقية بالجنوب والشمال والشرق والوسط، بينها العاصمة الخرطوم4. أولًا: محددات الموقف المصري من سيطرة قوات الدعم السريع علي الفاشر: منذ سقوط نظام عمر البشير عام 2019، ثم الانزلاق إلى حرب مفتوحة منذ أبريل 2023 بين الجيش والدعم السريع، باتت المقاربة المصرية تجاه السودان محكومة بأربع دوائر رئيسية من القلق والحسابات الاستراتيجية: 1- المقاربة الأمنية: حيث تمتلك مصر حدود مشتركة مع السودان تمتد لأكثر من 1200 كيلومتر، أغلبها مناطق صحراوية مفتوحة، تجعلها ضعيفة الرقابة في كثير من الأماكن، بما يجعلها بيئة مثالية للنشاطات الإجرامية والاقتصاد غير الرسمي العابر للحدود، من تهريب السلاح والمخدرات إلى حركة العصابات المسلحة، وهذا الواقع يجعل احتمالية تسلل عناصر مسلحة أو متطرفة إلى الداخل المصري (خاصة نحو حلايب وشلاتين، وأسوان والبحر الأحمر) سيناريو واقعي وخطير، لا يقل تهديدًا عن تحديات سيناء أو ليبيا. ويتصاعد هذا الهاجس في ظل حالة التوتر السياسي والإعلامي المتنامي بين القاهرة وقوات الدعم السريع، وتبادل الاتهامات حول التدخلات والانحيازات في الحرب5. وتخشى مصر أن يؤدي سقوط الفاشر إلى تصاعد هذه المخاطر الأمنية على حدودها الجنوبية، وبما قد يدفعها إلى التدخل المباشر في النزاع، خاصة إذا تقدمت “قوات الدعم السريع” شمالًا باتجاه الولاية الشمالية، التي لا تبعد سوى 177 كيلومترًا عن الحدود المصرية. فإذا ما ترسخت سيطرة “الدعم السريع” في هذه المنطقة، فإن جنوب مصر سيصبح في مرمى الطائرات المسيرة التي باتت تستخدمها الميليشيا6. القلق المصري ينبع أيضًا من احتمالات تكرار سيناريو جنوب السودان، في ولاية دارفور، بعدما أصبح حميدتي يسيطر على غرب وجنوب السودان والجيش يسيطر على الشرق والشمال، ما يخلق أزمة أمنية لمصر. سقوط الفاشر يجعل من دارفور منطقة شبه مستقلة فعليًا، ويسهل تواصلها مع دول الجوار الإفريقي التي تعد وسيط بينها وبين داعمي هذه القوات في الخارج، خاصة الإمارات وتشاد وجنوب السودان، ما يعزز من انفصالها فعليًا أو بإعلان رسمي، خاصة أن هناك مشاريع لإعلان “إدارة مدنية” أو كيان ذاتي الحكم، ما قد يعيد سيناريو انفصال جنوب السودان عام 2011. مؤشرات الانفصال المحتملة، هي أن “حميدتي” شكل حكومة ومجلس رئاسي منفصل في دارفور، وأدى اليمين الدستورية في أغسطس 2025، رئيسًا للمجلس الرئاسي لحكومة “تأسيس” الموازية في فبراير 2025، ثم وضع دستور مؤقت في مارس 2025، ينص على “علمانية الدولة”. وفي مايو 2025، قرر تأسيس برلمان وحكومة. وقبل سقوط الفاشر، وصفت الحكومة السودانية في الخرطوم، في بيان أغسطس 2025، أداء حميدتي اليمين الدستورية رئيسًا لحكومة موازية بأنه “يدفع البلاد خطوة أقرب نحو تقسيم فعلي”. وعليه، فإن تفكك السودان، وفقدان الخرطوم السيطرة على دارفور، سوف يعني انهيار كامل لمفهوم الدولة العازلة جنوب مصر، ما يجبر القاهرة على التعامل مع دويلات أو ميليشيات متصارعة بدلًا من التعامل مع شريك مركزي واحد7. 2- المقاربة الاقتصادية والاجتماعية: تسببت الحرب الأهلية في السودان في نزوح ما يقرب من 12 مليون شخص، بينهم نحو 4 ملايين فروا إلى خارج البلاد. واستقبلت مصر الحصة الأكبر من هؤلاء، إذ دخل أراضيها نحو 1.5 مليون لاجئ سوداني منذ اندلاع النزاع. وانضم هؤلاء إلى ما يقرب من 3.5 مليون سوداني كانوا يقيمون في مصر قبل اندلاع الحرب، ويتمركز وجودهم في المناطق الحضرية، خصوصًا في العاصمة القاهرة والإسكندرية. ويعيش اللاجئون السودانيون جنبًا إلى جنب مع المصريين، ويتقاسمون معهم الخدمات العامة التي تعاني أصلًا من نقص التمويل والإجهاد، مثل وسائل النقل والمستشفيات والمدارس. ويضيف هذا العبء مزيدًا من الضغوط على الاقتصاد المصري والخدمات الاجتماعية التي تواجه تحديات متراكمة. وتستضيف مصر حاليًا ما يقرب من تسعة ملايين لاجئ، ما يفرض عليها أعباء متزايدة في مجالات الغذاء والرعاية الصحية والإيواء، في وقت تواجه فيه البلاد أزمات اقتصادية خانقة، تشمل التضخم وشح المياه القادمة من نهر النيل. ولا يقتصر الأمر على اللاجئين السودانيين، إذ تستضيف مصر أيضًا ملايين اللاجئين من دول أخرى في المنطقة، مثل سوريا واليمن وليبيا والعراق، ما يجعلها واحدة من أكبر الدول المضيفة للاجئين في العالم. ومع التطورات الأخيرة في مدينة الفاشر، يتوقع أن تشهد مصر موجة نزوح جديدة، مع فرار آلاف المدنيين من الجحيم الذي تخلقه الميليشيا هناك. وتسعى القاهرة إلى توظيف هذا الواقع الإنساني للضغط على المجتمع الدولي، لا سيما أوروبا، من أجل الحصول على دعم مالي وسياسي. فالقارة العجوز ترتعد من احتمال عبور ملايين اللاجئين البحر المتوسط نحو شواطئها. ومع ذلك، فإن أي دعم دولي، مهما بلغ حجمه، سيبقى قطرة في محيط الاحتياجات المتزايدة لهؤلاء اللاجئين8. 3- المقاربة السياسية: تقوم السياسة المصرية نحو السودان علي دعم الجيش السوداني استنادًا إلي سياسة راسخة تقوم على مساندة مؤسسات الدولة في دول الجوار، ورفض التعامل مع الميليشيات والجهات غير الرسمية. وقد تجلى هذا النهج المصري في ملفات عدة، من لبنان إلى ليبيا، وحتى سوريا قبل سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024. وترى القاهرة في الجيش السوداني السلطة الشرعية الوحيدة في البلاد، وهو ما يتجلى في الاستقبال الحافل الذي يحظى به قائده، الفريق عبد الفتاح البرهان، في كل زيارة له إلى العاصمة المصرية9. في المقابل، قبل اندلاع الحرب، لم تكن علاقة حميدتي بمصر متينة بالمعنى السياسي أو الأمني، لكنها لم تكن عدائية كذلك. فالقاهرة، التي كانت تنظر إلى المؤسسة العسكرية السودانية بوصفها شريكها الطبيعي، كانت تتحفظ على تمدد نفوذ الدعم السريع، وتتعامل مع حميدتي، باعتباره فاعلًا غير منضبط في معادلة السلطة، خاصة بعد سقوط نظام عمر البشير عام 2019. مع ذلك، أدركت مصر أن حميدتي يمثل رقمًا في معادلة القوة، وأن تجاهله يعني خسارة القدرة على التأثير في مسار الانتقال السياسي. فاستقبلت القاهرة حميدتي رسميًا في مارس 2021، حيث التقى الرئيس عبد الفتاح السيسي، في زيارة حملت في ظاهرها رسائل دعم للتوافق السوداني، لكنها في جوهرها كانت…

تابع القراءة

موقف إسـ،ـرائيل من احتـ،ـلال قطاع غزة: الدوافع والتحديات

تواجه إسرائيل في تعاملها مع الحرب علي غزة خيارًا ما بين ثلاثة بدائل استراتيجية، وكلها تنطوي على تكاليف كبيرة إلى جانب مزاياها، ولا يمكن أي منها تحقيق أهداف الحرب بشكل كامل، كما يذكر معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي. والخيارات الثلاثة التي تدرسها الأوساط السياسية، بحسب المعهد الإسرائيلي، تنحصر ما بين: 1- تعزيز السياسة الحالية وزيادة الضغط العسكري على حماس واستمرار محاولات استنزاف مواردها المالية والسيطرة على السكان بنقلهم إلى “المدينة الإنسانية” في رفح وتعزيز محاولات السيطرة على توزيع المساعدات على السكان من خلال الآلية الإسرائيلية الأمريكية. 2- التوصل إلي اتفاق وقف لإطلاق النار في قطاع غزة يفضي إلى إنهاء الحرب. 3- السيطرة الكاملة على قطاع غزة وفرض حكومة عسكرية مؤقتة. ويبدو أن إسرائيل حسمت خيارها باحتلال قطاع غزة، حيث كشفت القناة الـ12 الإسرائيلية جزءًا من تفاصيل خطة عسكرية لاحتلال قطاع غزة سيناقشها الكابينت (المجلس الوزاري المصغر)، في 7 أغسطس 2025، وهي الخطة التي يعارضها رئيس الأركان إيال زامير، واصفًا إياها بالفخ الاستراتيجي. وقالت إن الحديث يدور عن ما وصفته بمناورة برية تمتد من 4 إلى 5 أشهر، وفق تقديرات واضعي الخطة التي سيتولى تنفيذها من 4 إلى 6 فرق عسكرية. وتحدثت عن هدفين رئيسيين للخطة؛ أحدهما يتعلق باحتلال مدينة غزة والمخيمات الواقعة في وسط القطاع، في حين يتمثل الثاني في تهجير السكان، أو ما وصفته بدفع سكان القطاع جنوبًا بهدف تشجيعهم على الخروج من القطاع. وفي 5 أغسطس 2025، اتخذ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو – المطلوب للجنائية الدولية – قرارًا بالمضي في احتلال غزة، خلال اجتماع مغلق مع وزراء ومسؤولين أمنيين، بحسب ما نقلته هيئة البث الإسرائيلية الرسمية.  أولًا: دوافع إسرائيل لاحتلال قطاع غزة: يتمثل الدافع الرئيسي لدي إسرائيل – المستوي السياسي علي وجه الخصوص – في احتلال قطاع غزة بالكامل في؛ عدم جدوي أي خيارات أخري غير احتلال القطاع في تحقيق أهداف الحرب الإسرائيلية (استعادة جميع الأسرى لدي حماس، وتفكيك حماس كليًا ككيان عسكري ومدني منظم، وتغيير الواقع الأمني في قطاع غزة بحيث يُزال أي تهديد جوهري لإسرائيل، فضلًا عن الحفاظ على حرية العمل العملياتي لـ”جز العشب” متى اقتضت الحاجة على غرار نموذج العمل المتبع في الضفة الغربية)، وهو ما يمكن توضيحه فيما يلي:  1- تخوض إسرائيل حربًا في قطاع غزة منذ نحو عامين، وعلى الرغم من الأضرار الكبيرة التي ألحقتها بقدرات حركة حماس، فإنها لم تحقق أهداف الحرب بعد. لا تزال حماس تمارس وظائفها، المدنية والعسكرية، كجهة مسيطرة على أجزاء كبيرة من القطاع، وعلى الرغم من أن هذه الأجزاء ليست واسعة جغرافيًا، فإن أهميتها تنبع من رمزيتها، ومن كونها تمثل مراكز ثقل للتنظيم ومناطق مكتظة بالسكان. فعلى سبيل المثال، يسيطر التنظيم على مدينة غزة، وغربي خان يونس، والمخيمات الوسطى، ومنطقة المواصي، حيث يتركز نحو نصف سكان القطاع. كما لا تزال تسيطر على الأنظمة البلدية (حتى لو كان ذلك من خلال لجان طوارئ بديلة من البلديات)، وتدير الاقتصاد المحلي، بما يشمل جباية الضرائب، وتحافظ على سيطرتها وتأثيرها في منشآت المساعدات الإنسانية والملاجئ، وخصوصًا تلك التابعة للأونروا التي يقيم بها النازحون. كذلك تواصل حماس تنفيذ إعدامات بحق مشتبه فيهم بالتعاون مع إسرائيل، أو سرقة المساعدات الإنسانية.  أما من الناحية العسكرية، فلا تزال حماس تمتلك في هذه المرحلة من الحرب هيكلين عسكريين رئيسيين، هما: لواء غزة ولواء خان يونس، اللذان حتى لو أنهما لا يعملان بكفاءة كاملة، فلا تزال قيادتا هذين اللواءين ناشطتين، وما زالت البنية العسكرية قائمة. ويبدو كأن حماس تنجح في تجنيد عدد كبير من الشبان، وتزويدهم بالسلاح. كذلك، تنجح حماس في استعادة قدراتها الإنتاجية الذاتية، القائمة أساسًا على استخدام بقايا قذائف إسرائيلية ومرافق إنتاج ونقاط معرفة لم تُدمر بعد. كما يبدو أنها تأقلمت مع الواقع الجديد، وتعمل وفق نمط حرب العصابات، وتنجح في إيقاع خسائر بإسرائيل أحيانًا. 2- لم تحقق إسرائيل بعد هدفها المتمثل في خلق ظروف تؤدي إلى تحرير جميع الأسرى لدي حماس، فعلى الرغم من النجاحات الإسرائيلية في استعادة جثامين أسرى مؤخرًا، فإن حماس لا تزال تحتجز 20 أسيرًا علي قيد الحياة و30 جثمانًا، وربما تجد صعوبة في الوصول إلى بعض الجثامين، سواء لأن جهات أخرى احتجزتها، أو لأن من دفن الجثامين قُتل، أو نظرًا إلى التغيرات التي جرت في معالم المناطق بفعل الدمار الهائل، بطريقة لا تسمح بتحديد مواقع الدفن. 3- لا تثق إسرائيل فيما يروج خلال مفاوضات وقف إطلاق النار من استعداد قيادة حماس للتنازل عن السيطرة المدنية على القطاع لمصلحة السلطة الفلسطينية، أو لجنة تكنوقراط، ما دام التنظيم يرفض نزع سلاحه، فما دامت حماس تواصل الاحتفاظ بقدراتها العسكرية، فإنها ستسعى بكل قوة، وبدعم إيراني، لإعادة تنظيم نفسها وتعزيز قوتها العسكرية من جديد، وفقًا لوجهة النظر الإسرائيلية. 4- وبالتالي، وبحسب وجهة النظر الإسرائيلية، فإن السيطرة الكاملة على قطاع غزة وفرض إدارة عسكرية موقتة يعتبر الخيار الوحيد القادر، ولو موقتًا، على تحقيق أهداف الحرب ضد حماس: تدمير قدراتها العسكرية والحكومية بشكل مباشر، ثم إزالة التهديدات من غزة في اتجاه “إسرائيل”، وتهيئة الظروف التي تسمح بعودة سكان “غلاف غزة” إلى منازلهم بأمان. أما بالنسبة إلى استعادة جميع الأسرى، فقد تكون عمليات الجيش الإسرائيلي في هذا الاتجاه محفوفة بخطر الإضرار غير المقصود بالأسرى، أو دفع حماس إلى إيذائهم. ومع ذلك، فأن السيطرة الإسرائيلية على القطاع قد تشجع فلسطينيين يملكون معلومات عن الأسرى على تقديمها لإسرائيل، والذين يمتنعون من اتخاذ هذه الخطوة حاليًا، خوفًا من استهدافهم من حماس. كما أنه إذا اقتنع قادة حماس بأن إسرائيل حسمت أمرها في اتجاه خيار احتلال غزة، ستزداد فرص التوصل إلى اتفاق معها بشروط أقرب كثيرًا إلى شروط إسرائيل. 5- لا يمكن تنفيذ مخططات التهجير والضم والاستيطان بقطاع غزة إلا عبر احتلال القطاع. وفي هذا السياق، طالب وزراء ونواب كنيست، وزير الأمن، يسرائيل كاتس، بالسماح لهم بالدخول إلى قطاع غزة من أجل التحضير لإقامة المستوطنات على أنقاضها، طبقًا لما أفادت به “القناة 12” الإسرائيلية. وذكرت القناة أن “22 وزيرًا وعضوًا في الائتلاف الحاكم يتقدمهم وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير قد تقدموا بطلب لوزير الأمن كي يسمح لهم بالقيام بجولة في شمال قطاع غزة للتمهيد للاستيطان في القطاع”.  وكانت صحيفة “هآرتس” قد كشفت أنه في إثر قرار نتنياهو زيادة المساعدات الإنسانية المقدمة إلى القطاع، الذي عارضه حزب “الصهيونية الدينية” برئاسة الوزير بتسلئيل سموتريتش، تم التعهد لهذا الأخير بضم مناطق من القطاع إلى إسرائيل من أجل إغرائه بالبقاء في صفوف “الائتلاف” الحاكم.  أكثر من ذلك، وصل الأمر إلي دعوة وزير التراث الإسرائيلي عميحاي إلياهو، إلى احتلال قطاع غزة بالكامل والتخلي عن الأسرى الإسرائيليين لدى المقاومة الفلسطينية في القطاع. وقال إلياهو – من “عوتسما يهوديت” (القوة اليهودية)-، إن غزة يجب أن تكون يهودية. وطالب…

تابع القراءة

الاعترافات الأوروبية بالدولة الفلسطينية: الدوافع والحدود

أعلن وزير الخارجية الفرنسي جون نويل بارو، في 30 يونيو 2025، أن 15 دولة وجهت نداء جماعيًا تعتزم فيه الاعتراف بدولة فلسطين.  وقال بارو عبر منصة “إكس” عقب اختتام مؤتمر حل الدولتين “في نيويورك، في الفترة من 28 إلي 30 يونيو 2025، مع 14 دولة أخرى توجه فرنسا نداء جماعيًا: نعرب عن عزمنا الاعتراف بدولة فلسطين وندعو الذين لم يفعلوا ذلك حتى الآن إلى الانضمام إلينا”. والى جانب فرنسا، انضمت كندا وأستراليا، العضوان في مجموعة العشرين، إلى هذا النداء المشترك. ووقعت دول أخرى على الدعوة، وهي أندورا وفنلندا وأيسلندا وأيرلندا ولوكسمبورغ ومالطا ونيوزيلندا والنرويج والبرتغال وسان مارينو وسلوفينيا وإسبانيا. وأعربت 9 دول منها – لم تعترف بعد بالدولة الفلسطينية – عن استعدادها أو اهتمامها الإيجابي بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، وهي أندورا وأستراليا وكندا وفنلندا ولوكسمبورغ ومالطا ونيوزيلندا والبرتغال وسان مارينو. وقالت القناة 12 الإسرائيلية إن البيان المشترك صدر بالتنسيق مع دول سبق أن اعترفت بدولة فلسطين، ومن بينها إسبانيا وأيرلندا وسلوفينيا والنرويج. كما أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، في 29 يونيو 2025، أن بلاده ستعترف رسميًا بدولة فلسطين بحلول سبتمبر المقبل (موعد انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة المقبلة) ما لم تتخذ إسرائيل خطوات ملموسة للسماح بدخول المساعدات إلى قطاع غزة وتلتزم بحل الدولتين وتمتنع عن ضم الضفة الغربية. أولًا: سياقات الاعترافات الأوروبية بالدولة الفلسطينية: مر الاعتراف الأوروبي بالدولة الفلسطينية بعدة مراحل، تمثلت في: وتأتي هذه الاعترافات الأوروبية الحالية بالدولة الفلسطينية في سياق ظهور مؤشرات واضحة على وجود تحولات في المواقف الأوروبية من العدوان الإسرائيلي المستمر على غزة منذ منتصف عام 2024، والتي اكتسبت زخمًا أكبر بعد خرق إسرائيل للهدنة الأخيرة التي جرى التوصل إليها في 19 يناير 2025، واستئناف عدوانها، بعد شهرين، في 19 مارس، في ضوء تفاقم الوضع الإنساني، وتواتر التقارير الحقوقية عن التجويع الممنهج الذي تقوم به، واستهداف مباشر للنساء والأطفال. وبحلول مايو 2025، برزت مؤشرات على موجة تحول واسعة في المواقف الأوروبية من الجانب الإسرائيلي، اتخذت السمات التالية: ثانيًا: دوافع الاعترافات الأوروبية بالدولة الفلسطينية: تتمثل أبرز الأسباب التي تقف خلف الاعترافات الأوروبية بالدولة الفلسطينية فيما يلي: 1- الضغوط الشعبية: تصاعدت الاحتجاجات الشعبية المنددة بالانتهاكات الإسرائيلية في معظم العواصم الأوروبية، وباتت تشكل زخمًا كبيرًا وصداعًا في رأس الحكومات والأنظمة، خاصة في ظل وجود جالية عربية وإسلامية كبيرة تشكل رقمًا صعبًا في الخارطة الديموغرافية للمجتمع الأوروبي. وهو ما أجبر العديد من الحكومات الأوروبية، التي وجدت نفسها في حرج أخلاقي كبير، على إعادة النظر في مواقفها من الحرب الإسرائيلية علي غزة، لا سيما بعد تصاعد الخطاب الذي يتهم هذه الدول بالتواطؤ مع “إسرائيل” في تلك الإبادة.  ومؤخرًا، شهدت عواصم ومدن أوروبية مظاهرات يومية تطالب بوقف التجويع والإبادة الجماعية للفلسطينيين. وذلك بعدما أدت الحرب المتواصلة، وانهيار الخدمات الأساسية، والقيود المشددة المفروضة على إيصال المساعدات الإنسانية وتوزيعها، إلى خلق أوضاع كارثية في مجال الأمن الغذائي، شملت السكان في مختلف أنحاء القطاع. ووردت تقارير متزايدة عن وفيات ناجمة عن المجاعة، في حين جرى إدخال نحو 20 ألف طفل في غزة إلى المستشفيات، منذ أبريل 2025، بسبب سوء التغذية الحاد، وبات من الواضح أن قطاع غزة يرزح تحت وطأة المجاعة، في ظل منع وصول الغذاء إلى الغزيين، نتيجة السياسات الإسرائيلية الهادفة إلى معاقبتهم وإبادتهم جماعيًا. ومنذ أواخر مايو 2025، تولت مؤسسة “غزة الإنسانية”، وهي منظمة تحوم حولها شبهات متعددة، عملية توزيع الغذاء من خلال أربعة مراكز تقع داخل مناطق يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي، وتديرها شركات أمنية أمريكية خاصة؛ وقد أدى هذا التغيير إلى تباطؤ شديد في تدفق المساعدات الإنسانية. وعلاوة على ذلك، لقي مئات الفلسطينيين مصرعهم على الطرق المؤدية إلى تلك المراكز، إما نتيجة لإطلاق قوات الاحتلال النار، أو بسبب التدافع والدهس في أثناء انتظارهم الحصول على الغذاء. 2- الضغوط السياسية: وضعت تطورات الحرب والانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة، والمشاهد المرعبة القادمة من قلب قطاع غزة لحظة بلحظة، حكومات أوروبا في مأزق سياسي كبير، سواء أمام شعوبها أو في مواجهة ما تزعم التمسك به من مبادئ وأخلاقيات ومرتكزات إنسانية وحضارية. كما شكلت الخطوات التي اتخذتها عدد من دول القارة في مواجهة هذه الإبادة، كاعتراف إيرلندا وإسبانيا والنرويج بفلسطين، ضغوطًا إضافية على حكومات الدول داخل الاتحاد الأوروبي، وزاد من تعقيد الموقف إصدار المحكمة الجنائية الدولية، في نوفمبر 2024، مذكرة اعتقال بحق نتنياهو ووزير الحرب السابق يوآف غالانت، مما وضع قادة القارة في موقف بالغ الحرج، إذ إن تجاهل تلك القرارات يعني عمليًا تقويض المحكمة وغيرها من المؤسسات التي تعول عليها أوروبا في محاولتها لفرملة التوغل الروسي في القارة. أضف إلي ذلك، القلق الأوروبي المتنامي الناتج من ممارسات الحكومة الإسرائيلية في توسيع المستوطنات في الضفة الغربية والاعتداءات المتكررة على الحرم القدسي الشريف وهجمات عصابات المستوطنين اليومية على قرى فلسطينية، ومن نيات حكومة نتنياهو ضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية وقطاع غزة أيضًا؛ ما من شأنه أن يقوض نهائيًا أي أفق لحل الدولتين الذي تتمسك به الدول الأوروبية في مقاربتها تجاه حل القضية الفلسطينية. وقد تزامنت أعمال الإبادة الجماعية في غزة مع تصعيد مواز في الضفة؛ تمثل في توسع الاستيطان، وارتفاع وتيرة عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين، فضلًا عن نقل صلاحيات إدارة الضفة من الجيش إلى السلطات المدنية الإسرائيلية، في خطوة تُفسر على نطاق واسع بأنها تمهيد فعلي للضم الكامل. ناهيك عن أن منع إدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، بدءًا من مارس 2025، مثل معضلة مضاعفة للدول الأوروبية التي دأبت على محاولة تعويض قصور مواقفها السياسية المتقاعسة بالتركيز على إظهار تقديم مساعدات إنسانية للشعب الفلسطيني والظهور أحيانًا مع بعض شحنات الإغاثة المتجهة إلى غزة. أدت سياسات الحصار الشامل إلى تعطيل هذا الوجه من مسعى “الغسيل الأخلاقي” لسياسات منحازة لم يعد بوسعها إظهار “استجابات إنسانية” معهودة. 3- البراغماتية الأوروبية: تحاول أوروبا من خلال هذا التحرك استعادة نفوذها المفقود في الشرق الأوسط، والبحث عن موطئ قدم لها في المنطقة عبر البوابة الفلسطينية، في مواجهة الهيمنة الأمريكية والانفراد التام بإدارة الخارطة السياسية والاقتصادية، والسعي للظهور مجددًا كلاعب مؤثر في الملعب الإقليمي، بعد أن سُحب البساط من تحت أقدام المستعمرين القدماء. ثالثًا: حدود الاعترافات الأوروبية بالدولة الفلسطينية: يُنظر إلى خطوة الاعتراف بدولة فلسطين على أنها تساعد في ترسيخ فكرة حل الدولتين باعتباره الإجابة الوحيدة الممكنة للسلام في المنطقة، وعلى النقيض من المقترحات الخاصة بالسيادة الإسرائيلية الكاملة علي جميع الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة. كما إن الاعتراف بدولة فلسطينية سيؤدي إلى اضطرار الحكومات الأوروبية إلى مراجعة علاقاتها مع إسرائيل، وربما يؤدي إلى حظر أوروبا لمنتجات المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. أضف إلي ذلك، فإن التحول نحو اعتراف القوى الغربية الصديقة لإسرائيل بفلسطين، وعلي الرغم من استمرار تمتعها بدعم الولايات المتحدة، قد تجد إسرائيل نفسها…

تابع القراءة

مؤتمر حل الدولتين في نيويورك: الإيجابيات والسلبيات

أصدر المؤتمر الدولي بشأن التسوية السلمية لقضية فلسطين وتنفيذ حل الدولتين الذي استضافه مقر الأمم المتحدة بنيويورك برئاسة مشتركة بين السعودية وفرنسا، في الفترة من 28 إلي 30 يوليو 2025، البيان الختامي “إعلان نيويورك”، متضمنًا الاتفاق على اتخاذ “خطوات ملموسة” و”مرتبطة بإطار زمني ولا رجعة فيها” من أجل تسوية قضية فلسطين. وبينما انعقد المؤتمر على مستوى وزراء الخارجية، فقد نص البيان الختامي علي ضرورة تعبئة المجتمع الدولي على مستوى القادة حول هذه الالتزامات على هامش الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2025.  أولًا: إيجابيات مؤتمر حل الدولتين: حمل “إعلان نيويورك” عددًا من المؤشرات الإيجابية، أبرزها: ثانيًا: سلبيات مؤتمر حل الدولتين: في المقابل، فقد تم توجيه عدة انتقادات لـ “إعلان نيويورك”، أبرزها:  فيما وصف وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، خطط بريطانيا وفرنسا وكندا للاعتراف بالدولة الفلسطينية بأنها “غير مجدية”. وتابع: “أولًا، لا تملك أي من هذه الدول القدرة على إنشاء دولة فلسطينية، ولا يمكن أن تكون هناك دولة فلسطينية ما لم توافق إسرائيل عليها، وثانيًا، لا يمكنهم حتى تحديد مكان هذه الدولة الفلسطينية، لا يمكنهم تحديد من سيحكمها. ثالثًا، أعتقد أنها غير مجدية”. واعتبر أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية “سيكافئ حركة حماس، ويحفزها على رفض وقف إطلاق النار في قطاع غزة”. وزعم روبيو أن هذه الخطوة “تهدف إلى استرضاء القواعد الشعبية المحلية لقادة العالم”. وأضاف أن “بعض هذه البلدان لديها الآن دوائر انتخابية ضخمة تضغط عليها محليًا للانضمام إلى هذا الجانب، بغض النظر عن تداعياته الجيوسياسية”.  ومن المعلوم أن لا أحد يستطيع إحداث تغيير في السياسة الإسرائيلية سوى الولايات المتحدة، وقد تأكد أنها منسجمة مع سياسة بنيامين نتنياهو، وإلا لكانت فرضت حلًا يؤدي إلى وقف الحرب البربرية، والإفراج عن الرهائن، وإدخال المساعدات إلى غزة. ختامًا؛ يعد العنصر الأبرز في مؤتمر نيويورك وبيانه الختامي، هو إعادة طرح حل الدولتين كضرورة أمنية دولية، وتحديد إطار زمني واضح للتحرك، مع بروز استعداد أوروبي لاعتماد سياسات أكثر جرأة. إلا أن قيمة هذا الزخم ستُقاس بقدرته على الانتقال من “الشرعنة” إلى “التنفيذ”، في ظل غياب آليات إلزامية، ورفض إسرائيلي، وتردد أمريكي. فبدون آليات إلزامية، قد يتحول “إعلان نيويورك” إلى مجرد إضافة في سجل طويل من المبادرات غير المفعلة.

تابع القراءة

سياسات الإفقار والانقسام الطبقي بين مصر و “إيجيبت”

السياسات العامة تتعلق بما تلزم به الحكومة نفسها تجاه المجتمع الذي تحكمه من سياسات، في مجالات الصحة والتعليم والإسكان، وفي سائر الخَدمات التي من المفترض أن توفرها الحكومات لشعوبها. تبني الحكومة لسياسات أقل اهتمامًا بجمهور المواطنين يقود بالضرورة إلى حدوث تململ شعبي يظل يتصاعد وصولا إلى احتجاجات واسعة، أو تفكك اجتماعي واسع تحت ضغط الحاجة وقسوة الأوضاع، هذا المسار يتأكد حدوثه في ظل سيطرة الدولة على كل الموارد واحتكارها كل مصادر السلطة والثروة، بشكل لا يسمح للمجتمع بالبحث عن إشباع احتياجاته خارج المسار الذي تقدمه الدولة.  وهو ما ينطبق على الأوضاع في مصر، إذ أن الدولة هي مصدر كل قيمة -دون مبالغة- سواء كانت معنوية أو مادية، وفي الوقت نفسه تتخلى تدريجيا عن التزاماتها تجاه غالبية مواطنيها، مقابل اهتمام واضح بأقلية محظوظة، ففي السنوات الـ 15 الأخيرة تنكص عن كل التزاماتها، في الوقت ذاته تبدي نهم غير مسبوق للسيطرة على كل الموارد وامتصاص كل الثروات التي راكمها المجتمع في العقود السابقة على يناير 2011. سياسة ينجم عنها بالضرورة إعادة توزيع الثروة، وإعادة رسم خريطة الغنى والفقر في المجتمع. فالنظام المصري بحَسَب مراقبين يعيد إنتاج أشكال التفاوت الطبقي، ويعيد توزيع الثروة والملكيات، بصورة غير مسبوقة؛ بشكل تختفي فيه التدرجات والألوان ويصبح لدينا لونين فقط؛ الأبيض سكان إيجيبت، والأسود وهم غالبية سكان مصر ممن يعانون الفقر أو يحاولون بيأس الهروب منه. مع سياسات إعادة توزيع الثروة انطلقت عمليات الفرز الدائرة بين سكان مصر وأهل إيجيبت ليس فقط فرزا وفق مستوى الدخل، إنما وفق معايير ثقافية؛ ويكفي أن تتابع الجدالات المتجددة عن منع المحجبات من ارتياد بعض الأماكن الترفيهية، أو التعليقات الطبقية لسكان الكومباوندات عن مشكلات تحدث لمجتمعاتهم المسورة بسبب الزوار من عمال وغرباء، أو مشاجرات طلبة المدارس الدولية وسلوكيات بعضهم المثيرة للجدل. هذه النقاشات تكشف وعي الشارع بما يحدث، وإدراكه التحيزات الطبقية للنظام القائم.  وفي الحقيقة فإن المراقب للأوضاع في مصر يدرك ببساطة تحيز النظام المصري لأهل إيجيبت على حساب الغالبية من سكان مصر؛ وهو تحيز لا يبدو مفهومًا، إذا قرأناه من زاوية أن أصحاب رؤوس الأموال في مصر راكمو ثرواتهم بالاعتماد على المحسوبية والمشروعات الخدمية غير المنتجة، بالتالي هم أبناء السلطة ونتاج سياساتها، ويحتاجونها لمواصلة مراكمة الثروة، في حين لا تحتاجهم السلطة. لكن هذا التحيز يبدو مفهومًا، إذا أخذنا في الاعتبار أن سكان مصر وهم الغالبية، هم من يفجرون الثورات ويقودون الاحتجاجات ويحلمون بالتغيير، ويمثلون ضغطًا على النظام القائم. إيجيبت حين تختفي المواطنة ويحضر السوق: ليست الجنسية هي معيار الانتماء إلى ايجيبت إنما حجم الثروة ومستوى الدخل، فالجنسية والولادة في مصر، والتمتع بالانتماء لها، لا يجعل صاحبه من سكان ايجيبت؛ وهذا يحقق أمرين؛ الأول: الشعور بالتميز والاختلاف لمن يملك البقاء في هذه الأماكن، الثاني: يستهدف تحقيق رغبة الدولة في خلق إيرادات أجنبية.  نشير هنا إلى إعلان سلفستر ستالون عن مشروع ساوث ميد في الساحل الشمالي، وقد كان الحوار في الإعلان “باللغة الإنجليزية و بلكنة أمريكية خالصة، وتُرجمَ للعربية كأنه إعلان غربية. كما نشير إلى إعلانات “طلعت مصطفى” المتحدثة بالعربية، لكن الخطاب السائد فيها أيضًا هو “العالمية”. مظهر آخر من مظاهر اعتماد معيار الثروة كمعيار وحيد للانتماء لـ “إيجيبت” نقرأه في الإعلان الترويجي لمشروع رأس الحكمة الذي اشتمل على عبارة “فقط للأجانب وأصحاب الجنسية المزدوجة أو الجنسية الثانية أو جواز السفر الثاني أو الجنسيات المتعددة”، مصحوبة بصورة جوية للمشروع. ومن أبرز ملامح سكان إيجيبت، الهروب إلى المجتمعات المسورة، نهم الاستحواذ والتملك والاستهلاك،  الحرص على الاستعراض، خاصة لدى الصاعدين الجدد إلى الطبقة، الحديث بغير العربية، الانفصال عن المجتمع من حيث عاداته وتقاليده وربما همومه، “أنماط علاقات غير مألوفة بين من ينتمون ” لـ Egypt ” وبينهم والمجتمع، فهم فيما بينهم يرون أن كل شيء مباح وأن علاقاتهم مبنية على المساواة والندية، ويرون أنهم أفضل حالا من المجتمع الذي يعيشون فيه، فهم صفوة المجتمع، ولا ينبغي عليهم أن يكونوا صداقات مع أي أحد ممن “ينتمون لمصر” بسبب الاختلافات الكبيرة بينهم”. لكن أبرز ملامح أهل إيجيبت، أن ليس لهم حقوقًا سياسية، بمعنى أن ما اكتسبوه من امتيازات ليس بوصفهم مواطنين، إنما باعتبارهم يملكون ثمن هذه الامتيازات والخدمات؛ ومن ثم يمكن سحب هذه الامتيازات منهم في حال عجزوا عن الوفاء بتكلفتها. ويمكن كذلك أن يطالهم الإقصاء والتهميش في حال حاولوا ترجمة امتيازاتهم الطبقية إلى امتيازات سياسية. وبالتالي فإن علاقتهم هي علاقة زبونية، هم زبائن والدولة مقدم خدمة؛ بالتالي فالدولة في هذه الحال أقرب للشركة.  سكان مصر… بلاد الأشياء الأخيرة: يعيش أهل مصر ظروف هي معكوس أوضاع أهل إيجيبت؛ إذ تتبخر كل الضمانات، ويصبح كل شيء عرضة للتغيير، وكل حق عرضة للانتزاع. ومراجعة سريعة لسياسات الحكومة خلال الفترة الأخيرة يكشف ذلك بصورة واضحة. إذ تحولت الخدمات إلى أدوات فرز طبقي، وباتت السياسات الحكومية تتجه بصورة واضحة إلى تقليص الخدمات المقدمة للجمهور، عبر رفع سعر الخدمة، أو حتى خصخصتها بالكامل وإخضاعها لمنطق السوق القائم على تعظيم الربح وتقليل التكلفة.  نشير هنا إلى ثلاث أمثلة: الأول… التعليم: هناك مدارس دولية للطبقة الغنية والشرائح الأعلى من الطبقة الوسطى، وهناك عدة شرائح من المدارس الخاصة، يختلف مستوى الخدمات التعليمية التي تقدمها، باختلاف الشرائح التي تستهدفها، وأخيرًا، المدارس التجريبية والحكومية. والجامعات كذلك باتت أداة فرز طبقي. الثاني… الصحة: نجد الأمر نفسه، إذ هناك مستشفيات خاصة، يختلف مستوى الخدمة الطبية التي تقدمها باختلاف الوضع الطبقي للفئات المستهدفة، وفي قاع الهرم المستشفيات الحكومية التي تداعى مستوى الخدمات التي تقدمها بشكل كبير. ليس هذا فقط، إنما هذه المستشفيات باتت عرضة للخصخصة، بعد التصديق على قانون يسمح للقطاع الخاص في استئجار المستشفيات الحكومية، وهو ما ألقى بظلال كئيبة على المستشفيات التي أدركها قطار الخصخصة، مثل مستشفى أورام دار السلام «هرمل». ومع الخصخصة تأتي قرارات إعادة تسعير الخدمات الصحية التي تقدمها المنشآت الصحية الحكومية، إذ أصدر “وزيرا الصحة والتنمية المحلية، لائحة جديدة للمستشفيات ومراكز الخدمات العلاجية والوحدات الصحية ومكاتب الصحة، وتضمنت اللائحة التي أصدرها الوزيران برقم 75 لسنة 2024، ونشرتها جريدة الوقائع المصرية، رفع أسعار تذاكر العيادات الصباحية من جنيه إلى عشرة جنيهات في المستشفيات العامة، وخمسة جنيهات في الوحدات الصحية، على أن يجوز مضاعفة كل منها خمس مرات، بعد موافقة مديرية الصحة المختصة. بالإضافة إلى تقليص نسبة العلاج المجاني بالمستشفيات العامة من 60% في اللائحة القديمة، إلى 25% في اللائحة التي بدأ تطبيقها في الرابع من مارس 2024. الثالث… الإسكان: يكفي أن نعرف أن بيانات “المركزي للإحصاء” تُظهر تراجع نسبة وحدات الإسكان الاقتصادي من إجمالي الوحدات التي نفذتها الحكومة، من 99.3% في 2014/ 2015 إلى 40.6% في 2022/ 2023. وأن محافظتي الجيزة والقاهرة شهدت “هدم ما يعادل 57343 وحدة سكنية، وعليه إخلاء ما يقارب 2867150…

تابع القراءة

رؤية تحليلية للأخبار السياسية والاقتصادية في العالم العربي والإسلامي والعالمي، ودراسات استراتيجية للوضع السياسي المحلي والإقليمي والعالمي

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا لتلقي التحديثات على البريد الإلكتروني الخاص بك

You have been successfully Subscribed! Ops! Something went wrong, please try again.

جميع الحقوق محفوظة لرؤية للتخطيط والدراسات الاستراتيجية ©2022