يراءة المتهمين في “التمويل الإجنبي”.. الأبعاد والدلالات السياسية
يراءة المتهمين في "التمويل الإجنبي".. الأبعاد والدلالات السياسية أخيرا .. أُسْدِلَ الستار على قضية "التمويل الأجنبي" التي فجرها المجلس العسكري في يوليو 2011م، بعد الإطاحة بالرئيس الأسبق حسني مبارك بشهور قليلة؛ وأصدرت الدائرة 15 بمحكمة جنايات جنوب القاهرة يوم الخميس 20 ديسمبر 2018م، حكمها في إعادة المحاكمة في القضية رقم 173 لسنة 2011، المعروفة بـ «منظمات المجتمع المدني»، ببراءة جميع المتهمين الـ 43 الذين سبق وصدر بحقهم أحكام في يونيو 2013م. وكانت محكمة النقض قد قضت بإعادة محاكمة 16 متهما أمام دائرة أخرى بمحكمة الجنايات لكن الأخيرة قررت إعادة محاكمة جميع المتهمين وبحسب تصريحات المستشار محمد علي مصطفى الفقي فإن حكم البراءة صدر لصالح جميع المتهمين الـ43 بما فيهم من كانوا يحاكمون غيابيًا. القضية من الألف إلى الياء سياسية بامتياز؛ فجرها المجلس العسكري لتوظيفيها سياسيا خلال الفترة الانتقالية التي تلت ثورة 25 يناير، لكنها تحولت إلى فضيحة من العيار الثقيل للعسكر في أعقاب تهريب المتهمين الأجانب في مارس 2012م، ثم الحكم في يونيو 2013م؛ وتجميدالقضية بعد ذلك عدة سنوات وتوظيفها سياسيا لابتزاز وتهديد معارضين للنظام من التيارين الليبرالي واليساري بضمهم للقضية أو التهديد بضمهم ، ثم إعادة المحاكمة بعد ضغوط خارجية من الولايات المتحدة الأمريكية والمانيا وصولا إلى محطة البراءة التي تمثل في حقيقة الأمر صفعة للجنرال عبدالفتاح السيسي زعيم الانقلاب العسكري باعتباره من تولى تفجير القضية منذ البداية ثم الانصياع للضغوط الخارجية في النهاية. ويبقى القضاء الشامخ في هذه المسرحية الهزلية يقوم بدور "الكومبارس" منصاعا في كل محطاتها لتوجهات السلطة السياسية الممثلة في الجيش سواء كان المشير محمد حسين طنطاوي في عهد المجلس العسكري أو الجنرال السيسي في مرحلة ما بعد انقلاب 03 يوليو 2013م. من جانبها اعتبرت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية "قرار تبرئة متهمي قضية التمويل الأجنبي يضع نهاية لقضية دامت 7 سنوات وكان بمثابة شوكة في العلاقات المصرية مع الولايات المتحدة" مشيرة إلى أن من بين المنظمات التي تأثرت بذلك "المعهد الديمقراطي الوطني" ، :المعهد الجمهوري الدولي" و"مؤسسة كونراد أديناور" ، وهي منظمة ألمانية. موضحة أن القضية طفت على السطح مجددا في أغسطس 2017م في أعقاب قرار وزير الخارجية الأمريكي السابق ريكس تيلرسون بتجميد 290 مليون دولار من مساعدات الولايات المتحدة لمصر احتجاجا على الانتهاكات الحقوقية وقمع المجتمع المدني. إضافة إلى الضغوط التي مارستها المستشارة الألمانية إنجيلا ميركل لرفع الحظر المفروض على مؤسسة كونراد إديناور في مصر.[1] بدورها أشادت منظمة العفو الدولية بالحكم، ووصفت القضية من الأساس بالوهمية التي استهدفت المدافعين عن حقوق الإنسان لمجرد قيامهم بعملهم المشروع، وما كان يجب أن تحدث في المقام الأول". مشيرة إلى أن هذا الحكم يتعلق فقط بالمرحلة الأولى من القضية التي حققت في تمويل المنظمات الدولية، ولا يزال التحقيق جاريا مع المنظمات غير الحكومية المصرية المحلية، وما زال العشرات من الموظفين عرضة للخطر"[2]. "6" محطات فاصلة أولا، تفجرت القضية في يوليو 2011، حيث طلب المجلس العسكري والأجهزة الأمنية من وراء ستار من الحكومة وزارة العدل تشكيل لجنة تقصي حقائق مختصة بالتمويلات اﻷجنبية التي تتلقاها منظمات مجتمع مدني، وهي اللجنة التي طلبت معاونة من وزارة التخطيط والتعاون الدولي، ووزارة التضامن الاجتماعي، وجهاز اﻷمن الوطني، والمخابرات العامة، ووزارة الخارجية. وقتها، صرحت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، فايزة أبو النجا، والتي كان لها دور مهم في تحريك القضية بأن قرار الحكومة بتشكيل تلك اللجنة «يأتي استجابة للرأي العام المصري الرافض لمثل هذا التمويل واعتباره تدخلًا في الشأن الداخلي المصري». وانقسمت القضية إلى شقّين، خُصص أولهما للمنظمات الأجنبية العاملة في مصر، وهو الذي أصدرت جنايات القاهرة حكمًا فيه. أما الشق الثاني فيخص المنظمات المحلية، والذي لا يزال قيد التحقيق. من جانبها، حددت لجنة تقصي الحقائق أسماء أكثر من 30 منظمة محلية ودولية زعمت أنهم كانوا يقومون بأنشطة: سياسية، واجتماعية، واقتصادية، وخيرية، دون الحصول على ترخيص بذلك. ثانيا، في ديسمبر 2011 اقتحمت أجهزة المخابرات والأجهزة الأمنية مقرات 17 من منظمات المجتمع المدني الدولية العاملة في مصر، واحتجزت عددًا من العاملين فيها وصادرت متعلقاتهم. قبل أن تحيل النيابة 43 من العاملين في تلك المنظمات للمحاكمة أمام محكمة الجنايات في فبراير 2012، بتهم: تلقي الأموال من الخارج «بقصد ارتكاب عمل ضار بمصلحة قومية أو المساس باستقلال البلاد أو وحدتها» وإدارة جمعيات بدون ترخيص. ثالثا، مورست ضغوط أمريكية شديدة على المجلس العسكري من جانب الإدارة الأمريكية، ورغم القرار القضائي بمنع المتهمين من السفر إلا أنه تم تهريب 17 متهما أجنبيا في فضيحة من العيار الثقيل كان بطلها المجلس العسكري والمستشار عبدالمعز إبراهيم رئيس استئناف القاهرة الذي اتخذ قرار إخلاء سبيلهم بكفالة مليوني جنيه؛ في مخالفة صارخة للقانون الذي ينص على ضرورة أن يكون القرار من القاضي الذي أصدر قرار المنع ويمارس التحقيقات في القضية. رابعا، في 4 يونيو 2013، أصدرت جنايات القاهرة حكمها اﻷول في القضية، بالسجن خمس سنوات لـ 27 متهمًا غيابيًا، وسنتين لخمس متهمين حضوريًا، وسنة مع إيقاف التنفيذ لـ 11 آخرين. وقضت المحكمة كذلك بحَلّ فروع المنظمات الأجنبية المتهمة في القضية وهي: المعهد الجمهوري الأمريكي، والمعهد الديمقراطي الأمريكي، ومنظمة فريدوم هاوس، ومنظمة المركز الدولي الأمريكي للصحفيين، ومنظمة كونراد الألمانية، وإغلاق جميع فروعها في مصر، ومصادرة أموالها وأوراقها بالكامل وجميع ما تمّ ضبطه بهذه الفروع. وهو الحكم الذي يمثل التوقيت فيه بعدا سياسيا لا تخفى دلالته حيث كان يستهدف تشويه صورة نظام الرئيس محمد مرسي وتحريض الأجواء الدولية ضده قبل الانقلاب بأسابيع قليلة والذي جرى بعد شهر واحد فقط من الحكم. خامسا، في اﻷول من فبراير 2018 بدأت محكمة النقض في نظر طعن المتهمين على الحكم السابق، لتقرر، في 5 أبريل الماضي، قبول طعن 11 متهمًا وإلغاء حكم الجنايات بحقهم، وإعادة إجراءات محاكمة باقي المتهمين. وفي 8 يوليو الماضي بدأت الدائرة العاشرة بمحكمة جنايات جنوب القاهرة أولى جلسات إعادة المحاكمة. سادسا، انقسمت القضية إلى شقّين، خُصص أولهما للمنظمات الأجنبية العاملة في مصر، وهو الذي أصدرت جنايات القاهرة حكمًا فيه بالبراءة لجميع المتهمين في 20 ديسمبر 2018م. أما الشق الثاني فيخص المنظمات المحلية، والذي لا يزال قيد التحقيق!.[3] الأبعاد السياسية أولا، حكم البراءة يعكس عمق التأثير الأمريكي في القرار المصري، منذ البداية وحتى النهاية، مرورا بجميع محطات القضية المهزلة، فبعد شهرين فقط من انتداب قاضيي التحقيق، أمرا بإحالة 43 متهماً للمحاكمة، لكن وقبل بدء المحاكمة رسمياً تدخّل رئيس محكمة استئناف القاهرة الأسبق، عبد المعز إبراهيم، وأحال الأوراق إلى دائرة غير مختصة واستصدر منها حكماً عاجلا وقتها بإخلاء سبيل المتهمين الأجانب فقط والسماح لهم بالسفر، فغادروا القاهرة على متن طائرة أميركية خاصة، في أول مارس 2012. وظلّ المتهمون المصريون وحدهم في القضية التي استمرت جلساتها حتى صدر حكم إدانة جميع المتهمين فيها في يونيو 2013….