مستقبل المسار السياسي في مصر
مستقبل المسار السياسي في مصر ومحدداته في ظل سيطرة العسكر .. قراءة في الأزمة المصرية أكثر من "10" مبادرات سياسية تم طرحها من شخصيات مختلفة لحل الأزمة المصرية التي أعقبت انقلاب 03 يوليو 2013م على الرئيس المدني المنتخب الدكتور محمد مرسي، وماتلاه من مذابح دموية نفذتها قوات الجيش والشرطة بحق آلاف المصريين، أبرزها مبادرة الدكتور محمد البرادعي التي أطلقها عقب استقالته بعد فض اعتصامي رابعة والنهضة، من أول حكومة للانقلاب شكلتها ما كانت تسمى بجبهة الإنقاذ من الأحزاب والقوى العلمانية، حيث كان يشغل نائب رئيس المؤقت عدلي منصور للشئون الخارجية؛ حيث تقدم بمبادرة للمصالحة، تضمنت الإفراج عن الرئيس محمد مرسي وكافة معتقلي الإخوان، في مقابل ما أسماه تخلي الجماعة عن العنف والعودة مرة أخرى إلى ما أسماه بأحضان الشعب. والمبادرة الثانية أطلقها زياد بهاء الدين؛ نائب رئيس الوزراء الأسبق للشؤون الاقتصادية، في حكومة حازم الببلاوي والتي جاءت من داخل النظام أيضا، عندما تبنى زياد بهاء الدين، مبادرة لم يعلن عن تفاصيلها، ولكنها قامت على بعض الأساسيات، تمثلت في عدم الإقصاء السياسي للإخوان طالما نبذوا العنف على حد وصفه، والجلوس معهم للوصول إلى نقاط اتفاق تخرج الوطن من أزمته الحالية. وخلال السنوات الخمس الماضية، تتابعت المبادرات السياسية[1] من الدكتور عبدالمنعم أبو الفتوح المعتقل حاليا في سجون العسكر، والدكتور محمد سليم العوا والدكتور أحمد كمال أبو المجد ثم الدكتور حسن نافعة والدكتور سعد الدين إبراهيم والسفير إبراهيم يسري وغيرهم. وبعد مسرحية الرئاسة في مارس 2018م، أطلقت عدة مبادرات كان أهمها مبادرات السفير معصوم مرزوق وكمال الهلباوي والسفير عبدالله الأشعل ومبادرة جديدة لكل من الدكتورحسن نافعة والدكتور سعد الدين إبراهيم ثم آخرها مبادرة الدكتور محمد محيي. وقوبلت هذه الموجة من المبادرات بتصريحات متشددة من جانب قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي إضافة إلى إجراءات استبدادية تؤكد انفراده بالسلطة وإصراره على غلق الفضاء السياسي والإعلامي وتأميم مؤسسات الدولة لحسابه والتصميم على إجراء تعديلات دستورية تفضي إلى بقائه في السلطة فترة أطول من الممنوحة له بموجب دستور الانقلاب 2014م (8سنوات على فترتين كل فترة 4سنوات)أو ترقيته ليكون رئيسا للرؤساء ومرشدا عسكريا أعلى لأي رئيس قادم على غرار النموذج الإيراني وفق نظرية "ولاية الفقيه" لتتحول مصر إلى نظرية "ولاية الجنرال". مضامين هذه المبادرات وتوجهاتها واتسمت هذه المبادرات بعدة سمات تشكف عن مضامينها وتوجهاتها ومراميها: أولا، هذه المبادرات لها إيجابيات وعليها سلبيات، فمن إيجابياتها أنها عكست الأزمة التي تعيشها مصر، وأن الحكم الحالي تحول من حلم الخلاص عند البعض إلى كابوس الديكتاتورية، وبالتالي فإن وجود مبادرات يعني أن هناك أزمات. وعلى صعيد السلبيات فإن معظم هذه المبادرات كانت ضد جماعة الإخوان المسلمين، وحاولت القفز على وجود الجماعة واعتبارها في حكم الميت، وهو ما لا يستقيم على أرض الواقع، لأن الجماعة، كما أنها كانت جزءا من الأزمة، فهي أيضا جزء من الحل، واستبعادها يشكك في نوايا طارحي المبادرات من الأساس[2]. ثانيا، بعيدا عن التفتيش في نوايا الذين أطلقوا هذه المبادرات وسبب وتوقيت إطلاقها، إلا أنها استهدفت صبغ نظام 30 يونيو بشرعية الاعتراف من جانب الإخوان والإسلاميين في ظل رفض الرئيس مرسي وصموده أمام الضغوط والممارسات القمعية بحقه وحق أنصاره وأسرته وأولاده وهو ما قوبل بالرفض المطلق من جانب الإخوان والإسلاميين في العموم. وفي غالبيتها لم تقدم الحل للموضوع الأساسي المتعلق بإنهاء الانقلاب العسكري والآثار المترتبة عليه، وإنما قدمت ما يمكن أن نسميه شرعنة الانقلاب. فالمبادرات التي تم إطلاقها تم بناؤها على ما بعد 3 يوليو 2013 واعتباره أمرا واقعا، وهو أمر لا يقضي فقط على فكرة الشرعية التي منحها الشعب وانقلب عليها وزير الدفاع عبدالفتاح السيسي، وإنما تقضي هذه المبادرات على ثورة 25 يناير برمتها، لأنها تقر شرعية عسكرية بديلا عن الشرعية الشعبية، وبالتالي فإنها حصرت الحل في النهاية بمجموعة من الخيارات وضعتها جميعها في يد الخصم الأول لثورة يناير وهو النظام العسكري الذي يقوده السيسي. " في تناقض مدهش مع مبادي وقيم الديمقراطية إذا كيف يتم الإطاحة برئيس منتخب بعد سنة واحدة فقط عبر بيان للجيش ثم يسمون ذلك "ثورة"؟!. ثالثا، معظم المبادرات باستثاء مبادرتي الدكتور محمد سليم العوا والسفير إبراهيم يسري ، تجاهلت شرعية الرئيس المنتخب الدكتور محمد مرسي واعتبرت عودته مرة أخرى مستحيلا أو وضعا للعربة أمام الحصان وأغفلت حق الرئيس مرسي ليس في كونه رئيسا مدنيا منتخبا تم الانقلاب عليه واعتقاله تحت تهديد السلاح، وإنما حتى في حقه أن يكون جزءا من الحل، أو أن يتركوا له حق اختيار مصيره، وهو ما جعل الفشل محتوما لهذه المبادرات لأنها دعمت طرف الانقلاب الذي يمثله السيسي على طرف الشرعية الذي يمثله الرئيس مرسي. رابعا، هذه المبادرات ولدت ميتة ولكنها أحدثت دويا يشبه إلقاء حجر في مياه راكدة. وباستثناء مبادرتي الدكتور البرادعي و زياد بهاء الدين، اللتين خرجتا من رحم حكومة جبهة الإنقاذ التي شكلتها القوى العلمانية بعد الانقلاب برئاسة الدكتور حازم الببلاوي، فإن باقي المبادرات جاءت من رموز فكرية وسياسية، ومن الواضح أن مبادرتي البرادعي وبهاء الدين لم تعبرا عن النظام الذي تجاهل المبادرتين بقدر ما كانت تعبر عن مخاوف كل منهما على مستقبل البلاد في ظل الممارسات التي كانت تؤكد عودة البلاد بسرعة الصاروخ إلى الحكم العسكري الاستبدادي بعد فترة الحريات التي أعقبت ثورة 25يناير حتى 03 يوليو 2013م. خامسا، كل المبادرات تضمنت بندا بضرورة تحصين قيادات الانقلاب من أي مسئولية قانونية عن الممارسات التي جرت في أعقاب 03 يوليو 2013م وما تلاه من مذابح وانتهاكات يندى لها جبين الإنسانية. كما انطلقت معظم المبادرات من تصور خاطي يقوم على أساس أن الأزمة بين "العسكر والإخوان" متجاهلين أن الأزمة في جوهرها بين "الدولة العميقة التي تقودها المؤسسة العسكرية من جهة والتي تسعى إلى حماية واستمرار امتيازاتها الخاصة عبر تكريس "30 يونيو" والشعب من جهة ثانية وعلى رأسه جماعة الإخوان المسلمين باعتبارها الفصيل الشعبي الأقوى والأكثر تنظيما في مصر والتي تتبنى الدعوة للحرية والديمقراطية والتعايش السلمي المشترك ممثلة في مكاسب ثورة "25" يناير. سادسا، المبادرة الوحيدة التي شككت في شرعية نظام 30 يونيو بشكل واضح كانت للسفير معصوم مرزوق في سنة 2018م بعد مرور 5 سنوات على الانقلاب وبعدما تبين للجميع أن مصر عادت أسوأ بكثير عما كانت عليه قبل ثورة 25 يناير في عهد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك. ومثلت مبادرة مرزوق تهديدا للسيسي لأنها تضمنت استفتاء على شرعية النظام ووجهت الدعوة بالنزول لميدان التحرير، ورغم أنها دعوة مشروطة بموافقة الأمن المسبقة، وأن يقتصر الحضور فيها على مؤيدي المبادرة، إلا أن السيسي اعتبر دعوة النزول لميدان التحرير بالقرب من ذكرى فض اعتصام رابعة، خطرا يجب مواجهته، وبالتالي فقد اعتقل صاحب المبادرة. وتم التنكيل بمروزق وتلفيق عدة تهم له بالسعي لقلب نظام الحكم والتعاون مع…