‫الرئيسية‬ إفريقيا إفريقيا! ماذا بعد فوز ماكرون بالانتخابات؟
إفريقيا - مايو 12, 2022

إفريقيا! ماذا بعد فوز ماكرون بالانتخابات؟

إفريقيا! ماذا بعد فوز ماكرون بالانتخابات؟

السياسة الخارجية الفرنسية في إفريقيا

أُعيد انتخاب الرئيس المنتهية ولايته إيمانويل ماكرون لولاية رئاسية ثانية، عقب تصدُّره الدور الثاني من الانتخابات، حيث حصل على 58% من أصوات الناخبين. ويُمكن القول إن الفرنسيين اختاروا ماكرون لعدم المغامرة بالاستقرار السياسي للبلد، خاصةً في ظل الأوضاع الداخلية في فرنسا وتحديات الوضع الدولي، الذي تواجهه الخارجية الفرنسية بكثير من الحذر والقلق غير المسبوق. حيث أن الساحة السياسية الداخلية وكذا الدولية لا تسمحان بفترة تجريبية سياسية ذات بُعد إيديولوجي، قد تعصف باستقرار البلد ومكوناته السياسية. ورغم ذلك؛ فإن المرحلة المُقبلة للرئيس الفرنسي لن تكون أسهل من سابقتها، والتحديات التي سيواجهها على مستوى التدبير السياسي الداخلي والتنسيق الدبلوماسي الخارجي ستتطلب منه إرادة سياسية أكثر فعالية واستجابة للتوافقات المضادة، بهدف تجاوز الضغوطات التي تواجهها المؤسسات الفرنسية، والأزمات التي تواجه المجتمع الفرنسي. وفي هذا التقرير نتناول أهم القضايا التي ستواجه ماكرون خلال فترته الرئاسية الثانية، وتحركاته المُتوقعة في مناطق النفوذ الفرنسية في القارة في ضوء ما يواجهه من تحديات بها..

 

أولًا: التحديات الأهم التي ستواجه ماكرون خلال حقبته الثانية:

بينما أُعلن فوز ماكرون في نتائج الجولة الثانية فإنه كان لافتًا في المناظرة الأخيرة بين المرشحين الرئيسيين ماكرون ولوبان (20 أبريل) تراجع الشأن الإفريقي بشكلٍ واضح في هذا السجال، وانحساره في عددٍ محدودٍ من القضايا غلب عليها التعاون العسكري مع دول القارة؛ الأمر الذي عزَّز توقُّعات استمرار المقاربة الفرنسية التقليدية لإفريقيا باعتبارها منطقة نفوذ، أكثر من الأخذ في الاعتبار مصالح الدول الإفريقية والتهديدات الحقيقية التي تُحيط بها. وعلى سبيل المثال: فقد تعهَّد ماكرون بإقامة “اتحاد فرانكفوني” دون تقديم أية تفاصيل توضح طبيعة هذا الاتحاد وأهدافه وديناميات عمله، إضافةً إلى “إصلاح راديكالي في سياسات الهجرة الفرنسية”. يُضاف إلى ذلك حقيقة إجماع مرشحي الرئاسة الفرنسية خلال حملاتهم، باستثناء ميلنشون المرشح عن “فرنسا الأبية”؛ على ضرورة استمرار الوجود العسكري الفرنسي في إفريقيا الناطقة بالفرنسية، وأن عدم تحقُّق ذلك يعني مزيدًا من تراجع النفوذ الفرنسي عالميًّا. وربما كانت الإشارة الأبرز إلى ملفات غير الجانب العسكري والأمني تتمثَّل في إشارة ماكرون للعمل –حال انتخابه- على تطبيقه خريطة طريق قمة أوروبا-إفريقيا الأخيرة التي عُقدت عقب منتصف فبراير الماضي عقب اختتام الاتحاد الإفريقي قمته السنوية، في دلالة مهمة على التوقيت والارتباط الأوروبي-الإفريقي. ويمكن تلمُّس أهم الملفات الإفريقية أمام ماكرون على النحو التالي:

الوجود العسكري والأمني:

رغم تبدلات خطاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بخصوص القضايا الإفريقية في الشهور الأخيرة؛ من جهة ضرورة وضع قضايا الإرهاب والعنف المسلح في سياقاتها المجتمعية، وضرورة تبني مقاربات شاملة لمثل هذه القضايا، وتغليب الجهود التنموية والحكم الرشيد في قائمة أدوات المواجهة؛ فإنه لا يُتوقع أن تغيّر باريس مقاربتها الأمنية بالأساس والاكتفاء بإعادة تدوير هذه المقاربة وفق متطلبات المرحلة المقبلة. وكانت فرنسا وحلفاؤها الأوروبيون قد أعلنوا في 17 فبراير الماضي أنهم سيبدؤون في سحب قواتهم من مالي بعد نحو تسعة أعوام من مواجهة الجماعات الإرهابية المسلحة. وجاءت الخطوة عقب قطع باريس علاقاتها مع المجلس العسكري الحاكم في مالي، وتراكم الشعور المعادي لفرنسا شعبيًّا هناك، لا سيما بعد انقلاب مايو 2021. ورحَّبت النيجر المجاورة لمالي بخطة فرنسا إعادة نشر قواتها في أراضيها، لكنَّ دولًا أخرى مثل بوركنا فاسو وغينيا تقوم الآن بالفعل بتقييم علاقاتها مع فرنسا. وهكذا يتوقع أن ينصب اهتمام الرئيس ماكرون، على استمرار مساعيه في التخلُّص من النتائج البعيدة المدى للاستعمار الفرنسي للقارة، وتوسُّع الاتحاد الفرانكفوني، ومعالجة الأزمات الإنسانية والاقتصادية جراء كوفيد-19، وتطبيق خريطة طريق قمة إفريقيا- أوروبا 2022.[1]

استعادة مكانة فرنسا في إفريقيا:

تُعد فرنسا أحد أهم شركاء إفريقيا الاقتصاديين، وتحتل المرتبة الثانية من بين شركاء إفريقيا الأوروبيين. وإضافةً إلى التجارة تُسهم الشركات الفرنسية في هذا النمو عبر استثماراتها وتكوين قيمة مضافة في إفريقيا. وتراجعت مكانة فرنسا الإفريقية بشكل حاد في الأعوام الأخيرة على المستويين الشعبي والرسمي، وتزايد رأي عام إفريقي بأن النظام العالمي طالما وقف ضد إفريقيا والأفارقة، وأن الدول الغربية، وفي مقدمتها فرنسا، قد تجاهلتهم مرة أخرى في استجاباتهم لكوفيد-19، بينما وفَّرت الصين وروسيا لبعض القادة الأفارقة ما طلبوه لبلادهم منهما: الاستثمارات والأمن وبدون مشروطيات مسبقة، وتواجه فرنسا تحديدًا نقدًا لاذعًا في غرب إفريقيا على خلفية حملاتها لمواجهة الإرهاب، وتوجد اتهامات ذائعة لها هناك بأنها استعمار جديد أكثر من كونها قوة داعمة للحكومات الإفريقية في حربها على الإرهاب. كما تُهدِّد مكانة فرنسا في إفريقيا تخوُّفات حقيقية من أنه في حال فشل الأولى في التعامل مع الأزمة الأمنية في إفريقيا جنوب الصحراء؛ فإن الانفجار السكاني في هذه المنطقة سيدفع بمهاجرين عند بوابات فرنسا نفسها. وفيما يتعلق بانعدام الأمن في إقليم الساحل كملف أمام فرنسا في الفترة المقبلة؛ فإن أية مقاربة فرنسية تقليدية لأي رئيس مُقبِل لن تنجح في استعادة فرنسا دورها المتآكل في الإقليم على خلفية وجود عوامل مشتركة في سلسلة الانقلابات الأخيرة “المناهضة للوجود الفرنسي ولأداء الحكومات السابقة” في ملف مواجهة الإرهاب والعنف في الإقليم. ووصلت إلى حد اتهام القوات الفرنسية في الإقليم بالضلوع في دعم بعض الجماعات والأنشطة الإرهابية. إضافةً إلى تدهور العلاقات الفرنسية مع دول الساحل التي شهدت انقلابات مؤخرًا، لاسيما في مالي؛ حيث تصاعد العداء ضد فرنسا بعد انقلاب أغسطس 2020، وساءت حدَّته عقب انقلاب مايو 2021، ودفعت هذه التطورات فرنسا إلى إعلان عزمها سحب قواتها من مالي. ويفرض هذا الواقع مسؤوليات جسيمة أمام الرئيس الفرنسي المقبل في واقع الأمر.[2]

ملف حقوق الإنسان:

كان ماكرون قد أعلن في البداية اعتزامه التركيز على ملف حقوق الإنسان في سياسة بلاده تجاه المنطقة. لكنه سرعان ما نكث بوعده ضاربًا به عرض الحائط، فكثَّف تعاونه مع الديكتاتوريات والمستبدين. فخلال فترته الرئاسية الأولى، وصف ماكرون عبد الفتاح السيسي بالديكتاتور في البداية قبل أن يمنحه وسام جوقة الشرف، أرفع وسام فرنسي. ولفرنسا حضور مهم في مصر لأسباب تاريخية، بالرغم من كون أوضاع حقوق الإنسان هناك في حالة مأساوية، نفس الأمر يُمكن تطبيقه بشأن ما تردد حول دعم فرنسا لعدد من الإجراءات القمعية في بعض الدول الإفريقية كما في تونس ومالي وغيرهما. ورغم ذلك؛ تمكَّن ماكرون من تحقيق تقدم ملحوظ في عدة ملفات في الشرق الأوسط. فقد كان أول رئيس فرنسي يعترف بأن ماضي بلاده الاستعماري جريمة ضد الإنسانية، ويجري تحقيقًا في تاريخ بلاده في الجزائر، بما في ذلك الحرب الجزائرية، رغم وصف النقاد التقرير الصادر عنه بأنه “لتبرئة فرنسا”. وبدت تطلعاته تجاه منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في البداية تقدمية، وهادفة إلى توثيق روابط ملموسة، لاسيما مع الدول التي كانت جزءًا من إمبراطورية فرنسا العالمية، لكنه تراجع إلى السياسة المألوفة مع مضي فترته الرئاسية. وقد رجعت فرنسا إلى الأسلوب التقليدي تجاه الشرق الأوسط الذي يُفضِّل الاستقرار على مواكبة الديناميكيات السياسية والاجتماعية ودراسة تطلعات المجتمعات التي يُعبِّر عنها الفاعلون السياسيون المعارضون. وفي هذا الصدد، بإمكان ماكرون فعل الكثير لإظهار حسن النية تجاه المنطقة وملف حقوق الإنسان فيها، ولكنه من المُستبعد أن تتغير سياسة ماكرون أو أساليبه تجاه المنطقة مع بداية فترته الثانية. لكن إذا كان تعامله مع الديكتاتوريات والمجموعات المعادية للديموقراطية قد يفيد فرنسا على المدى القصير، فإنه سيستحوذ على تطلعات شعوب المنطقة وآمالها إذا أقنع الجهات الإقليمية باحترام حقوق الإنسان. وقد يكون عليه من جهة أخرى الاستعانة بشركاء أوروبيين لتحقيق أهدافه.[3]

مواجهة التمدُّد الروسي:

يُهدِّد النفوذ الروسي مكانة فرنسا في إفريقيا لاسيما المُتصاعد في مناطق كثيرة من مناطق النفوذ الفرنسي التقليدية أو غير التقليدية؛ مثل مالي وجمهورية إفريقيا الوسطى وتشاد وموزمبيق والكاميرون وغينيا، إضافةً إلى الوضع المُعقَّد في ليبيا. وفي مالي تحديدًا فإن سحب فرنسا نحو 2500 جندي من قواتها من البلاد تزامن مع دخول ملحوظ لشركة فاغنر الروسية لدعم جهود المجلس العسكري المالي في مواجهة الإرهاب والعنف المسلح. ورغم تأكيدات باماكو وموسكو على أن الروس في مالي يتولون مهمات تدريبية فقط، وليسوا مرتزقة؛ فإن ثمَّة تقارير متصاعدة عن انتشار مقاتلي فاغنر في أرجاء البلاد، والاشتباه في إقدامهم على الانخراط في عمليات مشتركة مع الجيش المالي. ويُبرز هذا التطور سعي روسيا للحفاظ على مصالحها الدبلوماسية والعسكرية المُتصاعدة في إفريقيا، ومواصلة سياسة ملء فراغ الحضور الفرنسي في عدة دول لاسيما في مالي. وفي المقابل تتخوَّف فرنسا وشركاؤها الأوروبيون من أن توفير روسيا طائرات هليكوبتر هجومية وأنظمة رادار متقدمة لدول إفريقية (مالي تحديدًا) يُهدِّد السيطرة الأوروبية على هذه الدول، مع ملاحظة فشل الأمم المتحدة نفسها في الحصول على طائرات هليكوبتر هجومية.[4]

ثانيًا: توجُّهات ماكرون في مناطق الاهتمام الإفريقية خلال حقبته الجديدة في ضوء ما يواجهه من تحديات:

لم يبق سوى شهرين تقريبًا من فترة رئاسة ماكرون للاتحاد الأوروبي، ويعكف في أكثر من نصفها على مواجهة استحقاق الانتخابات التشريعية وتشكيل حكومة جديدة. وهي فترة ستشهد سباق انتخابي محموم يخوضه تكتل ماكرون الوسطي لكسب الأغلبية النيابية في مواجهة جبهات معارضة شعبوية يسارية ويمينية. ويحتفظ الرئيس بحسب دستور الجمهورية الخامسة، بنفوذه في مجالي السياسة الخارجية والدفاع، حتى في حالة فوز تكتل معارض بالأغلبية النيابية، لكن دوره وسلطاته ستكون معرّضة للتحجيم إذا ما فاز حزب “التجمع الوطني” بزعامة غريمته اليمينية المتطرفة مارين لوبان أو حزب “فرنسا الأبية” وحلفائه، بزعامة اليساري الراديكالي جان لوك ميلونشون. وتختلف توجهات الرئيس ماكرون بشكل جذري مع التكتلين اليميني واليساري في كبريات ملفات السياسة الخارجية سواء الأوروبية أو الإفريقية والمغاربية. وفي غضون ذلك يبدو وضع وزير خارجيته جان إيف لودريان في مهب الريح. فالسياسي ذو التوجه الاشتراكي الذي كلفه ماكرون سنة 2017 بإدارة الديبلوماسية، جاء إليها من وزارة الدفاع في ولاية الرئيس السابق فرانسوا أولاند، وتولى إدارة ملفات حسّاسة في سياسة بلاده الخارجية، ويعتبره عدد من المحللين الفرنسيين مسؤولًا عن إخفاقات كبيرة في عدد من ملفات مناطق نفوذ تقليدية بشمال إفريقيا وجنوب الصحراء، تأتي في مقدمتها العلاقة المتأزمة مع مالي والأزمة الليبية، وعقدة العلاقات مع الجزائر والمغرب، إضافة للحالة في تونس.

دول المغرب العربي:

العُقد في طريق تحقيق انطلاقة تاريخية للعلاقات الفرنسية الجزائرية، لا تقتصر على الأبعاد الثنائية والداخلية بالبلدين، بل أيضًا بارتباط البلدين بسياقات ومعادلات إقليمية وتاريخية شائكة، وفي مقدمتها ملف الصحراء الغربية وعلاقات الجوار الشائك مع كل من المغرب وإسبانيا. فيبدو أن حجم المصالح الاقتصادية والاستراتيجية والآفاق الواعدة في العلاقات الجزائرية الفرنسية، ما تزال تواجهها معادلة صعبة بالنسبة للطرفين وتتمثَّل أولًا في الخلافات حول ملف الصحراء الغربية والعلاقات مع المغرب، وثانيًا في مستوى التصورات الاستراتيجية للأمن في القارة الإفريقية ومنطقة البحر الأبيض المتوسط. على امتداد عقود من التقلبات التي شهدتها سياسة فرنسا المغاربية والإفريقية، تعتبر علاقاتها مع المغرب الحليف الاستراتيجي (غير العضو) في حلف الناتو، ثابتًا أساسيًا. ويستند هذا الاستقرار إلى علاقات تقليدية بين الرباط والنخب الفرنسية الحاكمة وخصوصًا المحافظة، وتراكم رصيد الشراكة في الاقتصاد والهجرة والأمن وتقاسم الرؤى الاستراتيجية في قضايا السياسة الإقليمية والدولية. ومنذ اندلاع نزاع الصحراء في منتصف السبعينيات، كانت فرنسا تُشكِّل الداعم التقليدي للمغرب سواء على المستوى العسكري أو الديبلوماسي، وهو الأمر الذي يثير خلافات من حين لآخر بين الجزائر وباريس. بيد أن التطورات التي شهدها ملف الصحراء في السنتين الأخيرتين، ستحمل معها غيوم في أجواء العلاقات بين الرباط وباريس. فبعد إعلان إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بسيادة المغرب على الصحراء، بتزامن مع توقيع معاهدة “أبراهام” واستئناف العلاقات الديبلوماسية بين الكيان الصهيوني والمغرب. أعقبها فتح أكثر من عشرين دولة من الشرق الأوسط وإفريقيا قنصليات لها في مدن الصحراء. وجاء التحول في الموقفين الإسباني والألماني باتجاه تأييد مقترح المغرب بإقامة حكم ذاتي مُوسَّع، ليضع الموقف الفرنسي المؤيد للمقترح المغربي، تحت ضغط غير مسبوق. إذ باتت الرباط تتطلَّع إلى دور أكبر من فرنسا التي ترأس الاتحاد الأوروبي، باتجاه بلورة موقف أوروبي داعم لخطة الحكم الذاتي كسبيل لإنهاء النزاع الذي امتد لخمسة عقود.[5]

وهنا تكمن العقدة التي ستواجه ماكرون في ولايته الثانية، ذلك أن ثقل ملف الصحراء يزداد تأثيره في السياسة الخارجية لكلا البلدين، المغرب والجزائر، والتي تشهد علاقاتهما قطيعة شبه تامة لاسيما بعد إقدام الجزائر في أغسطس الماضي على قطع العلاقات الديبلوماسية. وقد بات المغرب يربط بين تطوير شراكاته الاقتصادية والاستراتيجية مع الدول والتكتلات انطلاقًا من مواقفها من وحدته الترابية، والتي تُشكِّل قضية المغرب الأولى. وبالمقابل فإن سياسة الجزائر الخارجية وتعاونها في مجالات الطاقة وصفقات السلاح والبنيات التحية، باتت أكثر من أي وقت مضى رهينة بالموقف من نزاع الصحراء. ورغم أن فرنسا تُعتبر، بفضل سياستها في تنويع مصادر الطاقة، أقل تأثُّرًا بمعضلة توفير إمدادات الطاقة مقارنةً مع عدد من الدول الأوروبية الأخرى مثل إيطاليا وإسبانيا إضافة لألمانيا، إلا أن إغراء المصالح الاقتصادية ومتطلبات دورها التاريخي ونفوذها التقليدي في المنطقة المغاربية يجعل باريس في وضع حرج، وتبدو سياستها المغاربية والإفريقية معرضة لمخاطر تحت وطأة منافسة شرسة في المنطقة وعمقها الإفريقي، ولاسيما بمنطقة الساحل وجنوب الصحراء.

دول الساحل الإفريقي:

بعد حوالي عشر سنوات من تدخل الجيش الفرنسي ضمن قوات حفظ السلام الأممية في مالي ومنطقة الساحل لمكافحة التنظيمات الإرهابية. أعلنت فرنسا بداية العام الحالي عن انسحابها من مالي وإعادة نشر قواتها بدول مجاورة. وجاء قرار سلطات مالي بوقف اتفاقيات التعاون العسكري مع فرنسا، كحلقة متطورة في مسلسل تراجع النفوذ الفرنسي في واحدة من معاقله بمنطقة الساحل والصحراء. ولا تبدو هذه التطورات فقط نتيجة للانقلاب العسكري الذي وقع في مالي ودخول مرتزقة فاغنر الروسية للبلاد، بل مؤشر على تحديات للنفوذ الفرنسي في القارة الإفريقية تحت وطأة منافسة شرسة مع الصين وروسيا وتركيا وحتى بعض القوى الغربية، في ميادين اقتصادية واستراتيجية كانت تُشكِّل فرنسا عبر التاريخ القوة الأكثر نفوذًا عليها. ويُشكِّل النفوذ التقليدي الروسي في الجزائر والاختراق الجديد عبر قوات فاغنر وصفقات السلاح، من ليبيا إلى وسط وغرب إفريقيا، تحديًا حقيقيًا للنفوذ الفرنسي والغربي بشكل عام. إذ توجد مالي في قلب منطقة الساحل والصحراء، التي تكتسب أهمية استراتيجية بالغة لكسب موطئ نفوذ في القارة السمراء، وفي هذه المنطقة تتداخل معطيات وعوامل قل نظيرها في العالم: فهي إلى جانب كونها منطقة غنية بالمواد الأولية والثروات المعدنية والأراضي البكر للاستثمار في المستقبل، تُشكِّل في نفس الوقت، بحكم وجود أكبر صحراء في العالم بها، مجالًا فسيحًا لشبكات تهريب عالمية ومخدرات وجماعات إرهابية وتجارة السلاح وعبور المهاجرين. وتحوَّلت في سنوات قليلة من منطقة سلام ومصالح تقليدية لفرنسا، إلى منطقة توترات ومخاطر عالية على الأمن الأوروبي والعالمي، إذ اتجهت إليها الأنظار منذ سنوات كثاني بؤرة للإرهاب بعد أفغانستان. ورغم حصول فرنسا على دعم أوروبي وبشكلٍ خاص من ألمانيا، على المستويات المالية واللوجستية، إلا أنها اضطرت للانسحاب من مالي.[6]

وفي إطار سعي ماكرون لحل الأزمة الفرنسية في مالي ومنطقة الساحل مع بداية فترة ولايته الجديدة؛ سعى ماكرون إلى تنشيط العلاقات مع الجزائر بمجرد إعلان فوزه. وذكر بيان للرئاسة الفرنسية أن الرئيسين تبون وماكرون جدَّدا تأكيد عزمهما على مواصلة الديناميكية الإيجابية في العلاقات الثنائية بين فرنسا والجزائر، التي لم تستعد حيويتها إلا قبل أسابيع قليلة، بسبب ممارسات وتصريحات مستفزة في نظر الجزائريين، كان ماكرون قد وقع فيها، وأدَّت إلى استدعاء الجزائر سفيرها محمد عنتر داوود من باريس للتشاور. وتُشكِّل بوادر الانفراج الحاصل في العلاقات الجزائرية الفرنسية، مُتنفسًا هامًا لباريس التي يعاني تواجدها العسكري في منطقة الساحل من أزمة كبيرة ولا سيما في مالي، بعدما فشلت كل المساعي الفرنسية في إعادة مد الجسور مع السلطات الماسكة بزمام الأمور في باماكو، والتي تحوَّلت إلى خصم لفرنسا بسبب سياسات الأخيرة في المنطقة. وتملك الجزائر علاقات قوية مع المجلس العسكري الحاكم في باماكو، إذ تعتبر متنفسها الوحيد بعد الحصار المفروض على مالي من قِبل الإيكواس (المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا)، وهو ما يجعل الدور الجزائري أكثر من حيوي بالنسبة لفرنسا في هذه المنطقة، ولا سيما بعد التصعيد الذي تمارسه السلطات المالية ضد الوجود الفرنسي، الذي تتهمه باماكو بدعم الإرهاب وزرع بذور الفتنة في هذا البلد. وعودة الروح إلى العلاقات الجزائرية الفرنسية مدفوعة بحاجة البلدين لبعضهما البعض في بعض الملفات الحساسة، باتت رأي العين، إلا أن ذلك يبقى رهينة خطوات على الفرنسي أن يخطوها على صعيد ملف الذاكرة، وهو أمر لا يتطلب سوى القليل من الإرادة، لأن ماكرون في عهدته الثانية والأخيرة ومن ثم فليس لديه ما يخسره.[7]

دول الشمال الإفريقي العربية:

السياسة العربية التقليدية لفرنسا تغيرت ملامحها شيئًا فشيئًا في السنوات الأخيرة. إذ وعت فرنسا درس الاحتجاجات الشعبية العربية وأصبحت أقدر على رؤية التطورات السياسية في المنطقة والاعتراف بها أولًا بأول بدلًا من التعامي السابق والارتكان على التحالفات الهشة، وكانت الحالة الليبية أهم دليل على ذلك. من جهة ثانية، بدأت فرنسا تنظر بقدر من الموضوعية إلى التخوفات العربية من الطموح الإقليمي الإيراني وليس فقط الطموح النووي الذي كان موضوعًا أثيرًا لدى الترويكا الأوروبية طوال سنوات التفاوض على الاتفاق النووي قبل إقراره في عام 2015. ومن جهة ثالثة أصبحت فرنسا تتطلَّع لتحجيم الدور التركي بالتحالف مع قوى إقليمية أخرى وخاصة مصر والإمارات العربية المتحدة، بعدما تبين دور المتغير التركي في زعزعة الاستقرار في المنطقة، ومن ثمَّ تجسد مبدأ جديد للسياسة الفرنسية في الشرق الأوسط وهو احتواء القوى المزعزعة للأمن الإقليمي من خلال الانخراط معها في محادثات طويلة الأجل من جهة، والتحالف مع قوى الاستقرار على أساس عسكري وتجاري من جهة أخرى. ومن ثمَّ جاء التوسع في مبيعات السلاح الفرنسي للدول العربية ليخدم هذه الغاية، فضلًا بالتأكيد عن استمرار سبل الحياة لصناعة السلاح الفرنسي العريقة التي تواجه منافسة حادة من مثيلاتها الأمريكية والروسية. وأصبح الأمر أشبه بتبادل المنافع الذي توج بتحالف سياسي وتجاري. فمن جهة تجد الدول العربية في فرنسا حليفًا غربيًا قويًا منفتحًا على علاقة ندية غير اعتمادية ويعترف بالسيادة لشركائه بعيدًا عن المشروطية المزاجية الأمريكية. ومن جهة ثانية، تجد فرنسا لصناعاتها العسكرية أسواق متعطشة لتنويع تسليحها ولتجديد ترساناتها والتأهب للمخاطر الإقليمية المتوقعة. ومن هذه الصفقات ذائعة الصيت عقود التسليح للجيش المصري بين عامي 2016-2019 ومنها صفقة حاملة الطائرات “ميسترال” والمقاتلات “رافال” وأيضًا الفرقاطة البحرية “فريم” فضلًا عن عقود التصنيع المشترك للقطع البحرية والتدريبات المشتركة بين الجانبين.[8]

وكانت سياسة فرنسا قد واجهت تقلبات ملحوظة في كلٍّ من ليبيا وتونس منذ اندلاع ثورات الربيع العربي. ففي ليبيا تحوَّلت فرنسا في عهد الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي من شريك أساسي لليبيا في ظل العقيد الراحل معمر القذافي، إلى رأس حربة قوات حلف الناتو التي دعمت انتفاضة 17 فبراير التي أطاحت بنظامه. وفي خضم الحرب الأهلية التي شهدتها البلاد وتنازع الشرعية بين سلطتين في طرابلس غرب البلاد وبنغازي شرقًا، أيَّدت باريس الجنرال المتقاعد خليفة حفتر الذي شن هجوم على العاصمة. ووجدت فرنسا نفسها في وضع صعب عندما خسرت مواقع نفوذ أساسية بليبيا، إثر تدخُّل تركيا ودعمها لحكومة طرابلس المُعترف بها من قبل المجتمع الدولي. وفي تونس، سُجِّل على فرنسا أنها آخر قوة غربية دعمت نظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي حتى آخر أيامه قبل الإطاحة به. ورغم أن باريس حافظت على جانب أساسي من مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في تونس، إلا أن نفوذها التقليدي اهتز بشكلٍ ملحوظ، وفي ظل الديمقراطية الناشئة باتت تتعرض لانتقادات شديدة وتراجعت مكانتها كشريك تجاري واقتصادي مفضل لتونس. وبعد إقالة قيس سعيد للحكومة المُنتخبة وتجميد البرلمان وحله في مرحلة لاحقة، وجمع السلطات التنفيذية والتشريعية بيديه وحل المجلس الأعلى للقضاء ثم اللجنة المستقلة للانتخابات وتعليق معظم بنود الدستور، ارتفعت الانتقادات في أوساط عديدة من الطبقة السياسية والمجتمع المدني وإسلاميي حزب النهضة الكتلة الأكبر في البرلمان، لدور فرنسا ودول عربية حليفة لها بإجهاض الديمقراطية الناشئة. وفي الوقت التي بادرت فيه واشنطن وعواصم أوروبية بالضغط على الرئيس سعيد للعودة بالبلاد إلى المسار الديمقراطي، أظهرت باريس موقفًا رماديًا، إذ حافظ الرئيس ماكرون على علاقات خاصة مع نظيره التونسي، ولم يتصدَّر دوره الدول الغربية بالدفاع عن القيم الديمقراطية التي طالما اعتبرت النخب التونسية فرنسا مرجعية أساسية لها.[9] وهكذا سيكون أمام ماكرون العمل على تحسين هذا الوضع بالاستعانة بالشركاء الأوروبيين حتى يستطيع إحداث فارق، لاسيما مع تصاعد الأزمة الاقتصادية في تلك المنطقة بعد الحرب الروسية الأوروبية، ومع تصاعد أهمية تلك المنطقة لأوروبا في ظل هذه الأوضاع.

ويبدو أن ماكرون اختار التحرك بأقصى سرعة في مواطن النفوذ التاريخي الفرنسي، لصياغة موقف متقارب تجاه الأزمة الأوكرانية، التي هيمنت على اتصالاته الهاتفية مع رؤساء كل من مصر وموريتانيا وجنوب إفريقيا والسنغال وجزر القمر والجزائر. لاسيما بعد التطورات التي شهدتها المنطقة ونقاط التماس بين مصالح فرنسا والجزائر في مالي ثم الأزمة الأوكرانية. ففي الأولى شكَّل التقارب الجزائري– الروسي تهديدًا مباشرًا للنفوذ التاريخي الفرنسي في الساحل الإفريقي، وامتد إلى الأزمة الثانية بعد نزوع الجزائر إلى موقف محايد في النزاع الروسي– الأوروبي في أوكرانيا وعدم إزعاج ما يوصف بـ “الشريك التاريخي والاستراتيجي” (روسيا).[10]

الخُلاصة؛ تظل قائمة أهم الملفات الإفريقية أمام ماكرون في حقبته الجديدة كما هي حتى يتم ترتيب أولوياتها، ويُتوقع أن تكون ثمة مقاربة متباينة قليلًا عن الوضع السابق من جهة التحرك بشكل أكثر جدية نحو فهم احتياجات ومخاوف الشركاء الأفارقة على نحو واقعي، وتفعيل خطط الدعم الفرنسي لعدد من الدول الإفريقية الأكثر فقرًا (استكمالًا لتعديلات أُدخلت على آليات المساعدات الفرنسية لإفريقيا في الشهور الأخيرة بالفعل)، وانتهاج سياسة أكثر استجابة لمواجهة التحديات التي تعاني منها الدول الإفريقية؛ لاسيما في مجال الإرهاب والعنف المسلح، وتنشيط دور أكبر لأجهزة الاستخبارات الفرنسية لتفادي أو رصد مزيد من التغيرات السياسية في القارة الإفريقية في الفترة المقبلة. ويبدو الرئيس ماكرون في ولايته الثانية، بحاجة كبيرة إلى إعطاء سياسته الخارجية في القارة انطلاقة جديدة. والطريق ستكون مُمهدة له فقط إذا تمكَّن من النجاة من فخ الانتخابات التشريعية الشهر المقبل بتحقيق أغلبية نيابية. وآنذاك سيكون بإمكانه الاعتماد على الشراكة التقليدية مع ألمانيا وإعطاء مضمون أكثر فعالية لمعاهدة “آخن” للصداقة بين البلدين، سواء على طريق المضي في إصلاح المؤسسات الأوروبية وبناء استراتيجية أوروبية مستقلة، أو في بناء شراكات أكثر متانة مع دول إفريقيا شمال وجنوب الصحراء، وتفعيل الدور الأوروبي في إنهاء نزاع الصحراء الغربية. هذا الدور الذي تعثَّر لأسباب تتعلق بالمسؤولية التاريخية للقوى الاستعمارية في المنطقة، ولتنامي أدوار قوى أخرى مثل الصين وروسيا وتركيا وأيضًا الكيان الصهيوني. وفرنسا كقوة تقليدية ورغم دورها المحوري والمؤسس في الاتحاد الأوروبي وكعضو دائم في مجلس الأمن الدولي وكقوة نووية، لم يعد بإمكانها أن تكون بمفردها لاعبًا كبيرًا في القارة الإفريقية وحتى المنطقة المغاربية، دون الانطلاق من أرضية أوروبية مشتركة.

 

 

[1] د. محمد عبد الكريم أحمد، “أهم الملفات الإفريقية أمام رئيس فرنسا القادم”، قراءات إفريقية، 25/4/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/lqnZ8

[2] المرجع السابق نفسه.

[3] جاستن صالحاني، “ماذا يعني لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إعادة انتخاب ماكرون؟”، Fanack، 27/4/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/Elj9j

[4] د. محمد عبد الكريم أحمد، مرجع سبق ذكره.

[5] منصف السليمي، “تحليل: ماكرون الثاني وسبل الخروج من الفخين المغاربي والإفريقي”، DW، 6/5/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/ecPsL

[6] المرجع السابق نفسه.

[7] محمد مسلم، “الرئيس الفرنسي يعيد ترتيب علاقاته مع الجزائر”، الشروق، 6/5/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/pMMcb

[8] رابحة سيف علام، “السياسة الخارجية الفرنسية: حصاد سنوات ماكرون في الشرق الأوسط”، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 1/4/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/UDkQY

[9] منصف السليمي، مرجع سبق ذكره.

[10] صابر بليدي، ” “دبلوماسية الهاتف” لم تحرك العلاقات الجزائرية– الفرنسية المتعثرة”، العرب، 7/5/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/KZEKe

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

‫شاهد أيضًا‬

علاقات مصر بدول حوض النيل في ظل تفاعلات القرن الإفريقي

علاقات مصر بدول حوض النيل في ظل تفاعلات القرن الإفريقي تلعب التفاعلات الأخيرة التي تعرضت ل…