‫الرئيسية‬ العالم العربي الاحتجاجات في الولايات المتحدة قراءة في الخلفيات السياسية والثقافية والاجتماعية
العالم العربي - يونيو 22, 2020

الاحتجاجات في الولايات المتحدة قراءة في الخلفيات السياسية والثقافية والاجتماعية

بدأت الاحتجاجات في أمريكا في الأول من يونيه 2020، من مدينة منيابوليس، بولاية مينيسوتا، في وسط البلاد، ووصلت نيرانها وجمرها إلى 75 مدينة، من نيويورك في الشمال إلى ميامي في الجنوب، ومن فيلادلفيا في الشرق إلى لوس أنجلوس في الغرب.

وذلك بعد أن شاهد ملايين من الأمريكيين “ديريك تشوفن” الشرطي الأبيض الذي يضع ركبته اليسرى وثقل جسده على رقبة “جورج فلويد”، المواطن الأمريكي الأسود، والبالغ من العمر 46 سنة، والذي كان مكبل اليدين وممددًا على الطريق قرب سيارة الشرطة، بعد أن رماه تشوفن وثلاثة شرطيين آخرين على الأرض، وقد اعتقل بعد الاشتباه باستخدامه لعملة مزورة. ولثماني دقائق كاملة، ظل “فلويد” ممددًا على الأرض، عاجزًا عن التقاط أنفاسه، جراء الضغط الشديد المتواصل من الشرطي الأمريكي الأبيض على رقبته، ويصرخ ويردد بصوت مبحوح “لا أستطيع التنفس”، ولكن مناشداته لم تصل إلى أذني الرجل الذي كان يحرمه من أنفاسه الأخيرة، وقد حدث ذلك في الخامس والعشرين من مايو[1].

بدأت التظاهرات هادئة، لكن بمرور الوقت اتخذت الاحتجاجات مظاهر أكثر عنفًا؛ حيث أقدم بعض المتظاهرين على حرق الأماكن العامة والخاصة، وممارسة النهب. وهو ما برر قرار وزارة الدفاع “البنتاغون”، نشر قوات الحرس الوطني في الولايات لمواجهة الاحتجاجات[2].

وقد ذكر شهود عيان أن عمليات التخريب والنهب ارتكبها بيض؛ بغرض الإساءة إلى الأمريكيين من أصل أفريقي، واستفزاز مواجهات عنصرية مع قوات الأمن[3]. تأتي هذه الشهادة ضمن الاتهامات المتبادلة بين البيت الأبيض والمتظاهرين حول الجهات المسؤولة عن العنف والتخريب وعمليات النهب التي وقعت أثناء التظاهرات؛ حيث اتهم متظاهرون عنصريون بيض بأنهم وراء عمليات التخريب، في المقابل اتهم دونالد ترامب ومسؤولو البيت الأبيض يساريين، وتحديدًا جماعة Antifa[4]  بأنها المسؤولة عن أعمال العنف[5].

نحاول في هذه السطور فهم الخلفيات التي أشعلت التظاهرات المنددة بحادث قتل جورج فلويد بهذه الصورة غير المسبوقة. خاصة إذا علمنا أن الاعتداءات التي يمارسها عنصريون بيض بحق مواطنين أمريكيين سود، هي حوادث متكررة في السنوات الأخيرة؛ حيث قتل العشرات من المواطنين السود في حوادث مماثلة، ويكفي أن نعلم أنه خلال الأشهر الأربعة الماضية فقدت ثلاث عوائل أمريكية -من ذوي الأصول الأفريقية- فردا من أفردها؛ إما على أيدي رجال الشرطة، أو مدنيين مسلحين في كل من ولاية جورجيا وكنتاكي ومينيسوتا. ففي ظهيرة 22 فبراير، أطلق مسلح النار على الشاب أحمد أربيري أثناء ممارسته رياضة الجري في ضواحي مدينة برنزويك بولاية جورجيا. وفي الساعات الأولى من صباح 13 مارس، أطلق رجال شرطة كانوا يرتدون ملابس مدنية النار على الشابة بريانا تايلور، فأردوها قتيلة داخل منزلها بمدينة لويزفيل بولاية كنتاكي.  وفي 25 مايو، قتل الشرطي ديرك شوفين الأربعيني جورج فلويد خنقًا بعد أن وطئ بركبته على رقبة فلويد لأكثر من ثمانية دقائق حتى فارق الحياة في مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا[6].

بالتالي يصبح التساؤل مشروعًا عن الخلفيات التي تجعل من حادثة مقتل جورج فلويد مختلفة عما سبقتها من حوادث اعتداء وقعت بحق مواطنين أمريكيين سود، دفع الكثير منهم حياته بسبب هذه الاعتداءات. ومن ثم تعالج الدراسة فرضية مفادها، أن الزخم الكبير الذي اكتسبته التظاهرات هذه المرة يرجع لعدة عوامل، بعض هذه العوامل خاص بأزمات يعاني منها المجتمع الأمريكي، والبعض الآخر يرتبط بأزمة الديمقراطية في العالم الغربي ككل. وهو ما سنحاول اختباره.

 

العنصرية البنيوية في أمريكا:

هناك شبه اتفاق بين عدد كبير من المراقبين والهمتمين بالشأن الأمريكي، أن حوادث قتل السود في الولايات المتحدة ليست حوادث عرضية ناجمة عن إساءة استخدام السلطة، وإنما اللجوء للعنف المفرط من جانب بعض رجال السلطة، إنما هو نتيجة لقناعة مترسخة لدى العديد من الأمريكيين البيض، أنهم أعلى شأنًا، وأرفع قيمة، وأفضل مكانة من السود. ومن ثم فإن العنصرية ضد الأمريكيين السود هي جزء من بنية النظام الاجتماعي في أمريكا، فعلى الرغم من إلغاء العبودية وتحرير العبيد بعد انتهاء الحرب الأهلية، وذلك منتصف القرن التاسع عشر، وإلغاء الفصل العنصري بين البيض والسود، مع ظهور حركة الحقوق المدنية بقيادة مارتن لوثر كينغ في منتصف القرن الماضي، إلا أن المجتمع الأمريكي لا يزال يعاني من بقايا هذه الثقافة العنصرية في مجالات القضاء والتعليم والصحة والخدمات والوظائف … إلخ[7].

وهي عنصرية تتدرج من مستوى المؤسسات حتى تصل إلى الممارسات الفردية؛ حيث هناك مؤسسات كاملة لا تسمح بصعود الملونين في سلمها الوظيفي؛ لكن تظل هذه التوجهات متفقًا عليها ومعروفة لكنها غير مكتوبة؛ مما يجعل من الصعوبة الإمساك بها. خاصة مع حرص هذه المؤسسات على تبني خطاب يستنكر العنصرية. بل يمكن القول إن هناك مؤسسات أمريكية تفتح المجال أمام السود لكنها تظل تنطوي على توجهات عنصرية، مثلًا: “الدوري الوطني لكرة القدم الأمريكية”، وهو الدوري الرياضي الأول في البلاد، فبالرغم من أن 70% من اللاعبين هم من أصول أفريقية ممن اختيروا غالبًا بفضل جدارتهم، إلا أن لديه أربعة مدربين فقط من أبناء الأقليات، وقد استبعد لاعب وسط جيد، هو كولين كايبرنيك؛ بسبب مشاركته في احتجاجات مناهضة العنف الذي تمارسه الشرطة ضد الملونين[8]. ولعل تورط مؤسسات بعينها في تكريس العنصرية الموجهة ضد الأمريكيين من أصل أفريقي يفسر اعتداء المتظاهرين على مؤسسات بعينها دون غيرها؛ حيث فسره البعض بالفعل بالدور الذي تلعبه هذه المؤسسات في تكريس العنصرية. أما على مستوى الممارسات الفردية، فما أكثر حوادث الاعتداء على السود والملونين.

يبقى أن نشير إلى أن ثمة مؤشرات عديدة تشهد على تجذر الممارسات العنصرية بحق المواطنين الأمريكيين السود، نكتفي بذكر عدد منها؛ أولًا: أنه بالرغم من أن الأمريكيين من أصل أفريقي يشكلون أقل من 14% من السكان حسب إحصائيات عام 2019 الرسمية، إلا أنهم كانوا يمثلون أكثر من 23% من بين كل 1000 حالة إطلاق نار أدت إلى القتل على يد الشرطة. بل ثمة تقارير تشير إلى أنه بالنسبة إلى الشبان السود، فإن الموت على يد الشرطة، هو من بين أكثر ستة أسبابٍ للوفاة. وذكرت إحدى الدراسات أن واحدًا من بين ألف رجل وصبي أسود في الولايات المتحدة، يقضون على أيدي الشرطة، وهو ما يشكل ضعفين ونصفَ المعدل القائم ما بين الرجال البيض[9].

ثانيًا: أن معدل اعتقال الأمريكيين من أصل أفريقي بتهمة تعاطي المخدرات أعلى بكثير من معدل الأمريكيين البيض، رغم أن الاستبانات تظهر تقارب نسب تعاطي المخدرات بين المواطنين البيض والسود. ففي عام 2018 اعتُقل حوالي 750 شخصًا من بين كل 100 ألف أمريكي من أصل أفريقي بتهمة تعاطي المخدرات، مقارنة بنحو 350 شخصًا من بين كل 100 ألف من البيض[10].

ثالثًا: أن الأمريكيين السود يسجنون بمعدل خمسة أضعاف الأمريكيين البيض، وضعف معدل الأمريكيين من أصل إسباني تقريبًا، وفقًا لأحدث البيانات. ففي عام 2018 شكل الأمريكيون من أصل أفريقي حوالي 13% من سكان الولايات المتحدة، لكنهم كانوا يمثلون ما يقرب من ثلث عدد السجناء في البلاد. بينما شكل الأمريكيون البيض حوالي 30% من نزلاء السجون، رغم أنهم يمثلون أكثر من 60% من إجمالي عدد السكان. أي أن هناك 1000 سجين أمريكي من أصل أفريقي من بين كل 100 ألف أمريكي أفريقي، مقابل 200 سجين لكل 100 ألف أبيض[11].

حتى في مجال السياسات العامة والقوانين المنظمة والمؤسسة لهذه السياسات، ثمة تمييز واضح بين البيض وذوي البشرات الملونة، تمييز يظهر أحيانًا بصورة سافرة في نص القانون، وأحيانًا أخرى يتبدى سافرًا في الممارسة. مثلًا حينما قامت الولايات المتحدة في الثلاثينيات بقفزتها الليبرالية الكبيرة في مجال سياسات الرفاه، والتي وردت في “الصفقة الجديدة” لفرانكلين روزفلت، وحين “حصل العمال على أول حد أدنى وطني للأجور، والتأمين ضد البطالة، وحق تكوين النقابات، والإضراب، والمفاوضة الجماعية، وحصل كبار السن على معاشات الضمان الاجتماعي. إلا أنه بقيت الكثير من سياسات الصفقة الجديدة، إمَّا مصممة صراحةً لمحاباة البِيض أو جاملتهم في الممارسة العملية[12].

حيث رفضت “إدارة الإسكان الفيدرالية”، التي تأسست عام 1934 لضمان قروض الرهن العقاري للأمريكيين محدودي الدخل، دعم القروض في الأحياء ذات الغالبية السوداء، أو دعم فترات السداد لذوي البشرة السوداء، وهو ما أدى لتدعيم الفصل العِرقي في أمريكا الحضرية ماليًّا. كما سمحت قوانين العمل التي وضعتها “إدارة التعافي الوطنية” بدايةً من عام 1933 للشركات بمنح ذوي البشرة البيضاء الأولوية في تولي الوظائف، وسمحت بتقديم رواتب أقل لذوي البشرة السوداء، كما استُثنيَت في البداية الوظائف المنزلية والزراعية، التي كانت تُوظِّف 2 من بين كل 3 عمال سود، من “الضمان الاجتماعي (الذي تأسس في 1935)” و”قانون معايير العمل العادلة (1938)”[13].

فلما انفتحت “الصفقة الجديدة” لتشمل الملونين، انهار الإجماع السياسي الذي دعم هذه السياسات. وحل محلها حزمة قوانين وسياسات جديدة، تكللت بقانون “الحرب على الجريمة” الذي اقترحه الرئيس الأمريكي ليندون جونسون على الأمريكيين، وأصبح مع خليفته، ريتشارد نيكسون، درة تاج سياسته الاجتماعية. وهو قانون كان يستهدف التخلص من المستبعدين من سياسات الرعاية الصحية والاجتماعية بإلقائهم في السجون. وفي ذلك يقول عالِم الاجتماع “بروس ويسترن” إنَّ السجن أصبح “ملاذًا أخيرًا لمجموعة كاملة من الإخفاقات الاجتماعية”. وقالت عالمة الاجتماع “ديفا باغر”، إنَّ “نظام العدالة الجنائية أصبح هو المؤسسة الفعالة الوحيدة التي يمكنها إحلال النظام وإدارة المجتمعات الحضرية”[14]. وهو ما يعني أن الممارسات العنصرية، ليست مشكلة اجتماعية فقط، إنما ممارسات سياسية تورطت فيها العديد من الحكومات الأمريكية، وأن هذه الممارسات العنصرية تنطوي على أبعاد طبقية واضحة.

 

 

 

الاحتجاجات وكورونا وانكشاف التناقضات الطبقية:

إن الاحتجاجات الشعبية الواسعة في الولايات الأمريكية، والمناهضة لمقتل المواطن الأمريكي الأسود جورج فلويد، خنقًا، تحت ركبة ضابط الشرطة الأبيض “ديريك تشوفن”، هي أيضًا احتجاجات ضد النيوليبرالية الأمريكية، احتجاجات تخمرت بفعل تراكم اللامساواة والتمييز والفقر والتهميش لدى أمريكيين كثيرين. وانفجرت جراء تفشي جائحة كورونا، التي ضاعفت من معاناة مواطنين أمريكيين عديدين، باتوا غير قادرين على تحمّل أعباء الضمان الصحي ولا تكاليف العلاج.

ويكفي أن نعرف أنه في أحد التصنيفات الدولية للفقر، تحتل الولايات المتحدة مرتبة متدنية للغاية بين الدول الصناعية في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، (التي تضم الدول المتقدمة)، أسوأ حتى من المكسيك وتركيا. كما توجد الولايات المتحدة أيضًا في القاع، أو قرب القاع، في الكثير من تصنيفات الاعتلالات التي يُعَد الفقر سببها المباشر.

والفقر في الولايات المتحدة ليس ناجمًا عن فقر الدولة وضعف اقتصادها بالتأكيد، وهي الدولة المتربعة على عرش النظام العالمي، إنما هو فقر -كما يقول بوضوح شديد عالم الاجتماع البارز ويليام يوليوس ويلسون، في كتابه “When Work Disappear”- ناجم عن رفض دافعي الضرائب البيض أن تستخدم ضرائبهم في تطوير أشياء يستفيد منها ذوو البشرة السوداء، ويضيف أن تضخم سجون أمريكا، وأعداد الرجال العاطلين عن العمل، والأمهات العازبات، ووفيات المواليد يرجع إلى هذه الحقيقة الاستثنائية[15].

بالتالي فالعنصرية في الولايات المتحدة لها بعد طبقي، إلا أن الطبقية في الولايات المتحدة لا تؤثر سلبًا على السود فقط، إنما تؤثر أيضًا بشكل سلبي على أقليات أخرى، وعلى شرائح فقيرة وأقل دخلًا من البيض. ولعل لذك يفسر -وإن كان بشكل جزئي- الانتشار الواسع للمظاهرات المناهضة لحادث قتل جورج فلويد، على الرغم من أن حوادث قتل السود متفشية في الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة. ويمكن أن نلمس ذلك في تصريح لأحد المتظاهرين، يقول فيه “إن “الناس يعبرون عن غضبهم ليس فقط بسبب تصرفات أفراد الشرطة؛ بل أيضًا بسبب طريقة التعامل مع وباء فيروس كورونا”. وقد أوجدت الظروف الراهنة وضعًا مناسبًا لانتشار التظاهرات واتساع رقعتها؛ فالمدارس والجامعات معطلة، والكثير من أوجه النشاط متوقفة، وقد خسر الكثيرون وظائفهم، وأجبر كثيرون على البقاء لفترات طويلة في منازلهم، كل ذلك جعل السياق مناسبًا لنمو حركة الاحتجاج[16].

ويمكننا تلمس البعد الطبقي للاحتجاجات، في عمليات التخريب التي طالت شركات كبرى، باتت رمزًا للسياسات الرأسمالية القاسية، التي تعيد بشكل مستمر إنتاج التفاوت الطبقي الكبير بين أقلية بيضاء تملك كل شيء، وبين جمهور واسع من البيض ومن السود والملونين يعانون العجز عن توفير احتياجاتهم، ويعيشون خوفًا مستمرًّا من المستقبل[17].  وإن كان هناك من يرى أن الاحتجاجات في أمريكا تتجاوز رفض العنصرية والطبقية، وأنها أقرب إلى التعبير عن رد على اختناق أوسع، عنصري – سياسي – طبقي، فاقمه الوباء ومضاعفاته، وأن الاحتجاجات ليست فقط ضد الشرطة وممارساتها، وإنما أيضًا ضد الخلل المتزايد في النظام الذي تحميه، ومما يدعم ذلك أن الاحتجاجات انتشرت فيما يزيد عن 100 مدينة في الولايات المتحدة[18]، وشهدت معظمها أعمال عنف، ومواجهات قوية بين المواطنين والشرطة، خلّفت خسائر مادية فادحة وتخللتها عمليات إحراق وسلب ونهب للمحلات، اضطرت معها السلطات في ما يقرب من 40 مدينة إلى فرض حظر التجول، واستعانت حكومات الولايات بالحرس الوطني؛ للمساعدة في السيطرة على الأمور[19].

 

مقتل فلويد والشعبوية وأزمة الديمقراطية الغربية:

يرى مراقبون أن الدول الديمقراطية وإن كانت مثلها مثل الدول غير الديمقراطية، يوجد فيها فساد، وعنف، وتجاوز للقانون، وسرقات، وعنصرية، وغيرها من موبقات البشرية، إلا أنها تنماز عن الدول غير الديمقراطية بعدة مميزات؛ الأولى: أن الديمقراطية توفر أطرًا للشفافية والمساءلة والمحاسبة لمخالفي القانون والدستور. والثانية: أن الديمقراطية توفر أيضًا أطرًا لحماية المجني عليهم من بطش السلطة أو المتحالفين معها. والثالثة: أنها -أي الديمقراطية- توفر عملية مستدامة للتعلم والتثقيف والوعي بخصوص أمور الشأن العام. والرابعة: أن النظم الديمقراطية توفر ضمانات لعدم احتكار السلطة، وتضمن فرصة التغيير وإيجاد البديل السياسي بشكل سلمي[20].

وعند تطبيق ذلك في حادثة مقتل جورج فلويد، نجد أن الحادثة لم تمر بدون مساءلة، بل تم معالجتها بشفافية كاملة، كما تم توفير أطر الحماية لأهالي المجني عليهم، وتوفير ضمانات دستورية لهم بحرية الحديث والشهادة والشكوى والانتقاد، ومقاضاة المسؤولين دون أي تهديد من السلطة أو أعوانها، بالإضافة إلى التغطية الإعلامية الحرة، وفتح الباب على مصراعيه لنقاش حر حول حدود السلطة في مواجهة مواطنيها، شارك فيه المواطنون والنشطاء والأكاديميون وقادة الرأي العام والسياسيون المعتزلون والحاليون والفنانون، وأخيرًا فلم يكن كل ما سبق يتم بمعزل عن الحديث حول الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المنتظرة في الولايات المتحدة الأمريكية بعد خمسة أشهر من الآن، فميزة الديمقراطية الجوهرية هي أنها تفتح أفقًا، وتوفر إطارًا شرعيًّا للتغير[21].

يمكن أن نتفق مع هذا الطرح، لكن مع الإشارة إلى أن الديمقراطية كمنظومة فاعلة، تنحصر في نطاق ضيق، هو نطاق المجال السياسي؛ حيث الأحزاب والسلطات الثلاث، والانتخابات … إلخ. لكن في المجال العام باتساعه، وفي المجال الاقتصادي، تختفي الديمقراطية، وتحل مكانها قيم المصلحة والتنافس، وتغيب قيم التفاهم والتكافل. ومع تراجع سيطرة الدولة على المجال الاجتماعي، لصالح سطوة السوق وقوى الرأسمال، يزداد حضور القيم والأفكار والممارسات غير الديمقراطية.

بالتالي فالزخم الشديد الذي اكتسبته حادثة مقتل جورج فلويد، لم ينتج فقط عن كون الديمقراطية الأمريكية قوية وراسخة، وعن كون الديمقراطية هي التي لم تسمح للحادثة بأن تمر دون مساءلة، وأنها وفرت أطر الحماية لأهالي المجني عليهم، ووفرت ضمانات دستورية لهم بحرية الحديث والشهادة والشكوى والانتقاد ومقاضاة المسؤولين دون أي تهديد من السلطة أو أعوانها، وسمحت لعملية التغطية الإعلامية الحرة، وفتح الباب على مصراعيه لنقاش حر حول حدود السلطة في مواجهة مواطنيها .. إنما شارك في إنتاج هذا المشهد، ما يمكن تسميته “القوى التي فوق الدولة”، مثل “منصات التواصل الاجتماعي، التي تنقل الصورة الحية، وتطلق الحدث من مكانه إلى كل أركان العالم تقريبًا، عبر أجهزة الموبايل[22]“، وقد حرمت هذه المنصات الحكومة الأمريكية من إمكانية تمرير الحادثة دون مساءلة، ومن الحيلولة دون تغطية وسائل الإعلام للحدث. ومما يجدر ذكره في هذا السياق، أنه وقعت عدة حوادث اعتداء على صحفيين وإعلاميين خلال تغطيتهم للتظاهرات[23]، لكن كانت الصورة أقوى من محاولات الأجهزة الأمنية السيطرة على الحدث وتحجيمه، والحيلولة دون وصول التغطيات للمتابعين والمتعاطفين في العالم أجمع.

إن الديمقراطية قد تحقق شيئًا من المساواة السياسية؛ لكنها لا تعبأ كثيرًا بمسائل العدالة الاجتماعية، والتي هي بمثابة البنية التحتية التي تنبني عليها المساواة السياسية؛ وبالتالي غياب العدالة الاجتماعية سيؤدي -حتمًا بمرور الوقت- إلى تراجع الديمقراطية، والمساواة السياسية بين المواطنين. وهذا بالضبط ما يحدث في الولايات المتحدة؛ حيث إن غياب العدالة الاجتماعية بين مكونات المجتمع الأمريكي، بدأ يلقي بظلاله على الديمقراطية كممارسة سياسية هناك.

ويبدو أن السؤال الاستنكاري لدى المواطنين البيض، خاصة الطبقات المتنفذة والمترفة، هو: لماذا نحافظ على ديمقراطية تساوي بيننا وبين أقليات أقل منا أهمية وقوة وثراء؟! ويبدو أيضًا أن السياسيين المنتمين للأقلية البيضاء الأرستقراطية، المتمسكين بالديمقراطية والرافضين للشعبوية، التي تصم ممارسات الرئيس الأمريكي وتوجهاته في التعاطي مع الاحتجاجات، يبدو أن هذه الفئة تتمسك بالديمقراطية؛ خوفًا من تأثير العنصرية وردود الأفعال عليها، على استقرار الولايات المتحدة، خاصة مع تفاقم اللامساواة بين ولايات الشمال الغنية وولايات الجنوب المهمشة والفقيرة، التي يتفاقم فيها الفقر، وتعشش فيها العنصرية.

بقي أن نشير إلى أن أزمة الديمقراطية في الولايات المتحدة، هي جزء من أزمة الديمقراطية في الغرب كله، أزمة ظهرت مع صعود التيارات الشعبوية والقوى اليمينية، ومع تفشي الخطابات المناهضة للهجرة والرافضة للآخر، والمتخوفة من فكرة “موت الغرب” التي شهدت ازدهارًا واضحًا في الآونة الأخيرة. وقد كانت الحلقة الأخيرة في أزمة الديمقراطية الغربية، مظاهرات السترات الصفراء في فرنسا؛ حيث يمكن القول إن الاحتجاجات في أمريكا اليوم، وفي عدد من الدول الغربية، هي امتداد لمظاهرات أصحاب السترات الصفراء؛ فهذه السلسلة الممتدة من المظاهرات، تعني أن هذه الاحتجاجات ليست فقط تعبيرًا عن رفض سياسات تبنتها الدول والحكومات، إنما تعني أن هذه المجموعات الغاضبة لم تعد تثق في أية قوى سياسية قائمة يمينية كانت أو يسارية، لذلك هي اختارت فتح قنوات جديدة للتعبير عن مواقفها، بعيدًا عن القنوات التقليدية القائمة من أحزاب وقوى سياسية موجودة وقائمة؛ ولذلك أيضًا تظهر هذه الاحتجاجات بدون لغة واضحة أو قيادة محددة، أو تنظيمات تدير المشهد وتتحكم في مسار الحركة، وسبب ذلك أن هذه الاحتجاجات تعبير عن قطاعات اجتماعية ليس لها تمثيل في المجال السياسي، ومن ثم هي خارج المجال السياسي، وتعي أنها خارجه، وترفض اللجوء إلى أي من مكوناته، أو حتى استخدام اللغة السياسية السائدة فيه. فهي مظاهرات خارج التقسيمات المعروفة (يسار / يمين، أبيض / أسود) … إلخ، وتعبر عن مكون بات رافضًا للعقد الاجتماعي القائم في هذه الدول، ويرى نفسه مهمشًا خارج هذا العقد، ويبحث عن عقد اجتماعي جديد، يضمن حقوقه، ويحفظ مصالحه.

 

الخاتمة: غياب المجتمع عن المشهد:

عدم قدرة أحد المواطنين ممن حضر حادثة مقتل المواطن الأمريكي الأسود على التدخل لمنع ضابط الشرطة العنصري من قتل فلويد، وللحيلولة دون مواصلة عملية قتله، دليل على حالة الغياب التي أصبحت فيها المجتمعات، فقد باتت المجتمعات مغيبة، ومفككة، وعاجزة عن لعب أي دور يتعدى الشجب والاستنكار. غيابٌ نتيجة للتفكك والصهر الذي وقعت ضحيته هذه المجتمعات. وأي تغيير حقيقي في الوقت الراهن، سواء في الشرق أو الغرب، رهين بتحرير المجتمعات من سطوة الدولة والسوق، وإعادة بناء هذه المجتمعات بشكل ذاتي على قواعد جديدة، وذلك بدوره مرهون بتحرير الخيال السياسي للمجتمعات من سطوة المفاهيم التي تكرس سيطرة الدولة والسوق.

 

[1] عربي بوست، 6000 أمريكي يودّعون “العملاق اللطيف” .. جنازة حاشدة ومهيبة لجورج فلويد ضحية العنصرية (صور)، 10 يونيو 2020، الرابط: https://bit.ly/30r7iUp

[2] الجزيرة نت، احتجاجات فلويد .. نشر الحرس الوطني بالولايات والديمقراطيون يهاجمون ترامب، 2 يونيو 2020، الرابط: https://bit.ly/2UBqLOj

[3] JON PARTON, Minnesota Officials Link Arrested Looters to ‘White Supremacist’ Groups, 30 May 2020, CNS, https://bit.ly/2Yg0TbW

[4] “أنتيفا” تصنف بأنها حركة احتجاج يسارية متطرفة، تناهض الرأسمالية والنيوليبرالية والفاشية والنازية وكل القوى اليمينية والمحافظة، ويصفها البعض بأن لها ميولا اشتراكية وأناركية/ فوضوية. ظهرت الحركة ابتداءً نهاية الحرب العالمية الثانية؛ نتاجًا لسياسات الديكتاتور الإيطالي بينيتو موسوليني، الذي نجح في توحيد السلطة في ظل حزبه الوطني منتصف عشرينيات القرن الماضي، حينها ظهرت حركات مناهضة للفاشية في إيطاليا وألمانيا وأمريكا، ومن رحم تلك الحركات ولدت أنتيفا. وفي أمريكا تشكلت تلك الجماعة من الأعضاء ذوي الميول اليسارية القريبة من الحزب الديمقراطي، المعادين للمحافظين الجدد؛ حيث أطلقوا عليهم “النازيين الجدد”، وبات هدفهم الأبرز مناهضة أصحاب تلك المعتقدات والأفكار، عبر تشكيل جماعات صغيرة منفصلة عن بعضها، تنتشر في بعض مدن البلاد، وإن كانت تتحرك وتنشط بصورة أكبر من خلال التنسيق عبر مواقع التواصل الاجتماعي. (أنظر: عماد عنان، “أنتيفا” .. الحركة التي أثارت قلق ترامب ونقلته إلى مخبأ سري، نون بوست، 1 يونيو 2020، الرابط: https://bit.ly/30zTuqQ).

[5] هشام ملحم، أمريكا تحترق، الحرة، 1 يونيو 2020، الرابط: https://arbne.ws/2YjgOX6

[6] منصور الحاج، تداعيات الجرائم العنصرية على واقع السود في أمريكا، الحرة، 10 يونيو 2020، الرابط: https://arbne.ws/3dPNL3H

[7] خليل العناني، جورج فلويد والعنصرية البنيوية في أمريكا، العربي الجديد، 8 يونيو 2020، الرابط: https://bit.ly/2XPnMUL

[8] جيمس مور، التخلص من “التفاحة العفنة” لن يوقف المؤسسات العنصرية عند حدها، إندبندنت عربية، 4 يونيو 2020، الرابط: https://bit.ly/2MSsHh3

[9] أندرو بانكومب، هل ستكون لحياة السود يومًا أهمية في أمريكا؟، إندبندنت عربية، 10 يونيو 2020، الرابط: https://bit.ly/3heknX2

[10] BBC عربي، مقتل جورج فلويد: كيف يُعامل السود أمام القانون في الولايات المتحدة؟، 3 يونيو 2020، الرابط: https://bbc.in/2AdQQwc

[11] المرجع السابق.

[12] عربي بوست، أسوأ من الصين وإيران .. كيف يدفع النظام السياسي الأمريكي بالأفارقة إلى السجون؟، 10 يونيو 2020، الرابط: https://bit.ly/30tEzyj

[13] المرجع السابق.

[14] المرجع السابق.

[15] المرجع السابق.

[16] أندروبانكومب، هل ستكون لحياة السود يومًا أهمية في أمريكا؟، إندبندنت عربية، 10 يونيو 2020، الرابط: https://bit.ly/3heknX2

[17] مجد كيال، لئلا تختفي السياسة من “مكافحة العنصريّة”، متراس، 8 يونيو 2020، الرابط: https://bit.ly/2UymtY5

[18] فيكتور شلهوب، خنق جورج فلويد والاختناق العنصري السياسي الطبقي في أمريكا، 2 يونيو 2020، الرابط: https://bit.ly/2Yhzkis

[19] شريف عثمان، اضطرابات المدن الأمريكية .. فوارق الدخول ومعدلات الفقر والبطالة المرتفعة تغذي المحتجين، العربي الجديد، 2 يونيو 2020، الرابط: https://bit.ly/2zremFy

[20] أحمد عبدربه، كيف نفهم الديمقراطية؟ أمريكا نموذجًا، 6 يونيو 2020، الرابط: https://bit.ly/3fol5PZ

[21] المرجع السابق.

[22] إبراهيم نوار، العولمة تنتفض وتنفخ نارًا في وجه دونالد ترامب، القدس العربي، 10 يونيو 2020، الرابط: https://bit.ly/2YnUnzL

[23] مونت كارلو الدولية، الشرطة الأمريكية تستهدف الصحافيين، 5 يونيو 2020، الرابط: https://bit.ly/2XRzxtJ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مشاورات جنيف والمغرب حول ليبيا..بين فرص السلام وعراقيل حفتر وداعميه

    الأحد الماضي، بدأت الجلسات التمهيدية لطاولة الحوار السياسي الليبي بين ممثلي …