ملامح الجدل في الجزائر بشأن مستقبل البلاد ما بعد بوتفليقة ودلالاته
ملامح الجدل في الجزائر بشأن مستقبل البلاد ما بعد بوتفليقة ودلالاته في ظاهره قد يبدو الجدل المستعر في الجزائر بين الفرقاء السياسيين منصباُ على الانتخابات الرئاسية المقررة في ربيع العام المقبل 2019[1]. لكن في حقيقته يعكس الجدل حالة الترقب التي تعيشها القوى السياسية والتخوف من نتائج الاختفاء المفاجئ للرئيس الحالي عبدالعزيز بوتفليقة، الرئيس الذي تعدى عمره عتبة الـ 80 عاماٌ في مارس 2018[2]، خاصة مع حالته المرضية الصعبة التي لا تمكنه من إدارة البلاد، وتجعله مجرد ستار لمن يديرون فعليا من خلف هذا الستار، وأثر ذلك الأختفاء المفاجئ على صيغة الحكم ومعادلته القائمة في البلاد، كما يكشف محاولات القوى السياسية المساهمة في تشكيل مفردات المشهد الانتقالي، وفي تخليق النظام الجديد، في جزائر ما بعد بوتفليقة، حتى لا يكون المولود الجديد -قيد التشكل- مفاجئ كليةُ، وقد يكون صادم. حمس ودعوة الجيش للتدخل: كانت البداية، هذه المرة[3]، مع تصريح رئيس حركة مجتمع السلم الجزائرية، "حمس"، أحد الأحزاب المنبثقة عن جماعة الإخوان المسلمين، في الندوة التي عقدها بالمقر الوطني؛ للحديث عن المستجدات في الساحة الوطنية، والذي قال فيه أن المؤسسة العسكرية هي الضامن لانتقال ديمقراطي سلس وآمن، داعياً الجيش إلى مرافقة من أسماهم بـ "الخيريين في هذه البلاد والذين يبحثون عن مصلحتها لتحقيق هذا الانتقال"[4]. مؤكداً أن دور المؤسسة العسكرية في التوافق الوطني هو المساهمة في ضمان حماية التوافق إذا حصل بين الجزائريين[5]. وبخصوص انتخابات الرئاسة، قال عبد الرزاق مقري، رئيس الحركة، أن الغموض هو سيد الموقف، فلم يتبقى سوى 8 أشهر عن الرئاسيات إلا أن المشهد السياسي وحتى الاقتصادي لا يزال غامضا، و أضاف أن الحركة لا تزال متشبثة بموقفها و بمبادرة التوافق الوطني[6]. موقف الحزب الحاكم من تصريحات مقري: في تعليقه على الدعوة التي وجهها رئيس حركة مجتمع السلم الجزائرية (حمس) عبد الرزاق مقري للمؤسسة العسكرية بأن تحمي وتتعاون مع من اسماهم بـ "الخيريين في هذه البلاد و الذين يبحثون عن مصلحتها لتحقيق هذا الانتقال"، قال الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني، جمال ولد عباس، "نحن لسنا في جمهورية الموز لنطالب بتدخل الجيش"، مجددا تأكيده على أن رئيس الحزب، عبدالعزيز بوتفليقة، هو المرشح الوحيد لحزب جبهة التحرير الوطني، ولن يقبل الآفلان (أعضاء الحزب) بمرشح يقف في وجه بوتفليقة، محذرا مناضلي الحزب وقياداته من الترشح للرئاسيات والوقوف في وجه بوتفليقة، وتكرار سيناريو 2004، مصرحا: "أنا متسامح مع الجميع إلا الخونة"، وأضاف في الندوة الصحفية التي عقدها، بمقر حزبه بحيدرة، أن مهام الجيش واضحة، وهي حماية الحدود الوطنية، وهذا بعيدا عن السياسة، مستعينا بحادثة الكوكايين الأخيرة، وكيف تمكن الجيش من فك خيوطها، وذكر ولد عباس في هذا الشأن بالعلاقة الجيدة التي تجمع رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة، برئيس أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح[7]. المؤسسة العسكرية والنهايات المفتوحة: ورداُ على الجدل الذي أثير بشأن دور المؤسسة العسكرية في تحقيق التحول الديمقراطي بعد بوتفليقة، انتقد رئيس أركان الجيش الجزائري الفريق أحمد قايد صالح الأحزاب السياسية التي تدعو الجيش إلى التدخل من أجل تحقيق التوافق حول الرئيس المقبل للبلاد، ودعا إلى عدم إقحام الجيش في المتاهات الحزبية والسياسية[8]، وقال صالح أن "الجيش يعرف حدود مهامه الدستورية ونطاقها"[9]. ويبدو أن تصريح الفريق قايد صالح لم يضع حدًا للنقاش حول علاقة الجيش بالسياسة، ففيما يقول هو إن المؤسسة العسكرية تبقى ملتزمة بدورها ومهامها الدستورية، فإن الكثير من المراقبين مقتنعون أن الجيش لم يبتعد يومًا عن السياسة، وأن الذي تغير هم الأشخاص والمواقع وطرق التدخل، فيما يبقى من الصعب في نظام مثل النظام الجزائري، قام منذ تأسيسه على التداخل بين السياسي والعسكري، أن يصبح نظامًا مدنيًا مئة بالمئة بين عشية وضحاها، خاصة وأن بصمة الجيش خلال السنوات القليلة الماضية كانت دائمًا حاضرة في القرارات والمراحل المهمة[10]. المعارضة والمواقف المتضاربة: هاجم حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية (علماني)، مبادرة “مجتمع السلم” واعتبرها “تعقيدًا للوضع الراهن، ولا يمكن للجيش أن يضمن إدارة للانتقال الديمقراطي في الجزائر”. واعتبر أن “مشاركة الجيش في إدارة المأزق الحالي بشكل مباشر، لا يمكن أن يشكّل حلًّا معقولًا، وذا مصداقية للأزمة السياسية الراهنة”، وشدد الحزب على أن “البلاد بحاجة لإرساء أسسٍ لمؤسساتٍ منبثقةٍ من المجتمع، وخاضعةٍ لمراقبته في عملية ديمقراطيةٍ تدريجيةٍ، وشفافة مدعومةٍ بشرعية لا جدل فيها”[11]. فيما دعا رئيس الجبهة الوطنية الجزائرية، المعارض موسى تواتي رئيس البلاد إلى تمديد ولايته، التي تنتهي في 2019 إلى 2022، لقيادة مرحلة انتقالية “لا يكون للجيش أيّ دورٍ فيها”. وهو ما اعتبره مراقبون “تشتيتًا لجهود قوى المعارضة، وتتفيهًا لمبادرة حركة حمس المثيرة للجدل”، ما يؤشر على خلافات حادة وسط التكتل المناهض للرئيس عبد العزيز بوتفليقة[12]. الخاتمة: يبدو الجدل الدائر بين القوى السياسية في ظاهره من باب المزايدات السياسية، مزايدات على الولاء للديمقراطية مقابل الولاء للدولة والجيش. لكنه في حقيقته يعكس مقدار الترقب لما يمكن أن يسفر عنه غياب أو انسحاب بوتفليقة من المشهد السياسي في الجزائر، بعد تعديه سن الـ 80 عاماً في مارس 2018، خاصة مع حالته المرضية الصعبة التي لا تمكنه من إدارة البلاد، وتجعله مجرد ستار لمن يديرون فعليا من خلف هذا الستار. كما يكشف هذا الجدل محاولات القوى السياسية الجزائرية المساهمة في تشكيل النظام الجديد بعد رحيل بوتفليقة، وخطب ود قوى الدولة (الجيش) وتطمينها واقناعها أنها وهذه القوى من المعارضة في خندق واحد، وأن الديمقراطية لا تعني معاداة الدولة ومؤسساتها؛ ففي تصريحاتها قالت "حمس" أن الخروج من حالة الفساد والوضع غير الديموقراطي المتجذر ليس سهلا، ويتطلب مساهمة الجميع، وان التجارب الناجحة في الانتقال الناجح هي التي لم يكن ضدها المؤسسة العسكرية بل ساهم الجيش ذاته في نجاحها[13]. هذا الترقب لما هو قادم والتخوف من مفاجئاته، له مظاهر، منها: إعلان قوى/ وشخصيات سياسية جزائرية مرموقة مشاركتها في الانتخابات الرئاسية المقررة في 2019[14]، بما فيها قوى وشخصيات محسوبة على النظام ومؤيدة له؛ وإن كانت قد شددت أن ترشحها مرهون بعدم ترشح بوتفليقة، وأنها ستنسحب في حال ترشح الأخير[15]. ومنها: محاولات قوى المعارضة التوافق على دعم مرشح واحد "توافقي"[16] (وهي المحاولة التي يبدو أن مصيرها الفشل). تعكس هذه الخطوات مساعي محمومة للبقاء في الصورة ظاهرياُ، وتكشف قناعة مترسخة لدى القوى السياسية أن المشاركة في انتخابات الرئاسة يمكن أن تسهم (من وجهة نظر هذه القوى) في كسب تأييد شعبي يعطي هذه القوى حضور أكبر يساعدها في تحصيل مكاسب اكبر وموقع متقدم في التفاوض على تشكيل نظام ما بعد بوتفليقة. ومن مظاهر هذا الترقب لما هو قادم والتخوف من مفاجئاته، أن القوى السياسية الجزائرية لما تعلم أن المشهد لا يدار فقط من مراكز الاقتراع، بل ثمة قوى ومراكز نفوذ لها دورها المركزي في ترسيم المجال السياسي وبناء المعادلات التي تحكمه، وأن حيازة سلطة…