‫الرئيسية‬ إفريقيا القمة التركية- الإفريقية الثالثة ومُستقبل العلاقات بين الجانبين
إفريقيا - ديسمبر 29, 2021

القمة التركية- الإفريقية الثالثة ومُستقبل العلاقات بين الجانبين

القمة التركية- الإفريقية الثالثة ومُستقبل العلاقات بين الجانبين

 

مثَّلت قمة شراكة إفريقية– تركية التي استضافتها العاصمة التركية أنقرة في السابع عشر من ديسمبر 2021، فصلًا جديدًا لأردوغان في ضوء إحداث موازنة بين ضغوطات الداخل والرغبة في الهيمنة الإقليمية، خاصةً على مستوى القارة الإفريقية. وتُعد تلك القمة الثالثة من نوعها؛ إذ سبقها عقد قمتين في عام 2008 وعام 2014، في إطار مساعي تركيا لترسيخ علاقاتها الاستراتيجية طويلة الأمد مع دول القارة الإفريقية. وتأتي هذه القمة في مناخ تطبعه الثقة المتبادلة بين الطرفين، وبهدف دفع الشراكة التركية الإفريقية نحو التقدم وتكثيف مجالات عملها. بالمقابل أصبح الأفارقة يرون في تركيا الشريك الأنسب لتطلعاتهم التنموية والأمنية، بديلًا عن العلاقات غير المتكافئة التي تفرضها عليهم القوى الاستعمارية القديمة وتلك الصاعدة مؤخرًا. فما هي أهداف تركيا من القمة؟ وماذا كانت مُخرجاتها؟ وكيف يُمكن قراءتها في إطار السياسة التركية تجاه إفريقيا؟ تلك هي التساؤلات التي سنسعى للإجابة عليها..

افتتاح القمة التركية- الإفريقية:

افتتح الرئيس التركي القمة التركية- الإفريقية الثالثة في اسطنبول الجمعة 17 ديسمبر، مبديًا اهتمامًا بالغًا بالقارة ليس فقط على مستوى تركيا، بل لمنح إفريقيا صوتًا دائمًا في مجلس الأمن الدولي، لبناء تحالفاتٍ قويةٍ بين تركيا والدول الإفريقية في المحافل الدولية أيضًا، عبر تعزيز الشراكة الاقتصادية بين الجانبين، إذ تسعى تركيا إلى مضاعفة جهود التعاون التركي الإفريقي في المجالات الاقتصادية والسياسية والأمنية، على الرغم من التحديات الأمنية والسياسية التي تزداد في مناطق الحضور التركي، خصوصًا الصومال وإثيوبيا وليبيا. وفيما يبدو أمرًا طبيعيًا، فإن استراتيجية تركيا الاقتصادية لتسويق منتجاتها المختلفة ترافقها سياسة التدخل الناعم عبر دعم القطاعات الخدمية وإعادة إعمار البنى التحتية ودعم المؤسسات الحكومية، والاستجابة العاجلة للكوارث الطبيعية المتخمة في إفريقيا. ولتحقيق هذه الغاية، ضمَّت خطة تتضمن خمسة مجالات، منها دعم التنمية والتعليم والمعلوماتية والصحة والشباب والمرأة والبنية التحتية والزارعة من بين جدول أعمال القمة، تأكيدًا على أن الجوانب الإنسانية جهدٌ مشتركٌ بين تركيا وإفريقيا لمد أواصر الصداقة والتعاون بين تركيا والقارة، وأن لا تكون العلاقة مبنيةً بالتبادلية النفعية فقط. وهي سياسةٌ أخذت حيزًا كبيرًا في مبدأ التوسع والانتشار نحو إفريقيا، ما يميزها عن بقية اللاعبين الدوليين في إفريقيا. واختتمت أعمال القمة السبت 18 ديسمبر، لتكون إحدى أهم روافع تمدُّد تركيا في القارة السمراء واستراتيجياته، وقد حظيت هذه القمة بمشاركة 16 رئيس دولة إفريقية، و102 وزير إفريقي، بينهم 26 وزيرًا للخارجية، وهو ما قد يمثِّل اختبارًا حقيقيًا لمدى التأثير التركي في القارة التي لا تزال تئن من جراحات الماضي، وتواجه موجات القحط والجفاف في شرقيها ومخاوف من تمدُّد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في قلبها، وتداعيات المتحور أوميكرون في جنوبها، وهو ما قد يُنهك اقتصادات الدول الإفريقية التي تعتمد مداخيلها على حركة التنقلات والسياحة والتبادل التجاري العابر بين القارات والمحيطات. [1]

تصريحات أردوغان خلال القمة:

عُقدت القمة الأولى للشراكة التركية- الإفريقية في إسطنبول عام 2008، والثانية في مالابو (عاصمة غينيا الاستوائية) عام 2014.  والقمة الثالثة احتضنتها مدينة إسطنبول، وأجرى خلالها أردوغان 15 لقاءً ثنائيًا، وأشار في تصريحاته إلى الارتقاء بالعلاقات التركية- الإفريقية إلى مستوى جديد وأكثر تقدمًا مع القمة التي استضافتها إسطنبول تحت شعار تعزيز الشراكة من أجل التنمية والازدهار المشترك. كما أشار إلى البيان الختامي وخطة العمل المشتركة التي أقرت في ختام القمة، وأنه تم الاتفاق على خريطة طريق من شأنها تعزيز العلاقات التركية- الإفريقية. وأوضح أردوغان أن تركيا فتحت صفحة جديدة في العلاقات مع القارة السمراء من خلال إعلان 2005 عام إفريقيا. وبيَّن أن تركيا سعت إلى تعزيز تعاونها على أساس الشراكة المتساوية والربح المشترك، ورفضت دومًا النظر إلى القارة بنظرة تفوح منها رائحة العلو والاستفراد بالنبل والاستشراق. ولفت إلى أن تركيا أصبحت شريكًا استراتيجيًا للاتحاد الإفريقي في 2008، ورفعت حجم التبادل التجاري من 5.4 مليارات دولار إلى 25.3 مليار عام 2020. وأضاف أن حجم التبادل التجاري التركي الإفريقي بلغ 30 مليار دولار في أول 11 شهر من 2021، ووصل حجم الاستثمارات التركية 6 مليارات دولار في عموم القارة. وأشار إلى ارتفاع عدد السفارات التركية في دول قارة إفريقيا من 12 في 2005، إلى 43 في العام الحالي. كما لفت أردوغان إلى ارتفاع عدد سفارات الدول الإفريقية في أنقرة من 10 إلى 37 سفارة في الوقت الحالي. وقال إن أنقرة افتتحت أكبر تمثيل دبلوماسي لها بالعالم في الصومال، وتجاوز عدد الطلاب الأفارقة المستفيدين من المنح الدراسية في تركيا 14 ألف. وبيَّن أنه أجرى حتى الآن 50 زيارة إلى 30 دولة إفريقية، مشيدًا بـ “كفاح ومثابرة الأشقاء الأفارقة رغم جميع الصعوبات”.[2]

أهداف تركيا من القمة التركية- الإفريقية:

تستهدف تركيا من خلال استضافتها لتلك القمة عددًا من الأهداف: أولها؛ إيجاد آلية للانخراط في اتفاقية التجارة الحرة:  حيث تسعى أنقرة إلى تعزيز الحضور داخل القارة عبر الاستثمارات المختلفة في مجال البنية التحتية والصحة وكذلك مجالات الطاقة، والبحث عن منفذ للانخراط بشكل أو آخر في إطار اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية. وتتضح معالم ذلك في كلمة أردوغان خلال افتتاح القمة، والذي ألمح خلالها إلى رغبة تركيا في تقديم الدعم وتبادل الخبرات حيال تلك الاتفاقية. وثانيها؛ تطوير التعاون مع إفريقيا في قطاع الدفاع: ويتم ذلك من خلال آليتين: الأولى بفتح 37 مكتبًا عسكريًا لأنقرة داخل الدول الإفريقية، والثانية بفتح سوق جديدة أمام المنتجات العسكرية المختلفة لتركيا في إفريقيا، حيث تحظى الصناعات الدفاعية التركية، على رأسها الطائرات المُسيَّرة، بشعبية كبيرة بين حكومات القارة السمراء. ذلك بعد البلاء الحسن الذي أبلته خلال الحرب الليبية، وتوقيع المغرب على صفقة استيراد 12 من مسيرات بيرقدار TB2 تسلم منها دفعته الأولى، وطلبت الحكومة الإثيوبية هي الأخرى تزويدها بهذه الأسلحة. وبلغت قيمة صادرات الصناعات الدفاعية التركية إلى إثيوبيا 94,6 مليون دولار بين يناير ونوفمبر، مقارنةً بنحو 235 ألف دولار خلال نفس الفترة من العام السابق. وتُشير الأرقام التي قدَّمتها جمعية المستوردين الأتراك إلى ارتفاع مشابه بالمبيعات إلى دول أنجولا وتشاد والمغرب. كما تعتزم توجو خطة لتحديث جيشها بدعم من تركيا، التي توفر التدريب والعربات المدرعة بالإضافة إلى الأسلحة والمعدات الأخرى.[3] وثالثها؛ تطويق حركة “الخدمة”: والتي تتبع لفتح الله جولن، ولا تزال تُمثل مصدرًا للقلق داخل تركيا، في ضوء تخوفات أنقرة من إحياء تلك الحركة ونشاطاتها المختلفة، مستغلة الأوضاع الاقتصادية المتدهورة.

مُخرجات القمة وفائدتها لتركيا ودول القارة:

شملت القمة مجموعة من المخرجات، وتتمثَّل في: توقيع مذكرة تفاهم للفترة الممتدة من 2022 إلى 2026 نحو تعزيز التعاون مع إفريقيا في مجالات التجارة والاستثمار والسلام والأمن والحكومة، إلى جانب التعليم والشباب، وتنمية المرأة، والبنية التحتية، والتنمية الزراعية، وتعزيز الشراكة في النظم الصحية المختلفة. كما تمثَّلت أحد أهم مخرجات القمة في دبلوماسية اللقاحات؛ والتي برزت في تعهُّد أردوغان بإرسال 15 مليون جرعة من اللقاحات المضادة لفيروس كورونا إلى إفريقيا.[4] وتسعى تركيا من خلال هذه القمة إلى أن تعزز حضورها داخل القارة عبر الاستثمارات المختلفة في مجالات البنية التحتية والصحة وكذلك الطاقة، والبحث لها عن منفذ للانخراط – بشكل أو آخر– في إطار اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية. أيضًا، يبدو بأن هناك رغبة تركية واضحة المعالم في تقديم الدعم وتبادل الخبرات حيال تلك الاتفاقية، والنقطة الأهم هي في تطوير التعاون مع إفريقيا ضمن قطاع الدفاع من خلال فتح 37 مكتبًا عسكريًا لأنقرة داخل الدول الإفريقية، إلى جانب فتح سوق جديدة أمام المنتجات العسكرية المختلفة في ضوء وجود توترات عند عددٍ من الدول حاليًا. وتترجم ذلك بصفقات عديدة مثل صفقة المسيرات التركية من طراز “بيرقدارTB2” مع المغرب، وكذلك إثيوبيا حيث دعمتها تركيا بصفقة طائرات مشابهة، بالإضافة إلى كلٍّ من تونس وأنجولا.[5]

الخُلاصة؛ بالرغم من مواجهة النفوذ التركي في إفريقيا تحديات كبيرة، على رأسها التحديات الأمنية وتزايد المنافسين واللاعبين الكبار في القارة، لاسيما في القرن الإفريقي، هذا إلى جانب تبعات جائحة كورونا الاقتصادية، والتي قضت على أحلام شركات تركية كثيرة نحو التوسع في إفريقيا، سواء بسبب ضعف إمكاناتها الاقتصادية لتلك الدول أو من جراء تداعيات الأزمة المالية التركية، وتهاوي الليرة، هذا فضلًا عن الأوضاع الداخلية لدول القارة الإفريقية، من حيث عدم الاستقرار السياسي والأمني، وتأثير التداخل الخارجي المضاد للحضور التركي في القارة، وهو ما قد يؤثر على مستقبل التموضع التركي. إلا أن أنقرة تنتهج سياسات أكثر جدية وإصرار على مضاعفة دبلوماسيتها الناعمة في العواصم الإفريقية، وسياسة العمق الاستراتيجي التركية تجاه إفريقيا آخذة في التوسُّع، وتنطلق من مبدأ “الاستمرار والتغيير”، فالتغيير هو وضع سياسات أساسية للرؤية المعرفية الناظمة للتوجه التركي الخارجي، وليس فقط إقامة تحالفات شكلية مؤقتة، لأن الاستجابة للتحديات الداخلية والخارجية تتطلب إدراكًا مسبقًا ومعرفة عميقة لمنافسيها الكبار، وتحدياتها الجيواستراتيجية. بينما الاستمرارية التي تُعد أحد عناصر رؤية السياسة الخارجية التركية تتمثل في تذليل العقبات واحتواء التحديات وعدم الاستسلام للظروف المحيطة بمناطق حضورها، وهو ما يمنحها مناعة في التكيُّف مع المتغيرات الجديدة في الدول الإفريقية، كثيرة الغليان والتقلبات السياسية، خصوصًا في الصومال التي يواجه الحضور التركي فيها تحديًا أمنيًا بسبب تهديدات حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة، إلى جانب مخاوف سياسية من وصول خصوم تركيا إلى الحكم بعد الانتخابات الرئاسية المقبلة، وهو ما قد يخيِّب آمال تركيا لضمان مستقبل وجودها في منطقة القرن الإفريقي أمنيًا واستراتيجيًا. لذا، فإن مستقبل تركيا في إفريقيا مرهون بمدى إدراكها الأخطار الناشئة والتبعات الأمنية والاقتصادية التي تعجّ بها القارة، تجنبًا لتأثيرات تلك الاختلالات الداخلية في إفريقيا وانعكاساتها على مستقبل حضورها في المنطقة من جهة، واقتصادها وسياساتها الداخلية من جهة ثانية، انطلاقًا من سياسة “صفر مشاكل” التي تتبعها تركيا.

 

[1]  الشافعي أبتدون، “عن القمة التركية الإفريقية الثالثة”، العربي الجديد، 22/12/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/CPhQw

[2]  “هكذا جاءت تعليقات أردوغان في ختام القمة التركية- الإفريقية في إسطنبول”، تليفزيون سوريا، 19/12/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/bdQHd

[3]  “القمة التركية الإفريقية.. كيف أصبحت أنقرة الشريك الموثوق للقارة السمراء؟”، عربي TRT، 16/12/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/Ogmvk

[4]  عبد المنعم علي، “القمة التركية الإفريقية.. منفذ جديد للتغلغل التركي”، المرصد المصري، 20/12/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/MMiff

[5]  عبد العزيز بدر القطان، “القمة التركية – الإفريقية.. لعبة “الجميع رابح””، مركز سيتا، 21/12/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/xGgNQ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

‫شاهد أيضًا‬

علاقات مصر بدول حوض النيل في ظل تفاعلات القرن الإفريقي

علاقات مصر بدول حوض النيل في ظل تفاعلات القرن الإفريقي تلعب التفاعلات الأخيرة التي تعرضت ل…