‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر تسريب «الاختيار3» لمرسي مع المشير.. تحليل المحتوى والمضامين
مصر - أبريل 14, 2022

تسريب «الاختيار3» لمرسي مع المشير.. تحليل المحتوى والمضامين

تسريب «الاختيار3» لمرسي مع المشير.. تحليل المحتوى والمضامين

 

يحتوي الجزء الثالث من مسلسل «الاختيار3» الذي يبث في رمضان (1443هـ) على عدة تسريبات للرئيس الشهيد محمد مرسي وعدد من قيادات الإخوان المسلمين والقوى السياسية، يستهدف بها النظام العسكري الحاكم وأجهزته الأمنية محاولة إضفاء شيء من التوثيق للتخديم على توجهات وأهداف النظام من العمل الدرامي الذي يتم توظيفه سياسيا لخدمة أجندة النظام. لكن التسريب الذي حظى باهتمام واسع هو ما تم بثه في حلقة السبت 09 إبريل 2022م الموافق 08 رمضان 1443هـ من مسلسل «الاختيار 3»، بوصفه (تسريبا) للرئيس الشهيد محمد مرسي مع المشير محمد حسين طنطاوي، رئيس المجلس العسكري، بحضور اللواء عبدالفتاح السيسي، مدير جهاز المخابرات الحربية وقتها وآخرين، الحق أنه  ليس تسريبا بالمعنى الصحيح والمتعارف عليه؛ وهو التنصت وتسجيل مكالمات سرية تتعلق بأسرار لا يود الشخص المسرب له أن يكشف عنها للرأي العام لأنها تدينه وتفضحه، كما حدث مع تسريبات السيسي  ومدير مكتبه عباس كامل، والتي كشفت أسرارا يخفيها النظام عن رعايته لحركة تمرد والتمويل الإماراتي السخي لإنجاح الانقلاب العسكري على مرسي، وإدارة الجيش لهذه المؤامرات وإمساكه بكل خيوط اللعبة ضد الرئيس والمسار الديمقراطي كله، كما أنه لا يرقى مثلا لتسريب اللواء ممدوح شاهين، مساعد وزير الدفاع للشئون القانونية، الذي تناول تستيف الأمور مع النائب العام بشأن مكان احتجاز الرئيس مرسي والذي كان يخالف القانون كما ورد بالتسريب. هناك أيضا تسريب الضابط بأحد الأجهزة الأمنية النافذة مع رئيس حزب الوفد الأسبق سيد البدوي والذي كشف فيه عن كل مخططات الدولة العميقة بعد شهور قليلة من ثورة يناير، ونشر العنف والإرهاب والقتل وذبح الإخوان من قبل مجهولين، وهي الجرائم التي حدثت بالتفصيل كماء جاء بالتسريب؛ ورغم خطورته لم يتم فتح أي تحقيق في هذه التسريبات الخطيرة التي تكشف تفاصيل  المؤامرة ومن يقف وراء المذابح المروعة التي شهدتها مصر في أعقاب ثورة يناير وانقلاب 3 يوليو 2013م؛ حيث ثبت بالدليل القاطع أن أجهزة الدولة العميقة (الجيش ـ المخابرات ــ الأمن الوطني) هي الطرف الثالث الذي كان يقف وراء الفوضى والفلتان الأمني والجرائم التي لم يكشف عن المتورطين فيها.

قبل التسريب يظهر صبري فواز، الممثل القائم بدور الرئيس مرسي في صورة “أراجوز” يعاتب طنطاوي لأنه لم يبارك له فوزه في جولة الإعادة بانتخابات الرئاسة؛ ليتساءل طنطاوي الذي قام بدره أحمد بدير: أبارك لك على إيه؟ هي النتجة طلعت؟ ليتدخل السيسي (قام بدوره  الممثل ياسر جلال) بالرد: إن شاء الله، النتيجة هتعلن يوم الخميس القادم.  ليتحدث طنطاوي لمرسي عن الفترة اللي بعد إعلان النتيجة في حال لو نجح مرسي في الانتخابات. ليبتسم مرسي الممثل ابتسامة غريبة قائلا بشكل ساخر: “على بركة الله” مع نظرات وحركات غربية بالفم  والجسد مقصودة في المسلسل لمزيد من التشويه والتنفير من صورة مرسي. ثم يبدأ في التسريب الذي جاء مغايرات تماما للصورة المشوهة التي أرادوها لمرسي من المسلسل.

مضامين التسريب

التسريب احتوى على المضامين الآتية:[[1]]

  • ضبط كادر كاميرا التسريب على شخصين فقط (مرسي ــ السيسي)، بينما يظهر صوت طنطاوي دون صورته.
  • الفقرة الأولى من التسريب تتعلق بتبرير طنطاوي حضور السيسي الاجتماع قائلا: « هو المفروض ميكونش موجود عشان دي تبقى بيني وبينك»، لكن مرسي يبدي عدم اعتراضه على حضور السيسي وأنه يتفهم العلاقة بين طنطاوي والسيسي ومدى الثقة المتبادلة بينهما. ثم يشرع طنطاوي في الإشادة بالسيسي وتدينه على وجه التحديد كنوع من أنواع تعزيز ثقة مرسي في السيسي؛ يقول طنطاوي: «وبعدين على فكرة يعني قربه من الله وإخلاصه لله»، ليرد مرسي: «سيادة اللواء عبدالفتاح شخصية الحقيقة .. احنا يعني بنعتبره من الأسس اللي مع حضرتك.. الدراع الأساسية .. مش هنقول دراع يمين لكن الأدرعة كتير»، ليؤكد طنطاوي ذلك «طبعا طبعا.. ده من زمان.. يعني أنا حاطط عيني عليه وهو لسة..»، ثم يجلس السيسي في أدب وخنوع ويكتفي بتدوين أهم ما يقوله مرسي في باقي الحوار. مرسي: يضحك.. طنطاوي: آه  ثم ينتقطع الحوار (حذف) وينتقل إلى فقرة أخرى.
  • الفقرة الثانية، شرع خلالها مرسي في تحذير “طنطاوي” بوصفه أعلى سلطة في الدولة حينها من التدخل في نتائج الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية 2012 والتي تنافس فيها مرسي مع الفريق أحمد شفيق، مرشح الجيش والدولة العميقة. ليقول مرسي في حزم وحسم وقوة «النتيجة ما تتغيرش؛ لإن دي لو حصلت ليس لها من دون الله كاشفة» لحدث حذف آخر، ثم  يضيف مرسي: «الموجة اللي موجودة موجة إضرام نيران  لمن لا يقدر المسئولية.. أنا لا أتمنى هذا ولا أريده ولا أوافق عليه.. حذف آخر. ليرد طنطاوي: «أنا عايزك تاخد بالك من إن لو حصل وااااااااا يعني ي ي .. يعني ال.. جهة ما حاولت إنها تضرم النار في البلد، دي هتبقى مصيبة على البلد وعلينا»، ليرد مرسي: «أيوه صحيح.. عشان كدة أنا بتكلم». ليقول  طنطاوي: «بس خد بالك وخليهم مفيش داعي للحاجات دي..»، ليرد مرسي:«بس أنا أقول لحضرتك  إنه التصرف اللي موجود.. الشعور اللي موجود .. شعور تلقائي شعبي وليس مخطط له»، لكن طنطاوي يرد: «لأ  فيه تخطيط معلهش..». حذف آخر.
  • الفقرة الثالثة، يشرع مرسي في الحديث عن النقطة الثانية وهي أزمة حل البرلمان بحكم المحكمة الدستورية قبل أيام من جولة الإعادة في انتخابات الرئاسة، يقول مرسي: «النقطة التانية هو انعقاد مجلس الشعب»، ليرد طنطاوي: «انعقاد مجلس الشعب أنا مقدرش أعمل في حاجة.. معلش أنا أصارحك القول .. انعقاد مجلس.. هو أنا أقدر أعمل حاجة دلوقتي في مجلس الشعب؟»، مرسي: «آه حضرتك تقدر..»، طنطاوي: أعمل إيه؟ مرسي: تلغي القرار.. طنطاوي: لا .. أنا مقدرش ألغي القرار.. مرسي: ليه؟ طنطاوي: مع احترامي ليس من سلطتي إني أنا ألغي القرار.. مرسي: لا .. هو حضرتك إللي أصدرت القرار.. طنطاوي: مش أنا اللي أصدرت القرار.. القرار  ده قرار محكمة.. مرسي: القرار التنفيذي. طنطاوي: لا  دا  حكم محكمة.. لا  التنفيذ  دا حاجة والقرار … معلش أنا بصارحك إن…. مرسي: استمع لي بس.. طنطاوي: أنا استمعت ليك والله كتير جدا.. مرسي: أنا أخوك الصغير.. طنطاوي: الموضوع دا أنا غير قادرعلى.. مرسي: بس اسمعنى.. عشان متجيش يوم من الأيام بعد يومين تلاتة أربعة .. وتقول إن احنا ضيعنا فرصة.. طنطاوي: أومال أعمل إيه؟  هو انا هطلع قرار؟ أعمل إيه؟ مانا هلغي حكم المحكمة.. مرسي: لأ.. طنطاوي: أنا مقدرش أعمل كدة .. معلش مع احترامي.. مرسي: حكم المحكمة هيطبق يا سيادة المشير. طنطاوي: أنا بقول لحضرتك إيه.. مرسي: ولكن هيطبق بطريقة يتفق عليها في مرحلة لاحقة.. طنطاوي: يعني إيه؟ مرسي: يعني بقول لحضرتك احنا لو .. أنا اقترحت اقتراح واضح .. احنا قدامنا منفذ اتين تلاثة .. المنفذ الأولاني إنه يتلغي القرار .. ودي مسألة مش صعبة .. المنفذ التاني إن الموضوع يحال إلى الفتوى والتشريع وياخد فيه بعض الوقت لغاية ميقول رأيه. طنطاوي: يا محمد بيه أنا في  اعتقادي .. مش أنا بس .. وأنا لو جمعت دلوقتي المجلس (يقصد المجلس العسكري) وعرضت عليهم مفيش حد هيوافق على الكلام ده.. الموضوع ده مش متفق معلش.
  • الفقرة الرابعة، وفيها يحذر مرسي من انسداد المسار السياسي وتداعياته على مستقبل البلاد، يقول مرسي: «إذا استشعر الناس ــ زي ما أنا بقول ــ إن سدت كل المنافذ». طنطاوي: ناس مين؟ مرسي: الشعب .. الناس إللي عايشين معاهم. طنطاوي: ما الشعب برضو متاخدوش الفئة من الشعب إللي هي .. متشوفوا الشعب كله بيقول إيه.. مرسي: ما احنا شايفين. طنطاوي: اسمع كلامي. مرسي: ما احنا شايفين والله.. طنطاوي: لا  الشعب .. معظم الشعب بيقول كلام تاني خالص .. مرسي: احنا شايفين. طنطاوي: معظم الشعب بيقول كلام تاني خالص.
  • الفقرة الخامسة، يعود الرئيس مرسي إلى موضوع التحذير من تزوير نتيجة الانتخابات الرئاسية، يقول مرسي: «النتيجة.. النتيجة لو تغيرت سيادة المشير سيؤدي هذا أنا بقول لحضرتك». يقاطعه طنطاوي: مين اللي قال إنها هتتغير .. مش يمكن.. يقاطعه مرسي:  سيؤدي هذا إلى حالة من الاضطراب لا نعرف إلى أي مدى ستذهب .. تغيير النتيجة  أنا بقول لحضرتك  سيؤدي إلى اضطرابات.. ساعتها لا أنا ولا أنتو هتقدروا تمنعوها.. ستتوجه الاضطرابات إلينا .. ستمثل خطرحقيقي غير 11 فبراير .. أنا أرصد الواقع لحضرتك .. أنا لك ناصح أمين. ينتهي التسريب
  • ثم يأتي مشهد خروج مرسي (الممثل صبري فواز) حيث اصطحبه السيسي الطويل (ياسر جلال) حتى السيارة التي تقله.

سياق التسريب

لفهم التسريب وما ورد به من رسائل متبادل ، وكذلك لتحليل المحتوى على نحو صحيح،  يتعين أولا فهم السياق الذي جرى فيه التسريب؛ فهذا التسريب الذي سجله جهاز المخابرات الحربية الذي كان يديره السيسي وقتها، على الأرجح أنه جرى يوم الثلاثاء 19 يونيو 2012م؛ وجاء في سياق ملتهب وأجواء جنونية من المجلس العسكري من أجل ضمان سيطرته على مفاصل السلطة في البلاد، فقد أجريت الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة يومي 23 و24 مايو، وانتهت بحصول مرسي وشفيق على أعلى الأصوات، ودخولهما جولة الإعادة. حصول مرسي على أعلى الأصوات أصاب المجلس العسكري بحالة من الجنون والهسيتريا؛ لأنهم لم يتوقعوا ذلك؛ وعلى الفور عجل المجلس العسكري بعدة خطوات استهدف بها عدم خروج الأمور عن السيطرة أو على الأقل وضع المزيد من العراقيل أمام مرسي حال فوزه بالرئاسة كأحد السيناريوهات المحتملة.

كانت جولة الإعادة مقرر يومي السبت والأحد  16و17 يونيو، وما بين انتهاء الجولة الأولى وبداية جولة الإعادة، حدثت كثير من الأمور التي تحمل كثير من الدلالات والرسائل:

  • أوعز المجلس العسكري للمحكمة الدستورية بإصدار حكم بحل مجلس الشعب المنتخب؛ وفي جلستها بتاريخ 14 يونيو 2012م، قبل يومين فقط من جولة الإعادة في انتخابات الرئاسة، أصدرت “الدستورية” حكمين علي درجة كبيرة من الأهمية، الأول بعدم دستورية قانون العزل، والثاني بحل مجلس الشعب المنتخب الذي لم يكمل سوى 6 أشهر فقط على انتخابه، والحكمان سياسيان بامتياز ومتلازمان في التوقيت والهدف والسياق ويمثلان دليلاً واضحاً علي الشراكة بين المحكمة الدستورية والمجلس العسكري في تعطيل المسار الديمقراطي؛ فالمستشار فاروق سلطان رئيس لجنة الانتخابات التي أوقفت قانون العزل وأحالته للدستورية هو ذاته رئيس المحكمة الدستورية العليا! كما أنه هو نفسه الذي أصدر في ذات الجلسة حكماً بحل مجلس الشعب! الغريب في الحكم هو تغول المحكمة الدستورية على السلطة التنفيذية؛ فدورها يقف عند حدود الحكم بدستورية أو عدم دستورية قانون الانتخابات؛ على أن يترك أمر حل البرلمان لرئيس الجمهورية أو من يقوم مقامه (المجلس العسكري وقتها)باعتباره قرارا تنفيذيا لا ولاية للمحكمة عليه. لكن المحكمة لم تحكم فقط ببطلان قانون الانتخابات، بل تجاوزت ذلك إلى الحكم بحل البرلمان ذاته وهي سابقة خطيرة لم تحدث من قبل ولا من بعد. فلماذا فعلت المحكمة ذلك؟ تفسير ذلك أن المجلس العسكري لم يكن يملك صلاحية حل البرلمان؛ لأن الإعلانات الدستورية التي كان يحكم بها عقب الإطاحة بمبارك خلت تماما من منحه هذه السلطة؛ لذلك تكفلت المحكمة الدستورية بحل هذه الورطة بالنص في حكمها على كون المجلس منحلا بقوة القانون بهدف قطع الطريق أيضا على الرئيس المنتخب في إمكانية الدعوة لاستفتاء شعبي علي حل البرلمان فنصت في حكمها علي (بما يترتب عليه زوال وجوده بقوة القانون اعتباراً من يوم انتخابه دون حاجة إلي اتخاذ أي إجراء آخر)! معنى ذلك أن المحكمة الدستورية منحت نفسها حق الوصاية على الإرادة الشعبية؛ فكيف تسمح سلطة من سلطات الدولة (القضاء) نفسها حق إزالة سلطة أخرى( البرلمان المنتخب بإرادة الشعب)؛ فهذا لا وجود له مطلقا في أي ديمقراطية حقيقية في العالم كله. وحتى لو كان القانون ــ سنه المجلس العسكري ــ  معيبا فإن البرلمان يواصل أعماله لحين انتخابات برلمان جديد؛ هذه هي الأصول والقواعد المعمول بها في كل بلاد العالم.
  • أصدر المجلس العسكري مساء الأحد 17 يونيو (مساء انتهاء التصويت في اليوم الثاني من انتخابات جولة الإعادة) إعلانا دستوريا جديدا، اشتهر باسم الإعلان الدستور المكمل؛ وهو الإعلان الذي قوبل برفض شعبي واسع؛ واعتبر مكبلا للرئيس الجديد، في حال نجح مرسي. حيث منح المجلس العسكري صلاحيات واسعة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة لضمان حضوره في حكم البلاد وتقييد سلطات الرئيس؛ منها نقل سلطة التشريع للمجلس الأعلى للقوات المسلحة بدلا من البرلمان الذي تم حله بحكم الدستورية قبل أيام. رغم أن الأصل أن يبقى البرلمان يقوم بدوره لحين انتخابات برلمان جديد، أو نقل سلطة التشريع للرئيس المنتخب من الشعب. كما نص على تحصين أعضاء المجلس العسكري من العزل لحين إقرار الدستور الجديد. ومنح المجلس الأعلى للجيش إقرار الموازنة لحين انتخابات مجلس شعب جديد. كما يعطي الحق للمجلس الأعلى للقوات المسلحة – في حال تعذر عمل الجمعية التاسيسية للدستور- بالقيام بتشكيل جمعية تأسيسية جديدة. كما يعطي للمجلس الأعلى للقوات المسلحة حق الاعتراض على نص أو أكثر من النصوص المقترحة للدستور كما منح ذات الحق لرئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء والمجلس الأعلى للهيئات القضائية أو خمس أعضاء الجمعية التأسيسية، وفي حال تعارض الآراء بين أي منهم وبين رأي الجمعية التأسيسية يعرض الأمر على المحكمة الدستورية العليا للفصل فيه ويصبح قرارها ملزمًا للجميع. وهو ما يعني سيطرة الجيش بشكل مطلق على الدستور الجديد وسلطة التشريع.
  • مع اليقين بفوز مرسي بالانتخابات بفارق نحو مليون صوت، تم تأجيل إعلان النتيجة التي كانت معروفة بالفعل فجر يوم الثلاثاء 19 يونيو 2012م، لا سيما وأن قانون الانتخابات الذي أقره برلمان الثورة وضع ضمانات تحول دون التزوير و التلاعب بالنتيجة فقد ألزم كل رئيس لجنة فرعية بفرز وإعلان النتائج بحضور مندوبي المرشحين والتوقيع وختم محضر الفرز؛ وبالتالي كان صعبا تزوير النتائج في ظل هذا الإجراء الذي يرفع مستوى النزاهة والشفافية. في هذه الأثناء ترددت أنباء قوية بتوجه المجلس العسكري نحو تزوير النتائج لإكمال مؤامرته بعدم حل البرلمان وأصدر إعلانا دستوريا مكملا يمنحه سلطات واسعة. في ظل هذه الظروف جاء لقاء مرسي بالمشير وهو موضوع التسريب.

تحليل المحتوى

أولا، خروج هذا التسريب بعد وفاة طنطاوي، إنما يعني أن السيسي لم يرد تسريبه قبل ذلك لعدم إغضاب المشير الذي يعتبره مثله الأعلى وأباه الروحي داخل المؤسسة العسكرية؛ لأن شخصية مرسي ــ على عكس الممثل الأراجوز الذي يقوم بدور مرسي ــ كانت مهيمنة على الاجتماع بقوته وجرأته وقوة حجته، ثم تحذيراته من تزوير نتيجة الانتخابات وتداعيات ذلك على مستقبل البلاد، مستخدما عبارات حاسمة ومهددة أحيانا (النتيجة ما تتغيرش؛ لإن دي لو حصلت ليس لها من دون الله كاشفة ــ الموجة اللي موجودة موجة إضرام نيران  لمن لا يقدر المسئولية ــ الشعور اللي موجود .. شعور تلقائي شعبي وليس مخطط له)، كما استخدم عبارات رقيقة وعاطفية أيضا (أنا لا أتمنى هذا ولا أريده ولا أوافق عليه ــ أنا أخوك الصغير  ــ أنا لك ناصح أمين).

ثانيا، رغم مشاركة عنان في الاجتماع إلا أنه لم يتم ظهوره لا صوتا ولا صورة؛ لأن النظام حريص على عدم التذكير به بسبب الصدام الذي جرى بينه وبين السيسي، واعتقال الأخير له وإيداعه في السجن  عدة سنوات قبل الإفراج عنه بصفقة رعاها طنطاوي قبل مماته على الأرجح.[[2]]

ثالثا، يكشف التسريب مرواغة طنطاوي والمجلس العسكري وتهربه من اتهامات مرسي للمجلس بالعمل على تزوير نتائج الانتخابات؛ فبينما يحذر مرسي من فتنة ونيران تحرق البلد إذ تم تزوير نتائج الانتخابات؛ نجد طنطاوي في رده يهمل الرد على اتهامات التزوير (السبب)، ليحذر من النتيجة (الاضطرابات)، رغم أن النتيجة لا يمكن أن تحدث إلا حدث السبب “التزوير”.

رابعا، على عكس ما يروج النظام ومسلسلاته بتضخيم شخصية السيسي وإضفاء هالة مقدسة زائفة ومصطنعة على جنابه وتضخيم شخصيته وإظهارها في أبهى صورة، في مقابل صورة مرسي الهزلية الساخرة المتلعثمة الفوضوية، فإن التسريب أظهر صورة مغايرة تماما؛ فقد بدا دور السيسي هامشيا للغاية للدرجة التي دفعت المشير طنطاوي إلى تبرير حضوره في اللقاء. وعلى عكس الصورة المشوهة لمرسي في العالم الافتراضي «الاختيار3»، فقد بدا مرسي في الواقع (التسريب) قويا وسياسيا محنكا، طغت شخصيته على اللقاء بشكل حاسم، وتلاشت إلى جواره شخصيات المشير والفريق واللواء. وبالتالي فإن التسريب (الواقع والحقيقة) عصف فعليا بالصورة المشوهة التي رسموها لمرسي في العالم الافتراضي (المسلسل)؛ فإذا كان مرسي بهذه القوة وتلك الجرأة وهو لا يزال مرشحا رئاسيا؛ فكيف كان معهم ومع السيسي عندما أصبح أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر؟!

خامسا، على عكس ما يروج «الاختيار3»، بأن السيسي كان يتعامل مع مرسي بكل استعلاء واستخفاف، فإن شهود العيان يؤكدون عكس ذلك تماما، حيث يؤكد الوزير السابق يحيى حامد، أن السيسي كان يتزلف إلى الرئيس مرسي بصورة أثارت استنكار الرئيس نفسه؛ ومنها أنه كان يحمل حذاء السيد الرئيس عند خروجه من مسجد قصر الرئاسة بالاتحادية في أعقاب الصلاة، وهو ما رفضه الرئيس مرسي وطلب منه عدم فعل ذلك مرة أخرى.[[3]] وجميع الصور التلفزيونية التي جمعت السيسي بمرسي حتى ما قبل يوم الانقلاب كان السيسي يبدو فيها في قمة الخضوع والانكسار أمام الرئيس.

خامسا، التسريب يؤكد كم كان مرسي وفريقه حريصين على المؤسسات المنتخبة في مرحلة التحول الديمقراطي المأمولة؛ وذلك بحماية النزاهة والشفافية ورفض أي تدخل من جانب السلطة ممثلة في المجلس العسكري أو القضاء المسيس أو حتى اللجنة المشرفة على الانتخابات في نتائج العملية الانتخابية في جولة الإعادة، لأنه ركز على ثلاثة أشياء: عدم التدخل بالتزوير في نتائج الانتخابات (الفقرتان الثانية والخامسة). عودة البرلمان المنتخب للانعقاد لحين انتخابات برلمان جديد(الفقرة الثالثة). التحذير من تداعيات التزوير والانسداد السياسي على مستقبل البلاد(الفقرة الرابعة).  بينما كان طنطاوي يرواغ ويهرب من الحوار بدعوى أن هناك رأي آخر للشعب بخلاف ما يراه مرسي ومؤيدوه. كما يبرهن طلب عودة البرلمان للانعقاد على ثلاثة أمور: الأول، مرسي كان على يقين كامل بأن قرار حل البرلمان هو قرار سياسي صدر من المجلس العسكري وإن جرى تغليفه بغلاف قضائي من المحكمة الدستورية التي تمتلك رصيدا هائلا من التوظيف السياسي لخدمة النظام العسكري على الدوام. الثاني، رفض مرسي لمنح المجلس العسكري سلطة التشريع لنفسه. الثالث، رفض مرسي إذا أصبح رئيسا توسيع صلاحياته على حساب البرلمان المنتخب، وإصراره على عودة البرلمان للانعقاد ليمارس دوره التشريعي.

سادسا، من خلال الأحداث والتطورات التي سبقت جولة الإعادة (حل البرلمان)، ثم الإعلان الدستورية مع انتهاء التصويت بجولة الإعادة، ذهب مرسي إلى لقاء المشير وهو مدرك أن المجلس العسكري يمضي وفق خطة محددة لإفشال الانتقال الديمقراطي بأي وسيلة والانفراد بالسلطة لحماية الامتيازات الواسعة التي يتمتع بها الجنرالات ومؤسسات الدولة العميقة، وبالتزامن مع تحذيراته من تداعيات التزوير التي تصفها أبواق النظام بالتهديدات بحرق مصر، تزامن ذلك مع امتلاء ميدان التحرير بأنصار مرسي (فريق الثورة والشريعة والديمقراطية) ليكونوا في حال نفير ضد أي إجراءات بتزوير النتيجة وسط احتقان وغضب شعبي عارم بسبب قرار حل البرلمان قبل أيام. فالنتائج وفقا لمحاضر فرز اللجان الموقعة من القضاة تعلن عن فوز مرسي بفارق مليون صوت عن شفيق (13.25 مليونا مقابل 12.25 مليونا لشفيق).وطبع كتاب بذلك خلال يومين فقط وضع المجلس العسكري واللجنة المشرفة على الانتخابات في ورطة كبرى؛ ويبدو أن هذا الإجراء الذي قامت به حملة مرسي وحزب الحرية والعدالة وقتها قد ضيق الخيارات أمام المجلس العسكري، الذي كان ينوي بالفعل تزوير نتائج الانتخابات؛ وردود طنطاوي خلال التسريب تبرهن على ذلك، فقد كان أولى به بدلا من الجدال أن  يؤكد على حرص المجلس على نزاهة الانتخابات وعدم التدخل في نتائجها بوصفه جريمة وخيانة عظمى تستحق المحاكمة،  لكنه لم يفعل.

الخلاصة

التسريب الذي بثه مسلسل الاختيار3 للرئيس مرسي مع المشير طنطاوي، برهن على قوة شخصية مرسي رحمه الله، وكم كان قويا في الحق والدفاع عن إرادة الشعب ضد أي تزوير، والعمل على حماية المؤسسات المنتخبة للحيلولة دون انفراد العسكر بالسلطة، ومن أجل إقامة نظام مدني ديمقراطي تعددي بمؤسسات ديمقراطية منتخبة من الشعب بنزهة. من جهة أخرى فإن التسريب يعصف بكل الأكاذيب التي وردت في المسلسل والتي تستهدف تمجيد شخصية السيسي ومعالجة جوانب النقص في شخصته بالدراما، والبرهان على ذلك أنه في التسريب كان مهمشا بلا رأي أو دور سوى تدوين الملاحظات.

على المستوى السياسي، نستنتج من التسريب أن المجلس العسكري كان يمضي وفق خطة مرسومة لإفشال مرحلة التحول الديمقراطي والانفراد بالسلطة من جديد باعتبار مصر «ملكية عسكرية» يتوارثها الجنرالات واحدا تلو الآخر منذ انقلاب 23 يوليو 1952م. هذه الخطة وضعت عدة سيناريوهات محتملة:

الأول، هو الانقلاب الأبيض المتبوع بموجة قمع وبطش أمني، وقد شرع فيه المجلس فعلا بـ (قرار حل البرلمان ــ إصدار الإعلان الدستوري المكمل)، وكان الضلع الثالث من المخطط هو فوز شفيق بالرئاسة؛ وبذلك يمسك الجيش بكل مفاصل السلطة من جديد مدعوما بإرادة الجماهير حال فاز شفيق بالرئاسة. لكن هذا السيناريو جرى إحباطه رغم  استبعاد مرشح الإخوان الأساسي (خيرت الشاطر)، والحملة السوداء ضد الإخوان ومرسي على وجه التحديد، بث الفتنة والأسافين بين مكونات ثورة يناير عبر التصنيف (إسلاميين ــ ليبراليين ـ يساريين ـ ناصريين ــ سلفية ــ إخوان)، لكن حال دون نجاح هذا السيناريو في هذا التوقيت عدة أمور: الأول، طبع حملة مرسي كتاب توثيق نتائج الانتخابات يتضمن صور أصلية من محاضر فرز جميع اللجان، والثاني، تحذيرات مرسي بمخاطر تزوير النتيجة وأن ذلك قد يفضي إلى خروج الأمور عن السيطرة. والثالث، هو قوة الحالة الثورية وقتها بعد الزخم الذي شهدته انتخابات الرئاسة وامتلاء ميدان التحرير عن آخره. والرابع، هو شخصية طنطاوي المتحفظة والمترددة خوفا من العواقب لا سيما وأنه كان قد بلغ من الكبر عتيا وتجاوز الثمانين من عمره وقتها.

السيناريو الثاني، هو الانقلاب الخشن، وهو السيناريو البديل للانقلاب الأبيض الذي أفشله نجاح مرسي في عهد طنطاوي، يعتمد هذا السيناريو على الفوضى والفلتان الأمني وتفجير الأزمات (وقود ــ كهرباء ــ مظاهرات ــ مطالب فئوية)، كما يحتاج إلى غطاء شعبي لكي يبدو في صورة ثورة لا انقلاب؛ لأن من المعلوم أن الثورات تقوم بها الشعوب، أما الانقلابات فيقوم بها الجيوش. لذلك كان السيسي عبر المخابرات الحربية والأمن الوطني هو من يقف وراء تكوين هذا التحالف ضد مرسي والذي ضم (الكنيسة ــ العلمانيين ـ قوى الدولة العميقة ـ بقايا وفلول نظام مبارك)، وكان لشخصية السيسي دور في ذلك فهو ــ على عكس طنطاوي العجوز ــ  كان لا يزال لواء صغيرا يملؤه طموح كبير للوصول إلى أعلى مناصب الدولة؛ وقد أفصح هو عن ذلك فيما بعد لياسر رزق في تشريب الحوار الشهير بأنه شاف نفسه رئيس جمهورية كالسادات. يعزز من هذا السيناريو التسريب الذي ضم تهديدات من جانب أحد ضباط الأجهزة الأمنية (الأمن الوطني) لسيد بدوي رئيس حزب الوفد الأسبق والذي أكد قبل انتخابات البرلمان 2011، أن الإخوان سوف يذبحون وأن هناك مليشيات  غير معروفة سوف تقلتهم في بيوتهم وأن البلاد ستشهد موجة من الإرهاب الذي لا يعرف أحد مصدره. وهو ما تحقق تماما.

السنياريو الثالث، في حال فشل الانقلاب على الرئيس، كانت مخططات المجلس العسكري تقوم على تنفيذ عملية اغتيال غامضة للرئيس مرسي بما يسمح بعودة الفراغ من جديد؛ وهنا يتدخل الجيش بعد تشويه  صورة الإخوان وضعف القوى العلمانية، ليملأ هو هذ الفراغ ويسطو على كل مفاصل السلطة من جديد دون شريك مدني، وهو ما تحقق على يد السيسي. انفرد الجيش بالسلطة المطلقة لكن مصر تغرق والمتهم الأول هو المؤسسة العسكرية التي تفرض نفسه على الشعب بالحديد والنار رغم فشله في إدارة موارد الدولة على نحو صحيح.

الدور الخارجي في دعم سيناريو الانقلاب كان جليا، فقد مولت عواصم خليجية (الرياض ــ أبو ظبي) هذه المؤامرات ضد مرسي والمسار الديمقراطي، وأيده إسرائيل والولايات المتحدة بشدة وقدمت له كل الدعم السياسي والإعلامي والدعائي على  المستوى الدولي، كما قدم الخليج عشرات المليارات من الدولارات لنظام السيسي من أجل تثبيت أركانه، وفتحت له إسرائيل وواشنطن كل أبواب الدعم من مؤسسات التمويل الدولية فبات يغرف ويقترض دون حساب حتى أغرق مصر في الديون على نحو مرعب يعصف بحاضر مصر ومستقبلها.

—————————-

 

[1] https://www.youtube.com/watch?v=iSsrxvDqlnw

[2] سليم عزوز/ الاختيار3.. هذا العمل الهجين وخطورة التسريبات!/ “عربي 21” ــ الإثنين، 11 أبريل 2022

[3] شهادة وزير مصري تفند رواية “الاختيار 3” عن أحداث “الاتحادية”/“عربي 21” ــ الأحد، 10 أبريل 2022

 

‫شاهد أيضًا‬

لماذا فشلت الدعوة للاحتجاج في 11 نوفمبر؟ محاولة للفهم والتقييم!!

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يدعوا فيها نشطاء بالخارج المجتمع المصري إلى التحرك ضد النظ…