التطبيع بين إسرائيل وسوريا: المحفزات والمعوقات

يعيش الملف السوري – الإسرائيلي حالة من الزخم الإعلامي والسياسي غير المسبوق منذ عقود. فمع انهيار النظام السوري في ديسمبر 2024، وانكشاف الجنوب السوري أمام متغيرات ميدانية غير مألوفة، طفت على السطح تسريبات عن لقاءات غير معلنة بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين، وسط وساطات عربية وإقليمية، وتصريحات أمريكية تفيد بإمكانية “تفاهمات قريبة”. فهل نحن أمام تحول استراتيجي في العلاقة بين دمشق وتل أبيب؟ أم أن السلام الموعود لا يزال بعيدًا، رغم حرارة التصريحات؟. أولًا: مؤشرات التطبيع بين إسرائيل وسوريا: كثر مؤخرًا الحديث عن لقاءات ذات طابع أمني بين سوريا و”إسرائيل”، بعضها لقاءات مباشرة شارك فيها مسؤولون رفيعو المستوى من الجانبين، إضافة لأحاديث وتصريحات أمريكية و”إسرائيلية” عن احتمال التوصل لاتفاق أمني بينهما يمهد لاحقًا لتطبيع العلاقات، في ظل حالة من شبه الصمت الرسمي السوري. كانت الإشارة الأولى على إمكانية تطبيع العلاقات بين سوريا و”إسرائيل” وردت لأول مرة في لقاء الرئيس السوري للفترة الانتقالية أحمد الشرع مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الرياض، في 14 مايو 2025، حين حث الأخير نظيره السوري على التطبيع في سياق وعده برفع العقوبات عن سوريا. وفي مؤتمره الصحافي مع نظيره الفرنسي، أقر الشرع بوجود مفاوضات غير مباشرة مع “إسرائيل”، مؤكدًا على أن هدفها هو “تهدئة الأوضاع وعدم خروجها عن السيطرة”، في إشارة للاعتداءات “الإسرائيلية” المتكررة، بما في ذلك نقض اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 وتوسيع الاحتلال وتدمير مقدرات الدولة السورية من سلاح ومنشآت ومعاهد بحثية، إضافة لحديث التقسيم ودعم الأقليات. وزعمت صحيفة “يديعوت أحرونوت”، نقلًا عن مصادر سورية، لم تسمها، أن الرئيس السوري أحمد الشرع التقى برئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي تساحي هنغبي خلال زيارته إلى أبوظبي. وتابعت الصحيفة أن هذه المصادر أفادت بأن سوريا تجري محادثات “هادئة” مع إسرائيل، لا تهدف إلى السلام، بل إلى اتفاقية أمنية محدودة. على جانب آخر، نفت وكالة الأنباء الرسمية “سانا” في خبر مقتضب، نقلًا عن مصدر في وزارة الإعلام لم تسمه، صحة الأنباء المتداولة عن اجتماع الشرع مع مسؤولين إسرائيليين. ونقل موقع i24NEWS الإسرائيلي عمن وصفه بالمصدر السوري المطلع أن الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع حضر اجتماعًا مباشرًا واحدًا على الأقل، مع مسؤولين إسرائيليين في العاصمة الأذربيجانية باكو، في تطور يتعارض مع رواية رسمية نُشرت في وسائل إعلام سورية أكدت عدم مشاركته في أي محادثات مع الجانب الإسرائيلي. وأوضح المصدر، الذي وُصف بالمقرب من الرئيس الشرع، أن اللقاء كان جزءًا من سلسلة من اجتماعين أو ثلاثة عُقدت بين الطرفين، بحضور وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، إلى جانب أحمد الدالاتي، منسق الحكومة السورية للاجتماعات الأمنية مع إسرائيل.ويضم الوفد الإسرائيلي مبعوثًا خاصًا لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، إلى جانب مسؤولين أمنيين وعسكريين رفيعي المستوى. ووفق المصدر ذاته، تهدف الاجتماعات إلى بحث اتفاقية أمنية محتملة بين سوريا وإسرائيل، تتناول ملفات الوجود الإيراني في سوريا ولبنان، أسلحة “حزب الله”، الفصائل الفلسطينية، المخيمات في لبنان، ومستقبل اللاجئين الفلسطينيين من غزة، بالإضافة إلى إمكانية فتح مكتب تنسيق إسرائيلي في دمشق دون طابع دبلوماسي. في السياق نفسه، أفادت قناة “كان” الإسرائيلية بأن اجتماعًا مباشرًا عُقد بالفعل بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين في باكو، ناقش خلاله الطرفان المطلب السوري بانسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب سوريا، وسلسلة من التنسيقات بين الجانبين. وذكرت القناة أن لقاءً مرتقبًا سيجمع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ونظيره الإسرائيلي جدعون ساعر، في 14 يوليو 2025، في مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل، دون تأكيد بشأن اجتماع ثنائي منفصل. واستندت صحيفة “يسرائيل هيوم” في تقريرها إلى ما نقلته قناة “إل بي سي آي” الإخبارية اللبنانية عن شروط سوريا لتطبيع العلاقات مع إسرائيل. ويفيد التقرير بأن هذه الشروط تتضمن اعترافًا إسرائيليًا رسميًا بحكومة الرئيس السوري الحالي أحمد الشرع، وانسحابًا كاملًا من الأراضي التي احتلتها إسرائيل بعد سقوط نظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد في ديسمبر 2024. كما تتضمن الشروط وقفًا شاملًا للغارات الجوية الإسرائيلية على سوريا وترتيبات أمنية جنوبي البلاد، إلى جانب ضمانات ودعم أمريكي للحكومة السورية. وفي المقابل، حسب الصحيفة، قد توافق سوريا على الاعتراف الدائم بالسيادة الإسرائيلية على الجولان المحتل. في التصريحات الرسمية وتعقيبًا على أخبار المحادثات بين الجانبين، قال وزير خارجية “إسرائيل” جدعون ساعر نهاية يونيو 2025 إن “لبلاده مصلحة في ضم دول جديدة، كسوريا ولبنان، لدائرة السلام والتطبيع”، مشددًا على أن الجولان “ستبقى جزءًا لا يتجزأ من إسرائيل في أي اتفاق سلام محتمل”. في المقابل، كانت صحيفة “الوطن” السورية قد نقلت عن مصادر رسمية نفيها القاطع لمشاركة الرئيس الشرع في أي لقاء مع وفود إسرائيلية، مؤكدة أن ما يجري في أذربيجان يندرج ضمن “استراتيجية تهدئة، لا تطبيع”، وأن الحديث عن اتفاق سلام “سابق لأوانه”. في المقابل، أفاد مصدر دبلوماسي مطلع في دمشق بأن اللقاءات تدور حول “الوجود العسكري الإسرائيلي المستحدث في جنوب سوريا”، في إشارة إلى توغل الجيش الإسرائيلي بعد سقوط نظام بشار الأسد قبل أكثر من سبعة أشهر. وفي الرابع من يوليو 2025، وفيما بدا ردًا على التصريحات “الإسرائيلية”، أكدت الخارجية السورية في بيان لها استعداد دمشق “للتعاون مع الولايات المتحدة للعودة إلى اتفاق فض الاشتباك مع إسرائيل لعام 1974″، وهو البيان الذي صدر إثر اتصال هاتفي بين وزيري خارجية البلدين ناقشا فيه “الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الجنوب السوري”. فيما كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو طلب منه رفع العقوبات عن سوريا. وفيما يتعلق بالخطوات العملية، قامت دمشق بإغلاق مكاتب الفصائل الفلسطينية المدعومة من إيران على الأراضي السورية، والقبض على عناصر من منظمات مسلحة شيعية وسنية مثل حركة الجهاد الإسلامي، ومصادرة شحنات أسلحة كانت في طريقها إلى حزب الله. وعليه، اعتبرت هذه الخطوة رسالة طمأنة من دمشق إلى إسرائيل مفادها أن الأراضي السورية لن تكون مكانًا لنشاط تنظيمات معادية لإسرائيل. أما من الجانب الإسرائيلي فتمثلت الخطوات العملية في تراجع عمليات القصف الإسرائيلي في سورية؛ فمنذ اللقاء الثاني الذي جمع نتنياهو وترامب في البيت الأبيض في 8 أبريل 2025، تراجع القصف الإسرائيلي على سورية بشكل كبير، وفي بعض الفترات سادت حالة من الهدوء في العمليات العسكرية الإسرائيلية في سورية. وأيضًا تجاوز أزمة الدروز في سورية؛ فبعد اندلاع الأزمة في بلدتي صحنايا وجرمانا بريف دمشق، لم تتخذ إسرائيل إجراءات شديدة في هذا الشأن كما وعدت مع صعود السلطة الجديدة، فقد هددت بعمليات عسكرية في المناطق الدرزية للدفاع عنهم، بل اكتفت بعمليات غلب عليها الطابع الرمزي، مثل قصف مجموعة مسلحة كانت متوجهة إلى منطقة درزية، والتحليق فوق القصر الرئاسي وقصف هدف قربه. والتغير الأهم تمثل في دعوة إسرائيل لأول مرة النظام السوري إلى أخذ مسؤولياته للحفاظ على الدروز، وهو توجه جديد يدل على تطبيع إسرائيل مع السلطة الجديدة في سورية. ثانيًا: محفزات التطبيع بين إسرائيل وسوريا: تؤدي مصالح الطرفين، السوري والإسرائيلي، دورًا في انطلاق المباحثات بينهما، ويمكن الإشارة إلى…

تابع القراءة

الموقف الروسي والصيني تجاه الحرب بين إيران وإسرائيل: الأبعاد والمحددات

في خضم اشتعال حدة المواجهات المسلحة الإسرائيلية-الإيرانية، التي استمرت 12 يومًا من الهجمات والهجمات المضادة العنيفة (من 13 إلي 24 يونيو 2025)، التي كادت أن تصل إلى حرب شاملة كارثية على الشرق الأوسط برمته، أصطف خلالها الجيش الأمريكي الأقوى في العالم إلى جانب جيش الدفاع الإسرائيلي، وكذلك أعلنت غالبية العواصم الأوروبية دعمها الكامل لإسرائيل في ضرورة تحقيق هدفين: إزالة التهديدين النووي والباليستي لإيران. في المقابل، وجدت إيران نفسها وحيدة في المعركة، في موقف لا تحسد عليه، ولم تقدم لها الدول التي تصنفها على أنها حليفة مثل الصين وروسيا، أي شكل من أشكال المساندة أو التهديدات الرادعة، التي تمكنها ردع إسرائيل أو الحد من سقف أهدافها تجاه إيران، مقارنة بما قدمته الولايات المتحدة من مساندة عسكرية مباشرة لإسرائيل بقصف قاذفاتها الاستراتيجية الشبحية الأُصول النووية الإيرانية. واختار الشريكان الاستراتيجيان لإيران الوقوف على الحياد، واكتفيا بإدانة التصعيد الإسرائيلي، وحتى عندما أخذت روسيا خطوة أبعد من الإدانة، فلم تتخط حاجز الحياد المصلحي، وطرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الوساطة لإنهاء المواجهات المسلحة بين الطرفين. أولًا: أبعاد الموقف الروسي والصيني تجاه الحرب بين إيران وإسرائيل:  يمكن الوقوف علي أبعاد الموقفين الروسي والصيني تجاه الحرب بين إيران وإسرائيل كما يلي: 1- لم تكن لهجة روسيا في الحرب بين إيران وإسرائيل متوقعة بالنسبة للكثيرين ممن انتظروا سماع عبارات تهديد رنانة من الرئيس الروسي بوتين ومسئوليه، والأهم ربما توقعوا دعمًا عسكريًا روسيًا مؤثرًا لطهران، خاصة أن موسكو لا تحتمل أن تخسر حليفًا جديدًا في الشرق الأوسط بحجم إيران بعد أشهر من سقوط بشار الأسد في سوريا، لكن روسيا آثرت أن تكون لهجتها أكثر ميلًا للاتزان، مقتنعة بأن الدور الذي يمكن أن تلعبه هو دور الوسيط بين المتخاصمين. منذ الساعات الأولى للتصعيد الإيراني الإسرائيلي، اتخذت موسكو موقفًا اتسم بالحذر الشديد، عبرت فيه عن قلق بالغ من انزلاق الأوضاع نحو مواجهة إقليمية شاملة، دون أن تتورط في أي دعم عملي لطهران. فقد أدانت وزارة الخارجية الروسية الضربات الإسرائيلية ووصفتها بأنها “انتهاك صارخ لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة”، ومحذرة من أن الهجوم على المنشآت النووية الإيرانية “يهدد بكارثة نووية عالمية”، وبحسب ما صرحت به المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية “ماريا زاخاروفا”، التي وصفت الغارات الإسرائيلية بأنها “لعبة مروعة لا يمكن التنبؤ بعواقبها”. ومع ذلك، بقي الرد الروسي في إطار التنديد اللفظي والدعوة إلى التهدئة، دون أن يترجم إلى دعم عسكري أو سياسي نوعي لإيران. هذا التوجه الروسي أثار جدلًا واسعًا حول مدى التزام موسكو باتفاقية الشراكة الاستراتيجية مع طهران الموقعة في يناير 2025، خاصة أن المتحدث باسم الكرملين، “دميتري بيسكوف”، أوضح بشكل صريح أن “اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة مع إيران لا تتضمن بنودًا تتعلق بتقديم دعم عسكري متبادل”. وأضاف أن موسكو لم تتلق أي طلب رسمي من طهران لتقديم مثل هذا الدعم، مشددًا على أن المواقف الروسية واضحة في إدانة التصعيد لكنها لا تنسحب إلى خطوات ميدانية. وهذا التأكيد العلني بعدم وجود آلية دفاع مشترك يعكس سعي موسكو للفصل بين شراكتها السياسية مع إيران وبين انخراط مباشر في مواجهة قد تجرها إلى صدام مع إسرائيل أو حتى الولايات المتحدة. في الوقت ذاته، سعت روسيا إلى إبراز دورها كوسيط محتمل، وركزت على اتصالاتها الدبلوماسية المتكررة مع جميع الأطراف؛ إذ أجرى الرئيس فلاديمير بوتين محادثات هاتفية مع كل من الرئيس الإيراني، ورئيس الوزراء الإسرائيلي، والرئيس الأمريكي، مؤكدًا أن “الحوار السياسي هو السبيل الوحيد لتسوية الخلافات”. كما أوضح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن “روسيا تواصل جهودها لتفادي المزيد من التصعيد”، داعيًا المجتمع الدولي إلى التحرك المشترك لاحتواء الأزمة. كل هذه التحركات تعكس تموضعًا روسيًا يهدف إلى الحفاظ على قنوات الاتصال مع مختلف الأطراف، دون الانحياز بشكل مباشر لطرف على حساب آخر، وذلك في الوقت الذي تحاول فيه موسكو اللعب بورقة التهدئة لكسب النفوذ دون كلفة استراتيجية باهظة. وعقب الضربة الأمريكية علي إيران، وصفت وزارة الخارجية الروسية الضربات الأمريكية بأنها “انتهاك صارخ” لميثاق الأُمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن، محذرة من أن الهجوم ألحق “ضررًا بالغًا” بمصداقية “معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وآليات الرقابة التي تعتمدها الوكالة الدولية للطاقة الذرية”. ودعت موسكو إلى عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن، مطالبةً بعودة فورية إلى المسار الدبلوماسي. كما وصف البيان التحرك الأمريكي بأنه “غير مسؤول”، مشيرًا إلى خطر تفاقم عدم الاستقرار الإقليمي. وفي الأُمم المتحدة، اتهم السفير الروسي فاسيلي نيبينزيا واشنطن بأنها “فتحت صندوق باندورا”؛ أي بوابة الشرور، وشبه مبررات الضربات بتلك التي سبقت غزو العراق عام 2003. كما رفض التبريرات الأمريكية واعتبرها واهية، محذرًا من مخاطر تطبيع العمليات العسكرية الأحادية الجانب. وربما كان أحد التصريحات الروسية القليلة التي ظهرت فيها النبرة المرتفعة هو إعلان الكرملين أن محاولة تغيير النظام في إيران يعد أمرًا غير مقبول، إذ صرح ديمتري بيسكوف، المتحدث باسم الكرملين، بأن روسيا سترد “بشكل سلبي للغاية” في حال اغتيال المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، وأكد أن مثل هذا الأمر ينبغي ألا يكون الحديث عنه أو التفكير فيه مقبولًا. لكن حتى في تلك الحالة رفض بيسكوف – بحسب “سكاي نيوز”- أن يوضح التصرف الذي ستتخذه روسيا في حال اغتيال المرشد، وفضل القول إن الرد سيكون قويًا للغاية من داخل إيران، وبدأ يتحدث عن الأثر السلبي على المنطقة في حالة حدوث ذلك، إذ قال إن هذا سيؤدي إلى نشوب نزعات متطرفة داخل إيران، وإن على من يتحدثون عن قتل المرشد أن يستوعبوا ذلك ويضعوه في اعتبارهم، وأن يفهموا أنهم سيفتحون بذلك أبواب الشرور. ومثله، كان تهديد الرئيس الروسي السابق ونائب مجلس الأمن الروسي الحالي دميتري ميدفيديف بأن دولًا ثالثة قد تزود إيران بأسلحة نووية، حيث لم يفصح ميدفيديف عن هذه الدول، فيما امتنع المسؤولون الروس عن التعليق على هذا التصريح الذي انتقده الرئيس الأمريكي ترامب. 2- جاء الموقف الصيني متشابهًا مع الموقف الروسي، من حيث الوقوف علي الحياد، مع انتقاد الهجمات الإسرائيلية، ولكن دون تقديم دعم عسكري فعلي لإيران. حيث أجرى وزير الخارجية الصيني “وانغ يي”، في 14 يونيو 2025، اتصالات هاتفية مع نظيريه الإيراني والإسرائيلي. وقد أعرب الوزير “وانغ يي” خلال اتصاله مع نظيره الإيراني عن إدانة بلاده انتهاك إسرائيل لسيادة إيران وأمنها وسلامة أراضيها، ومعارضتها بشدة الهجمات المتهورة التي تستهدف المسئولين الإيرانيين وتتسبب في سقوط ضحايا من المدنيين. كما اعتبر أن هجمات إسرائيل على المنشآت النووية الإيرانية تشكل سابقة خطيرة ذات عواقب كارثية محتملة، مؤكدًا على دعم الصين لإيران في حماية سيادتها الوطنية والدفاع عن حقوقها ومصالحها المشروعة وضمان سلامة شعبها. وخلال اتصاله الهاتفي مع نظيره الإسرائيلي، كرر وزير الخارجية الصيني الإعراب عن معارضة بلاده استخدام القوة ضد إيران، مؤكدًا على أن المهمة العاجلة تتمثل في اتخاذ تدابير فورية لتجنب تصعيد الصراع، ومنع المنطقة من…

تابع القراءة

مستقبل الشرق الأوسط علي ضوء الحرب بين إسرائيل وإيران

بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقف إطلاق النار في الحرب التي نشبت بين إسرائيل وإيران وامتدت لاثنى عشر يومًا، في الفترة من 13 حتى 24 يونيو 2025، باستهداف إسرائيل المنشآت الإيرانية الاستراتيجية، منها النووية والعسكرية والاقتصادية، وكذلك استهداف عدد من علماء الذرة والقيادات العسكرية، وفي المقابل ردت إيران باستهداف العديد من المدن الإسرائيلية والمواقع الاستراتيجية في تل أبيب وحيفا وبئر السبع وغيرها. ومع إعلان طرفي الصراع انتصار كل منهما فى تلك الحرب، بدا التساؤل المركزي يدور حول ما إذا كانت نتائج تلك الحرب ستؤدى إلى تغير موازين القوى فى إقليم الشرق الأوسط، أم إن نتائج المواجهات بين الطرفين – وحتى بعد دخول الولايات المتحدة لمساندة إسرائيل واستهداف ثلاث منشآت نووية إيرانية هى: فوردو ونطنز وأصفهان – لا تزال قيد التقييم، وأن تغيير موازين القوى في إقليم الشرق الأوسط يحتاج لعقود متتالية فى ظل التداخل الإقليمي والدولي مع تفاعلات المشهد المعقد بمفرداته المتعددة. وفي محاولة للإجابة علي هذا التساؤل، يمكن الإشارة إلي مجموعة من العوامل الرئيسية التي يمكن أن تساهم في محاولة استشراف مستقبل إقليم الشرق الأوسط علي ضوء هذه الحرب، تتمثل أبرزها فيما يلي: أولًا: جدل النصر والهزيمة: أثارت الحرب بين إيران وإسرائيل حالة من الجدل حول حسابات النصر أو الهزيمة لكلا الطرفين. ففي حين يري البعض أن الحرب انتهت بانتصار إسرائيل بعد أن اتضح بجلاء الاختلال النوعي في ميزان القوى بين إسرائيل المدعومة أمريكيًا، وإيران التي حاربت منفردة. ناهيك عن إثبات إسرائيل لقدراتها الفائقة علي مهاجمة إيران عسكريًا داخل أراضيها عبر استباحة أجوائها، ومن خلال عمليات عسكرية نوعية قام بها عملاء لجهاز الاستخبارات الإسرائيلى “الموساد” إلى جانب عدد من أفراد القوات الخاصة الإسرائيلية “كوماندز”. فضلًا عن حالة الاختراق الاستخباراتى الغير مسبوقة التي استهدفت اغتيال قادة الصفين الأول والثانى فى الحرس الثورى والجيش الإيرانى، إلى جانب عدد كبير من العلماء النوويين وآخرين يعملون فى مجال التكنولوجيا العسكرية. كما أن الضربة الإسرائيلية للبرنامج النووي الإيراني؛ تجعل من إسرائيل القوة النووية الإقليمية الوحيدة، بل وخارج نطاق الرقابة الدولية.  في المقابل، يري البعض أنه بغض النظر عن نتائج حرب الـ(12) يومًا التى انتهت بقرار وقف اطلاق النار بإيعاز من الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، ورغم الخسائر المادية والعسكرية والبشرية التى لحقت بإيران، إلا أن الأخيرة أبدت قدرة لافتة على الصمود أمام الاستهدافات الإسرائيلية، رغم حالة الاختراق الاستخباراتى الواسعة، كما انتقلت من مرحلة الصمود إلى مرحلة الردع المتبادل واكتساب القدرة على استهداف البنية الداخلية فى إسرائيل من مراكز عسكرية وموانئ ومحطات للطاقة – غاز وكهرباء – ومراكز بحثية عسكرية مهمة. هذا بخلاف حالة الصدمة المعنوية التى أحدثتها صواريخ إيران الباليستية لدى المجتمع الإسرائيلى، وانكشاف نظام القباب الحديدية المتنوعة كأداة حماية أمنية عسكرية ضد الاستهدافات الصاروخية والمسيرات المناوئة، ما يشير إلي أن إيران استطاعت – رغم قسوة الخسائر- أن تفرض معادلة ردع متبادل مع إسرائيل، وأن إسرائيل لم تستطيع تحقيق أهداف النصر الذى ترغبه فى إيران؛ فلم تستطع القضاء الكلى على البرنامج النووى الإيرانى فضلًا عن احتفاظ إيران بمخزون اليورانيوم المخصب – وإن كانت الضربات الأمريكية لمنشآته ستؤدى حتمًا إلى تأخير مساره لسنوات مقبلة تتراوح ما بين 5 إلى 10 سنوات – كما أنها لم تستطع إحداث تحول داخلى قوى على الساحة الإيرانية ينتج عنه تغيير النظام السياسى القائم. ثانيًا: بروز إسرائيل كقوة مهيمنة علي الإقليم: سوف تسعى تل أبيب إلى الاستفادة من هذه الحرب في تحقيق هدفها المتمثل في إعادة تشكيل الشرق الأوسط الذي تحدث عنه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، عدة مرات على مدى عامين، والذي تتمثل أبرز ملامحه فيما يلي: ولكن في مقابل ذلك فإن هناك عددًا من العراقيل أمام إسرائيل في قيادة الشرق الأوسط الجديد كما يصرح نتنياهو: ثالثًا: إعادة إيران تقييم سياساتها: تبقى إيران بعد الحرب قوة إقليمية جريحة وضعيفة نسبيًا، وخاصة بعد تآكل أذرعها في المنطقة. والأرجح أن إيران سوف تسعى إلى ترميم نظامها الدفاعي لتعويض خسائرها، وإعادة بناء قدراتها العسكرية، وربما تصل إلى الاقتناع بأن الوصول إلى القنبلة النووية هو أهم ضمانة لحماية أمنها في المستقبل كما حدث في حالة كوريا الشمالية.  كما أن المشروع الإيرانى فى المنطقة يبدو وكأنه مقبل على تطورات ومتغيرات جديدة نابعة من نتائج الحرب الإسرائيلية-الإيرانية، التي أثارت العديد من التساؤلات حول أسباب عدم مساندة محور إيران الإقليمى – حزب الله اللبنانى والمليشيات العراقية وجماعة أنصار الله الحوثية اليمنية – لها فى حرب الـ 12 يومًا من ناحية، ومستقبل هذا المحور من ناحية ثانية، وهل ستعيد إيران بناؤه مجددًا؟ أم أنها ستكتفى بالحفاظ على ما تبقى منه – المليشيات العراقية وجماعة أنصار الله الحوثية – انتظارًا لما ستسفر عنه جولة التهدئة الحالية بينها وبين إسرائيل والولايات المتحدة من ناحية ثالثة؟ ثمة رؤى مختلفة حول موقف إيران- وبعد المواجهة المباشرة مع إسرائيل- من فكرة إعادة إحياءها لـ”محور المقاومة” الإقليمى من عدمها. فثمة آراء تقول بأن موقف النأى بالنفس الذى اتخذته أذرع إيران فى الإقليم بشأن المواجهات بين الأخيرة وبين إسرائيل يعود إلى وجهة نظر إيرانية هدفها عدم انزلاق تلك الأذراع وتحديداً (المليشيات العراقية وجماعة أنصار الله الحوثية) ضمن حرب قد تؤدى إلى “إنهاء” تلك الأذرع بصورة كاملة؛ بمعنى أن إيران لا ترغب فى أن تتعرض المليشيات العراقية ولا الجماعة الحوثية للسيناريو الذى تعرض له حزب الله اللبنانى، ويدلل أنصار هذا الرأى على تلك الاحتمالية بنمط التفاعل الإيرانى نفسه مع مسار الحرب خلال مدة الـ (12) يومًا؛ حيث لم تنفذ إيران تهديدها بشأن غلق مضيق هرمز أو الإيعاز للحوثيين بإغلاق باب المندب، وهو ما اعتبره المحللون نمطًا للرد المحسوب والمدروس من قبل إيران، بحيث لا يؤدى إلى الإجهاز على نظامها الداخلى ولا على برنامجها النووى من ناحية، ولا يؤدى كذلك إلى إشعال حرب إقليمية واسعة تتطلب دخول أذرعها الإقليمية على خط المواجهة من ناحية ثانية، وهذا التفسير يعنى أن إيران لاتزال ترغب فى الحفاظ على محورها باقيًا، حتى وإن لم يقدم لها دعمًا واضحًا فى حربها مع إسرائيل. وهناك رؤية مقابلة تقول بأن إيران لم تعد تمتلك خيارات واسعة بشأن إعادة إحياء “محور المقاومة” الإقليمى من منطلق أنها نفسها قد تعرضت لهجوم مباشر على أراضيها، وأن ما تعرضت له من خسائر سيؤخر دورها فى دعم هذا المحور ومن ثم ستتراجع قدرتها العسكرية والمادية (وليس رغبتها) على إحياء هذا المحور مجددًا، فضلًا عن أن حسابات الداخل بالنسبة للجماعات المنضوية فى المحور باتت تفرض نفسها بقوة على طموحات تفاعلاتها الخارجية. ومن المرجح القول بأن إيران باتت غير قادرة حاليًا على إعادة الزخم لمحورها الإقليمى – وإن كان بصورة مؤقتة – حيث ستنشغل لفترة بترميم خسائرها الداخلية لاسيما حالة الاختراق الأمنى والاستخباراتى التى تعرضت لها من قبل إسرائيل، فضلًا…

تابع القراءة

اكتمال سد النهضة: حين تُوَجَّه الدعوة من أديس أبابا وتُكْتَب الهزيمة في القاهرة

في مشهد يعكس حجم التراجع الإقليمي لمصر، أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، في 3 يوليو 2025، اكتمال بناء سد النهضة الكبير، موجّهًا دعوة رسمية إلى مصر والسودان لحضور حفل الافتتاح المزمع في سبتمبر المقبل. هذه الخطوة – رغم ما تحمله ظاهريًا من طابع دبلوماسي – تأتي كذروة مسار سياسي مائي فاشل، كرّسته الإدارة المصرية الحالية منذ توقيع “اتفاق المبادئ” الكارثي في 2015، الذي منح أديس أبابا للمرة الأولى اعترافًا قانونيًا بحقها في بناء السد دون أي ضمانات مُلزمة لحقوق مصر التاريخية في مياه النيل. لقد تحوّلت مصر من دولة مقررة إلى طرف مُستدرَج لحفلاتٍ تدشينية تأتي تتويجًا لهزيمتها الاستراتيجية في ملفٍ وجودي. من توقيع الخراب إلى لحظة الإذلال: كيف فتحت السلطة المصرية الباب للسد؟ يُجمع أغلب خبراء المياه والقانون الدولي أن الجريمة السياسية الكبرى لم تكن في بناء السد، بل في منح الشرعية له عبر توقيع اتفاق 2015. هذا الاتفاق – الذي وقّعه السيسي شخصيًا – أسقط صفة “الاعتداء غير المشروع” عن السد، واعتبره مشروعًا قوميًا إثيوبيًا يستحق الاعتراف والتعاون، دون اشتراط توقيع اتفاق ملزم بشأن سنوات الملء أو قواعد التشغيل. بل إن أخطر بنوده كان التعهد بـ”عدم الإضرار”، وهو بند غامض يسمح بتأويلات فضفاضة، ويضع العبء الإثباتي على مصر، لا على إثيوبيا. وبذلك، انتقل الملف من كونه خرقًا إثيوبيًا لحقوق مصر، إلى كونه خلافًا فنيًا قابلًا للحل، وهو ما استغلته أديس أبابا لاحقًا في جميع المحافل الدولية، لتبدو “متعاونة”، في حين ظهرت القاهرة بمظهر الطرف المراوغ. ولم تكن كارثة الاتفاق سوى تتويج لمسار أوسع من سوء الإدارة. فمنذ 2013، أفرغ النظام المصري المؤسسات الفنية من الكفاءات المستقلة، وأحلّ محلها دوائر أمنية ومكاتب ملحقة بالرئاسة، ما أدى إلى تهميش وزارة الري وتفريغ الهيئة العامة لمشروعات المياه من دورها. وتمت هندسة الملف سياسيًا لا علميًا، على نحو سمح بتوقيع اتفاق بلا دراسات، وبلا مداولات عامة، وبلا مساءلة برلمانية. لقد قرّر الجنرال توقيع الاتفاق كما يُوقّع أمرًا عسكريًا، ففتح بذلك الباب لحصار مصر مائيًا دون طلقة واحدة. الدعوة الإثيوبية: رسالة إذلال أكثر منها دبلوماسية دعوة آبي أحمد لمصر والسودان لحضور حفل الافتتاح ليست إلا تكتيكًا لإحكام قفل “مشروع السد” سياسيًا، وتثبيت الهيمنة الإثيوبية عبر مشهد احتفالي يُصور أديس أبابا كقوة تنموية صاعدة، والقاهرة كدولة فاشلة تُستدرج لتصفق لمن حاصرها. الخطاب الإثيوبي – المتكرر حول “فرص التنمية المشتركة” – لا يمكن فصله عن الواقع: أربعة ملءات تمت دون اتفاق، رفض متكرر لتقديم بيانات التشغيل، تقارير تؤكد التخزين في فترات الجفاف، وتعنت في إدماج أي آلية إنذار مبكر تُفيد مصر أو السودان. بل إن أديس أبابا تمادت في التهديد بإدارة مياه النيل باعتبارها “سلعة سيادية”، ملوّحة بفكرة تسعير المياه أو بيع الكهرباء بشرط الخضوع السياسي، وكل هذا بفضل توقيع السلطة المصرية على اتفاق منحها الأرضية القانونية. انهيار المنظومة المائية والزراعية: نتائج حتمية لفشل سياسي الخطر المائي الذي يتهدد مصر لم يعد سيناريو مستقبليًا بل واقعًا معاشًا. فبحسب تقرير للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء (2024)، تراجعت حصة المواطن المصري من المياه إلى 540 مترًا مكعبًا سنويًا، مع توقع نزولها تحت خط الفقر المائي (500 م³) خلال عامين. وتشير بيانات رسمية إلى انخفاض منسوب بحيرة ناصر بمقدار 11 مترًا منذ بدء أول ملء لسد النهضة، ما أثّر مباشرة على كفاءة السد العالي وأدى إلى تقليص عدد أيام الري في محافظات الدلتا. كما تكشف تقارير صادرة عن وزارة الزراعة عن فقدان أكثر من 800 ألف فدان من المساحة المزروعة، بسبب نقص مياه الري، وارتفاع نسبة الملوحة في شمال الدلتا. وعوضًا عن معالجة الأزمة بخطط استراتيجية، لجأت الحكومة إلى مشاريع تحلية وصرف مكلفة، لا تُدار بشفافية، وممولة عبر قروض أجنبية، ما زاد من أعباء الدين العام. ومن المفارقات أن النظام العسكري الذي برر توقيعه الاتفاق بـ”ضمان السلم الإقليمي” يجد نفسه اليوم في مأزق تمويلي وأمني، مع ارتفاع تكلفة استيراد الغذاء، وانهيار قيمة الجنيه، وتنامي الغضب الشعبي في الأقاليم الزراعية. السودان: المراقب المتضرر في مشهد التواطؤ الإقليمي أما السودان، فقد دفع ثمناً مزدوجًا: التهميش المائي والانكشاف السياسي. فبعد أن غلبت عليه نغمة الحياد في بدايات الأزمة، فوجئ خلال الملء الأول والثاني بانخفاض مفاجئ في تصريف المياه، مما أدى إلى توقف محطات مياه الشرب في الخرطوم، وتدمير المحاصيل في النيل الأزرق. ولم تفلح محاولاته اللاحقة في فرض آلية لتبادل المعلومات، خاصة مع غياب سلطة مركزية موحدة بعد انقلاب 2021. وأصبح السودان اليوم في وضع تابع؛ يتحكم جاره الشرقي في تدفقات النيل، بينما تُفرَض عليه تبعات القرارات الإثيوبية دون أن يمتلك قدرة الرد أو التأثير. الختام: حين تدفع الشعوب ثمن هندسة السلطة إن اكتمال بناء سد النهضة لا يمثل فقط فشلًا تفاوضيًا أو هزيمة دبلوماسية، بل نتيجة حتمية لنظام انقلابي قام على تصفية الكفاءات، وتحويل ملفات الدولة إلى صفقات سياسية داخل غرف مغلقة. لقد أدارت السلطة المصرية أخطر ملف وجودي بعقل أمني، فوقّعت دون شروط، وتفاوضت دون أدوات، وأدارت الأزمة بمنطق التبرير لا الحل. واليوم، لا يمكن الحديث عن “خسارة معركة السد” دون تحميل النظام القائم المسؤولية السياسية والأخلاقية الكاملة. والمطلوب ليس مجرد نقد فني، بل مساءلة شاملة لمن منح الخصم مفاتيح النهر، ثم جاء يخطب في الناس عن الصمود.

تابع القراءة

تداعيات الحرب بين إسرائيل وإيران علي مصر

شنت “إسرائيل”، في 13 يونيو 2025، هجومًا عسكريًا جويًا واستخباراتيًا علي إيران تحت مسمي “الأسد الصاعد”، استهدفت خلالها المواقع النووية والقيادات العسكرية والعلماء النوويين والبنية الصاروخية. فيما ردت إيران بقذف “إسرائيل” بالصواريخ الباليستية والفرط صوتية تحت مسمي “عملية الوعد الصادق 3”. ومع استمرار المواجهات، قامت الولايات المتحدة، في 22 يونيو 2025، بشن هجوم على ثلاثة مواقع نووية في إيران، هي فوردو ونطنز وأصفهان. وفي 24 يونيو 2025، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن اتفاق تام بين إسرائيل وإيران على وقف إطلاق نار كامل وشامل، وذلك بعد هجوم إيران على قاعدة العديد في قطر. وقد كان لهذه الحرب التي اصطلح علي تسميتها بحرب الـ “12 يوم” تداعيات كبيرة علي مصر، اقصاديًا وسياسيًا وأمنيًا. أولًا: التداعيات الاقتصادية:  قال المتحدث الرسمي باسم رئاسة مجلس الوزراء المصري، محمد الحمصاني، أن رئيس مجلس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، أصدر قرارًا، في 16 يونيو 2025، بتشكيل “لجنة أزمات” عليا لمتابعة التطورات المتسارعة في المنطقة، في ظل التصعيد العسكري بين إيران و”إسرائيل”، وذلك بهدف تعزيز الاستعدادات الحكومية للسيناريوهات المحتملة كافة. وأوضح الحمصاني أن “اللجنة التي يترأسها مدبولي تضم عددًا من كبار المسؤولين وصناع القرار في الدولة، بينهم محافظ البنك المركزي، ووزراء الصناعة، والتخطيط، والتعاون الدولي، والكهرباء، والمالية، والتموين، والبترول، إلى جانب ممثلين عن وزارتي الدفاع والداخلية، وجهازي المخابرات العامة والرقابة الإدارية”. وأضاف أن “رئيس الوزراء سيعقد اجتماعات دورية مع اللجنة لمتابعة تطورات الوضع”، مؤكدًا أن “هناك تكثيفًا في الاجتماعات مع اللجان الاستشارية لمناقشة انعكاسات التصعيد الإقليمي على الاقتصاد المصري، وأمن الطاقة، والتوريد، والاستعدادات الأمنية، في إطار رؤية استباقية للتعامل مع أي تداعيات مباشرة أو غير مباشرة” وفق تعبيره. وكانت للحرب بين إسرائيل وإيران تداعيات اقتصادية سلبية علي مصر، تمثلت في: 1- ارتفاع أسعار النفط: يأتي النفط في مقدمة السلع التي تتأثر بالاضطرابات الجيوسياسية، وكانت الحكومة المصرية تخشي من ارتفاع أسعار النفط عالميًا (ارتفع النفط بحوالي 7% دفعة واحدة)، مما يؤدي إلى زيادة فاتورة الواردات لمصر من الطاقة، وارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل محليًا. كما أن ارتفاع أسعار النفط الدولية سوف يضغط على الموازنة العامة التي تحدد متوسط سعر البرميل عند 74 دولارًا، في حين أن المؤشرات قد تجعله يتجاوز 80 دولارًا للبرميل وأكثر في حال إطالة أمد الحرب. وكان من المتوقع أن يدفع ارتفاع أسعار النفط إلي انعقاد لجنة التسعير التلقائي التي تنعقد كل ثلاثة أشهر لزيادة أسعار الوقود، في حين أن الحكومة قدمت وعودًا بعدم زيادة أسعار البنزين والسولار حتى نهاية هذا العام. 2- توقف إمدادات الغاز: ترتبط الحكومتان المصرية والإسرائيلية باتفاق رسمي موقع في 18 فبراير 2018، بين مجموعة “دلك” الإسرائيلية وشركة “دولفينوس” المصرية، بقيمة 15 مليار دولار لبيع 7.2 بليون متر مكعب من الغاز الطبيعي سنويًا، لمدة 15 عامًا. منذ ذلك الحين تعتمد مصر على الغاز المستخرج من الأراضي الفلسطينية المحتلة لتلبية ما بين 15 إلى 20 بالمئة من استهلاكها، وما بين 40 إلى 60% من إجمالي الإمدادات المستوردة إلى مصر. لكنه منذ بدء حرب الإبادة الدموية الإسرائيلية على 2.3 مليون فلسطيني في قطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023، شهدت الإمدادات الإسرائيلية من الغاز لمصر 4 انقطاعات متتابعة؛ فمع عملية “طوفان الأقصى”، أغلقت إسرائيل حقل غاز “تمارا” لأسباب أمنية، لتنخفض واردات مصر بنسبة 51 بالمئة إلى 357 مليون قدم مكعب يوميًا، من نحو 850 مليون قدم مكعب يوميًا. وفي مايو 2025، أوقف الاحتلال الإسرائيلي ضخ الغاز من حقل “ليفياثان” مدة 10 أيام بدعوى أعمال الصيانة مما أدى إلى تفاقم عجز الغاز الطبيعي في مصر، واضطرت حكومتها إلى قطع إمدادات الغاز عن بعض الأنشطة الصناعية كثيفة الاستهلاك. ومع بدء الضربات العسكرية الإسرائيلية على إيران في 13 يونيو 2025، أوقفت إسرائيل ضخ الغاز من حقلي “ليفياثان” و”كاريش”، ما فاقم النقص الحاد في إمدادات الغاز لدى مصر، التي واصلت قطع إمدادات الغاز عن مصانع الأسمدة وتحويل محطات الكهرباء للعمل بالديزل. بعد 5 أيام من هذا التوقف وتحديدًا في 18 يونيو 2025، أعادت إسرائيل ضخ كميات محدودة من الغاز من حقل (تمارا) فقط، الأمر الذي استمر نحو 4 أيام فقط لتعاود تل أبيب منع إمدادات الغاز. وفي 22 يونيو 2025، أوقف الاحتلال الإسرائيلي ضخ الغاز للمرة الرابعة إلى مصر، دون إخطار مسبق، بالتزامن مع الضربة العسكرية الأمريكية ضد إيران، زاعمة أن حقل “ليفياثان” لم يُعاد تشغيله بالكامل. هذه الانقطاعات المتكررة لها تأثيرات سلبية مباشرة على الاقتصاد المصري، منها تقليص توريد الغاز لمصانع كثيفة الاستهلاك مثل الأسمدة والبتروكيماويات، وزيادة ساعات تخفيف الأحمال وانقطاع التيار الكهربائي عن المنازل. مما يجعل وزارة الكهرباء تضطر لتشغيل محطات الكهرباء بوقود بديل عن الغاز الطبيعي مثل المازوت والديزل، وهما أكثر تكلفة وأقل كفاءة ويساهمان في تلوث البيئة. فضلًا عن اضطرار القاهرة لاستيراد الغاز الطبيعي المسال من الأسواق العالمية بأسعار أعلى. كما أن تلك الضغوط دفعت بمصر إلى اللجوء إلى تأجير 6 وحدات تغويز عملاقة من ألمانيا وأمريكا وتركيا وقبرص لاستقبال الغاز المستور وإعادة ضخه إلى الشبكة القومية للغاز، ما يتطلب دفع مبالغ مالية ضخمة. وهي الإجراءات التي تضغط على احتياطيات مصر من العملة الصعبة وتزيد من فاتورة الواردات، وتؤثر سلبًا على سعر صرف الجنيه المصري الذي يشهد انخفاضًا مع بداية المواجهات العسكرية الإسرائيلية الإيرانية. ذلك الوضع دفع كثيرون للتساؤل حول رد الفعل المصري تجاه خرق إسرائيل اتفاقية تصدير الغاز الموقعة بينهما عام 2018، والإجراء القانوني الذي يجب أن تتبعه الحكومة المصرية. وهل ستقدم حكومة القاهرة على تقديم شكوى ضد حكومة تل أبيب في “غرفة التجارة الدولية” بالعاصمة الفرنسية باريس، كما فعلت إسرائيل مع مصر عقب تفجير خط الغاز بينهما المار في سيناء (خط أنابيب نقل الغاز بين عسقلان والعريش) وتوقف الإمدادات المصرية إلى الاحتلال في عام 2011، والحكم لـ”إسرائيل” في عام 2015 بتعويضات 1.76 مليار دولار. وبينما تتحدث تقارير عن وصول تدفقات من الغاز الإسرائيلي إلى الشبكة القومية في مصر بقدرات مبدئية 650 إلى 750 مليون قدم مكعب يوميًا اعتبارًا من بداية شهر يوليو 2025، وصولًا لمعدلات توريد الغاز إلى مليار قدم مكعب يوميًا خلال الفترة المقبلة من حقلي تمار وليفياثان. فقد تفاجأ المصريون بتلميح تقارير اقتصادية إسرائيلية إلى احتمال رفع تل أبيب سعر المتر المكعب من الغاز الذي تورده لمصر، مستغلة فترات دخول فصل الصيف وانقطاع الكهرباء، وتراجع إنتاج مصر من الغاز. ففي حين يبلغ سعر المليون وحدة حرارية من الغاز الإسرائيلي لمصر حوالي 6.7 دولارات، حسب صفقة الاستيراد الأولى، بقيمة 15 مليار دولار لـ 64 مليار متر مكعب، فإن “تل أبيب” طلبت زيادة السعر بنسبة 25% في الصفقات الحالية، ما يعني رفع السعر إلى حوالي 9.4 دولارات لكل مليون وحدة حرارية. 3- ارتفاع تأمين النقل البحري: دفعت الحرب بين إسرائيل وإيران نحو زيادة…

تابع القراءة

الحرب بين إسرائيل وإيران: السياقات والآفاق

أطلقت إسرائيل فجر الجمعة، 13 يونيو 2025، عملية عسكرية كبيرة ضد إيران تحت اسم “الأسد الناهض” شاركت فيها أكثر من 200 طائرة حربية، بما في ذلك مقاتلات “إف-35”. وقد أسفر الهجوم الذي برز فيه التفوق الاستخباري والتكنولوجي الإسرائيلي (والأميركي بطبيعة الحال) خلال اليوم الأول عن اغتيال نحو عشرين من كبار ضباط الحرس الثوري والقوات المسلحة الإيرانية، بمن فيهم قائد الحرس الثوري حسين سلامي، ورئيس هيئة أركان الجيش محمد باقري، وتسعة علماء نوويين. كما استهدف الهجوم مواقع البرنامج النووي الإيراني في نطنز (أصفهان) وفوردو (قم) وبارشين (شرق طهران) وآراك (غرب وسط البلاد)، فضلًا عن مراكز تصنيع الصواريخ البالستية وقواعد إطلاقها، ومنشآت إنتاج الطائرات المسيرة. وفي المقابل، ردت إيران بإطلاق عملية “الوعد الصادق 3″، حيث أطلقت أكثر من 150 صاروخًا بالستيًا وأكثر من 100 طائرة مسيرة في اتجاه إسرائيل تمكن العديد منها من تجاوز المنظومات الدفاعية الإسرائيلية والأميركية، التي شاركت في محاولات صد الهجوم الإيراني، وأصابت مناطق مختلفة من إسرائيل، بما فيها حيفا وتل أبيب. ورغم التعتيم والرقابة الأمنية المشددة من الجانب الإسرائيلي حول المواقع المستهدفة، تفيد بيانات الحرس الثوري ووسائل إعلام دولية، ومقاطع فيديو وشهادات نشطاء، بأن الضربات الإيرانية طالت مواقع حساسة وعميقة داخل إسرائيل مثل وزارة الدفاع الإسرائيلية، ومصافي النفط في حيفا، ومعهد وايزمان للعلوم. كما استهدف الهجوم الإيراني مدن وأحياء عدة مثل قيسارية ورمات غان وبيتاح تكفا وريشون لتسيون وبني براك وبيت يام، خلف أضرارًا جسيمة في المباني والمركبات. أولًا: سياقات الحرب بين إسرائيل وإيران: جعل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، منذ عودته إلى الحكم عام 2009، تدمير البرنامج النووي الإيراني هدفًا رئيسًا لكل الحكومات التي شكلها، سواء من خلال عمليات أمنية تخريبية، أو عبر استهداف العلماء النوويين الإيرانيين بالاغتيال. وفي هذا السياق، عارض أي تسوية سلمية لملف إيران النووي، ووقف بقوة ضد اتفاق عام 2015 الذي أبرمته إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، والذي عُرف رسميًا باسم “خطة العمل الشاملة المشتركة”، وسعى لإجهاضه، وهو ما حصل عندما قرر الرئيس ترمب الانسحاب منه في مايو 2018 وأعاد فرض العقوبات الاقتصادية على إيران في إطار سياسة عُرفت إعلاميًا بسياسة “الضغوط القصوى” التي استهدفت دفعها إلى القبول باتفاق جديد أكثر تشددًا في مراقبة نشاطاتها النووية. وفي العام نفسه، تمكنت إسرائيل من سرقة أرشيف البرنامج النووي الإيراني، وعرضت أجزاء منه للعلن. ونجحت في نوفمبر 2020 في اغتيال محسن فخري زاده، الذي تعده إيران بمنزلة “أب” لبرنامجها النووي. وقد ساهمت مجموعة من العوامل في تهيئة الشروط الملائمة لاتخاذ إسرائيل قرار شن حرب علي إيران، والحصول على موافقة الإدارة الأميركية في هذا الشأن، وكان أهمها فقدان إيران العديد من عناصر القوة التي كانت لديها، وذلك من خلال حدوث تطورات متسارعة؛ بعضها نتيجة لعمل إسرائيلي أو استغلال لوضع ما بعد عملية “طوفان الأقصى” في أكتوبر 2023، وأبرزها ما يلي: ثانيًا: آفاق الحرب بين إسرائيل وإيران: القراءة الأولية لتطورات المشهد الملتهب منذ فجر الجمعة 13 يونيو 2025 تشير إلى أن ما يحدث بين إسرائيل وإيران حاليًا ليس مجرد جولة في صراع ثنائي مسلح، بل هو أقرب إلي الحرب الشاملة. وبطبيعة الحال فإن المواجهة الإيرانية الإسرائيلية الراهنة ليست حربًا مفتوحة بلا سقف زمني، إذ أنها محكومة بمحددات خمسة ترسم بشكل كبير ملامحها وإلى أي مدى يمكن الوصول إليه، ومن ثم استشراف مآلاتها المستقبلية. 1- القدرات العسكرية: تمثل القوة العسكرية العامل الأبرز الذي يحدد مصير أي معركة مسلحة، وفي الحالة الراهنة يتمتع طرفا المواجهة بإمكانيات وقدرات عسكرية كبيرة، إذ يصنف الجيش الإيراني في المرتبة الـ14 عالميًا بين أقوى الجيوش بينما يحتل الجيش الإسرائيلي المرتبة 17، وفقًا لعدد من المؤشرات التي تشمل عدد الأفراد والعتاد العسكري من آليات وطائرات وسفن حربية. وبعيدًا عن لغة الأرقام الخاصة بالإمكانيات العسكرية لكل طرف، فإن لكل منهما نقطة قوة يتميز بها، فعلى الجانب الإيراني مثلًا لديه تفوق كاسح في القوة الصاروخية، حيث تمتلك طهران صواريخ فرط صوتية تعرف باسم “فتاح-1” و”فتاح-2″، التي يصل مداها إلى 1500 كيلو متر، كما تمتلك صاروخ “قادر” وصاروخ “خيبر”. وتُقدر الترسانة الصاروخية الإيرانية بأكثر من 3000 صاروخ باليستي يصل مداها لنحو 2000 كيلو متر، أبرزها صواريخ “سجيل” و”خورمشهر”، هذا بخلاف صواريخ كروز التي يصل مداها إلى 1350 كيلو مترًا. كما تتفوق طهران في مجال الطائرات بدون طيار (المسيرات). أما على الجانب الإسرائيلي فهناك طفرة كبيرة في مجال الطائرات المقاتلة، والبون شاسع بين تل أبيب وطهران في امتلاك هذا السلاح سواء من حيث النوع أو القدرة القتالية، حيث تمتلك إسرائيل عددًا من الطائرات ذات الطرازات المتطورة والبعيدة تمامًا عن أيدي الإيرانيين أبرزها F 35I ، F 16I. علاوة على هذا هناك “Boeing 707 Re’em” وهي النسخة المعدلة من”Boeing 707″، والمخصصة للتزود الجوي بالوقود. 2- مستوى الإمداد والتموين: تتمتع إسرائيل بخطوط إمداد وتموين مفتوحة على مدار الساعة، حيث الدعم الأمريكي والغربي الذي لا يتوقف، وإن لم يعلن عنه بشكل صريح، لكن في الوقت ذاته لا يمكن تجاهله، وهو الدعم المنوع ما بين عسكري ولوجيستي واستخباراتي، فضلًا عن الغطاء السياسي والاقتصادي والإعلامي الذي يوفره المعسكر الغربي لحليفه الإسرائيلي. هذا الدعم يشكل حاضنة قوية من الأمان لدى جيش الاحتلال تمنحه الأريحية في تكثيف عملياته ضد الأهداف الإيرانية، وفي ذات الوقت يعفي حكومة نتنياهو من ورطة المقاربة الخاصة بالدخول في حرب على أكثر من جبهة في نفس الوقت، إيران واليمن وغزة، الأمر الذي يمكن النظر إليه كعامل قوة وربما حسم في مستقبل المواجهات الطويلة. وفي المقابل تعاني طهران من فقدان أو ندرة هذا المقوم، فبعيدًا عن التصريحات الصادرة عن باكستان وأفغانستان بشأن تقديم أوجه عدة من الدعم السياسي والعسكري لإيران لكنه الدعم – إذا ما ثبت فعليًا- الذي لا يلبي احتياجات الجيش الإيراني الفعلية في مواجهة كيان مدعوم من أقوى امبراطوريات الأرض اقتصاديًا وعسكريًا.  3- مستوى وحجم الخسائر: بعيدًا عن المعايير التقليدية والحسابات العسكرية المتعارف عليها بشأن تقييم الخسائر في مثل تلك المواجهات، فإن للمواجهة الإيرانية الإسرائيلية طابع خاص، يعيد تشكيل أولويات الخسائر تبعًا لكل طرف ووفقًا لبعض الاعتبارات التي قد تزيد من وقع خسارة هنا وتقلل من ذات الخسارة على الجانب الأخر والعكس. على الجانب الإيراني فإن الخسارة الأكبر تتمثل في استهداف العلماء وضرب القواعد النووية وقصف المنصات وقواعد الارتكاز الصاروخي والدفاعات الجوية، هذا بخلاف وضع المصانع العسكرية في مرمى النيران الإسرائيلية، علاوة على تدمير البنية النفطية من خلال نسف محطات الوقود وغيرها، وما لكل ذلك من إرهاق للاقتصاد الإيراني المنهك بطبيعة الحال. أما على المستوى الإسرائيلي فإن ضرب الجبهة الداخلية عبر زعزعة الأمن والاستقرار وتدمير نظرية الردع وتحويل تل أبيب وحيفا إلى مناطق أشباح، هي الخسارة الأكثر فداحة، فالمشاهد المتناقلة لحجم الخراب والدمار الذي حل بتلك المدن لم يعرفها الإسرائيليون…

تابع القراءة

الموقف التاريخي المصري تجاه غزة ومعبر رفح

منذ سنوات طويلة يُشكّل القطاع المحاصر لأهل غزة وحاجتهم إلى معبر رفح مصدر حساسية لدى النظام المصري. ففي أعقاب سيطرة حركة حماس على غزة عام 2007 حَجَرَتْ القاهرة المعبر تمامًا بالتنسيق مع إسرائيل بذريعة منع تسلل مسلحي الحركة وانتشار الإرهاب في سيناء وعلى مدى العقدين الماضيين تعاقبت مراحل: فتح رمزي بسياسات مرسي (2012–2013) ثم إغلاق كامل شديد تحت حكم السيسي بعد 2013. لقد صدّرت مصر مع حبيبها الإسرائيلي رواية «المخاوف الأمنية» حتى جعلت قطاع غزة «سجنًا مفتوحًا» لا يسمح إلا بدخول القليل من المساعدات عبر معابر إسرائيلية  وفي الوقت نفسه تكرر القاهرة شعارات «الدعم الثابت للفلسطينيين» في بيانات رسمية، لكنها عمليا تتبع سياسة تضييق على غزة. فقد كشفت مصادر حقوقية أن نظام السيسي «أصبح شريكًا رئيسًا في إغلاق المعبر منذ 2007» وسعى لجني أرباح من الأزمة عبر رفع رسوماً باهظة لتصاريح الخروج والدخول. و بحسب تحقيقات إعلامية، كان المعبر “يفتح فقط للموتى” تقريبًا – إذ عمد ضباط أمن مصريون إلى إعادة 25 ألف حالة إنسانية طلبت العبور من غزة قبل بداية الحرب الحالية، من دون موعد معلوم. إجراءات السلطات المصرية تجاه «الصمود» و«مسيرة الحرية» خلال الفترة المذكورة (9–14 يونيو 2025) تبنّت أجهزة الأمن والسلطات المصرية سياسة صارمة تجاه قافلتي التضامن.  فمن الجانب الإداري أُعلن رسميا وجوب الحصول على موافقات مسبقة صارمة لدخول المنطقة الحدودية (العريش ورفح)، وإتمام أي زيارة ضمن “الإجراءات المتّبعة منذ بدء الحرب”. وأوضحت الخارجية المصرية أن أي طلب خارج هذه الضوابط «لن يُؤخذ بعين الاعتبار».  عمليًا، صعّدت الأجهزة الأمنية الأساليب القمعية: استُهدف النشطاء فور وصولهم للقاهرة؛ فقد انتشرت قوّات الأمن (وبرعاة بزي مدني يُرجّح أنهم من البلطجية) في فنادق المطار ومدن القناة لاعتقالهم ومصادرة أمتعتهم وجوازاتهم وجرى احتجاز وترحيل عشرات النشطاء من دون أسباب قانونية واضحة.  مثلاً وثّق ناشطون تعرض سيدات عربيات لأعمال عنف واعتقال تعسفي رغم حصولهن على تأشيرات شرعية  على مداخل سيناء نشرت الشرطة «حواجز» لمنع وصول القافلة إلى رفح، وأطلق مواطنون مسلحون وبلطجية مأجورون يدعمهم النظام هجومًا على المشاركين قرب الإسماعيلية وبذلك أغلقت مصر الباب أمام أي محاولة فك عزلة غزة برا. هذه الإجراءات الإدارية والأمنية أثّرت عمليًا على سير القافلتين: فقد مُنع كثير من المشاركين من مواصلة التوجه باتجاه معبر رفح أو حتى دخول سيناء، بالرغم من إعلان المنظمين احترامهم للإجراءات الرسمية وعدم نيّتهم اختراق الحدود دون موافقة البعد الإقليمي والدولي للموقف المصري لم يكن الموقف المصري منعزلاً عن توازنات إقليمية؛ فقد برزت شراكة واضحة مع الضغوط الإسرائيلية والأميركية. مثلاً حثّ وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس علناً مصر على منع أي «مسيرة» أو قافلة لكسر الحصار، ووصَم المشاركين بأنهم «جهاديون» يهددون «النظام المصري وسائر الأنظمة العربية المعتدلة».  هذه الدعوات علنية، وتكشف عن انسجام الموقف المصري مع التحذيرات الإسرائيلية. كما أشارت تقارير إلى ضغوط غربية (نُقلت عنه أن فرنسا والولايات المتحدة تواصلا مع مصر بشأن مواطنيها المعتقلين)، واعتراف دبلوماسي فرنسي بأن «تأمين الحماية القنصلية» لمواطنيه حظي بتفاهم مع القاهرة.  وفي المقابل تؤكد القاهرة تمسكها بورواية أنها ضحية فرض الحصار. ففي بياناتها الرسمية شدّدت مصر على «تثمين دعم الصمود الفلسطيني» ومعارضة «التجويع الإسرائيلي»، كما كرّرت أن جانبها من معبر رفح «مفتوح وجاهز» وأن المنع هو نتيجة سيطرة إسرائيل على الجانب الآخر.  باختصار، الموقف المصري رسميًا يحرّض على الضغط على إسرائيل وليس على فتح الحدود، لكنه عمليًا ينفذ ما تشي به إرشادات البلدين الحليفين (أمريكا وإسرائيل) للحفاظ على «الأمن القومي المصري» على حد زعمهم. خطاب الإعلام الرسمي المصري والتناقض بينه وبين الواقع رسميا، تكرّر السلطات الكبرى المواقف التقليدية: تستقبل صحيفة «الأهرام» بيانات الخارجية بعبارات تضامن، وتردد الفضائيات المقربة من السلطة عبارات «الثبات مع غزة». على سبيل المثال، خرج الناطق الرسمي ليعلن: «نرحب بالمواقف الداعمة لغزة» و«نؤكد ضرورة الضغط على إسرائيل لرفع الحصار».  ومع ذلك فإن الإعلام الموالي كشف التناقض الفج. فرجال النظام مثل الإعلامي أحمد موسى وصحف موالية وصفت القافلة بأنها «فخ إعلامي يحرج مصر»، بل شككت في نوايا المشاركين وسعت لدفع الرأي العام المصري ضدهم.  المفارقة هنا أن المتحدثين الرسميين يذرفون دموع التنديد بإسرائيل، بينما شقيقاتهم السرية من الأمن تفعّل أعمال العنف ضد متضامنين سلميين.  فبينما طالبت القاهرة علنًا «وقف الحرب» و«تيسير دخول المساعدات»، بيّنت الوقائع أنها منعت أي قافلة محمّلة بأي مساعدة حرة.  هذا الشعار الرنان (دعم صمود الفلسطينيين) يتناقض مع الممارسة (إجراءات قمعية وعرقلة الدعم). وحتى خطوة النشطاء وندائهم المستمر – ذكرًا وإسلامًا (وفق تصريحاتهم) – بمنحهم تصاريح قبل المجازفة بكسر الحصار لم تُلقَ آذانا صاغية مقارنة بالمواقف العربية والدولية الأخرى لم يستجِب أي نظام عربي بشكل حقيقي لهذه المبادرات التضامنية. ففي الجوار المغاربي أُطلقت «قوافل الصمود» من تونس والجزائر وليبيا والمغرب، ولاقت شعبيّة وحماسًا واسعَيْن عند إطلاقه  إلا أن المواقف الرسمية كانت متفاوتة: فقد رحّب الغرب الليبي بالقافلة ووفّر لها الدعم اللوجستي في طرابلس ومصراتة، بينما قضّى شرق ليبيا على مشروعها فجأة وأسْقَطها قسريًا عند بوابة سرت بزعم «عدم وجود إذن»  تونس والجزائر أعلنتا دعمًا ضمنيًا عبر السماح بانطلاق القوافل من أراضيهما، والمغرب سمح بمشاركة مواطنين مغاربة فيها. أما الدول العربية الكبرى (السعودية، والإمارات، والأردن، وغيرها) فإن كل ما صدر عنها هو بيانات عامة تندّد بما يجري في غزة، دون أن تبادر إلى فتح معبر أو تنظيم دعم فعلي؛ فالخطابات الرسمية اكتفت بمطالبة المجتمع الدولي بوقف الحرب.  والأكثر من ذلك، اتخذت الدول المطبعة مع إسرائيل موقف الحياد الفعلي: فمثلًا اعتبر وزير إسرائيلي المشاركين «أعداء للأنظمة العربية» ولا وجود لدولة عربية تجرؤ على المخاطرة بقرار كهذا ضد إسرائيل أو ضغوطها على مصر. باختصار، تميّز المنطق العربي السائد بعدم المساس بما تُقرّه القاهرة، حتى إذا كان يعني التضحية بالإنسانيّات الفلسطينية. الأبعاد الإنسانية والسياسية لرفض الدعم إن منع مصر لهذه القوافل لم يكن مسألة إجراءات أمنية بحتة؛ بل له تداعيات إنسانية وسياسية مأساوية.  إن قطاع غزة اليوم على شفا مجاعة محققة فكثير من الناس يواجهون خطر الموت جوعاً. وقد أكدت منظمات أممية أن نحو نصف سكان القطاع يواجهون «مجاعات محدقة» إن لم يُرَد الحصار والأزمات  وهنا تأتي المبادرات الشعبية لإيصال مساعدات وأصوات صرخات المدنيين خارج إطار السياسة؛ فرفضها يعمّق مأساة غزة ويحاسب ضمائرنا.  من الجانب السياسي، تكشف سياسات القاهرة الرديفة للموقف الإسرائيلي مخططًا أخطر: إذ تؤكد أن القيادة المصرية تختار مصالحها الاستراتيجية (التنسيق الأمني مع واشنطن وتل أبيب) على حساب التضامن العربي والإنساني.  فبحسب شهادات عناصر معنية، كان الهدف الحقيقي لقمع القافلتين ليس حماية مصر بل حماية اتفاقية السلام مع إسرائيل واستمرارها في نهج «حفظ التوازن»  بل إنّ التقارير كشفت عن استغلالٍ مادي للمعركة: فقد اتهم قادة فلسطينيون ورجال أعمال مقربون من النظام المصري بفرض «فدية» تصل إلى عشرة آلاف دولار لكل فلسطيني يرغب…

تابع القراءة

تصاعد الانتقادات الأوروبية ضد إسرائيل: الدوافع والتداعيات

تشهد المواقف الأوروبية من الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023 تحولًا تدريجيًا يتجاوز بيانات التنديد الشكلية، ليمتد إلى إجراءات سياسية ودبلوماسية واقتصادية أكثر وضوحًا، مثل مراجعة اتفاقيات الشراكة التجارية، وتجميد التعاون العسكري، والاعتراف المحتمل بالدولة الفلسطينية. ويأتي هذا التحول بعد شهور من الدعم المباشر أو الصمت الغربيين حيال واحدة من أبشع الجرائم الجماعية في التاريخ الحديث، والتي تنطبق عليها كل معايير “الإبادة الجماعية” وفق تقارير أممية ومنظمات حقوقية بارزة1. أولًا: مظاهر تصاعد الانتقادات الأوروبية ضد إسرائيل: في أعقاب هجوم 7 أكتوبر 2023، حشدت الدول الأوروبية وبريطانيا دعماً قوياً لإسرائيل، وسُوغ ذلك بـ “حق إسرائيل غير المشروط في الدفاع عن نفسها”، وانعكس هذا الدعم في شكل زياراتٍ متوالية إلى إسرائيل قام بها أغلب القادة الأوروبيين ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيسة البرلمان الأوروبي روبرتا مازولا، فضلًا عن تدفقات السلاح وإرسال قوات عسكرية إلى شرق البحر الأبيض المتوسط لدعم إسرائيل، بالإضافة إلى الدعم القوي في مجلس الأمن من طريق الوقوف ضد أي وقفٍ لإطلاق النار. واللافت أن الأوروبيين في ذلك الوقت قد أيَّدوا بقوة السردية الإسرائيلية التي تختصر الصراع في مجرد حربٍ على الإرهاب، مع القفز على حقائق تعقيد هذا الصراع الممتد منذ ثمانية عقود. وقد اقترح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في ذلك الوقت، وفي خلال زيارة لإسرائيل، فكرة تشكيل تحالف دولي لمحاربة “حماس” على غرار التحالف القائم بالفعل ضد “داعش”. كما ظهر الأوروبيون في صورة التابع للسياسة الأمريكية، حيث اصطفوا وراء إدارة بايدن في تماهٍ تامٍ مع اصطفافهم وراءها في الصراع الروسي الأوكراني. ولذلك حصل انطباع عام على نطاق واسعٍ لدى الدول العربية، والجانب الفلسطيني، وإسرائيل، وحتى لدى الأوروبيين أنفسهم بأن “لا أحد يهتم بما تفكر فيه أوروبا”، وهو ما قوض المصداقية الأوروبية، وجعل صورة أوروبا بوصفها قوةٍ سياسية تدافع عن القانون وحقوق الإنسان، والتي سعت لإبرازها في حرب أوكرانيا، تتدهور بسبب ازدواجية المعايير التي ترسخت عند دول الجنوب العالمي. لكن مع تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، وسقوط عدد كبير من الضحايا المدنيين، فضلًا عن التدمير واسع النطاق الذي طال البنية التحتية الأساسية، والمواقف المُعلَنة لحكومة بنيامين نتنياهو حول التطهير العرقي، بدأ موقف الاتحاد الأوروبي يشهد انقسامًا، بين مجموعةٍ من الدول حافظت على موقف داعم ومجموعة أخرى أصبحت تطرح انتقادات بشأن حجم التدخل العسكري الإسرائيلي وتأثيراته. وقد سببت دعوى دولة جنوب أفريقيا على إسرائيل بشأن الإبادة الجماعيّة في ديسمبر 2023، في محكمة العدل الدولية، حرجًا واسعًا للدول الأوروبية، بسبب تصاعد الدعوات الحقوقية والشعبية في أوروبا المنتقدة لإسرائيل، خاصة بعد أن أمرت المحكمة إسرائيل بمنع أي أعمال إبادة، وضمان توفير الخدمات الأساسية والمساعدات الإنسانية العاجلة لغزة. وفي يناير 2024 طرح الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي، جوزيف بوريل، خطةً من عشر نقاط “للسلام وإقامة دولة فلسطينية”، في تعارض تام مع موقف حكومة نتنياهو، وفي تأكيد على أن الدعم الأوروبي لإسرائيل لا يعني التخلي عن مبدأ حل الدولتين الذي يشكل أساس السياسة الأوروبية تجاه الصراع. وربما أيضاً في إطار الخروج من السلبية نحو ممارسة دور أكبر كقوة مستقلة عن السياسة الأمريكية. ومع ذلك حافظت الدول الأوروبية الرئيسة على مواقف داعمة لإسرائيل، حيث أوقفت مجموعة من دول الاتحاد، على رأسها فرنسا وألمانيا، تمويل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، لبضعة أشهر، بسبب مزاعم بتورط بعض موظفي الوكالة في هجمات 7 أكتوبر. لكن منذ منتصف العام 2024 بدأنا نشهد تحولات غير مسبوقةٍ في المواقف الأوروبية تجاه إسرائيل. في 22 مايو أعلنت أيرلندا والنرويج وإسبانيا اعترافها رسميًا بدولة فلسطين، وهي المرة الأولى التي تتخذ فيها دول أوروبية هذه الخطوة الرمزية منذ أن اتخذت السويد قراراً مماثلاً عام 2014. وفي 30 مايو أعلنت سلوفينيا اعترافها بالدولة الفلسطينية. وفي 29 يونيو تقدَّمت إسبانيا بطلب للانضمام إلى قضية الإبادة الجماعية التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل، لتلتحق ببلجيكا التي أعلنت في مارس من العام نفسه أنها ستنضم لدعم القضية في محكمة العدل الدولية. ومع الذكرى الأولى للحرب، في أكتوبر 2024، أصبحت المواقف المنتقدة لإسرائيل أكثر قوةً وحضورًا داخل المؤسسات الأوروبية، خصوصاً بعد أن أخذ التدخل العسكري الإسرائيلي في لبنان منحى مشابه لما يحدث في غزة. فيما واجهت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين انتقادات من المشرعين لعدم دعوتها إسرائيل صراحة إلى احترام القانون الدولي في أثناء زيارتها إلى تل أبيب. ومع تصاعد الهجمات الإسرائيلية على قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، التي ينتمي قطاع منها لفرنسا وأيرلندا، أخذ الموقف الإيرلندي المنتقد لإسرائيل في التجذر، وحصل تحوّل مهم في الموقف الفرنسي، عندما دعا الرئيس إيمانويل ماكرون، إلى وقف تصدير الأسلحة لإسرائيل. وبعد أسابيع، وتحديدًا في منتصف ديسمبر 2024، أعلنت إسرائيل إغلاق سفارتها في دبلن، مشيرة إلى ما وصفته بـ”السياسات المتطرفة المعادية لإسرائيل التي تنتهجها الحكومة الأيرلندية”. لترد دبلن على هذا الإجراء بالإعلان رسميًا عن انضمامها إلى قضية الإبادة الجماعية التي رفعتها جنوب أفريقيا. أما في بريطانيا، فقد أصدرت حكومة ستارمر بعد أسابيع من تنصيبها قرارًا بتعليق 30 من أصل 350 ترخيصًا لتصدير الأسلحة إلى إسرائيل، مشيرة إلى “خطر واضح” من إمكانية استخدام هذه الأسلحة في انتهاك للقانون الدولي. وشملت قائمة العناصر المعلقة مكونات أساسية تستخدم في الطائرات العسكرية، بما في ذلك الطائرات المقاتلة والمروحيات والطائرات المسيرة. وفي الوقت نفسه استأنفت تمويلها لوكالة الأونروا، والذي علق في عهد حكومة ريشي سوناك. ودعمت إجراءات المحكمة الجنائية الدولية ضد الحكومة الإسرائيلية من طريق التراجع عن معارضة حكومة سوناك لسعي المحكمة إلى إصدار مذكرة اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وحتى قبل الفوز في الانتخابات وتشكيل الحكومة، كان حزب العمال قد تعهد بالاعتراف بدولة فلسطينية، عادًا هذا الاعتراف “مساهمة في عملية السلام”. وقد عززت العمليات العسكرية الإسرائيلية في سورية منذ سقوط نظام الأسد من حدة المواقف الأوروبية ضدها، بوصفها أصبحت عامل توتر في جميع المنطقة ومُهدداً لاستقرار الأوضاع في سورية ما بعد الأسد2. ومؤخرًا، وبالتحديد منذ إبريل 2025، شهد التوتر بين إسرائيل وأوروبا تسارعًا واضحًا، وهو ما يمكن توضيحه كما يلي: 1- أصدرت ست دول أوروبية (أيرلندا، إسبانيا، سلوفينيا، لوكسمبورغ، النرويج، وآيسلندا) بيانًا مشتركًا، في 7 مايو 2025، اعتبرت فيه محاولات إسرائيل تغيير ديمغرافية غزة وتهجير سكانها، ترحيلًا قسريًا وجريمة بموجب القانون الدولي. كما شدد البيان على أن غزة “جزء لا يتجزأ من دولة فلسطين”، في إقرار قانوني صريح بمكانة فلسطين، طالما تجنبت حكومات أوروبية النطق به بهذا الوضوح. البيان نفسه وصف الحصار الإسرائيلي المستمر منذ 2 مارس 2025 بأنه “مانع شامل للمساعدات الإنسانية والإمدادات التجارية”، وطالب برفعه الفوري دون تمييز أو شروط. 2- أصدرت 22 دولة، من بينها فرنسا، ألمانيا، المملكة المتحدة، وكندا، بيانًا مشتركًا، في 19 مايو 2025، طالبت فيه إسرائيل…

تابع القراءة

قانون تنظيم الفتوى صراع المرجعية بين الأزهر والأوقاف وفصل جديد من سياسات تأميم المجال الديني

عقدت اللجنة الدينية بمجلس النواب، في 5 مايو 2025، اجتماع لمناقشة “مشروع قانون بشأن تنظيم إصدار الفتوى الشرعية”، المقترح من الحكومة ممثلة في وزارة الأوقاف1؛ بشأن تحديد الجهات المختصة بإصدار الفتاوى2. وكان من أبرز ما جاء في القانون، أن الفتوى المتعلقة بالشأن العام يصدرها كل من هيئة كبار العلماء التابعة للأزهر، ودار الإفتاء، أما الفتاوى المتعلقة بالقضايا الشخصية والفردية يختص بها، فضلا عن هيئة كبار العلماء، ودار الإفتاء، كل من مجمع البحوث الإسلامية، ولجان الفتوى التابعة لوزارة الأوقاف، حيث ينشئ وزير الأوقاف لجنة أو أكثر للفتوى داخل الوزارة، على أن يكون أعضائها من خريجي الأزهر الشريف. وفي حال تعارض الفتاوى، يكون رأي هيئة كبار العلماء بالأزهر هو المرجح. على أن تلتزم المؤسسات الإعلامية والمواقع الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي، عند نشر الفتاوى أو تنظيم برامج للفتوى، بالاعتماد فقط على المختصين المحددين في القانون3. ويعاقب القانون من يصدر فتاوى من غير الجهات المنصوص عليها في مشروع القانون، بالحبس مدة لا تزيد على 6 أشهر وغرامة لا تقل عن 50 ألف جنيه ولا تتجاوز 100 ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين. وفي حال العود، تضاعف العقوبة. ويُعاقب المسؤول عن الإدارة الفعلية للشخص الاعتباري المخالف بذات العقوبات إذا ثبت علمه بالمخالفة أو إهماله في منع وقوعها4. وهي نفس العقوبات التي توجهها المؤسسات الإعلامية والمواقع الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي في حال نشر فتاوى ليست صادرة عن الجهات المختصة بالإفتاء بحسب مشروع القانون المقترح. صراع المرجعية بين الأزهر والأوقاف: أعلن ممثلو الأزهر خلال جلسة اللجنة الدينية بمجلس النواب، رفضهم مشروع القانون؛ بسبب النص على تشكيل لجان تابعة لوزارة الأوقاف يحق لها الفتوى، أما ممثل دار الإفتاء فقد طلب تأجيل مشروع تنظيم إصدار الفتوى لحين دراسته؛ وعلى الرغم من رفض ممثلو الأزهر، وطلب التأجيل من جانب دار الإفتاء، إلا أن اللجنة أعلنت موافقتها المبدئية على مشروع قانون5. وقد أصدر الأزهر، بيانًا، في اليوم نفسه، نفى فيه ما تم تداوله بشأن اقتراح وكيل الأزهر تشكيل لجان فتوى مشتركة مع الأوقاف، خلال جلسة اللجنة الدينية لمناقشة مشروع قانون «تنظيم الفتوى»، وفسر البيان الرفض بأنه “انطلاقًا من الحرص على ضبط الشأن الديني، وإسناد الفتوى للمعنيين بها، وفقًا لأحكام القانون والدستور”6، إذ يحرص الأزهر أن تظل الفتوى العامة مقتصرة على هيئة كبار العلماء ودار الإفتاء المصرية7. وقد استجاب البرلمان لضغوط الأزهر، إذ وافق في 11 مايو 2025، على كافة المقترحات التي تقدم بها الأزهر، قبل أن يوافق على مشروع القانون. أما المقترحات التي تقدم بها الأزهر على مشروع القانون فقد كانت: وفق التعديل المقترح من الأزهر، يصبح لـ “مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية” الحق في الإفتاء، وكان مشروع القانون قبل التعديل يحرم المركز من إصدار الفتاوى؛ إذ كان يقصر الحق في الإفتاء على هيئة كبار العلماء، مجمع البحوث الإسلامية، ودار الإفتاء، ولجان الفتوى التابعة لوزارة الأوقاف. كما أن التعديل المقترح يحرم وزارة الأوقاف من أن تشكل منفردة لجان للإفتاء، ويقصر هذا الحق على الأزهر، ودار الإفتاء، وأئمة الأوقاف الذين ينطبق عليهم الشروط. لتصبح بعد التعديل “إنشاء وزير الأوقاف لجان مشتركة من الأزهر والإفتاء و«الأوقاف» برئاسة ممثل الأزهر، ويشترط فيمن يلتحق بهذه اللجان الشروط والضوابط: 1- ألا تقل السن عن 30 سنة. وأن يكون من خريجي إحدى الكليات الشرعية بجامعة الأزهر الشريف. وألا يكون سبق الحكم عليه بعقوبة تأديبية. وأن يكون معروفًا بحسن السمعة معرفًا بالتقوى في ماضيه وحاضره. وأن يكون له إنتاج علمي بارز في الدراسات الإسلامية، واجتاز برامج التدريب والتأهيل التي تعدها هيئة كبار العلماء، ويتم التصديق على اجتياز البرامج من هيئة كبار العلماء، وتضع شروط وحالات الترخيص ونوعه ومدته. ولا يعد الترخيص بالفتوى عبر الوسائل الصحفية والإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي إلا إذا ذكر ذلك صراحًة، وفي حالة المخالفة يحق لهيئة كبار العلماء إصدار مذكرة لوقف الترخيص. و يتم تحديد أماكن عمل ومقرات عمل هذه اللجان بالتنسيق بين الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية والأوقاف»11. بحسب التعديل لا يصبح للأوقاف الحق في تأسيس لجان للفتوى بشكل منفرد، بل يلزم أن تأتي هذه اللجان بشكل مشترك بين الأزهر والأوقاف، برئاسة ممثل الأزهر، ويكون أعضاء اللجان من خريجي إحدى الكليات الشرعية بجامعة الأزهر، وأن يخضع أعضاء هذه اللجان برنامج للتأهيل يعده هيئة كبار العلماء بالأزهر، ويكون الترخيص بمزاولة الفتوى لأعضاء هذه اللجان بتصريح من هيئة كبار العلماء، ويحق للهيئة سحب الترخيص في حال مخالفة الشروط. يمكن القول أن الأزهر لم يستطع أن يفرض رؤيته كاملة في قضية تنظيم الفتوى؛ إذ قبل في النهاية أن تكون هناك لجان للفتوى تابعة للأوقاف، كما أن مشروع القانون قلص الحق في الفتوى على هيئة كبار العلماء، ومجمع البحوث الإسلامية، فهو لا يسمح مثلًا لأساتذة الفقه المقارن في جامعة الأزهر أو غيرهم من المؤهلين بالإفتاء13. لكنه من جهة أخرى، نجح في أن تكون هذه اللجان التابعة للأوقاف، تشكل بمشاركة الأزهر ودار الإفتاء، وأن تكون رئاستها لممثل الأزهر، وأن يكون الإلتحاق بهذه اللجان مرهون باجتياز برنامج تضعه هيئة كبار العلماء، وأن تكون الهيئة هي المخولة بمنح الترخيص بالفتوى، وصاحبة الحق في وقف الترخيص حال المخالفة، وأن تكون الهيئة لها حق الرقابة على هذه اللجان. الدوافع وراء مشروع القانون وتداعياته على سوق الفتاوى في مصر: الاستنتاج الأقرب للبداهة عند التأمل في مشروع القانون، أن القانون محاولة لضبط فوضى الفتاوى في مصر، وقطع الطريق على القنوات غير الرسمية المنتجة للفتوى، إذ يهدف القانون، بحسب التقرير الصادر عن البرلمان المصري، إلى التصدي لنشر فتاوى مغلوطة أو متشددة أو متساهلة، وضمان الالتزام بنشر الفتاوى الشرعية الصادرة من الاختصاصيين، والحماية من الفتاوى المتطرفة أو غير الصحيحة14. كما أنه من جهة أخرى جزء من توجه يستهدف إعادة تنظيم المجال الديني، وبسط مزيد من السيطرة عليه؛ إذ سبقه قرار محكمة القضاء الإداري بتأييد قرار وزير الأوقاف رقم 215 لسنة 2016، بشأن توحيد خطبة الجمعة في المساجد المصرية. وهو ما أكده مراقبون، إذ اعتبروا أن مشروع القانون “سعى إليه الرسميون في المؤسسة الدينية (الأزهر والأوقاف)، وسعت إليه أيضا السلطة السياسية، ولكل منهما دوافعه الخاصة، فوزير الأوقاف، وشيخ الأزهر لهم اهتمام خاص بالتصدي للسلفية والسلفيين”، فالهدف من مشروع القانون “كبت الصوت الموازي للمؤسسة الرسمية، من خلال أدوات الدولة (القانون)، ومن قبل حاولوا من خلال نشر مكاتب معلنة للفتوى في أماكن عديدة، ولكنها لم تلق ترحيبا من الناس”15. في السياق ذاته، ربط البعض بين توقيت ظهور القانون وبين التطورات الإقليمية، من قبيل الإبادة في غزة، التي استدعت ظهور فتاوى تدعو للجهاد في غزة، خلال الفترة الماضية، من قبل كيانات غير معترف بها في مصر مثل الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين16. في المقابل هناك من يرى أن القانون هو فصل جديد من الصراع بين الأزهر والأوقاف على الحق في إصدار…

تابع القراءة

الموقف المصري من مطلب ترامب بمرور السفن الأمريكية مجانًا عبر قناة السويس

قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إنه ينبغي السماح للسفن العسكرية والتجارية التابعة للولايات المتحدة بالمرور عبر قناتي السويس وبنما دون دفع أي رسوم. وأضاف ترامب في منشور على منصة “تروث سوشيال”، في 26 إبريل 2025، “طلبت من وزير الخارجية ماركو روبيو أن يتولى هذا الأمر فورًا”، معتبرًا أن قناتي بنما والسويس ما كان لهما أن توجدا لولا الولايات المتحدة، على حد تعبيره1. أولًا: دوافع ترامب للمطالبة بالمرور المجاني عبر قناة السويس: يفترض ترامب أن هناك حقوقًا تاريخية أمريكية يتوجب على المصريين سداد مستحقاتها فيما يتعلق بقناة السويس. حيث يعتبر دونالد ترامب أن نصيبًا من أسهم قناة السويس، كان من المفترض أن يذهب إلى الولايات المتحدة حين انطلق مشروع القناة عام 1859. فآنذاك، حاول صاحب مشروع القناة فرديناند دي ليسبس، أن يجعلها شركة عامة دولية موزعة بين 400 ألف سهم، منها 85 ألفًا لإنكلترا وروسيا والنمسا والولايات المتحدة، وبما أن تلك الأسهم “لم تأخذها هذه الحكومات أضيفت إلى حصة مصر”. كما أن سنوات الحرب الأهلية الأمريكية بين الأعوام 1861 و1864 أدت إلى إعاقة تصدير القطن الأمريكي إلى أوروبا، فمالت الدول الأوروبية إلى القطن المصري، وبذلك ارتفعت صادرات الأقطان من مصر إلى أوروبا من 596 ألف قنطار عام 1861 إلى مليونين ونصف مليون قنطار عام 1865، الأمر الذي أنتج ثراءً مصريًا أسهم في تكوين مشاريع تنموية عديدة. ويذهب باحثون آخرون إلى القول إن جزءًا هامًا من عائدات القطن المصرية كانت تُصرف في تمويل قناة السويس. فضلًا عن دور الولايات المتحدة بالتشارك مع الاتحاد السوفيتي (روسيا حاليًا) في إيقاف حرب السويس عام 1956، أو ما يُعرف بالعدوان الثلاثي الذي شنته إسرائيل وفرنسا وبريطانيا على مصر بعد اتخاذ الرئيس المصري جمال عبد الناصر قرارًا بتأميم قناة السويس، في 26 يوليو 1956، وذلك عبر تقديم الولايات المتحدة قرار إلى مجلس الأمن “يدعو إلى وقف النار فورًا، ويلمح إلى إدانة إسرائيل بالعدوان”. وهو ما أدي إلي إعادة فتح قناة السويس أمام الملاحة في مارس 1957، بعد توقف قسري دام أشهرًا عدة. وعندما دخلت القناة مرة أخرى مرحلة الإغلاق الملاحي بعد حرب يونيو 1967، فإنها فتُحت مرة أخري بفضل الجهود الأمريكي عبر وزير الخارجية الأمريكية هنري كسينجر بين مصر وإسرائيل، والتي نجحت في التوصل إلي اتفاق فصل القوات بين مصر وإسرائيل عام 1974، ما مهد الطريق لإعلان الرئيس أنور السادات فتح القناة مجددًا في أواخر مارس 1975، وليستمر فتح القناة دون تعثر عقب توقيع مصر وإسرائيل معاهدة كامب ديفيد عام 1978، بوساطة أمريكية. وبناءً على ما تقدم، يرى ترامب أسهمًا أمريكية ضائعة في الاكتتاب الأول لقناة السويس قبل 150 عامًا، إضافة إلى أن التمويل المصري للقناة جاء على حساب الخرائب التي خلفتها الحرب الأهلية الأمريكية، والأهم من ذلك، أن الولايات المتحدة عملت مرتين لإعادة فتح قناة السويس بعد إغلاقها جراء حربين. وعلى ذلك، ألا يحق لها التعويض، ويكون لها نصيب في القناة؟2. ويسعي ترامب من خلال ذلك (العبور المجاني عبر قناة السويس) إلي تحقيق أهداف عدة، تتمثل أبرزها في: يذكر أن الولايات المتحدة تشن حملة عسكرية واسعة ومكثفة على المناطق الخاضعة للحوثيين في اليمن منذ الخامس عشر من مارس 2025. وقد أفادت شبكة CNN بأن التكلفة الإجمالية للعملية العسكرية تقترب من مليار دولار في أقل من 3 أسابيع، على الرغم من أن تأثير الهجمات كان محدودًا في تدمير قدرات الجماعة التي تصنفها واشنطن كـ”جماعة إرهابية”5. وقدر البنك المركزي المصري أن عائدات قناة السويس انخفضت بنسبة 62.3% إلى 1.8 مليار دولار في الفترة من يوليو 2024 إلى ديسمبر 2024، بعدما كانت 4.8 مليارات دولار في نفس الفترة من العام السابق6. ويريد ترامب أن يتم التعامل مع قناة السويس كما تم التعامل مع قناة بنما، فقد أفادت وكالة الصحافة الفرنسية بقرب السماح للقوات الأمريكية بالانتشار حول قناة بنما وفقًا لاتفاق ثنائي، وهو “تنازل كبير حصلت عليه واشنطن” حتى لو لم تتمكن من إقامة قواعد عسكرية. وبحسب الاتفاق الذي وقعه كل من وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث -الذي زار بنما مؤخرًا- ونظيره البنمي فرانك أبريغو، سيتمكن الجيش الأمريكي والشركات العسكرية الخاصة العاملة مع الولايات المتحدة من استخدام المواقع المسموح بها والمنشآت والمناطق المخصصة للتدريبات والأنشطة الإنسانية. كما ينص الاتفاق -ومدته 3 سنوات قابلة للتجديد- على أن المنشآت ستكون ملكًا للدولة البنمية، وستكون مخصصة “للاستخدام المشترك” من جانب قوات البلدين8. وفي هذا السياق، يمكن قراءة التقارير الإعلامية التي تتحدث عن أن السعودية عرضت السماح للولايات المتحدة بإقامة قاعدة عسكرية على جزيرتي تيران وصنافير، الواقعتين عند مدخل خليج العقبة، بهدف تولى الجيش الأمريكي تأمين قناة السويس ومنع دخول أي سفن مشبوهة يحتمل استخدامها في نقل أسلحة ومعدات عسكرية إلى قطاع غزة أو الأراضي اللبنانية، خاصة تلك القادمة من إيران. بجانب حصول السعودية على حماية أمريكية في حال تعرضها لأي هجوم9. ثانيًا: الموقف المصري من مطلب ترامب بمرور السفن الأمريكية مجانًا: علي الرغم من أن الاعتبارات التاريخية والقانونية والسياسية تصب في صالح مصر وضد الولايات المتحدة فيما يتعلق بمطالب المرور المجانية عبر قناة السويس. حيث يؤكد كثيرون علي أنه لا فضل للولايات المتحدة في تأسيس قناة السويس، كما يدعي ترامب. فعندما تم العمل علي مشروع قناة السويس في عهد والي مصر سعيد باشا منتصف القرن التاسع عشر، بجهود قادها المهندس الفرنسي فرديناند ديليسبس؛ شاركت الولايات المتحدة حينها إلى جانب دول أخرى في تمويل الامتياز الممنوح لشركة القناة، لكنها انسحبت لاحقًا بعد أن اعتبرت المشروع غير مجد اقتصاديًا، وهو ما أدى بمصر إلى الاستدانة لاستكمال الحفر. ومن ثم، فإن ادعاء ترامب بأن القناة مدينة لأمريكا عار من الصحة العلمية والتاريخية. كما أن قناة السويس، التي افتتحت في 17 نوفمبر 1869، تُدار وفق نظام قانوني معترف به، يستند إلى اتفاقية القسطنطينية لعام 1888، واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، إضافة إلى قرار رئيس الجمهورية عام 1975، وجميعها تؤكد سيادة مصر على القناة. فقد أكد اتفاق القسطنطينية لعام 1888 علي حياد القناة، واعترف بسيادة مصر عليها، وأقر حقها في تحصيل رسوم المرور، مع منع الأعمال العسكرية في القناة، ومنح الدولة المصرية – ممثلة آنذاك في الخديوي والسلطان العثماني- حق اتخاذ التدابير اللازمة للدفاع عنها. تأكدت هذه السيادة المصرية لاحقًا عبر معاهدة 1936، واتفاقيات الجلاء مع بريطانيا عامي 1936 و1954. وعندما أعلن الرئيس جمال عبد الناصر تأميم القناة عام 1956، نص في المادة الأولى من قانون التأميم على تعويض المساهمين وحملة الحصص، مما أقر استرداد حقوق الغير بشكل مشروع. وقد رسخت القوانين المصرية الحديثة حقوق السيادة والإدارة على القناة. فقد نص القانون رقم 161 لسنة 1963 على إمكانية الحجز الإداري ضد السفن الممتنعة عن دفع الرسوم. كما أكدت المادة الثامنة من القرار الجمهوري رقم 30 لسنة 1975، أن…

تابع القراءة

رؤية تحليلية للأخبار السياسية والاقتصادية في العالم العربي والإسلامي والعالمي، ودراسات استراتيجية للوضع السياسي المحلي والإقليمي والعالمي

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا لتلقي التحديثات على البريد الإلكتروني الخاص بك

You have been successfully Subscribed! Ops! Something went wrong, please try again.

جميع الحقوق محفوظة لرؤية للتخطيط والدراسات الاستراتيجية ©2022