‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر مستقبل الدعم في مصر.. هل يتجه السيسي نحو مذبحة؟
مصر - يناير 4, 2022

مستقبل الدعم في مصر.. هل يتجه السيسي نحو مذبحة؟

مستقبل الدعم في مصر.. هل يتجه السيسي نحو مذبحة؟

 

 

«اللي فات مش أكثر من فردين.. والجديد مفيش ــ قلت لا يمكن أدي بطاقة تموين تاني لحد بيتجوز». بهذه التصريحات التي أطلقها الجنرال عبدالفتاح السيسي  الأربعاء 22 ديسمبر 2021م  خلال افتتاح مجمع إنتاج بنزين بإحدى محافظات الصعيد، وضع مستقبل الدعم في مصر الذي يستفيد منه نحو 70 مليون مصري على كف عفريت؛ الأمر الذي أفضى إلى تفشي مخاوف مشروعة بين الناس بشأن تقليص الدعم في ظل هذه الظروف والأوضاع القاسية من غلاء فاحش وبطالة مرتفعة لأسباب كثيرة بعضها يعود إلى تفشي جائجة فيروس كورونا منذ سنتين، وصولا إلى إلغاء الدعم إذعانا لشروط صندوق النقد الدولي الذي منح نظام السيسي 20 مليار دولار عبر اتفاقين تم الأول في نوفمبر 2016م، وبلغت قيمته (12 مليار دولار)، والثاني في منتصف 2020  بقيمة (8 مليارات دولار)؛ بدعوى مساعدة النظام على مواجهة تداعيات تفشي جائحة كورونا.

تصريحات السيسي أثارت حالة من البلبة والارتباك حتى بين الأوساط الحكومية[[1]]؛ لأن كلماته حمَّالة أوجه، ويمكن تفسيرها بأكثر من معنى؛ فتصريحه «اللي فات مش أكثر من فردين.. والجديد مفيش»، قد يُفهم  منه أن السيسي سيحذف ما يزيد عن فردين في كل بطاقة تموين حالية، ويفهمها البعض على أنه لن يسمح بأكثر من تسجيل طفلين على كل بطاقة قديمة إلى جانب الأب والأب، فيكون أعلى عدد لكل بطاقة تموين أربعة أفراد.

أما تصريحه الآخر «قلت لا يمكن أدي بطاقة تموين تاني لحد بيتجوز»، فإنه الرسالة منه واضحه بمنع إصدار أي بطاقات تموين جديدة لأي فرد تزوج حديثا ويريد تكوين أسرة وعمل بطاقة تموين خاصة به وبزوجته حتى لو كان كلاهما يتمتعان بخدمة الدعم على بطاقات أسرتيهما. والهدف من ذلك واضح وضوح الشمس وهو تقليص أعداد المنتفعين من الدعم بنوعيه (الخبز ـ السلع)، معنى ذلك أن السيسي يتجه نحو تنفيذ مذبحة بشأن الدعم وذلك بحذف عشرات الملايين من الذين يتلقون الدعم حاليا.[[2]]

الملاحظة الأولى على تصريحات السيسي أنها كانت مؤلمة استخدم فيها أسلوب المعايرة للفقراء والمستحقين للدعم، وتكلم عنهم بنبرة تعال واستكبار، وكأنه يمنحهم الدعم من جيبه الخاص أو من مال أبيه، متجاهلا أنه  هو نفسه وحكومته وجيشه وشرطته وجميع موظفي حكومته يتقاضون مرتباتهم من جيوب المواطنين؛ فقد بلغت نسبة مساهمة الإيرادات الضريبية في دعم إيرادات الموازنة خلال الشهور الأربعة الأولى من العام المالي الحالي (2021/2022) الذي بدأ في يوليو الماضي 78.8%  مقابل 75% كانت مساهمة الضرائب في موازنة العام الماضي (2020/2021).[[3]] وتستهدف حكومة السيسي تحصيل نحو 983 مليارجنيه من الضرائب بخلاف نحو 76 مليارا أخرى من الرسوم في الموازنة الحالية رغم أن حجم الإيرادات الكلية في الموازنة تزيد قليلا عن تريليون و300 مليار جنيه فقط! [[4]]

الملاحظة الثانية أنه خلال السنوات الماضية استبعدت وزارة التموين نحو 17 مليون مواطن من بطاقات التموين بدعوى تكرار الأسماء أو عدم استحقاقهم للدعم؛ حيث كشف وزير التموين الدكتور علي مصيلحي أمام البرلمان في وقت سابق  أن عدد المستفيدين من بطاقات الدعم التموينية قد انخفض من 81 مليون مواطن إلى 64 مليوناً، بواقع 50 جنيهاً للفرد شهرياً (يحصل المواطن على سلع غذائية بقيمتها)، مشيراً إلى أن 62% من إجمالي عدد المصريين، البالغ نحو 102.5 مليون نسمة، ما زالوا يتمتعون بدعم التموين، مقابل 68% تقريباً من السكان يتمتعون بدعم الخبز.[[5]] لكن المظاهرات المناوئة للسيسي في سبتمبر 2019م؛ رفضاً لتردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، قد أجبرت وزارة التموين على إعادة مليون و800 ألف مستبعد إلى بطاقات صرف السلع التموينية، تنفيذاً لتوجيهات السيسي حينها الذي طاولته فضائح (آنذاك على يد المقاول محمد علي) تتعلق ببناء قصور فخمة تتكلف المليارات من الجنيهات، بينما يعاني ملايين المصريين من الفقر المدقع. ويبلغ عدد بطاقات التموين في مصر نحو 23 مليون بطاقة، يستفيد منها قرابة 64 مليون مصري من مجموع عدد سكان مصر البالغ نحو 103 مليون نسمة. وتبلغ فاتورة دعم السلع الغذائية في مصر 87.2 مليار جنيه مصري (ما يعادل نحو 5.5 مليار دولار) طبقا لموازنة العام المالي الحالي 2022/2021، منها 50 مليار جنيه لدعم الخبز و37 مليار جنيه لدعم السلع التموينية. وتشير الإحصاءات الرسمية المصرية إلى أن نحو 72 مليون مصري يستفيدون من دعم الخبز. [[6]] وأصدر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المصري، في 17 أكتوبر 2021، بمناسبة اليوم العالمي للقضاء على الفقر، إحصاء جاء فيه أن معدلات الفقر في مصر بلغت نسبة 29.7 في المئة خلال عام 2019 – 2020م، انخفاضا من نحو 32% في العام 2018/2019 بما يعني أن النظام في مصر نجح في تقليل البطالة خلال تفشي كورونا رغم ارتفاعها في كل بلاد العالم بسبب عمليات الإغلاق الواسعة للشركات والمصانع. بينما تذهب تقديرات البنك الدولي إلى أن نسبة الفقراء في مصر تزيد على 60% وهو رقم يقترب من الحقيقة بحسب مراقبين.

الملاحظة الثالثة، أنه في الوقت الذي تزيد فيه جميع حكومات العالم دعمها لمواطنيها من أجل تعزيز قدرتهم على مواجهة تداعيات تفشي جائحة كورونا التي تسببت في عمليات إغلاق واسعة طالت آلاف المصانع والشركات وحتى المحال الصغيرة التي تعتمد على تجمعات الناس، فإن نظام الدكتاتور السيسي يفعل العكس تماما؛ حيث يتم خفض الدعم من جهة وزيادة الرسوم والضرائب من جهة ثانية؛ في برهان كبير على أن النظام إنما يستهدف سحق الطبقات الفقيرة والمهمة والقضاء على الطبقة الوسطى التي تعاني منذ  سنوات في ظل ثبات الدخول والارتفاع الجنوني في أسعار السلع والخدمات. بالمقارنة بين مخصصات الدعم بموازنات الدول المتقدمة (الولايات المتحدة الأمريكية ــ كندا ــ فرنسا ــ المانيا ــ بريطانيا ــ استراليا) عام 2020 بمخصصات الدعم عام 2019 بها، أي قبل ظهور فيروس كورونا، فقد زادت مخصصات الدعم عام 2020 في أستراليا بنحو عشرة أضعاف ونصف، وفي كندا ثمانية أضعاف، وفي إنجلترا بأربعة أضعاف، ونمت بألمانيا بنحو 131%، وفي بلجيكا بنحو 28%، وفي فرنسا بنسبة 17%.  بينما انخفضت مخصصات الدعم بالموازنة المصرية بالعام المالي 2019/2020 بنسبة 20% عما كانت عليه بالعام المالي السابق لظهور كورونا، لتصل إلى 229 مليار جنيه مقابل 287.5 مليار جنيه بالعام السابق عليه، رغم التصريحات الحكومية بتخصيص مئة مليار جنيه للإنفاق لمواجهة كورونا.[[7]] وهو ما تصر عليه حكومة السيسي في الموازنة الحالية (2021/2022) حيث تراجعت مخصصات دعم الخبز والسلع التموينية إلى 87 ملياراً و222 مليون جنيه، ودعم المواد البترولية إلى 18 ملياراً و411 مليون جنيه، ودعم التأمين الصحي والأدوية إلى 3 مليارات و721 مليون جنيه، ودعم نقل الركاب إلى مليار و795 مليون جنيه، ودعم المزارعين إلى 664 مليوناً و535 ألف جنيه، ودعم تنمية الصعيد إلى 250 مليون جنيه، في إطار خطة الحكومة الرامية إلى إلغاء مخصصات الدعم بصورة تدريجية في الموازنة العامة، استجابة منها لتعليمات صندوق النقد والمؤسسات الدولية المانحة للقروض الخارجية. ورغم خلو موازنة مصر من أي مخصصات لدعم الكهرباء في العامين الماليين 2020-2021 و2021-2022، إلا أن حكومة السيسي أعلنت استمرار الزيادة السنوية في أسعار الكهرباء حتى عام 2024-2025، بما يعني تحقيق أرباح من بيعها للمواطنين بعد تحرير الدعم عنها نهائياً.

الملاحظة الرابعة، أن أرقام مخصصات الدعم خلال السنوات العشر الماضية تبرهن على توجهات النظام نحو إلغاء الدعم بشكل تدريجي؛ وكان الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، أشار إلى أن إجمالي مخصصات الدعم بلغت نحو 1.6 تريليون جنيه (102.423 مليار دولار) خلال الفترة من 2010 وحتى 2020.[[8]] على النحو التالي:

  • (2010/2011): سجلت قيمة الإنفاق على الدعم 101.3 مليار جنيه (6.493 مليار دولار).
  • (2011/2012): 132.9 مليار جنيه (8.519 مليار دولار)، بنسبة ارتفاع بلغت نحو 31.3 في المائة.
  • (2012/2013): 113مليار جنيه بانخفاض نحو 29 مليار جنيه بنسبة 15% وهي الموازنة التي وضعها المجلس العسكري قبل تسلم الرئيس مرسي للرئاسة من أجل وضع الألغام في طريقه.
  • (2013/2014): ارتفعت مخصصات الدعم بنسبة 41.7% لتصل إلى 160.1 مليار جنيه وهو العام الذي اغتصب فيه السيسي السلطة بانقلابه فعمل على رفع الدعم لاسترضاء المواطنين والقبول بانقلابه.
  • (2014/2015): ارتفعت مجددا إلى 178.7 مليار جنيه بنسبة زيادة قدرها 11.6%.
  • (2015/2016): تراجعت مخصصات الدعم بنسبة 13.8% لتسجل نحو 153.9 مليار جنيه. حيث شرع السيسي في تحرير أسعار الوقود والكهرباء والمياه.
  • (2016/2017): واصلت مخصصات الدعم التراجع بنسبة 16.5 في المئة إلى 128.5 مليار جنيه.
  • (2017/2018): عادت مخصصات الدعم لترتفع وتقفز بنسبة 72.8% لتصل إلى 222.1 مليار جنيه، (14.218 مليار دولار)؛ وذلك بسبب اتفاق السيسي مع صندوق النقد الدولي؛ وهو الاتفاق الذي أدى إلى تآكل قيمة الجنيه للنصف ؛ ولذلك رفعت الحكومة مخصصات الدعم حتى تواجه موجهات الغلاء الفاحش التي ترتبت على قرارات التعويم وتبني ما يسمى بالإصلاح الاقتصادي والإذعان لشروط صندوق النقد الدولي في ظل اعتماد مصر على استيراد أكثر من 60%  من غذائها.
  • (2018/ 2019): تراجعت مخصصات الدعم بنسبة 3.5 في المئة إلى 214.3 مليار جنيه (13.719 مليار دولار).
  • (2019/2020): سجلت مخصصات الدغم نحو 171.8 مليار جنيه (10.998 مليار دولار)، بنسبة انخفاض قدرها 19.8 في المائة.
  • (2020/2021): بلغت مخصصات بند “الدعم” نحو 326.279 مليار جنيه (20.888 مليار دولار). هذه الزيادة جاءت لأن الحكومة ضمت بنود أخرى بالموازنة من أجل تضخيم مخصصات الدعم مثل المنح والمزايا الاجتماعية. وبالتالي فهو رقم مضلل لأن ما يقدم للناس من دعم حقيقي تراجع بشدة في ظل توجهات النظام نحو تحرير أسعار الوقود والكهرباء والمياه.
  • (2021/2022):  تراجعت مخصصات الدعم إلى نحو 321.302 مليار جنيه (20.569 مليار دولار).

اللافت هي الزيادة الكبيرة في مخصصات الدعم في موازنة (2020/2021) حيث بلغت نحو 326.279 مليار جنيه (20.888 مليار دولار). في مقابل نحو 171.8 مليار جنيه (10.998 مليار دولار)، في العام السابق؛ تفسير ذلك أن الحكومة تحايلت على الأمر، فقد صدر قانون جديد للتأمينات والمعاشات في أغسطس 2019م،  ينص على سداد الخزانة العامة ديونها المتراكمة لسنوات طويلة لصندوق التأمينات الاجتماعية على أقساط سنوية بقيمة 160.5 مليار جنيه للقسط، على مدار  خمسين عاماً وعلى أن تزيد قيمة القسط سنوياً بنسبة 5.7%، وأن يتم تنفيذ ذلك من اليوم التالي لنشر القانون. إلا أن الحكومة تضيف غالب الرقم المخصص لقسط التأمينات السنوي إلى رقم الدعم بالموازنة؛ لتضخيمه على نحو غير حقيقي في تحايل كبير يتم توظيفه إعلاميا وكأن الحكومة تهتم بالفقراء والمهمشين على نحو مخالف للحقيقة. ففي موازنة 2019/2020، أضافت الحكومة 55 مليار جنيه من أقساط المعاشات لرقم الدعم بالموازنة. وفي 2020/2021 أضافت 123 مليارا، وفي العام الحالي 2021/2022 أضافت 135 مليارا!. [[9]]

الملاحظة الخامسة، أن الفقراء لا يحصلون سوى على نسبة 33% من مخصصات الدعم، موزعة ما بين نسبة 16% لدعم الخبز، و11% لدعم سلع البطاقات التموينية، و6% لمعاشات التضامن الاجتماعي وتكافل وكرامة المتجهة لشريحة الفقراء. حيث بلغت مخصصات دعم الخبز 50.6 مليار جنيه، ودعم سلع البطاقات التموينية 36.6 مليار جنيه ومعاشات الفقراء 19 مليار جنيه، من إجمالي رقم الدعم البالغ 321 مليار جنيه.  وهو ما يعني على الجانب الآخر اتجاه نسبة 67% من الدعم بالموازنة لغير الفقراء، حيث يحصل المصدرون على نصيب من ذلك الدعم، وكذلك وزارة الإنتاج الحربي وأندية العاملين بوزارة المالية وكذلك نوادي الشرطة، وحتى دول حوض النيل، ومن خلال رصد توزيع مخصصات الدعم بالموازنة تبين حصول كل الوزارات على نصيب منها مع اختلاف القيمة فيما لكل منها. لتتواجد ضمن قائمة الحاصلين على الدعم دار الأوبرا المصرية ومكتبة الإسكندرية وهيئة قصور الثقافة والمحكمة الدستورية العليا، والهيئة الوطنية للصحافة والمجلس الأعلى للإعلام والمجلس القومي للرياضة وهيئة الرقابة الإدارية وغيرها من الجهات الحكومية، بينما يظن كثيرون أن مخصصات الدعم تتجه إلى الفقراء كما يدعي مسؤولو الحكومة وإعلام الصوت الواحد بمصر.[[10]]

سيناريوهات محتملة

الحكومة تدرس حاليا سيناريوهات مختلفة لإعادة هيكلة «الدعم»، وقد صرَّح مصطفى مدبولي رئيس الحكومة بذلك في أعقاب تصريحات السيسي في أسيوط، وخلال مؤتمر صحفي بمجلس الوزراء بالعاصمة الإدارية أوضح أن الحكومة تدرس عدة سيناريوهات  فيما يتعلق بإعادة هيكلة دعم السلع بشكل كامل وليس فقط ما يتعلق ببطاقة التموين معللا ذلك بهدف التأكد من حصول المستحقين على الدعم. ولتوضيح المقصود بإعادة هيكلة الدعم، أضاف رئيس الحكومة: «دعم المحروقات منذ 4 سنوات بلغ 128 مليار جنيه، والدولة كانت تدفعها على حساب أشياء كثيرة، وبعد هيكلة الدعم أصبح 17 مليار جنيه، وبالتالى الفرق فى دعم المحروقات تم توجيهه للمشروعات والاستثمارات التى تهدف إلى خدمة المواطنين أولًا».[[11]] لكن مدبولي لم يذكر هذه المشروعات والاستثمارات التي استفاد منها المواطنون!  معنى ذلك أن الهيكلة المرتقبة تستهدف تقليص الدعم إلى أدنى مستوياته إذعان لشروط صندوق النقد، من خلال حذف عشرات الملايين من المواطنين من بطاقات الدعم. كما تكشف تصريحات رئيس الحكومة أن الأموال المتوفرة من تقليص الدعم يتم توجيهها إلى مشروعات السيسي مثل العاصمة الإدارية والعلمين الجديدة وشبكة الطرق والكباري والقطار الكهربي وهي المشروعات التي لا يستفيد منها سوى أثرياء القوم وكبار موظفي الحكومة ورجال الأعمال. فالسيسي بذلك يحرم ملايين المصريين الفقراء من الطعام (الخبز والسلع) من أجل إنهاء مشروعاته التي يستفيد منها الأغنياء!!

وإزاء هذه المعطيات هناك سيناريوهان محتملان:

السيناريو  الأول (المذبحة)، هو  توجه النظام نحو مذبحة وترجمة تصريحات السيسي بحذف عشرات الملايين من المواطنين المستحقين للدعم في ظل موجات الغلاء الفاحش التي لا تتوقف منذ قرارات التعويم والاتفاق مع صندوق النقد الدولي في نوفمبر 2016م، والتي فاقمت منها ارتفاع أسعار السلع الغذائية على المستوى العالمي لأسباب عديدة أبرزها عمليات الإغلاق بسبب كورونا وتغيرات المناخ التي ضربت المحاصيل خلال سنة 2021م. وزيادة أسعار الشحن من خطوط الإمداد للأسواق. والسيسي إنما يصر على هذه الخطوة المجنونة لاعتبارات تتعلق بحرصه الشديد على الإذعان المطلق لشروط صندوق النقد الدولي، لكنه يغلف هذه الحقيقة المرة بغلاف برَّاق مدعيا حرصه على نهضة مصر وتقدمها، حيث  صرَّح السيسي أن الدولة غير قادرة على صرف المزيد من الدعم، معتبرًا أن هذا الإنفاق سبب تأخر الدولة عشرات السنوات في التنمية.[[12]] بينما اتهم رئيس  الحكومة مصطفى مدبولي الزيادة السكانية بالتهام أي نسب تنمية تنفذها الدولة، معتبرا أنه في حالة ثبات نسب الزيادة السكانية في مصر لمدة 10 سنوات فقط، لاختلف الوضع تماما في مصر.[[13]]

السيناريو الثاني (التأجيل)، هو  قدرة الأجهزة الأمنية على إقناع السيسي بتأجيل هذه الخطوة في ظل تقديرات موقف أعدتها هذه الأجهزة تحذر من التداعيات المحتملة والخطيرة لمثل هذه الخطوة، وأنها قد تفضي إلى خروج الأمر عن السيطرة بما يهدد باندلاع احتجاجات كبيرة قد تخرج عن السيطرة ولا يمكن احتواؤها.[[14]] ويدلل على ذلك أن السيسي كان قد تعهد برفع أسعار الخبز المدعوم في أغسطس 2021 في ظل ارتفاع أسعار القمح عالميا، لكنه لم يفعل؛ ويعزو بعض المراقبين ذلك إلى تحذيرات التقارير الأمنية التي تعدها ما تسمى بالأجهزة السيادية والتي تنصحه بتأجيل ذلك القرار تجنبا لانفجار شعبي محتمل. لكن تكرار تصريحات السيسي إنما تمثل بحد ذاتها بالون اختبار من جهة لتمكين هذه الأجهزة من قياس ردود الفعل ومدى قابلية الرأي العام لمثل هذه الخطوة الخطيرة. وقد تمثل أيضا تهيئة وتمهيد للمجتمع لقبول هذه الخطوة.

الخلاصة أنه لا يمكن ترجيح سيناريو على آخر؛ لأن الدوافع والمعطيات قائمة في كل سيناريو، وغياب الرشد والاتزان النفسي عن صنَّاع القرار يجعل من عمليات الترجيح عسيرة في ظل ضغوط الأزمة الاقتصادية وارتفاع الأسعار عالميا. لكن الجدير بالذكر أن نسبة الدعم خلال السنوات العشر الأخيرة تدور حول 6% فقط من مصروفات الموازنة العامة، لكن هذه المخصصات رغم ضآلتها يسعى السيسي لخفضها رغم أنها تعد سندا أساسيا للفقراء وسببا في تحقيق شيء من السلام الاجتماعي والاستقرار الأمني  بسد جوع عشرات الملايين من الفقراء. في الوقت الذي ارتفعت فيه فوائد الديون وأقساطها في الموازنة الحالية إلى تريليون و173 مليارا بسبب توسع الحكومة في الاستدانة.

وتأتي توجهات السيسي نحو خفض الدعم رغم زيادة مخصصات  قطاع الخدمات العامة الذي يضم مخصصات رئاسة الجمهورية والمجالس التشريعية والتنفيذية، على النصيب الأكبر من إنفاق الحكومة على أنشطتها المختلفة، ومن ثم حصل على أكبر زيادة في النفقات، بلغت نحو 80.7 مليار جنيه، معظمها يوجه لسداد فوائد الديون، وأجور كبار مسؤولي الدولة، كما حصل قطاع الأمن العام وشؤون السلامة العامة الذي يضم القضاء والمحاكم ووزارة الداخلية على ثاني أكبر زيادة مقارنة بالعام المالي السابق، حيث زادت مخصصاته بحوالي 36.6 مليار جنيه.

أيضاً زادت مخصصات الاستثمارات الحكومية في العام الجديد بنحو 54.5% عن موازنة العام السابق، يقتطع قطاع الخدمات العامة النصيب الأكبر منها، بمعدل ثلث المخصصات، ويمثل بند المباني والإنشاءات حوالي 71% من مخصصات الاستثمارات الحكومية المالي الجاري، وزادت نسبته مقارنة بالعام السابق حيث كانت تبلغ 62%، والسبب كما يرجح الخبراء هو تكاليف المباني الحكومية في العاصمة الإدارية الجديدة، نظراً لأن استثمارات باقى المدن تدرج ضمن بند الإسكان والمرافق، بينما تدرج ميزانية النقل والطرق في قطاع الشؤون الاقتصادية.[[15]] معنى ذلك أن الأرقام تبرهن على أن السيسي يقتطع من قوت الشعب من أجل استكمال بناء عاصمته الإدارية وشبكة الطرق والمدن الجديدة التي لا يستفيد منها سوى طبقة الأغنياء وأهل الحكم والمقربون من السلطة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

 

 

[1] معجنة تفسيرات لتصريح الرئيس.. ومدير «بطاقات التموين»: «فوجئنا بها.. لازم كلام رسمي عشان نفهم وبعدين ننفذ»/ مدى مصر ــ 22 ديسمبر 2021م

[2] أماني حسن/ السيسي يحسم قضية إضافة مواليد جدد ببطاقة التموين: «اللي فات مش أكثر من فردين.. والجديد مفيش»/ المصري اليوم ــ 22 ديسمبر 2021م// الرئيس السيسي: فردان فقط الحد الأقصى لبطاقات التموين الحالية/ بوابة الشروق ــ  الأربعاء 22 ديسمبر 2021// السيسي يقرر حذف ملايين المصريين من بطاقات الدعم التموينية/ العربي الجديد ــ 22 ديسمبر 2021

[3] مصر: الضرائب مصدر 79% من إيرادات الموازنة الحالية/ العربي الجديد ــ 22 نوفمبر 2021

[4] انظر ايضا.. الزج بملايين المصريين في مستنقع الفقر: تقليص الدعم متواصل مقابل زيادة الإنفاق على الأثرياء/ العربي الجديد ــ 24 ديسمبر 2021

[5] السيسي يقرر حذف ملايين المصريين من بطاقات الدعم التموينية/ العربي الجديد ــ 22 ديسمبر 2021

[6] خفض دعم سلع أساسية في مصر: تعميق لأزمة الفقراء أم ضرورة اقتصادية؟/ بي بي سي عربي ــ26 ديسمبر/ كانون الأول 2021

[7] ممدوح الولي/الدول المتقدمة ترفعه ومصر تخفضه.. لماذا تخالف الحكومة الاتجاه العالمي في سياسات الدعم؟/ عربي بوست ــ 18 أغسطس 2021م

[8] خالد المنشاوي ومحمود عبده/ تحريك مرتقب لسعر رغيف الخبز في مصر..تشكيل لجنة وزارية لتحديد الثمن المناسب الجديد/ إندبندنت عربي ــ  الثلاثاء 3 أغسطس 2021

[9] ممدوح الولي/الدول المتقدمة ترفعه ومصر تخفضه.. لماذا تخالف الحكومة الاتجاه العالمي في سياسات الدعم؟/ عربي بوست ــ 18 أغسطس 2021م

[10] ممدوح الولي/الدول المتقدمة ترفعه ومصر تخفضه.. لماذا تخالف الحكومة الاتجاه العالمي في سياسات الدعم؟/ عربي بوست ــ 18 أغسطس 2021م (مرجع سابق)

[11] محمد عبد العاطي, إبراهيم الطيب, إنجي عبد الوهاب/ الحكومة تدرس سيناريوهات مختلفة لإعادة هيكلة «الدعم»/ المصري اليوم ــ  الخميس 23 ديسمبر 2021م

[12] معجنة تفسيرات لتصريح الرئيس.. ومدير «بطاقات التموين»: «فوجئنا بها.. لازم كلام رسمي عشان نفهم وبعدين ننفذ»/ مدى مصر ــ 22 ديسمبر 2021م

[13] محمد عنتر/ مدبولي: نراجع منظومة الدعم كاملة وليس بطاقات التموين فقط.. ووقت تحمل الدولة كل شيء انتهى/ بوابة الشروق ــ الخميس 23 ديسمبر 2021

[14] تحذيرات أمنية مصرية من رفع الدعم نهائياً: الانفجار الشعبي مرجح/ العربي الجديد ــ 26 ديسمبر 2021

[15] «109» مليارات جنيه قيمة الدعم لكن من يستفيد؟ هل يحصل الفقراء على حقهم في مصر؟/ عربي بوست ــ 23 نوفمبر 2021م (مرجع  سابق)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

‫شاهد أيضًا‬

السياسة الخارجية المصرية فى الفترة من 30 إبريل إلى 15 مايو 2022

  أولًا: القضية الفلسطينية: شهدت الأيام الأخيرة تصاعد في حدة الصراع بين الفلسطينيين و…