التغييرات السعودية… الدوافع وإمكانيات النجاح
التغييرات السعودية… الدوافع وإمكانيات النجاح[1] ما يزال مستقبل الحكم السعودي مطروحاً للنقاش بسبب أزماته المعقدة التي يسعي الملك سلمان وولي عهده التعامل معها، وقد جاءت التغييرات في الحكومة وأجهزتها الأساسية لتطرح تساؤلات عن قدرة هذه التغييرات على الخروج من الأزمة التي أثارها اغتيال خاشقجي من عدمه. فقد قام الملك السعودي، سلمان بن عبد العزيز، بإجراء مجموعة من التعديلات الحكومية، وتمثلت أبرز التغييرات فى تعيين وزيراً جديداً للخارجية هو إبراهيم العساف، وزير المالية السابق، ليحلَّ مكان عادل الجبير، الذي تحول من وزير إلى وزير دولة للشؤون الخارجية. وتم تعيين كل من الأمير عبد الله بن بندر بن عبد العزيز وزيراً للحرس الوطني. ومساعد بن محمد العيبان مستشاراً للأمن الوطني. دوافع التعديلات: تحسين صورة المملكة الدولية: يرجع التغيير في وزارة الخارجية إلى معاناة المملكة من صورتها الدولية المهتزة بسبب مقتل الكاتب الصحفي "جمال خاشقجي"، فقد كان إبعاد عادل الجبير أمراً متوقعاً، بسبب تحول إلى بطاقة دبلوماسية محترقة بعد أن أنهكه الدفاع عن الروايات المتتابعة والمتناقضة للرياض حول مقتل جمال خاشقجي، تناقض وإنهاك وصلا لدرجة اضطرته لتقديم استقالته في وقت سابق، ولكنها رفضت من قبل الملك سلمان وفقاً لمصادر صحيفة "وول ستريت جورنال". وتم اختيار العساف بالتحديد، لخبرته الأكاديمية وتاريخه الطويل في العمل المالي والمصرفي، وحضوره البارز في المحافل الاقتصادية العالمية، وصلاته الدولية الكبرى بالمستثمرين الأجانب. فمع اختيار وضع وجه مالي واقتصادي لوزارة الخارجية السعودية، فإن المملكة، وابن سلمان تحديدًا، يرسلان رسالة حول نواياهما التراجع عن المغامرات السياسية غير المحسوبة، والتركيز بشكل أكبر على اجتذاب الأعمال وطمأنة المستثمرين، بخلاف حقيقة أن كون الوزير الجديد كمعتقل سابق في "ريتز كارلتون" سوف يعطي مسحة من الشرعية لـ "حملة الاعتقالات المشبوهة" التي مازالت تثير ذعر المستثمرين الدوليين إلى اليوم. استعادة إجماع العائلة المالكة: هدف الملك سلمان من خلال هذه التغييرات إلى استعادة صورة الإجماع المهتز بين صفوف العائلة المالكة، من خلال تعيين أمراء من بعض الأفرع المهمشة في مناصب قيادية غير حيوية، مثل الأمير "تركي بن طلال" الذي تمت ترقيته إلى منصب أمير منطقة عسير الجنوبية. فقد شملت حملة محمد ابن سلمان ضد منافسيه على الحكم أبناء عمه الأمير "طلال بن عبد العزيز"، الذين صنفهم ولي العهد ضمن خانة خصومه السياسيين بسبب علاقتهم بالملك عبد الله وأبنائه، فتم اعتقال "الوليد ابن طلال" وشقيقه رجل الأعمال المحافظ "خالد بن طلال" وأخ ثالث لهما ضمن اعتقالات الأمراء في ريتز كارلتون، وتعرض الوليد -الملياردير السعودي النافذ – لضرب مبرح أثناء احتجازه، قبل أن يُفرج عنه بعد ثلاثة أشهر تقريبا في ظروف غامضة. وبالتالى فإن تعيين الامير تركي بن طلال اميراً لمنطقة عسير الجنوبية بدت أنها محاولة من الملك ونجله لاسترضاء أبناء الأمير "طلال" والاستفادة من السمعة العالمية للوليد تحديدًا في الترويج للمملكة، كما تحمل في طياتها ضمناً محاولة لتكريم ذكرى الأمير الراحل خاصة أن التعيينات صدرت بعد أيام قليلة من وفاته. كما تشهد لائحة التغييرات الحكومية الأخيرة مجموعة كبيرة من الغيابات لشخصيات كان من المتوقع أن يتم ترقيتها لمناصب أكبر، وعلى راس هذه الغيابات، الأمير "خالد بن سلمان" شقيق ولي العهد والسفير السعودي لدى واشنطن، والذى ذات الحديث عن أنه ربما سيترك قريباَ السلك الدبلوماسي السعودي ويُرقى إلى منصب مرموق داخل المملكة، وتحديداً منصب مستشار الأمن القومي، لكن غياب "خالد بن سلمان" عن قائمة الترقيات الأخيرة يحمل على الأرجح إشارة محتملة من الملك بشكل داخلي تحمل رغبته في رأب الصدع داخل العائلة المالكة عبر إبطاء وتيرة تمكين أبنائه. بناء علاقات خلفية للمملكة: أعطت الأوامر الملكية منصب مستشار الأمن الوطني إلى مساعد العيبان، ومن المتوقع أن يقوم العيبان ببناء شبكة تحالفات غير رسمية، فقد كشفت صحيفة نيويورك تايمز في وقت سابق، أن العيبان كان على رأس وفد سعودي زار واشنطن في نوفمبر 2016، بعد فوز ترامب بالانتخابات وقبل شهرين من تنصيبه بشكل رسمي، حيث التقى مع جاريد كوشنر، وساهم في وضع حجر الأساس للعلاقة الخاصة بين كوشنر وابن سلمان، وهي العلاقة التي ستصبح مفتاح الرياض للتأثير في الإدارة الأمريكية خلال العامين التاليين وحتى الآن. وستكون العلاقة غير الرسمية والمثيرة للجدل بين الرياض وتل أبيب أحد الملفات الرئيسة التي سيباشرها العيبان من موقعه الجديد كمستشار للأمن الوطني، فقد أشارت صحيفة المنار الفلسطينية في وقت سابق من العام الماضي أن العيبان كان مبعوثاً سرياً للنظام السعودي إلى إسرائيل حيث التقى مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ويبدو أن العيبان قد يسعى إلى دعم العلاقة مع إسرائيل بسبب المصلحة المشتركة في احتواء إيران، وبسبب الدور الذي يمكن أن يضطلع به نتنياهو وتل أبيب في تخفيف الضغوط على نظام "ابن سلمان" النامي في واشنطن بعد واقعة "خاشقجي"، فضلًا عن امتلاك إسرائيل لتكنولوجيا المراقبة الحديثة التي تتطلع إليها الهيئات السيبرانية السعودية بشكل متزايد لإحكام السيطرة على ما داخل المملكة. إحكام السيطرة على القبائل: يبقى أحد أهم التغييرات ذات الدلالة والتي حملتها الأوامر الملكية الأخيرة هي تعيين أمير جديد في منصب رئيس الحرس الوطني هو "عبد الله بن بندر بن عبد العزيز"، نائب أمير محافظة مكة الذي تم تعيينه في إبريل 2017، وأحد أهم أبناء عمومة ابن سلمان المقربين منه، ويصفه محللون بأنه نسخة كربونية من ولي العهد. ولا يعد الحرس الوطنى مجرد قوة عسكرية تقليدية بقدر ما يعد معقلاً لتوازنات النفوذ القبلي داخل المجتمع السعودي، منذ تأسيسه في الخمسينات لاستيعاب مقاتلي القبائل الذين قاتلوا بجوار "ابن سعود" أثناء سعيه لتوحيد المملكة، قبل أن يتحول الحرس لقوة عسكرية منظمة لحماية العائلة المالكة على يد قائده التاريخي الملك الراحل "عبد الله"، فى مقابل حصول القبائل على العديد من الامتيازات داخل الحرس الوطنى. إلا أن ابن سلمان قد تسبب فى إثارة غضب هذه القبائل، عندما قام بإقالة الأمير "متعب بن عبد الله" وتعيينه لأمير مغمور هو "خالد بن عبد العزيز العياف"، قبل أن يشن ولي العهد حملة اعتقالات واسعة (نفذها جهاز أمن الدولة) بين صفوف شيوخ القبائل المُشكِّلَة للحرس، وهي حملة أمنية تسببت في حدوث استياء كبير في صفوف القبائل المركزية مثل "مطير" و"عنزة" و"بني عوف" و"البونيان" و"غامد" و"بني جازان" و"بني هلال"، وهو ما دفعهم إلى الاستنجاد بالملك للتدخل لحل الخلاف وإيقاف الحملة الأمنية. ويبدو أن تعيين "عبد الله بن بندر"، كثالث رئيس للحرس الوطني في غضون عام واحد تقريباً، محاولة جديدة من سلمان ونجله في السيطرة على المؤسسة العسكرية النافذة التي لطالما تمتعت باستقلالية كبيرة وولاء للملك الراحل عبد الله وأسرته. وربما خطوة تمهيدية لتفكيك الحرس وضمه للجيش، وهي رغبة يحاول ابن سلمان السير الحثيث إليها منذ صعوده، حيث كلف إحدى الشركات التقنية العملاقة الدولية الخاصة بعمل قاعدة بيانات خوارزمية دقيقة للقبائل السعودية؛ تمهيداً لتفكيك جهاز الحرس الوطنى. في المجمل، يمكننا أن نزعم أن التغييرات التي…