ترتيبات الشرق الليبى واحتمالات إخراج التيار السلفي المدخلى من المعادلة
ترتيبات الشرق الليبى واحتمالات إخراج التيار السلفي المدخلى من المعادلة مقدمة يعتبر التيار المدخلى من أهم الأدوات التى استخدمها حفتر فى تحقيق سيطرته على الشرق الليبى، فقد وفر التيار المدخلى الدعم العسكرى لحفتر، بل والأهم من ذلك فقد وفر له الدعم الدينى، فالتأييد الدينى الذى يوفره التيار المدخلى لحفتر يُظهر حفتر بأنه حاكم شرعى يجمع بين الشرعية الدستورية (دعم البرلمان) والشرعية الدينية التى يقدمها التيار المدخلى لحفتر، وهو ما جعل حفتر حريص على الحصول على دعم هذا التيار فسمح لهم بالسيطرة على الخطاب الدينى ونشر أرائهم وفتاواهم، فى مقابل حصول حفتر على الدعم الدينى والعسكرى. وقد أدى تزايد نفوذ التيار المدخلى داخل قوات حفتر إلى غضب بعض القبائل الحليفة لحفتر من هذه السيطرة، وهو ما دفع هذه القبائل إلى الخروج من التحالف، كما أن إتجاه السعودية إلى ما يشبه الإنقلاب فى علاقاتها مع التيار السلفى الوهابى فى الداخل والخارج قد أثر بصورة كبيرة على علاقة حفتر بالتيار المدخلى، وهو ما تمثل فى سعى حفتر إلى تقليل نفوذ هذا التيار داخل قواته. وعليه تحاول الورقة الإجابة على طبيعة وجود التيار المدخلى فى الشرق الليبى، بالإضافة إلى استراتيجيات حفتر لتقليل نفوذه. طبيعة تواجد التيار المدخلى فى الشرق الليبى تطفى السلفية المدخلية على السلطة فى كل بلد من البلاد التى يتواجدون فيها الشرعية اللا محدودة التى تنزهها حتى عن النقد أو المعارضة داخل إطار الدولة فضلًا عن الخروج عليها بالقول أو الفعل فكل أقوال السلطة مبررة أو على الأقل مسكوت عنها مهما ظهر خطؤها وبان عوارها فهى بردًا وسلامًا على كل سلطة حربًا ونارًا على كل معارض فلا يتورعون فيه ولا يتنزهون عن كل طعن ودهس مهما علا قدره بل ويتحولون فى هذه الحالة الغاضبة من قمة الموادعة للسلطة إلى أعلى قمم الدموية التاريخية المشرعنة بشرع الله فيطالبون السلطات بالسحق والقتل والتغييب والتشريد هكذا فعل المؤسس الأول "محمد أمان الجامى" فى المملكة العربية السعودية مع المعارضين وبنفس القسوة طالب "محمد لطفى عامر" فى مصر النظام المصرى بحصد رقبة كل من يدعو إلى العصيان المدني، ومنهم الدكتور محمد البرادعي والدكتور يوسف القرضاوي، واعتبر أن الدعوة إلي العصيان المدني تعد من أساليب الخوارج ومنازعة السلطان والخروج عليه، وعقوبتها تبدأ من الحبس، ثم الزجر، ثم القتل، ولكن على يد الحكومة، وذلك من باب وأد الفتنة[1]. يرجع وجود السلفية المدخلية في ليبيا إلى العقد الأخير من حكم القذافي، الذي سمح لهم بالتواجد في ليبيا لأنهم يحرمون الانتخابات والديمقراطية، ويدعون إلى الطاعة المطلقة للحكم، وفى ثورة 11 فبراير لم يكتفى المدخلية بعدم مشاركتهم فيها وإنما راحوا يفتون الناس بحرمة الخروج على القذافى وأن الطاعة له واجبة. ورفضت السلفية المدخلية الانتخابات التى عقدت فيما بعد، لكن -بصورة براجماتية- شارك أعضائها فيها في نهاية المطاف، وقد برز دورهم بعد إعلان حفتر انطلاق عملية الكرامة عام 2014، وقد أيدوا حفتر خلافاً لمنهجهم القائم على عدم الخروج على ولي الأمر، الذي كان وقتها “المؤتمر الوطني العام”، ولكن أوضح مراقبون أن التيار قد حصل على فتاوي من رموزه أن المؤتمر الوطني العام انتهت صلاحيته وولايته في السابع عشر من فبراير 2014، وذلك تماهياً مع حركة “لا للتمديد” التي ظهرت بعد هذا التاريخ رافضة استمرار المؤتمر الوطني العام وداعية إلى مرحلة انتقالية ثالثة على رأسها مجلس للنواب[2]، (ويتشابه موقف السلفية المدخلية مع مدخلية الاسكندرية في هذه الفتاوي بالوقوف مع السيسي ضد شرعية الرئيس محمد مرسي بادعاءات مشابهة ). وقام الشيخ ربيع المدخلي بالإفتاء بضرورة انضمام السلفيين لحفتر لأنه ولي الأمر الشرعي والقتال معه ضد الإخوان، و استجاب المدخلية لشيخهم ربيع المدخلى وخرجت تقاتل بجانب قوات اللواء خليفه حفتر وتحت امرته بكتيبة "التوحيد" السلفية الجناح الدينى للواء خليفة حفتر، أُسست الكتيبة في بنغازي واصطفت مع قوات حفتر، وحلفائه فى مدينتي إجدابيا ودرنة. وقد أرجع مراقبون استهداف رموز مدخلية في سلسلة الاغتيالات التي هزّت بنغازي منذ منتصف العام 2013 حتى بداية 2014 مثل الرمز المدخلي كمال بزازة الشرارة، هو ما دفع كثيراً من التيار إلى التحرّك المسلح، ورأى آخرون أن هذه العمليات مدبرة لدفع التيار دفعاً إلى قتال فصائل الثورة وتنظيم الدولة الإسلامية. وقد مكّن حفتر التيار المدخلى من تولي العديد من المناصب في الجيش، كتولي العقيد ميلود الزوي المدخلي البارز، مهمة الناطق باسم القوات الخاصة في بنغازي، والرائد علي الثابت ناطقاً باسم قوات البحرية في بنغازي، والملازم محمد البوعيشي كآمر لقوة مكافحة الإرهاب في أجدابيا. وحسب شهادات نقلتها مواقع وصحف للمُفرج عنهم من قبل تابعين لحفتر فإن بعض الذين حققوا معهم لمعرفة منهجهم الديني كانوا من التيار المدخلي، حيث كانوا يصنفون المقبوض عليهم، إما منتسبين إلى جماعة الإخوان المسلمين الليبية، أو إلى أحد التيارات السلفية الجهادية. وبعد قرار حفتر بحل الكتائب السلفية المدخلية المعروفة باسم كتائب التوحيد ودمجها وتوزيعها علي كتائب الجيش المختلفة، سيطروا علي مواقع عسكرية في بنغازي وأجدابيا والجبل الأخضر، وعلي فرق عسكرية مهمة مثل الكتيبة 210 مشاة والكتيبة 302 صاعقة[3]. كما اتهمت قيادات معارضة لحفتر المداخلة بتنفيذ عمليات قبض واختطافات في صفوف مقاتلي وقادة سرايا الدفاع عن بنغازي المقيمين في مصراته، بل وتورطهم في تصفية "محمد باكير" القيادي بالسرايا، بعد اختطافه من قوة من قوات المداخلة[4] . وتحالف حفتر مع السلفيين لا يقتصر على وجودهم العسكري، لكن أيضاً يشمل السيطرة على الخطاب الديني الرسمي، من خلال سيطرة التيار السلفي المدخلي علي الخطاب الديني الرسمي في الهيئة العامة للأوقاف والشؤون الإسلامية التابعة لحكومة برلمان طبرق، والسيطرة الفعلية على المساجد في الشرق منذ نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2014. ويستخدم حفتر الجماعات السلفية لمواجهة الجماعات التكفيرية مثل حركة أنصار الشريعة، بالإضافة إلى مواجهة خصومه السياسيين خاصة جماعة الإخوان المسلمين، ومواجهة خطاب السلفية العلمية التي يتبناها مفتي طرابلس الصادق الغرياني، والمجموعات السلفية في الغرب الليبي متمثلة في قوات الردع الخاصة بقيادة عبد الرؤوف كارة في طرابلس، والتي ترفض حفتر[5]. هل يتم التخلص من التيار المدخلى ظهر فى الأونة الأخيرة ما يشبه إنقلاب فى العلاقة بين التيار المدخلى وحفتر، فقد سعى حفتر إلى إتخاذ مجموعة من الخطوات لتقليل نفوذ التيار المدخلى، وتتمثل أهم هذه الخطوات فى: حل كتائب التيار المدخلى، ففي 23 يناير/كانون الثاني 2015، أعلن حفتر عن حلّ كتائب التوحيد السلفية وتوزيع عناصرها على كتائب قواته، بعد أيام من مقتل آمر كتيبة التوحيد السلفي البارز عز الدين الترهوني، في ظروف غامضة، قيل وقتها إنّها كانت ضمن معارك منطقة سوق الحوت. وبموازاة ذلك، تم توزيع أبرز العناصر السلفية على الأجهزة الأمنية، في مدينتي المرج والبيضاء، بعيداً عن مخازن السلاح والجنود في بنغازي، أما ما بقي من كتائب المدخلية فقد وضعهم حفتر تحت إمرة قادة وضباط تابعين له، كما فعل مع النقيب محمود الورفلي الذي يخضع لأمرة…