‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر “مصر” صراع الأجهزة بين التسريبات والعوائد الاقتصادية
مصر - ديسمبر 31, 2021

“مصر” صراع الأجهزة بين التسريبات والعوائد الاقتصادية

السياسة الخارجية المصرية فى الفترة من 30 إبريل إلى 15 مايو 2022

 

خلال الأسابيع الماضية في أواخر 2021م، طفت على السطح من جديد مؤشرات على صدام نفوذ بين أجهزة نظام 3 يوليو في مصر، تتعلق أولا بالتسريبات  الأخيرة سواء تلك التي تتعلق بتحقيقات موقع “ديسكلوز” الفرنسي حول تورط الدولة الفرنسية في الجرائم التي يرتكبها نظام السيسي أو حتى التسريبات الأخيرة لأحد مستشاري السيسي والتي تكشف حجم الفساد في صندوق “تحيا مصر” الذي أسسه السيسي في 2014م ليكون نافذة له يغترف منه ما يشاء دون حسيب أو رقيب. وتتعلق ثانيا بالصراع بين الأجهزة على العوائد المالية والاقتصادية من المشروعات القومية والتي تهيمن عليها المؤسسة العسكرية وسط تململ من جانب الأمن الوطني، بعدما تمت ترضية جهاز المخابرات بإسناد عدد من الشروعات له. ولذلك يسعى الأمن الوطني إلى الحصول على نصيب أكبر من كعكة هذه المشروعات وعوائدها. يبرهن على ذلك عدة أحداث جرت وقائعها خلال الأسابيع والشهور الأخيرة، أبرزها قضية الفساد الكبرى في وزرة الصحة والتي أسفرت عن الإطاحة بالوزيرة هالة زايد، رغم أنها كانت إحدى المقربات من السيسي قبل حرقها ــ ومحاكمة عدد من مستشاريها والمقربين منها، كذلك عملية تهريب الآثار الكبرى التي تورط فيها لواءات كبيرة بالجيش مع السفير الإماراتي بالقاهرة، وما يتعلق بالحملة التي قادتها منابر ونوافذ إعلامية يديرها أحد الأجهزة السيادية ضد وزير السياحة والآثار خالد العناني. وقبل شهور حين تمت الإطاحة بتامر مرسي من شركة “سينرجي” للإنتاج الإعلامي والتي يهمين عليها جهاز سيادي. كذلك تعرض وزير النقل كامل الوزير لحملة إعلامية أواخر سنة 2020م، انتقدت مستوى أدائه وتردي المشروعات التي تقوم بها الوزارة؛  الأمر الذي فهم على أنه أحد أشكال صراع الأجهزة بين مؤسسات الدولة. لا ينبغي فهم ذلك على أنه صراع وجود بين الأجهزة، بل هو صراع على بسط النفوذ والهيمنة سياسيا واقتصاديا، ومحاولة اغتنام ملفات ومكاسب في ظل المكاسب الهائلة التي تحققها أجهزة دون الأخرى.

في هذه الأجواء، طفت على السطح ظاهرة “سماسرة العلاقات” التي بدأت تتوسع في مصر منذ انقلاب  يوليو 2013م، فلقب سماسرة العلاقات هو لقب دارج في جلسات رجال الأعمال في مصر ويطلق عادة على عدد من ضباط الجيش وجهاز الأمن الوطني السابقين الذين أحيلوا إلى التقاعد لكنهم لا يزالون يحظون بعلاقات ودية مع مسؤولين حاليين في الجيش والمخابرات العامة والحربية والأمن الوطني نفسه بجانب علاقات نافذة مع أغلب الهيئات والمؤسسات الحكومية. يقوم هؤلاء بترتيب أو تنسيق العلاقات بين تلك الأجهزة ورجال أعمال سواء الكبار الراغبين في الحصول على نصيب من المشروعات الكبرى الجارية، أو رجال الأعمال الصغار أصحاب الطموح في دخول سوق الاستثمار في مصر، ويحصل هؤلاء السماسرة بالطبع على عمولات ضخمة من كل عملية تنسيق يقومون بها، وبعضهم أغدقت عليه الأجهزة بمناصب حزبية ومقاعد نيابية لتحصين وضعه من أي مساءلة قانونية.[[1]]

تنصت متبادل بين الأجهزة

البرهان الأول على صحة صدام الأجهزة وصراعها على النفوذ والسلطة، هو ما كشفته تسريبات موقع “ديسكلوز” الفرنسي في فبراير 2021؛ وهو التحقيق الذي كشف في حلقتين عن انتهاكاتٍ ارتكبها الجيش الفرنسي في مصر، إضافة إلى تسريبات أخرى كشفت أنّه على مدار آخر سبع سنوات استثمر نظام السيسي في منظومة مراقبةٍ شاملة، مشكلة من ثلاثة أجزاء، شكّلتها ثلاث شركات فرنسية. عمل كلٌّ منها على هذه المنظومات بعلم من الرئاسة الفرنسية، وقدّمت الإمارات الدعم المالي. كانت شركة Nexa Technologies الفرنسية مسؤولةً عن تطوير وتركيب نظام اسمه Cerebro لمراقبة شبكات الإنترنت في مصر، بينما كانت شركة Ercom-Suneris مسؤولة عن تطوير وتركيب نظام اسمه Cortex Vortex لتتبع أرقام محمول بدقة شديدة، والتنصت الفوري على المكالمات في مصر، ثم قامت الشركة الفرنسية الثالثة Dassault Système بتطوير (وتسليم) محرّك بحث شديد التطور اسمه Exalead، وهو مسؤول عن تسليم نتائج ذكية مبنية على قواعد بيانات ومخازن معلومات وزارة الدفاع في مصر (أشبه بما يفعله غوغل من تخزين للبيانات)، وهي قاعدة بيانات ضخمة عن الناس وحياتهم، ويعتقد أنّه قد تم بناؤها منذ عام 2014م.

اللافت في هذه التسريبات أن الأجهزة السيادية المصرية التي لها حق الرقابة (المخابرات العامة، الحربية، الأمن الوطني، الرقابة الإدارية)، لها ميزانيات منفصلة، لا رقابة برلمانية عليها؛ هذه الأجهزة اشترت هذه المنظومات، وهو أمرٌ يمكن فهمه في إطار أنّ هذه الأجهزة تابعة للنظام، لكن ما لم يتم فهمه أن يشتري كلّ جهاز أمني هذه الأنظمة من تلك الشركات الفرنسية، كلّ على حدة، وهو ما ذهب بعضهم إلى تفسيره، لتسهيل مهمة كل جهاز في التجسّس والتنصت على الجهاز الآخر.[[2]]

تسريب “تحيا مصر”

البرهان الثاني، هو التسريب الذي بثه الناشط عبدالله الشريف، والذي احتوى على مكالمة هاتفية بين أحد مستشاري رئاسة الجمهورية (لواء جيش) مع مستشارة أيضا داخل رئاسة الجمهورية، وهو التسريب الذي أعاد للواجهة صراع الأجهزة؛ فمحتوى التسريب يعكس حجم الفساد في صندوق “تحيا مصر”، حيث أبلغ اللواء مستشارة السيسي بأنه يمكنها الحصول على فيلا بالعاصمة الإدارية مقابل دفع مبلغ 700 ألف جنيه فقط على أن يتولى الصندوق دفع باقي الأقساط. التسريب الذي حاولت أجهزة السيسي نفيه والترويج على أنه مفبرك أو مختلق أو جرى لأطراف متهمة بالنصب وليس لواء حقيقيا، يعكس حجم تضارب المصالح وتقسيم الغنائم داخل القيادات العليا المقربة من السيسي وأجهزة النظام. كما يبرهن على أن إجراءات السيطرة على جهاز المخابرات العامة ــ الذي يتهم دائما بالوقوف وراء التسريبات ــ لم تنجح خلال السنوات الماضية. وفي ظلّ هذه الفوضى التي تضرب تلك الأجهزة نتيجة لتضارب المصالح، فالسؤال: من سرّب لمن؟ ولماذا؟ وهل هذا الأمر أحد نتائج أجهزة التنصّت الفرنسية؟ ويبدو أنّ هذه المسألة هي التي ستكون قادرةً على تقويض أركان النظام من الداخل. فما هو شكل التحالفات الجديدة (خصوصاً حينما قال اللواء: أنا لواء شرطة وليس جيش!!)؟، وإلى أي مدىً وصل صراع الأجهزة؟ وما هي الدوافع والأسباب خلف هذا التسريب؟ وما مدى سيطرة رجال السيسي داخل جهاز المخابرات العامة على الجهاز؟ وكيف سيردّ السيسي والذين معه على هذا الأمر؟[[3]] هذه التسريبات تسببت في حالة ارتباك داخل أروقة النظام وأجهزته الأمنية؛ ورغم بيان وزارة الداخلية الذي ينفي صحة هذه التسريبات ووصفها بالمفبركة إلا أن الرواية الأمنية لم تقنع أحدا. فيما تشير تقارير إعلامية نقلا عن مصادر بوزارة الداخلية عن حركة تنقلات مرتقبة في جهازي الأمن الوطني والمخابرات العامة، خلال الفترة القريبة المقبلة، وذلك بناء على تقارير أداء، شارك فيها جهاز الرقابة الإدارية، بتكليف من مكتب رئيس الجمهورية.[[4]]

صراع على المخصصات

البرهان الثالث، أن هناك حالة استياء داخل جهاز الأمن الوطني ووزارة الداخلية؛ بسبب إسناد الغالبية العظمى من المشروعات الكبرى التي تجري في عدد من المحافظات، لجهات عسكرية تابعة للقوات المسلحة، في الوقت الذي تراجعت فيه مخصصات الجهاز المعلوماتي من المشروعات الجاري تنفيذها لصالح الأفرع المختلفة في القوات المسلحة. فالتنافس الحاد على بسط النفوذ السياسي والاقتصادي بين أجهزة الدولة في مجمله يدور بين ثلاث جهات رئيسية، وهي القوات المسلحة، والمخابرات العامة، وجهاز الأمن الوطني، الذي يتولى الإشراف على مجموعة من الملفات الإعلامية والسياسية. وخلال الفترة الماضية جرى استحواذ الأفرع الكبرى في القوات المسلحة على مجموعة من المشروعات الضخمة، وهو ما تبعه ترضية جهاز المخابرات العامة بمشروعات مماثلة، وهو ما أدى إلى تراجع حاد في حجم المشروعات المسندة لجهاز الأمن الوطني ليشرف عليها. ورأى قادة الأمن الوطني ووزارة الداخلية أن الكفة تميل لغير صالحهم في هذه المشروعات وعوائدها؛ فرفت تقدير موقف إلى مكتب رئاسة الجمهورية،  أوصت خلاله، بضرورة حسم تلك الصراعات، بعد تحديد أطرافها بشكل دقيق، لعدم التأثير على صورة النظام، سواء داخلياً أو خارجياً. وطالب الجهاز في تقديره بضرورة عقد لقاءات مباشرة بين الرئيس وقيادات المؤسسات السيادية المختلفة، وتوضيح الأمور لهم، والإشارة إلى حجم متحصلات وميزانيات كل جهة منها.[[5]]

الصراع على ولاء رجال الأعمال

من جهة رابعة، هناك أيضا صراع بين الأجهزة السيادية (الجيش ـ المخابرات ــ الأمن الوطني) على ولاء رجال الأعمال؛ ذلك أن نفوذ الجهاز لا يكون عبر إسناد عدد من المشروعات له ولشركاته، بل أيضا من خلال إسناد حصة لا بأس  بها من المشروعات لرجال أعمال محسوبين على الجهاز؛ والذين يحقق قادة الجهاز من ورائهم أرباحا طائلة.

العلاقة بين الأجهزة ورجال الأعمال قائمة منذ عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك؛ لكن المشهد قبل ثورة 25يناير كان يتحكم فيه “أمن الدولة”، وفي أعقاب الثورة تم الكشف عن شراكة استثمارية كانت تربط رئيس جهاز أمن الدولة حينها اللواء حسن عبدالرحمن مع رجل الأعمال السيد البدوي ، رئيس حزب الوفد،  في مجال تصنيع وتوزيع الأدوية التي تخصص فيها البدوي، ومقابل تلك الشراكة تم التغاضي عن تقارير أمنية متعددة حول فساد رجال الأعمال وبعضها، يشير إلى أن صيدليات ومصانع البدوي تخصصت في ترويج مخدر الترامادول في السوق المصرية، وطبعاً لم يتم اتخاذ أي إجراء للتأكد من جدية تلك التقارير من عدمه، لأنها في الغالب كانت ستقود إلى رئيس أمن الدولة نفسه.

وحاليا، تعد صفقة استحواذ شركة “عز” للحديد لصاحبها رجل الأعمال أحمد عز، على حصة رجل الأعمال المحسوب على جهاز المخابرات العامة أحمد أبو هشيمة في شركة “حديد المصريين”، انعكاسا لصراع الأجهزة؛ لأن الأجهزة السيادية باتت تتحكم في الاقتصاد والأعمال في مصر، مثلما تتحكم في العديد من المجالات الأخرى. فالصفة التي جرى الإعلان مؤخرا عن قرب إجرائها، أثارت الكثير من الجدل حول طبيعة علاقات رجال الأعمال في مصر بالأجهزة السيادية. ويرى فريق من الخبراء أن هذه الصفقة تعكس صراع الأجهزة السيادية في مصر على السيطرة على رجال الأعمال الكبار والصغار، وهو صراع بلغ ذروته في السنوات الأخيرة؛ فمع إطلاق السيسي أيدي  هذه الأجهزة  في الاقتصاد، واحتكار المشروعات الكبرى، لم يعد بإمكان أي رجل أعمال مهما كان حجمه الحصول على حصة أو نصيب من تلك المشروعات إلا من خلال جهاز سيادي.  الصفقة التي تمت برعاية جهاز المخابرات العامة، ما كان لها أن تتم لولا أن عز المحسوب على جهاز الأمن الوطني، نقل ولاءه  إلى جهاز المخابرات. عقب الإفراج عنه بكفالة سنة 2014م.

وحتى تجربة  أبو هشيمة ــ وهو نجل اللواء (شرطة) حمدي أبو هشيمة، تمثل برهانا على حرص كل جهاز على تشكيل خلايا موالية له من رجال الأعمال؛ فقد نجح أبو هشيمة في تكوين علاقة قوية ببعض قيادات جهاز المخابرات بالهدايا السخية، حتى نصحه أحدهم  سنة 2015م  برعاية حملة دعاية للسيسي خلال زيارته إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الأمم المتحدة، وهي الحملة التي تمت تحت عنوان ” مصر الجديدة” والتي نالت استحسان السيسي لا سيما أنه قوبل وقتها باحتجاجات كبيرة لانقلابه على المسار الديمقراطي والرئيس المنتخب من الشعب. زاد نفوذ أبو هشيمة ودفعته المخابرات نحو الاستحواذ على ملكلية قناة أون تي في من نجيب ساويرس، وقد قامت المخابرات حينها  بتأمين نصف رأسمال الشركة التي أطلق عليها أبو هشيمة إعلام المصريين، تيمناً باسم شركة الحديد، التي كان يملكها، على أمل أن تكون الشركتان نواة لإمبراطوريته الاقتصادية التي ينوي إنشاءها. لكن لسوء حظ أبو هشيمة جرى تغيير أغلب قيادات المخابرات العامة في بداية عام 2018، مع إحالة رئيس الجهاز وقتها خالد فوزي للتقاعد، وسط شائعات انتشرت في أوساط رجال الأعمال والسياسة عن تورطه في تسهيل أعمال رجل أعمال سعودي (مثير للجدل) داخل مصر، وهذا السعودي تباهى في جلسات خاصة مع عدد من الإعلاميين المصريين أنه يدفع راتباً شهرياً ضخماً لفوزي، وهو ما عجّل بإحالته للتقاعد. ومنذ ذلك الحين تراجع نفوذ أبو هشيمة مع الفريق الجديد الذي جيء به من المخابرات الحربية لإدارة المخابرات  العامة، في ظل عمليات الإقصاء والإبعاد التي قام بها السيسي بحق قيادات نافذة بالجهاز في ظل الشكوك التي تحوم حوله بالتورط في التسريبات  التي جرت للسيسي وعباس كامل وقيادات النظام. تهميش أبو هشيمة لا يعني خروجه من المشهد كليا، بل يعني عدم الاعتماد عليه مؤخرا إلى حين، على أمل أن تحدث تغييرات تعيده إلى صدارة المشهد من جديد.

ولتأكيد نفوذه، تدخل جهاز المخابرات الحربية في عمليات التنكيل برجل الأعمال صلاح دياب، المحسوب على الأمن الوطني، والذي يمتلك عددا من المشروعات الكبير مثل مدينة نيو جيزة وشركة بيكو للاستصلاح الزراعي وعشرات المشروعات الأخرى،  ومنها جريدة المصري اليوم، التي تم إجباره على التنازل عنها قبل شهور قليلة، بعد سلسلة من الملاحقات الأمنية لأسباب متباينة، حيث تقف المخابرات الحربية وراء تقليص إمبراطورية صلاح دياب،  كشكل من أشكال استعراض القوة  على جهاز الأمن الوطني الذي كان يحمي دياب، وفي نفس الوقت إرسال رسالة لباقي رجال الأعمال المستمرين من عصر مبارك، بأن التحالفات الجديدة والولاء الجديد يجب أن يكون للمخابرات وليس لأمن الدولة.

هذا التوجه هو ما يفسر عودة رجال أعمال عصر مبارك إلى المشهد من جديد، رغم تورطهم في قضايا متنوعة تمس الشرف والنزاهة، ومنهم بجانب أحمد عز، رجل المقاولات هشام طلعت مصطفى، صاحب المشروعات السكنية الشهيرة، مثل الرحاب ومدينتي، والذي تم الحكم عليه بالإعدام بعد إدانته في التحريض على مقتل الفنانة اللبنانية سوزان تميم عام 2008، ثم تم تخفيف الحكم إلى الحبس 15 عاماً، قبل العفو عنه عام 2020، دون أن يكمل مدة العقوبة. فالمخابرات الحربية هي من تقف واء صفقة عودة هشام مصطفى للمشهد من جديد. وتم التفاوض معه على العفو عنه مقابل تنفيذ عدة مشروعات بالعاصمة الإدارية دون مقابل، وهو ما وافق عليه طلعت مصطفى، فتم العفو عنه سنة 2020م، وكوفئ بعد ذلك بالحصول على أرض مشروع نور، على مساحة 5000 فدان بمدينة حدائق العاصمة، أمام العاصمة الإدارية، وسط توقعات بأن تصل المبيعات الإجمالية لمدينة نور لنحو 800 مليار جنيه، كما جرت حملة إعلامية لتلميع صورته أمام الرأي العام، من خلال الظهور في أكثر من برنامج جماهيري، أبرزها مع عمرو أديب، المعروف بعلاقاته القوية مع الأجهزة السيادية. وبالطبع فإن الجهاز الذي يقف وراء طلعت مصطفى سيكون المستفيد الأكبر من هذه الصفقة.[[6]]

ويبقى رجل الأعمال المثير للجدل نجيب ساويرس، أحد الذين تربطهم علاقات وثيقة وغامضة في ذات الوقت مع أجهزة السيسي؛ فساويرس تربطه علاقات وثيقة للغاية بالأمن الوطني منذ أيام مبارك، لكن تحولات المشهد ودخول أجهزة أخرى أكثر نفوذا وتأثيرا كالجيش والمخابرات دفع ساويرس إلى تغيير ولائه والعمل على تكوين علاقات وثيقة بكل الأجهزة من جل حماية إمبراطوريته الاقتصادية والإعلامية ودعم طموحه السياسي في أعقاب انقلاب 3 يوليو 2013م.

ومنذ 2014، اتجهت أجهزة السيسي إلى وضع خطة للتعامل مع ساويرس تقوم على أساس تقويض نفوذه الإعلامي والسياسي في مقابل منحه امتيازات مالية واقتصادية. وفي أعقاب انتخابات 2015 البرلمانية، والتي هيمنت الأجهزة على مسارها من الألف إلى الياء، حصل حزب ساويرس على الأكثرية، فعمل ساويرس على شراء ولاء عدد من الأعضاء لضمان الأغلبية التي تمكنه من تشكيل الحكومة؛ لكن النظام تدخل عبر أجهزته لوأد هذا الطموح. وتمكنت الأجهزة من تفجير الحزب من الداخل والإطاحة بساويرس من الحزب وصولا إلى إضعاف الحزب حاليا لحساب “مستقبل وطن” الذي أسسته المخابرات ليكون ظهيرا سياسيا للنظام.

كما جرى كذلك الحد من النفوذ الإعلامي لساويرس؛ حيث أجبر على بيع قنوات أون تي في، التي كانت تمثل نافذته الإعلامية الكبرى. في المقابل جر منح شركات ساويرس امتيازات اقتصادية في المشروعات التي تنفذها الدولة، فتم التعاقد مع شركة أوراسكوم للإنشاء والصناعة، في عام 2014، لبناء المقر الجديد لوزارة الداخلية في العاصمة الإدارية الجديدة، بتكلفة مليار جنيه مصري، وأيضاً لحفر ستة أنفاق في أسفل قناة السويس، وهنا تجدر ملاحظة السمة الأمنية الواضحة في تلك المشروعات، والتي تدل على الثقة المفرطة من الدولة في نجيب ساويرس، رغم التوتر الذي يشوب العلاقة بين النظام وعائلة ساويرس.

ورغم الامتيازات الواسعة التي تحظى بها شركات ساويرس إلا أن ذلك لم يمنعه من انتقاد هيمنة المؤسسة العسكرية على الاقتصاد المصري، كان آخرها في نوفمبر 2021م، عندما قال ساويرس خلال مقابلة صحفية مع وكالة الصحافة الفرنسية “يجب أن تكون الدولة (المصرية) جهة تنظيمية وليست مالكة” للنشاط الاقتصادي، مضيفا أن “الشركات المملوكة للحكومة أو التابعة للجيش لا تدفع ضرائب أو جمارك”، وهو ما يجعل “المنافسة من البداية غير عادلة”.  ويكاد يكون هو رجل الأعمال الوحيد الذي انتقد ذلك علانية مرات عدة، وفي صحف أجنبية دون خوف من بطش النظام؛ الأمر الذي يعكس النفوذ الواسع الذي يحظى به ساويرس وتشابك علاقاته الدولية وبالكنيسة الأرثوذوكسية مما يوفر له حماية لا يستهان بها. وقد كشف السيسي نفسه في 23 ديسمبر 2021م أن شركات ساويرس حصلت على امتيازات في تنفيذ مشروعات بقيمة 75 مليار جنيه (4.7 مليارات دولار) بواقع 11 مليار جنيه سنويا خلال السنوات السبع الماضية (الدولار يساوي 15.75 جنيها).[[7]]

القصف المتبادل

آخر مشاهد صراع الأجهزة  قضية تهريب الآثار الكبرى التي جرى الإعلان عن تفاصيلها في النصف الثاني من ديسمبر 2021م، حيث قررت الدائرة السادسة عشرة في محكمة جنايات القاهرة، برئاسة المستشار عبد السلام يونس، التنحي عن نظر القضية المعروفة إعلامياً بـ”الاتجار في الآثار”، المتهم فيها رجل الأعمال، حسن راتب، ونائب البرلمان السابق علاء حسانين، و21 آخرون، بـ”تشكيل عصابة للاتجار في الآثار، وتمويل عمليات التنقيب عنها في منطقة مصر القديمة بالقاهرة، وحيازة كمية كبيرة من الآثار التي تعود إلى عصور مختلفة، تمهيداً لبيعها وتهريبها خارج البلاد”. وقررت المحكمة إحالة القضية إلى محكمة الاستئناف لتحديد دائرة جنايات أخرى لنظرها بدعوى “استشعارها الحرج”، وسط أنباء تؤكد ورود اسم سفير الإمارات لدى القاهرة، حمد سعيد الشامسي، بشكل رسمي في أوراق القضية، بالإضافة إلى قيادات عسكرية مصرية بارزة، منها مدير جهاز مشروعات الخدمة الوطنية التابع لوزارة الدفاع اللواء مصطفى أمين.[[8]]

خلاصة الأمر أن صراع الأجهزة أمر مفروغ منه؛ لكنه قد يخبو حينا ويطفو حينا آخر، بناء على تحولات المشهد، وهو صراع على النفوذ وعوائد المشروعات الاقتصادية، وليس صراع وجود بمعنى أن يحرص كل جهاز على القضاء على الآخر، لكن ذلك لا يمنع من توظيف هذه الأجهزة لنفوذها حال جرت تغيرات كبرى في المشهد تسمح بإعادة تصميمه من جديد، فكل جهاز سيكون حريصا على توسيع سلطاته ونفوذه على حساب الأجهزة الأخرى؛ لأن مصر لا تتمتع بنظام حكم رشيد تلجم بالدستور والقانون أجهزتها لكنها دولة الأوامر والتوجيهات العليا، لذلك حال وقع صراع على السلطة فلن يلجم هذه الأجهزة دستور أو قانون، ولن تتورع عن فعل أي شيء لبسط سلطانها على حساب الآخرين؛ ما يجعل مستقبل مصر مرهونا بهذه الأجهزة ومدى قدرتها على الحسم وبسط النفوذ ومدى تشابك علاقتها بقوى أجنبية تتمتع بنفوذ واسع في مصر.

[1] ضباط “الخط الساخن”.. وسطاء بين رجال الأعمال والأجهزة السيادية في مصر بعمولات تتجاوز عشرات الملايين/ عربي بوست ــ 17 ديسمبر 2021م

[2] تقادم الخطيب/ عودة التسريبات وصراع الأجهزة الأمنية في مصر/ العربي الجديد ــ 12 ديسمبر 2021

[3] تقادم الخطيب/ عودة التسريبات وصراع الأجهزة الأمنية في مصر/ العربي الجديد ــ 12 ديسمبر 2021 (مرجع سابق)

[4] المخصصات الاقتصادية تمهد لحركة تغييرات في أجهزة أمنية مصرية/ العربي الجديد ــ 17 ديسمبر 2021

[5] المخصصات الاقتصادية تمهد لحركة تغييرات في أجهزة أمنية مصرية/ العربي الجديد ــ 17 ديسمبر 2021

[6] المخابرات ترث الأمن الوطني.. أبرز رجال الأعمال في مصر وولاء كل منهم للأجهزة السيادية/ عربي بوست ــ 09 ديسمبر 2021م

[7] محمد عبد الله/ أول رد رسمي غير مباشر.. السيسي يعلق على اتهامات ساويرس باحتكار الجيش/ الجزيرة نت ــ 23 ديسمبر 2021م

[8] محكمة مصرية تتنحى عن قضية “الاتجار بالآثار”.. اسم السفير الإماراتي وقيادات عسكرية مدرجة رسمياً في التحقيق/ العربي الجديد ــ 21 ديسمبر 2021

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

‫شاهد أيضًا‬

حرية الصحافة والإعلام بين الرئيس مرسي والسيسي

    بعد مرور نحو 10 سنوات على صعود الرئيس محمد مرسي لحكم مصر، ثم انقلاب السيسي ا…