‫الرئيسية‬ العالم العربي تونس حل برلمان تونس: الخلفيات والمآلات
تونس - أبريل 13, 2022

حل برلمان تونس: الخلفيات والمآلات

حل برلمان تونس: الخلفيات والمآلات

 

“إنها محاولة فاشلة للانقلاب وتآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي وسيتم ملاحقتهم جزائيًا”. بهذه اللهجة الصارمة رد الرئيس التونسي قيس سعيد على اجتماع، عقده نواب في البرلمان عبر الإنترنت، في تحدٍّ للإجراءات الاستثنائية التي فرضها سعيد منذ يوليو 2021، ليتولى بعد ذلك السلطة التنفيذية والتشريعية. وكان رد سعيد على هذا الاجتماع بخطوة اختلفت الآراء في تقييمها، وهي حل البرلمان. لتفرض الإشكالية الدستورية نفسها مُجددًا على الساحة السياسية في البلاد. فإن كان البعض يرى أن الخطوة التزمت بمقتضيات الدستور، فالبعض الآخر ينتقدها بشراسة ويعتبرها غير دستورية وبأنها محاولة أخرى للرئيس لتعزيز سلطاته. فماذا كانت خلفيات قرار حل البرلمان؟ وما مدى دستوريته؟ وكيف كانت ردود الفعل حوله؟

خلفيات قرار حل البرلمان:

يأتي قرار الرئيس قيس سعيد بحل البرلمان التونسي في ظل سياق مضطرب تعيشه تونس على كافة المستويات. فأولًا؛ جاء قرار حل البرلمان عقب جلسة البرلمان التي تمت عن بعد وشارك فيها 121 نائبًا. وافق 116 من جملة 217 نائبًا بالبرلمان المعلقة أعماله على مشروع قانون يلغي الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها الرئيس سعيد في 25 يوليو الماضي، وشملت حل الحكومة وتعليق عمل البرلمان، والتي اعتبرها معارضوه انقلابًا على الدستور. كما يلغي القانون الذي وافق عليه النواب المراسيم والأوامر التي أصدرها الرئيس منذ ذلك التاريخ.[1] كما أكد النواب المشاركون في الجلسة على عدم اعترافهم بشرعية المجلس المؤقت الجديد، وندَّد المشاركون بما وصفوه بـ”محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية”، ودعوا إلى فتح حوار وطني شامل لإنقاذ البلاد من أزمتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وثانيًا؛ تزامن قرار حل البرلمان المُجمَّد مع تعقُّد المشهد السياسي التونسي، ودعوة العديد من القوى السياسية إلى إجراء حوار وطني شامل بالبلاد، يُمهِّد لتوافق بين القوى السياسية حول آليات التعاطي مع أزمات البلاد، واعتبار “الاستشارة الإلكترونية” التي بدأت مطلع العام الحالي وانتهت في 20 مارس الحالي، غير مُجدية لحلحلة الأزمات، ولا تُمثِّل بديلًا للحوار الوطني -حيث لم يتجاوز معدل المشاركة فيها نسبة الـ5%-، لكن الرئيس سعيّد لم يُصدر أي رد فعل تجاه دعوات إجراء حوار وطني، واكتفى بالإشارة إلى أنها تُظهر رغبةً في التوجه نحو النظام الرئاسي. وثالثًا؛ لم تقتصر حالة الاستقطاب والتشتت التي تشهدها تونس، والتي تزامن معها قرار حل البرلمان، على المشهد السياسي فقط، إذ أنه يأتي بالتزامن مع تفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية للبلاد، في ضوء تأخر دفع رواتب بعض مؤسسات القطاع الحكومي، ونقص بعض المواد الأساسية من السوق التونسية، والخلاف بين حكومة نجلاء بودن والاتحاد التونسي العام للشغل حول خطة الإصلاح الاقتصادي، إذ يرفض الاتحاد الإصلاحات الاقتصادية؛ التي تقترحها الحكومة التونسية للحصول على تمويل من صندوق النقد، خصوصًا وأنها تتضمن “وقف التوظيف، وتجميد الأجور لمدة 5 سنوات في القطاع العام، وبيع بعض الشركات العامة، ورفع الدعم نهائيًا في غضون 4 سنوات”.[2]

دستورية قرار حل البرلمان:

ينص الفصل 72 من دستور 2014 في تونس على أن “رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة، ورمز وحدتها، يضمن استقلالها واستمراريتها، ويسهر على احترام الدستور”. وهي المادة التي اعتمد عليها الرئيس قيس سعيد في اتخاذ خطوة حل البرلمان. وإن كان لا يوجد ما يشير حرفيًا إلى أن الرئيس بإمكانه حل المؤسسة التشريعية، إلا أن البعض يرى في تأويله أنه يُخوِّل للرئيس القيام بذلك، حيث أن القرار ليس تطبيقًا حرفيًا للفصل 72 من الدستور بل قراءة تستند على نظرية الدفاع الشرعي قياسًا على نظرية الدفاع الشرعي لدى الأفراد والأشخاص، وهو مبرر لارتكاب أفعال إجرامية للدفاع عن النفس والمال والحرمة، فالدولة أيضًا لها الحق في ذلك بالاستناد إلى هذه النظرية، إلى جانب نظرية الضرورة. ويعتبر أصحاب هذا التأويل أن جلسة النواب التي عُقدت افتراضيًا هي تهديد لوحدة الدولة واستقرارها، ولذلك فالدستور يخول للرئيس دفع الخطر الذي يُمكن أن يرتِّبه مجلس نواب الشعب بالإعلان عن حكومة جديدة وسحب الثقة من الحكومة الحالية، وهنا نصبح أمام حكومتين، حكومة قانونية وحكومة غير قانونية، وتشريعين: تشريع نافذ وتشريع غير نافذ. وهذا يقسم الدولة. واعتبر رئيس الجمهورية هذا اعتداء على أمن الدولة الداخلي الذي يجرمه القانون الجزائي التونسي. ويرى البعض الآخر أنه مع هذا الوضع الجديد فإن ما يبرز اليوم من اختلافات حول قراءة الدستور هو امتداد لما حدث في السابق. فمنذ 25 يوليو 2021 صدرت مواقف تُبرِّر الطرح الذي قدَّمه قيس سعيد للفصل 80، لكن أغلب القراءات عارضته لأن هذا الفصل ينص بوضوح على أنه في حالة تفعيل الفصل 80 يبقى البرلمان في حالة انعقاد دائم، ولا يُمكن حله ولا الدعوة للانتخابات في تلك الفترة، كما تبقى الحكومة تباشر مهامها. وحل البرلمان هو امتداد للاختلافات الموجودة، وحسب الدستور التونسي لا يُمكن للرئيس حل البرلمان إلا في حالة واحدة؛ وهي أن يعرض حكومتين ولا تتم المصادقة عليهما، فيحل البرلمان ويدعو إلى انتخابات تُجرى في غضون ثلاثة أشهر. لذلك لا يمكن حل البرلمان الآن، حسب أغلب القراءات الدستورية.[3]

ردود الفعل الداخلية على قرار سعيد:

اختلفت ردود فعل القوى السياسية التونسية بين مؤيد ومعارض لقرارات سعيد؛ حيث قال الغنوشي إن “التحرك لحل البرلمان يعمق الأزمة السياسية ويشكل تهديدًا أكبر للوضع الاقتصادي وسيقضي على المؤسسات”، واصفًا وعد سعيد بإجراء استفتاء على دستور جديد بأنه “استعراض مسرحي”. وأكد أن حزب النهضة لن يشارك في الاستفتاء إلا إذا أجرى سعيد مشاورات وطنية بشأن إصلاحاته السياسية. وقال إنه على الرغم من رفضه حل سعيد للبرلمان، فإن هذا الإجراء يعني أن الرئيس يجب أن يجري انتخابات جديدة في غضون ثلاثة أشهر بدلًا من الانتظار حتى يفرض دستورًا جديدًا. وكان سعيد قد قال بأن إجراء الانتخابات التشريعية خلال الـ 90 يومًا المقبلة “غير مُرجَّح”، وذلك خلال اجتماع مع رئيسة الوزراء، نجلاء بودن، ونشرتها صفحة الرئاسة التونسية على فيسبوك. وبينما دعت عدة شخصيات، بما في ذلك عبير موسي، زعيمة الحزب الدستوري الحر العلماني، إلى “إجراء انتخابات برلمانية في غضون 90 يومًا” مستشهدة بالمادة 89 من الدستور. إلا أن سعيد رفض تلك الدعوات، وأصر على إجراء الانتخابات في 17 ديسمبر كما أعلن سابقًا.[4] بدورها، قالت حركة “مواطنون ضد الانقلاب” إن قرار الرئيس التونسي حل البرلمان تحريف جديد وتأويل تعسفي لفصل دستوري واضح. وكان الرئيس التونسي الأسبق منصف المرزوقي دعا البرلمان إلى تجاهل قرار الحل، والسعي إلى جمع النصاب لعزل الرئيس سعيد، كما دعا القوات العسكرية والأمنية إلى أن تختار بوضوح مع من تقف. من جهته، أعرب حزب التيار الديمقراطي التونسي عن رفضه قرار حل البرلمان، ووصفه بأنه “خرق آخر للدستور، ويؤكد النية الانقلابية لقيس سعيد”، داعيًا إلى “حوار وطني هادئ وعقلاني من أجل خريطة طريق تحترم الشرعية الدستورية”. وفي السياق نفسه، اعتبر الحزب الجمهوري أن حل البرلمان خطوة تصعيدية من شأنها أن تدفع البلاد إلى حافة الهاوية، ويندرج ضمن ما وصفها بالقرارات غير الدستورية الصادرة عن رئيس الجمهورية. وأصدر 40 من أساتذة القانون الدستوري بالجامعات التونسية بيانًا انتقدوا فيه تجميع السلطات بيد الرئيس قيس سعيد، كما انتقدوا الإجراءات الاستثنائية وقرار حل البرلمان.[5] وبالرغم من تنديد عدة أحزاب بالقرار، واصفةً إياه بأنه “انتهاك جديد للدستور”؛ إلا أن الاتحاد العام التونسي للشغل قدم دعمه لقرار حل البرلمان، ووصفه مسؤول رفيع في الاتحاد بأنه “جاء متأخرًا ولكنه ضروري”. وقال سعيد بعد اجتماع مع أمين عام الاتحاد نور الدين الطبطوبي أنه لا يوجد مسار واحد لحل الأزمة السياسية في البلاد. وقال إنه يرفض إجراء حوار مع من حاولوا “الانقلاب على الدولة وبددوا موارد الشعب”.[6]

ردود الفعل الخارجية على قرار سعيد:

عبَّرت الولايات المتحدة والأمم المتحدة عن قلقهما إزاء قرار الرئيس التونسي قيس سعيد حل البرلمان. فقد قال المتحدث باسم الخارجية الأميركية نيد برايس خلال الإيجاز الصحفي اليومي في مقر الوزارة بواشنطن إن بلاده تشعر بقلق بالغ من قرار الرئيس التونسي حل البرلمان وملاحقة بعض نوابه قضائيًا. وأضاف برايس أن واشنطن أخبرت السلطات التونسية مرارًا بأن أي إصلاح يجب أن يكون شفافًا وبالتشاور مع جميع القوى السياسية. وفي نيويورك، عبَّر فرحان حق المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة عن قلق المنظمة الدولية إزاء قرار الرئيس التونسي قيس سعيد حل البرلمان، مطالبًا جميع الأطراف بالإحجام عن أي أفعال تؤدي لمزيد من التوتر السياسي.[7]

تداعيات محتملة لقرار حل البرلمان:

ربما تفرض خطوة الرئيس قيس سعيد بحل البرلمان العديد من التداعيات والتحولات على المشهد التونسي في المرحلة المقبلة، أولها؛ زيادة حدة الأزمة السياسية التي تشهدها البلاد، خصوصًا في ضوء الشكوك التي تثيرها القوى المناوئة لها حول مدى “قانونية وشرعية” هذه القرارات. فبالنسبة لقرار حل البرلمان، فهو قرار جاء استنادًا إلى الفصل 72 من الدستور والذي ينص على أن “رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة، ورمز وحدتها، يضمن استقلالها واستمراريتها، ويسهر على احترام الدستور”، إلا أن بعض القوى بدأت في التركيز على الحالات التي يتم فيها حل البرلمان، ومن هذه الحالات “مرور 4 أشهر على تكليف مرشح الحزب المتحصل على أكبر عدد من مقاعد مجلس نواب الشعب، دون حصول حكومة على الثقة”، و”عدم قدرة المجلس على تزكية حكومة مقترحة بعد استقالة رئيس الحكومة تلقائيًا أو عبر رفض تجديد الثقة فيه. وبعد تكليف الرئيس الشخصية الأقدر”. وقد تستخدم الاتجاهات الرافضة للقرار هذا المدخل للطعن في شرعية القرار، أمام القضاء والسعي لإبطاله، فضلًا عن التحركات الميدانية المحتملة التي ستتبناها هذه الاتجاهات في المرحلة المقبلة، وهو ما يعني أن البلاد قد تشهد مزيدًا من التصعيد والصدام. وثانيها؛ سيُمثِّل هذا القرار دافعًا وعاملًا محفزًا للرئيس التونسي لاستكمال رؤيته لإعادة هيكلة جذرية للنظام السياسي في تونس، خصوصًا في ظل غياب المحكمة الدستورية، وهو الاعتبار الذي يجعله يملك منفردًا صلاحية تأويل الفصول الدستورية. وعلى الأرجح ستشمل هذه التغييرات تعديل الدستور الحالي والنظام السياسي، من خلال إعادة النظام الرئاسي، وتبني نظام “البناء القاعدي”، وتعديل القانون الانتخابي من نظام التصويت على القوائم إلى “الاقتراع بالأغلبية على الأفراد”، وإضافة مسألة سحب الثقة الشعبية من المسئولين على جميع المستويات، وأيضًا تعديل قانون الجمعيات بمنع التمويل الأجنبي نهائيًا، وهي تغييرات كان الرئيس التونسي قد أشار إليها في حملته الانتخابية. وثالثها؛ من المُنتظر أن تجتمع لجنة مقترحات المواطنين خلال الفترة المقبلة، وتعد الخطوط العريضة لاستفتاء على الدستور في 25 يوليو القادم، على أن يتم تنظيم انتخابات نيابية جديدة في 17 ديسمبر المقبل، لكن تنفيذ هذه الاستحقاقات في موعدها قد يواجه عددًا من التحديات، في ضوء التطورات التي تشهدها تونس، خصوصًا في ظل الغموض المحيط بماهية التعديلات الدستورية التي ستتم، والتعديلات التي ستطرأ على النظام والقانون الانتخابي، فضلًا عن التعديلات المحتملة دستوريًا وسياسيًا على قرار حل البرلمان، وهو ما يطرح تساؤلات حول الإطار الدستوري الذي سيكون حاكمًا لعملية إجراء الاستفتاء والانتخابات، على نحوٍ يزيد من فرضية مفادها احتمال إصدار الرئيس التونسي لإعلان دستوري خاص بتنظيم هذه الاستحقاقات.[8]

الخُلاصة؛ يُمكن القول أن قرارات الرئيس قيس سعيد الاستثنائية منذ 25 يوليو الماضي، والتي كان آخرها قرار حل البرلمان المجمد، تدفع باتجاه بعض السيناريوهات، ومن هذه السيناريوهات استمرار الوضع كما هو عليه واستمرار الرئيس قيس سعيد في اتخاذ العديد من التدابير الاستثنائية التي يضمن بها إعادة هيكلة جذرية للنظام السياسي التونسي، أما السيناريو الثاني المطروح فيتمثَّل في زيادة حالة الاحتقان التي تشهدها البلاد، خصوصًا حال عدم إجراء حوار وطني شامل، استجابةً لدعوة القوى السياسية التونسية التي يؤيد بعضها الرئيس، والحاصل أن حدوث أي من هذين السيناريوهين يتوقف على مدى المرونة التي ستبديها أطراف الأزمة في تونس، لبناء مسار وطني تشاركي لحلحلة الأزمات التي تعاني منها البلاد والتعاطي معها بفاعلية.

 

[1] “قيس سعيد وحل البرلمان في تونس: انقسام حول قرارات الرئيس الأخيرة يشعل مواقع التواصل”، عربي BBC News، 31/3/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/w461s

[2] محمد فوزي، “دلالات حل البرلمان في تونس”، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 31/3/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/wuR0V

[3] بوعلام غبشي، “تونس: ما مدى دستورية قرار الرئيس قيس سعيد حل مجلس النواب؟”، France 24، 31/3/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/SAlTC

[4] “تونس: شرطة مكافحة الإرهاب تستدعي زعيم حزب النهضة راشد الغنوشي”، عربي BBC News، 30/3/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/Ya45D

[5] “تونس.. أميركا والأمم المتحدة قلقتان من قرار الرئيس قيس سعيد حل البرلمان وقوى سياسية تعتبره خرقا للدستور”، الجزيرة نت، 31/3/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/r0gKp

[6] “تونس: شرطة مكافحة الإرهاب تستدعي زعيم حزب النهضة راشد الغنوشي”، مرجع سبق ذكره.

[7] “تونس.. أميركا والأمم المتحدة قلقتان من قرار الرئيس قيس سعيد حل البرلمان وقوى سياسية تعتبره خرقا للدستور”، مرجع سبق ذكره.

[8] محمد فوزي، “دلالات حل البرلمان في تونس”، مرجع سبق ذكره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

‫شاهد أيضًا‬

تمرير الدستور التونسي …تداعيات وتحديات وسيناريوهات المستقبل

بعد عام كامل من الانتهاكات السياسية والأمنية والاجتماعية، بحق التونسيين، وثورتهم “ال…