‫الرئيسية‬ العالم العربي السودان القاعدة الروسية في السودان.. الدوافع والدلالات
السودان - ديسمبر 16, 2020

القاعدة الروسية في السودان.. الدوافع والدلالات

السودان تضع حجر الأساس لتطور العلاقات السودانية الروسية قبيل سقوط حكمه؛ حيث طلب حمايته من العدوان الأمريكي الذي يهدف إلى تقسيم السودان إلى خمس دول، وعمليًّا طلب من موسكو إبرام صفقة تسلح هائلة ونوعية، يصعب تصور الوفاء بما فيها من التزامات لدولة كانت تعاني من عقوبات أمريكية دامت لعقود، كما طلب إنشاء قاعدة عسكرية روسية في بورتسودان على البحر الأحمر؛ لتحقيق دور الحماية، وفي المقابل ستمثل تلك القاعدة مدخلًا لدور روسي في إفريقيا، ولم تتراجع روسيا عن هذا المسار حتى بعد سقوط البشير في أبريل 2019.

وفي أكتوبر 2019، تقابل رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال قمة سوتشي (روسيا – إفريقيا)، وعلى الأرجح اطلع على تفاصيل ما تم الاتفاق عليه بين البشير وموسكو. ولاحقًا كشف رئيس الوزراء الروسي، ميخائيل ميشوستين، في 6 نوفمبر 2020، عن اتفاق روسي سوداني حول إنشاء مركز لوجيستي على شواطئ البحر الأحمر السودانية. فماذا كان مضمون هذا الاتفاق؟ وما هي دلالاته على الجانبين السوداني والروسي؟ وما هي تأثيراته على المجتمع الدولي؟ تلك هي التساؤلات التي ستسعى هذه الورقة إلى الإجابة عنها خلال السطور القليلة القادمة.

مضمون الاتفاق:

وفقًا لنص الاتفاقية فإن فترة سريانها الأساسية هي 25 عامًا، مع إمكانية تمديدها لعقد آخر، بموافقة الطرفين. وسوف تضم القاعدة البحرية الروسية حوالي 300 فرد عسكري ومدني، وهي لا تخضع للولاية القضائية السودانية. وسوف تكون القاعدة قادرة على استيعاب نحو أربع سفن حربية، بما في ذلك السفن التي تعمل بالطاقة النووية. وستكون بمثابة مرفأ نوعي يضم ورشة عائمة، وقاطرة إنقاذ، وعلى الأرجح ستضم أيضًا مركزًا للاستخبارات، وقوات روسية خاصة. لن تدفع روسيا أي إيجار للسلطات السودانية، لكنها وافقت -على ما يبدو- على شحن بعض الإمدادات العسكرية والأسلحة إلى السودان مجانًا بموجب اتفاق إضافي منفصل.

وتتحمل موسكو تكاليف أعمال البناء لإنشاء القاعدة، بما في ذلك أماكن المعيشة والمستودعات ومرافق الصيانة البحرية والأرصفة. علاوةً على ذلك، ستوفر روسيا دفاعات مضادة للطائرات لتغطية كلٍّ من قاعدتها والأصول البحرية السودانية القريبة في بورتسودان. ولا يذكر مشروع الاتفاق أي قاعدة جوية روسية في السودان، بالإضافة إلى محطة الإمداد البحرية المعلنة، لكن يبدو أنه سوف يتم السماح للطائرات الروسية باستخدام المجال الجوي السوداني. وقد يُسمح لموسكو بالاستفادة من المطار الدولي جنوب بورتسودان، ووفقًا لمسودة الاتفاقية يمكن زيادة عدد العسكريين الروس في السودان مستقبلًا[1].

دوافع ودلالات الاتفاق على المستوى السوداني:

على المستوى السوداني، تحمل القاعدة عدة دلالات؛ أولها: خروج السودان من عزلتها، وتمكينها من الانفتاح المتوازن على العالم، ودرء خطر هيمنة قوة دولية واحدة، أو غطرستها في التعامل مع السودان. فعقب ثلاثة عقود من الانغلاق على الذات، والتوتر في العلاقات السودانية الأمريكية، تؤكد الخرطوم أن انفتاحها متوازن، ويهدف إلى تحقيق المصالح السودانية. وثانيها: أن وجود قوة كبرى على شواطئ السودان يمثل -من وجهة نظر الخرطوم- تعزيزًا للقدرات الدفاعية السودانية؛ حيث إن الدفاعات التي ستحمي المركز ستساعد في حماية البوابة الشرقية للسودان، وهي عامل ردع ضد أي محاولة للاعتداء على السودان، أو محاولة للتدخل السافر في شؤونه، وضرب استقراره، وأمنه القومي.

وثالثها: أن المركز اللوجستي الروسي سيُمكِّن السودان من الحصول على الدعم الروسي اللازم لتطوير الأسطول السوداني، وتنمية القدرات البحرية والعسكرية السودانية –التي كانت روسيا هي المؤسس لها عام 1959 في عهد الفريق إبراهيم عبود-، ويتيح فرص التدريب للسودانيين داخل القاعدة على منظومات متطورة، فضلًا عن إمداد السودان بمنظومات دفاعية حديثة ومتطورة، وستقدم روسيا للسودان مجانًا، أسلحة ومعدات عسكرية؛ بهدف تنظيم الدفاع الجوي للمركز اللوجستي المقترح.

وفي هذا السياق، تسلمت قيادة البحرية السودانية في قاعدة بورتسودان البحرية فلمنجو، سفينة تدريب حربية مهداة من روسيا، وتُعد السفينة إضافة حقيقية لقدرات القوات البحرية السودانية، خاصةً في مجال التدريب. كما يُعد المركز اللوجستي خطوة نحو تطوير قاعدة عسكرية بحرية متكاملة، على غرار ما حدث في طرطوس السورية[2]

ورابعها: هناك مكاسب اقتصادية ستعود على السودان جراء هذا الاتفاق، فعلى المدى القريب، سيتم تحسين البنية التحية في مجال التعدين والاستخراج، وذلك فيما يتعلق بالاتفاق الخاص برفع كفاءة وتطوير خط نقل النفط بين دولتي الجنوب والشمال، وفقًا للاتفاق القائم بين البلدين، إضافةً إلى عوائد استخراج الذهب والغاز؛ فقد وقع الطرفان اتفاقية في 2018 للتنقيب في ولاية البحر الأحمر، كما وقعت اتفاقيات أخرى في العام الجاري؛ لزيادة مواقع التنقيب والاستخراج[3].

دوافع ودلالات الاتفاق على المستوى الروسي:

على المستوى الروسي، تحمل القاعدة عدة دلالات، تتعلق بالحضور الروسي في منطقة البحر الأحمر، والمحيط الهندي، وإفريقيا بصفة عامة؛ أولها: لطالما سعى الاتحاد السوفييتي للحصول على موطئ قدم في منطقة البحر الأحمر، وكانت هناك محاولات مع جيبوتي والصومال ثم إثيوبيا، إلا إنها لم تكلل بالنجاح. ومن المعروف أنه لا يوجد تشكيل بحري روسي في المنطقة، وتوجد فقط سفينتان في المحيط الهندي، وعدد من الغواصات الروسية، التي لا يمكن كشفها وتتبع مسارها بالأقمار الصناعية.

وتعد السفن الأربعة في المركز اللوجستي الروسي في السودان أول تشكيل بحري روسي في المنطقة، وموطئ قدم مهم لروسيا، وهو تشكيل يُعد صغيرًا نسبيًّا، ولكنه مهم وفعَّال، ويلبي احتياجات روسيا، وحجم الوجود الذي تريده في المنطقة. ولموقع المركز أهمية إستراتيجية كبيرة، ويتمتع بثقل بحري كثيف عبر البحر الأحمر، وقناة السويس؛ ومن ثمَّ فإن تثبيت قدم روسية في المنطقة له أهميته بالنسبة لموسكو. وثانيها: وجود المركز سيساعد روسيا على توسيع حضورها البحري في منطقة القرن الإفريقي، وإفريقيا بصفة عامة. ويتيح المركز آفاقًا رحبة لتنمية التعاون العسكري الروسي الإفريقي، ويفتح الأسواق الإفريقية للسلاح الروسي.

: يسهم المركز اللوجستي الروسي في تعزيز الحضور الإستراتيجي الروسي في المنطقة العربية، والشرق الأوسط، في ضوء مثلث القواعد البحرية الروسية في سوريا – السودان – ليبيا، وما لذلك من تداعيات إستراتيجية مهمة[4]. ورابعها: تُعد القاعدة نقلة إستراتيجية للوجود الروسي، وبداية لطريقه نحو العالمية؛ فالطرادات الروسية التي تعمل بالطاقة النووية يمكنها استخدام المركز مكانًا للراحة لأفراد طاقمها.

بينما لن يضطر البحارة في أساطيل الشمال والبلطيق إلى إجراء انتقالات مرهقة لقضاء عدة أشهر في المحيط الهندي. وخامسها: دلالات اقتصادية؛ حيث كانت شركات التنقيب الروسية عن الذهب والغاز قد حققت اكتشافات واعدة في السودان عام 2015، توازت مع تسريبات حول ظهور عناصر تابعة لمجموعة فاجنر الروسية شبه العسكرية لتأمين مواقع تلك الشركات، ثم وقعت بشأنها أكبر صفقة اقتصادية وصفت بالتاريخية، حيث حصلت شركة التعدين الروسية M Invest على عقد خاص باستخراج احتياطات الذهب السودانية عام 2017، إضافةً إلى بناء مصفاة لتكرير النفط بطاقة إنتاجية تصل إلى 200 ألف برميل في اليوم الواحد، ستوظف أيضًا لصالح جنوب السودان في إطار الاتفاقيات المشتركة بين دولتي الشمال والجنوب، ومن المتصور أن سوق السلاح الروسي في إفريقيا سيشهد قفزة نوعية أيضًا؛ نتيجة لإنشاء تلك القاعدة[5].

تأثير الاتفاق على المجتمع الدولي:

وتتعلق تلك التأثيرات بالتنافس الإستراتيجي العالمي الذي يتمدد بوضوح نحو إفريقيا، فعلى مدى قرون ممتدة كانت أوروبا هي ساحة التنافس الإستراتيجي العالمي بين القوى الكبرى، ومع الصعود الآسيوي الملحوظ نهاية التسعينيات، بدأ التنافس الإستراتيجي العالمي يتجه إلى آسيا، وكان إعلان أوباما ما سمي بسياسة الارتكاز على آسيا، أو إعادة التوازن إلى آسيا، لأول مرة في نوفمبر 2011، مؤشرًا قويًّا على ذلك. وسرعان ما امتد التنافس الإستراتيجي العالمي للقارة الإفريقية، فقد سبق المركز اللوجستي الروسي افتتاح أول قاعدة عسكرية للصين خارج أراضيها في جيبوتي عام 2017، ومن المعروف أن منطقة القرن الإفريقي تستضيف 11 قاعدة عسكرية أجنبية، وتُعد جيبوتي أكثر الدول استضافة لهذه القواعد، كما أن الأسطول السادس الأمريكي ناشط بحريًّا وعسكريًّا في المنطقة؛ الأمر الذي يدفع القارة الإفريقية، خاصة منطقة القرن الإفريقي، إلى مسرح التنافس الإستراتيجي بين القوى الكبرى الفاعلة.

وتعكس الطبيعة البحرية للقاعدة الروسية في السودان الجوانب الأخرى المرتبطة بالدور الروسي في إعادة هندسة النظام الدولي. أولها: أن الفكر الإستراتيجي الروسي يتعلق بتوسيع النفوذ خارج القارة الإفريقية؛ ليشمل ممرات الشحن البحري في البحر الأحمر، التي تربط آسيا وأوروبا وخليج عدن وبحر العرب والمحيط الهندي. وثانيها: فقد أضحت منطقة شمال غرب المحيط الهندي مركز ثقل رئيسًا لإنتاج الهيدروكربونات في القرن العشرين، حيث يتم تصدير النفط إلى أمريكا وأوروبا عبر هذه المنطقة. ولا شك أن أي عدم استقرار في المنطقة يترتب عليه ارتفاع الأسعار، ويؤثر على الاقتصاد العالمي؛ مما يعكس أهمية موقع القاعدة السودانية المرتبط بالمحيط الهندي.

وثالثها: ترتبط القاعدة بمحاولة روسيا إحداث توازن إستراتيجي في مجال علاقاتها بالمجتمعات ذات الأغلبية المسلمة، حيث ارتبط هذا التفكير الروسي بالعقوبات الغربية عليها خلال السنوات الماضية. وكانت التوقعات تتحدث عن التوجه الروسي شرقًا للتخفيف من حدة الحرب الاقتصادية التي تقودها الدول الغربية، ولكن ما حدث هو توجه روسيا جنوبًا صوب المجتمعات الإسلامية؛ من أجل تحسين إستراتيجيتها القارية الوسطية لتقف بين طريقين: الشرق (الذي تمثله الصين)، والغرب (الذي يمثله الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة)[6].

الخُلاصة:

تنامي العلاقات الروسية مع السودان سيحقق استفادة للطرفين في مجالات متعددة، في مقدمتها المجال العسكري، إضافةً إلى تحقيق بعض العوائد الاقتصادية، وإن كان المجال الاقتصادي أقل من السقف الذي يمكن أن يشكل نقلة نوعية للسودان على نحو ما يحدث في المجال العسكري، وإن كان الميزان يميل لصالح روسيا، التي ستحقق عائدًا إستراتيجيًّا في الملف العسكري، يتجاوز حدود الوجود العسكري في السودان، إلى تعزيز توسع النفوذ الروسي في القرن الإفريقي وإفريقيا جنوب الصحراء والمحيط الهندي وحتى المجتمع الدولي، كما تنعكس هذه العلاقة على تعزيز دور المكون العسكري في القيادة السياسية السودانية خلال المرحلة الانتقالية.

كما أن برامج التطوير العسكرية السودانية التي تحظى باهتمام رئيس في المرحلة الحالية ستصب في صالح دور المؤسسة على المديين المتوسط والبعيد. وعلى المستويين الإقليمي والدولي، فقد أظهرت الظروف الجيوإستراتيجية الراهنة المرتبطة بصراع شرق المتوسط، وجود مصالح تجمع بين روسيا وتركيا، من خلال محاولتهما التحكم في ديناميات الشرق الأوسط الكبير. ومع توقع ممارسة مزيد من الضغوط عليهما في ظل إدارة الرئيس الأمريكي القادم جو بايدن، فإن ذلك قد يدفعهما إلى بناء تحالف براجماتي غير رسمي. وربما تكون النتيجة في مثل هذا المسار إعادة ضبط الدور الروسي للقيام بتحقيق التوازن الإستراتيجي بين أطراف المعادلة الرئيسة في منطقة الشرق الأوسط. ونظرًا لعلاقة السودان في مرحلة ما بعد البشير المتميزة بدول الخليج العربية، فإن ذلك قد يعكس إمكانية وجود علاقات تعاون وثيقة بين روسيا ودول الخليج خلال الفترة المقبلة.

 

[1]  د. حمدي عبد الرحمن، “ارتباطات القاعدة الروسية في “سواكن” بالتنافس الشرق أوسطي”، المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 1/12/2020. متاح على الرابط: https://2u.pw/sqVMc
[2]  د. نورهان الشيخ، “القاعدة الروسية في السودان .. دلالات ورسائل”، الخليج، 26/11/2020. متاح على الرابط:  https://2u.pw/hdTrO
[3]  أحمد عليبة، “مصالح متبادلة: القاعدة اللوجستية العسكرية الروسية في السودان”، المركز المصري للفكر والدراسات الإستراتيجية، 28/11/2020. متاح على الرابط: https://2u.pw/K4tHE
[4]  د. نورهان الشيخ، مرجع سبق ذكره.
[5]  أحمد عليبة، مرجع سبق ذكره.
[6]  د. حمدي عبد الرحمن، مرجع سبق ذكره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

السودان تغييرات تطرأ على الموقف من الجارتين الإثيوبية والمصرية

  بعد أكثر من عامين على إسقاط نظام الرئيس السابق عمر البشير، لايزال الانتقال السياسي …