‫الرئيسية‬ العالم العربي الدور المصري في انقلاب السودان.. مداه وأبعاده وتوابعه
العالم العربي - نوفمبر 30, 2021

الدور المصري في انقلاب السودان.. مداه وأبعاده وتوابعه

الدور المصري في انقلاب السودان.. مداه وأبعاده وتوابعه

 

 

حتى نفهم أبعاد الدور المصري في انقلاب السودان منذ الإعلان في 25 أكتوبر 2021م  وحتى الاتفاق الأخير الأحد 21 نوفمبر 2021م بين الفريق أول عبدالفتاح البرهان، قائد الجيش السوداني ورئيس مجلس السيادة، من جهة، وعبدالله حمدوك رئيس الحكومة المعزول من جهة أخرى، والذي يسمح بعودة حمدوك رئيسا للحكومة مع تشكيل حكومة تكنوقراط جديدة، من المهم الإشارة إلى تطور العلاقة بين المؤسستين العسكريتين في البلدين؛ هذه العلاقة التي نمت وترعرت في ظل المخاطر المشتركة التي تهدد الأمن القومي لكلا البلدين، وعلى رأسها التهديد الإثيوبي المتمثل في سد النهضة والذي تريد إثيوبيا به تحويل النيل إلى بحيرة إثيوبية، وتحرم مصر والسودان من حقوقهما المائية؛ وهو ما يعني تحويل المياه إلى سلعة توظفها أديس أبابا لخدمة مصالحها على حساب القاهرة والخرطوم. وبالتالي فالتنسيق العسكري بين البلدين ــ في ظاهره ــ  يستهدف قطع الطريق على إثيوبيا والحد من أطماعها في مياه النيل. أو على الأقل هذا ما يتم ترويجه عن العلاقة بين الجيشين.

وشهدت الشهور الأخيرة عدد من المناورات العسكرية المشتركة التي لم يكن لها تفسير إلا رفع مستوى التهديد والتحذير الموجّه لأديس أبابا، حال تعثُّر المفاوضات الثلاثية حول السد والإخفاق في الوصول إلى ما تسعى إليه مصر والسودان، وهو الاتفاق القانوني الملزم العادل لمصلحة الدول الثلاث، بخصوص قواعد التشغيل والملء والآثار البيئية وقواعد السلامة الخاصة بالمشروع. بدأت تلك المناورات بتدريبات جوية في الأراضي السودانية، حمل بعضها (حماة النيل) أسماء متعلقة بشكل واضح بانعقاد هذه الإجراءات من أجل حماية حصص دولتي المصب من نهر النيل، وتطورت إلى أن وصلت إلى مشاركة القوات الخاصة، الصاعقة والمظلات، من الجانبين، اتساقاً مع التحذير الثاني الذي أطلقه السيسي عن الخيارات “المفتوحة”، وضرورة تفهّم الجانب الآخر أنه ليس بعيداً عن القدرات المصرية. حتى  وإن كانت هذه التصريحات تستهدف تهدئة مخاوف المصريين دون التحرك الفعلي والجاد لحماية الأمن القومي.

نحو علاقة ذات طابع خاص

اللافت في الأمر أن هذا التعاون العسكري بين الجيشين المصري والسوداني اتخذ أبعادا أخرى مختلفة لا يمكن تصنيفها ووضعها إلا تحت عناوين رفع التنسيق العسكري بين البلدين وتوطيد العلاقات العسكرية، بعيداً عن ملف سد النهضة، بحيث تصبح العلاقات ذات طابع خاص بين المؤسستين العسكريتين، ولا تخلو من التنسيق “الأمني” الذي يختلف في هذا السياق عن التنسيق “العسكري”. والبرهان على ذلك أن العلاقات في هذا الجانب كانت تتم في الفترة الأخيرة بين المؤسستين بشكل خاص، لا بين الدولتين كما ينبغي، مع الأخذ في الاعتبار أن المؤسسة العسكرية في السودان تستفردُ وحدها بتلك الأمور، بموجب الاتفاقات الأخيرة التي نقضتها، دون أدنى مشاركة من التيار المدني، الذي يفتقد بدوره أيضاً إلى كثير من المفردات والأساسيات الخاصة بالأمور العسكرية: ماذا نشتري؟ بأي ثمن؟ من أي دولة؟ ما حدود التنسيق مع الدول الأخرى؟ كيف نقوّي المؤسسة العسكرية دون أن تطغى على المكون المدني؟ أي أن الجيش السوداني قبل تلك الإجراءات الاستثنائية كان يتصرف بحرية، بمعزل عن التيار المدني، لأسباب كثيرة.

وتحت ذريعة التنسيق المشترك من أجل الاستعداد إلى أي خيارات خشنة في ملف سد النهضة، أخذ الجانبان يعملان على تشعيب العلاقات الثنائية بينهما على نحو يتجاوز ذلك الملف، فتارة تجد قائد قوات الدفاع الجوي السوداني في الإسماعيلية لتفقّد مناورات للجيش الثاني الميداني المصري، وتارة أخرى تجد زيارات متكررة من مؤسسة الصناعات الحربية السودانية، على مستويات غير مسبوقة، إلى نظيرتها في مصر.

كما أخذ التنسيق بين الطرفين يتشعبُ إلى حد الوصول إلى مجالات تسليم المطلوبين أمنياً، وكل المطلوبين للسلطات المصرية من الجانب السوداني مرتبطون بخصوم النظام المصري السياسيين، سواء من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، أو من الذين انضموا إلى جماعات مسلحة صغيرة وصلت إلى السودان، وصولاً إلى التنسيق العسكري الرسمي والمعلن بين الطرفين من أجل “مكافحة الإرهاب”.

معنى ذلك أن التعاون بين المؤسسة العسكرية المصرية وبين نظيرتها السودانية اتخذ طابعاً حميمياً خاصاً، إن جاز القول، ليتشعبَ في كل المجالات، التقنية والسياسية، منذ الإطاحة بالبشير، ثم تبلور الاتفاق السياسي بين الجيش السوداني والقوى المدنية، متخذاً ذريعة التنسيق المشترك للتصدي لخطر سد النهضة، وصولاً إلى التنسيق الاستخباري والأمني، حتى إن الجيش المصري بأكمله تقريباً على المستوى القيادي كان يحطّ الرحال في الأراضي السودانية بين الحين والآخر في الشهور الأخيرة.[[1]]

تجربة السيسي الملهمة!

هذا التعاون العسكري بين الجيشين وهذه العلاقة الخاصة بينهما كان لها تأثير كبير على المستوى السياسي الذي شهد شكلا من أشكال التنسيق الشامل في ظل إعجاب جنرالات  السودان بالنموذج المصري وتجربة السيسي في إدارة شئون الدولة المصرية منذ انقلاب 3 يوليو 2013م، وهو ما تجلى بوضوح شديد في مشهد تقديم الفريق أول عبدالفتاح البرهان التحية العسكرية لقائد الانقلاب في مصر عبدالفتاح السيسي في منتصف 2019م. وهو ما يعني أن جنرالات السودان ينظرون إلى السيسي كمثل وقدوة لهم.

وانتقل هذا الإعجاب إلى مستويات السياسة والاقتصاد، فقد رحبت القاهرة بالتطبيع السوداني مع الكيان الصهيوني رغم أن هذا الاتفاق يضر بمصالح مصر وأمنها القومي، مع الأخذ في الاعتبار أن أكثر المتحمسين لتلك الخطوة سودانياً كانت المؤسسة العسكرية.

وتذهب تقديرات السيسي ونظامه إلى أن تواجد “إسرائيل” أمنيا في هذه المنطقة بالرغم من توابعه السيئة قد يكون مفيدا من خلال توظيف الخبرات الأمنية الإسرائيلية لمحاربة التيارات الإسلامية، سواء من خصوم النظام المصري المباشرين مثل جماعة الإخوان المسلمين، أو في الترتيبات الأمنية المتعلقة بمنع تهريب الأسلحة الإيرانية إلى حركة حماس عبر البحر الأحمر. وهنا يتعين الإشارة إلى الثناء الإسرائيلي عند تدشين قاعدة “برنيس” سنة 2019م والتي أقيمت من أجل منع تهريب الأسلحة لحركات المقاومة الفلسطينية خصوصا من إيران. وهو ما انتقدته حركة حماس في الفيلم الاستقصائي “الصفقة والسلاح” الذي بثته شبكة الجزيرة. وترتب على التقارب المصري السوداني ثم التطبيع مع الاحتلال تقليص الوجود الحمساوي في السودان بشكل رسمي قبل وقت قصير من انقلاب البرهان.

أما على المستوى الاقتصادي، فإن جنرالات الخرطوم ينظرون إلى تجربة السيسي والمؤسسة العسكرية المصرية التي تهمين على مفاصل الاقتصاد المصري نظرة إعجاب؛ وهم ماضون على خطى هذه التجربة من خلال توظيف  السياسي “التطبيع ــ الحرب على الإرهاب” لخدمة الملف الاقتصادي تحت ذريعة الضرورة، والعمل على تقوية الجيوش القومية والاستثمار في البنية التحتية، ورفع الدعم عن الوقود والعملة الوطنية، وربط الاقتصاد المحلي بالمصالح الخارجية عبر التوسع في الديون.

الدور المصري في الانقلاب

عشية الانقلاب الذي نفذه قائد الجيش السوداني ورئيس مجلس السيادة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان في الخامس والعشرين من أكتوبر 2021م، عبّرت وزيرة الخارجية السودانية، مريم الصادق المهدي، عن صدمتها وخيبة أملها في نظيرها المصري، سامح شكري، الذي لم يردّ على اتصالاتها الهاتفية. واستنكرت عدم اتصاله بها لإعلان التضامن معها ومع زملائها من الوزراء والمسؤولين المدنيين، الذين احتجزهم البرهان عشية تنفيذ انقلابه، وذلك على غرار ما فعل وزراء خارجية ومسؤولون آخرون تواصلوا معها، وعبّروا عن تضامنهم معها ومع زملائها، ورفضهم ما جرى. وبقدر ما يعكس حديث الوزيرة السودانية، والذي أدلت به هاتفياً لقناة الجزيرة، قدراً عالياً من حُسن النية يصل إلى حد السذاجة السياسية، فإنه يكشف عن الدور الكبير والمؤثر الذي لعبه، ولا يزال، نظام الجنرال عبد الفتاح السيسي في وقوع انقلاب البرهان.[[2]]

هذه الدور الذي تناولته الصحف العالمية وكتَّاب الرأي بالنقد والتحليل لتحديد مداه وأبعاده وتوابعه ليس على السودان فقط بل على مصر أيضا وأزمة سد النهضة التي تمثل أكبر تهديد للأمن الوطني المصري.

أولا، بمجرد إعلان الفريق عبدالفتاح البرهان عن انقلابه في السودان يوم الإثنين 25 أكتوبر 2021م، تساءل تحليل نشرته صحيفة «الجارديان» البريطانية عن وجود دعم إماراتي مصري لجنرالات الجيش السوداني في هذا الانقلاب. التحليل الذي كتبه المعلق بيتز بيومينت، أورد أنه من بين الذين حذروا من إمكانية توسع العنف في الأزمة المتصاعدة هو تيودر ميرفي، مدير برنامج أفريقيا في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية الذي اقترح أن الجيش تحرك خوفا من إضعافه، وأن تحركه حظي بدعم من دول خارجية. وقال: “هناك تقارير موثوقة بأن مصر والإمارات العربية المتحدة دعمتا توجه القوات السودانية المسلحة”.[[3]]

ثانيا، صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية قدمت برهانا على الدور المصري في انقلاب السودان؛ وذلك في تقرير نشرته الصحيفة يوم الأربعاء 03 من نوفمبر 2021م،  تحت عنوان «انقلابات عسكرية في أفريقيا على أعلى مستوى منذ نهاية الاستعمار»، شددت فيه على أن نظام الجنرال عبدالفتاح السيسي في مصر قدم للانقلاب الذي نفذه قائد القوات المسلحة السودانية عبدالفتاح البرهان، على الشريك المدني في الحكم. وهو التقرير الذي التزمت حياله الحكومة المصرية الصمت في تأكيد على صحة التهمة وإقرار بالدور في انقلاب السودان. وقدمت الصحيفة عدة أدلة تؤكد ما ذهبت إليه:

  • في اليوم السابق للانقلاب الذي أوقف التحول الديمقراطي في السودان، قام البرهان بسلسلة من التحركات الجيوسياسية الجريئة، مضيفة أنه طمأن الموفد الأميركي إلى القرن الأفريقي، جيفري فيلتمان، بأنه “لا ينوي الاستيلاء على السلطة، ثم استقل طائرة متوجهة إلى مصر لإجراء محادثات سرية لضمان حصول مؤامرته على دعم إقليمي”. وأضافت الصحيفة أن السيسي، الذي استولى على السلطة في انقلاب عام 2013 بدعم من السعودية والإمارات، “طمأن زميله الجنرال، وفقًا لثلاثة أشخاص مطلعين على الاجتماع”.[[4]] وفي اليوم التالي، قام البرهان بحل مجلس السيادة والحكومة الانتقالية، واحتجز حمدوك ومسؤولين آخرين، وأعلن حالة الطوارئ”.
  • أما الدليل الآخر الذي ساقته «وول ستريت جورنال»، أن اللواء عباس كامل، رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية، كان قد سافر إلى الخرطوم للقاء البرهان قبل انقلابه بأيام؛ لكنه تجنب لقاء رئيس الوزراء المدني عبدالله حمدوك. وفسرت الصحيفة الأمريكية ذلك بأن  هناك حالة من عدم الرضا عن قيادة رئيس الوزراء، لا سيما انفتاحه العلني على السد الإثيوبي، فضلاً عن إحجامه عن تعميق العلاقات مع إسرائيل، الحليف الرئيسي للقاهرة” بعد خطوة التطبيع. وقالت إن “كامل قال للبرهان: “يجب أن يذهب حمدوك””.[[5]]
  • أما الدليل الثالث الذي ساقته الصحيفة الأمريكية فهو إدارك السودانيين الرافضين لانقلاب البرهان بالدور المصري في الأزمة؛ حيث هتفوا في تظاهراتهم التي قال وزير الخارجية الأمريكي إنها بالملايين، ضد السيسي مؤكدين أنه اليد الخفية وراء الانقلاب هاتفين: «عبد الفتاح برهان والسيسي.. نفس الشيء”.

ثالثا، كذلك يكفي أن نعرف أنّ مصر هي الدولة الوحيدة التي رفضت البيان الرباعي الذي أصدره حلفاء السيسي الإقليميون والدوليون (السعودية والإمارات وأميركا وبريطانيا)، ويدعو إلى عودة الحكومة المدنية الانتقالية، وإنهاء حالة الطوارئ التي فرضها البرهان عشية الانقلاب. ولذلك اعتبرت صحيفة لوموند” الفرنسية في تقرير لها في أكتوبر 2021م، انقلاب السودان تكريسا للنفوذ المصري داخل الجيش السوداني، من خلال شبكة العلاقات الوثيقة التي صنعتها القاهرة بجنرالات السودان.[[6]]

رابعا، بتحليل بسيط لخطاب الانقلاب الذي ألقاه البرهان عشية الخامس والعشرين من أكتوبر، يكتشف المرء أن الخطاب، في ما يبدو، قد كُتب في القاهرة، وليس في الخرطوم، وأن بصمات من كتبوا بيان انقلاب السيسي في الثالث من يوليو/ تموز 2013 ظاهرة فيه، كما تنبعث منه رائحتهم بشكل لا يمكن إخفاؤه أو طمس معالمه. كما أنّ الإجراءات والخطوات التي اتخذها البرهان منذ القيام بالانقلاب تسير على الطريق نفسه والأسلوب نفسه الذي نفذ السيسي من خلاله انقلابه. وكأن البرهان يقرأ من كتاب “الانقلابات” الذي وضعه السيسي، والذي أصبح بمثابة “كتالوج” يسير عليه كل من يرغب في الانقلاب على شركائه المدنيين. تماما كما فعل الرئيس التونسي، قيس سعيّد، في 25 يوليو/ تموز الماضي حين استخدم اللغة نفسها والأسلوب والمنهج نفسيهما من أجل تنفيذ انقلابه على الدستور، وعلى الحكومة، وعلى البرلمان، وتماماً مثل ما قد يحدث في ليبيا قريبًا![[7]]

خامسا، انعكس القبول المصري الهادئ للانقلاب العسكري في السودان على المستوى السياسي، فقد خرج بيان الخارجية المصرية إزاء التطورات في السودان باهتاً، بلا طعم أو لون أو موقف، في مباركة ضمنية للتحركات التي قام بها البرهان وقوات التدخل السريع. ويمكن تفسير ذلك بأن نظام السيسي الذي يدشن حملة ممتدة من أجل تحسين صورته على المستوى الدولي وخصوصا الولايات المتحدة الأمريكية من خلال عدة إجراءات شكلية في الملف الحقوقي كإطلاق ما تسمى بالإستراتيجية القومية لحقوق الإنسان، لا يريد هذا النظام أن يقال عنه إنه يدعم انقلابا مرفوضا دوليا، كما يخشى النظام من تداعيات الرفض الدولي للانقلاب بما يمكن أن يغير من خريطة الوضع القائم لصالح القوى المدنية ولذلك جاء موقفه الدبلوماسي باهتا رغم الدور النشط الذي يقوم به في الغرف السرية لدعم البرهان ورفاقه.

الديمقراطية خط أحمر

تفسير الموقف المصري أنه لا يمكن أن نتخيّل أن الجار الشمالي للسودان، الذي يحكمه جنرال عسكري جاء إلى السلطة من خلال انقلاب دموي قبل ثماني سنوات، سوف يقبل أن يكون على حدود بلاده الجنوبية دولة يحكمها مدنيون، ناهيك عن أن تكون دولة ديمقراطية. والحقيقة أن القاهرة لم تُخفِ يوماً قلقها من حدوث هذا السيناريو، فقد عبّرت مراراً وتكراراً عن عدم ارتياحها للشراكة بين المدنيين والعسكريين. ويكفي هنا أن نقرأ ما نقلته صحيفة “وول ستريت جورنال” عن مصادر مصرية أنّ مدير المخابرات العامة، اللواء عباس كامل، زار السودان قبل الانقلاب بأيام قليلة، والتقى البرهان، ورفض مقابلة حمدوك، بل قال للبرهان نصاً بأنّ “حمدوك يجب أن يرحل”!

ما تريده القاهرة من الخرطوم، وغيرها من العواصم العربية التي تحلم بإقامة حكم مدني ديمقراطي، واضح وصريح: لن نقبل سلطة مدنية، مهما كان الثمن، ولو تطلّب الأمر التدخل المباشر لإجهاض ذلك وضمان عدم وقوعه. ولا يتعلق الأمر فقط بخوف العسكر وحلفائهم في المنطقة من انتشار عدوى الديمقراطية بين الشعوب العربية، لكن أيضاً برغبتهم في تحطيم أي نموذج مدني للحكم قد يؤثر على صورتهم وسلطتهم ونفوذهم في المنطقة.[[8]] بكلمات أخرى، يبدو أنّ الديمقراطية العربية أصبحت بمثابة الخط الأحمر الذي لن يقبل السيسي، ومعه محور الثورة المضادّة، أن تتخطّاه المجتمعات العربية. لذلك، من المتوقع أنّه كلما زاد ضغط الشارع السوداني والقوى المدنية على البرهان ورفاقه ازداد التدخل المصري لصالح الانقلابيين هناك، ما يعني أنّ السودان مقبل على أوقات عصيبة وأثمان مرتفعة سوف يدفع ثمنها المدنيون، وذلك في سبيل التصدّي لانقلاب البرهان ومن يدعمونه ويقفون خلفه.

تحفظ  مصري على المكون المدني

تفسير آخر  مكمل لما ذكرناه يذهب إلى أن الموقف المصري ينبني من البداية على رفض حكومة حمدوك والمكون المدني في مجلس السيادة؛ يبرهن على ذلك أن السيسي ورئيس مخابراته عباس كامل  أكدا في مناسبات عديدة ــ وفق تقارير صحفية ــ  خلال اجتماعات مع المسؤولين السودانيين والعرب والتابعين لدولة الاحتلال الإسرائيلي، عدم ترحيبهما باستمرار حمدوك رئيساً للوزراء. ولذلك كان نظام السسي يتحفظ على استمرار حمدوك بسبب عدد من الملفات: [[9]]

  • الأول، هو تحفظ حمدوك على اتفاق التطبيع في بداية الأمر رغم أن حكومته وقعت على الاتفاق لاحقا؛ حيث كان حمدوك يفضل إرجاء هذا الملف لما بعد الانتخابات وتشكيل حكومة منتخبة ديمقراطيا. ورصدت القاهرة أن هناك تعجلا سودانيا في التطبيع العسكري يقابله تباطئا في التطبيع الاقتصادي والذي ترغب القاهرة بأن يتصدر مباحثات التطبيع السوداني لاعتبارات تتعلق بمصالح القاهرة وسهولة دخولها كشريك يمكن أن تربح القاهرة من خلاله مثل ملفات التعاون الزراعي والتكامل الكهربائي، فضلاً عن المشروعات التي سبق وتم النقاش حولها في مجال الطاقة واستكشاف إمكانيات المناطق الاقتصادية بالبحر الأحمر، لكن حكومة حمدوك لم تكن متجاوبة مع التوجهات المصرية بهذا الشأن.
  • الثاني، رغبة القاهرة في التعامل مع المكون العسكري وحده، وتحديداً مع رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان ونائبه محمد حمدان دقلو (حميدتي)، اللذين تجمعهما علاقة قوية بالسيسي، وأيضاً بسبب رؤية مستقرة لدى النظام في القاهرة بأن حمدوك مقرّب من العواصم الغربية، وله أجندة تسمح بوصول قوى سياسية لا ترحب بها القاهرة إلى الحكم، فضلاً عن وقوفه عائقاً أمام بعض المخططات التي حاول النظام المصري الإسراع في تنفيذها مع المكون العسكري السوداني.
  • الثالث، هو موقف حمدوك وكثير من وزراء حكومته بشأن ملف سد النهضة؛ وهو موقف أثار حفيظة المخابرات المصرية؛ فمنذ البداية كان واضحاً اتجاه حمدوك للفصل بين الموقفين المصري والسوداني، بحيث يتم ضمان مصالح الخرطوم أولاً، وفق مطالبات واضحة لم تكن ترفضها إثيوبيا في مرحلة ما قبل بدء الملء الأول في يوليو 2020. وبالتالي، عملت مصر جاهدة على دعم سيطرة المكون العسكري على الملف، من خلال ضخ المساعدات المالية والإنسانية وربطها بدعم الموقف المصري.
  • الرابع، هو ما يتعلق بطبيعة النظام المصري العسكرية، الذي يجد، راحة أكبر في التعامل مع المكون العسكري في السودان والمرتبط بعلاقات مع الإمارات وروسيا أكثر من العواصم الغربية المتمسكة ظاهرياً بالتداول السلمي للسلطة وضخ دماء جديدة مدنية في نظام الحكم السوداني، الأمر الذي يهدد في الأوضاع المثالية ببناء نظام ديمقراطي سعى الجيش طويلاً لتحاشي وجوده في مصر، في أعقاب ثورة 25 يناير 2011م.

دفاعا عن الانقلاب حتى النهاية

أمام الضغوط التي تعرض لها جنرالات السودان بعد انقلابهم؛ لا سيما في أعقاب الرفض الأمريكي الأوروبي والضغط من أجل إعادة حمدوك لرئاسة الحكومة والالتزام بخريطة الطريق نحو الانتخابات، تحركت القاهرة من أجل دعم موقف العسكر في السودان؛ وتواصل عباس كامل مع مسئولين في الإمارات والسعودية لإقناعهم بضرورة عدم دعم أي خطوة إضافية تدعو لإبعاد الجيش عن السلطة. وضرورة التدخل مع مصر لدعم تشكيل حكومة “وفاق وطني” جديدة، تضمن إبعاد العناصر الليبرالية واليسارية والمناهضة للمصالح المصرية والإسرائيلية والخليجية، من المشهد السياسي تماماً. [[10]] وقد تشكلت خلية صغيرة من المخابرات المصرية واتجهت إلى الخرطوم لتكون على تواصل دائم مع صناع القرار هناك لدعم البرهان ورفاقه.

وتواصلت القاهرة بالفعل مع عدد من العواصم الغربية (واشنطن ـ باريس ــ لندن ــ برلين) بهدف البحث عن صيغ مقبولة لإعادة التعامل مع عسكر السودان دون العودة عما تحقق بالفعل، بما في ذلك البحث عن بديل لحمدوك، أو الضغط عليه للعودة مع القبول بالشروط المصرية لاستبعاد عناصر بعينها من الحكومة والمشهد السياسي، والعمل على تأجيل إجراء أي استحقاقات انتخابية في الوقت الحالي، وتعديل الوثيقة الدستورية. واستهدفت التحركات المصرية إغراء العواصم الغربية بمصالح والصفقات على على حساب المسار الديمقراطي وملفات حقوق الإنسان في الوقت الذي أغوت فيه البرهان وحميدتي بضرورة التمسك بالانقلاب وعدم التراجع عنه تحت أي ضغوط وتبرير عمليات القتل ضد المتظاهرين بوجود “طرف ثالث” وهو ذات النهج الذي مارسه السيسي في انقلابه في يوليو 2013م.

وأمام الرفض الأمريكي – الأوروبي للانقلاب في السودان، طالبت القاهرة واشنطن بمهلة  من أجل التوسط لدى الأطراف ومحاولة السيطرة على الموقف هناك، والتوصل إلى حل لا يُدخل السودان في مزيد من الأزمات ولا يعصف بالمنطقة برمتها”. وهو الطلب الذي قوبل بموافقة أمريكية مع وعد بدعمه أيضا في ظل الرغبة الأميركية في إنهاء الأزمة بأقل مستوى ممكن من الخسائر، خصوصاً في ظل التحركات الروسية حول السودان”. وبالتالي يبدو الاتفاق الذي جرى مساء الأحد 21 نوفمبر 2021م بين البرهان وحمدوك والذي يسمح بعودة الأخير لرئاسة الحكومة مع بقاء البرهان رئيسا لمجلس السيادة دون تدخل في أعمال الحكومة هو من قبيل تعزيز المكانة المصرية لدى واشنطن، كما أنه في جوهره قد يمثل شكلا من أشكال تعزيز الانقلاب وليس إنهاؤه كما يبدو.  وبذلك تحول انقلاب السودان إلى فرصة مصرية يحقق لها المكاسب في كل الأحوال؛ فإذا تماسك الانقلاب واستمر فقد حقق لنظام السيسي ما يصبو إليه، وإذا تراجع خطوات للخلف لاسترضاء الأمريكان والغرب في ظل وساطة مصرية تكون القاهرة قد عززت مكانتها لدى الإدارة الأمريكية بوصفها عامل استقرار إقليمي في السودان وغزة وليبيا.

خلاصة الأمر، أن الدور المصري في انقلاب السودان هو دور رئيس ومحوري، يبدأ من التحريض ضد المكون المدني وصولا إلى التخطيط للانقلاب ثم دعمه والتحرك من أجل تسويقه دوليا وأخيرا التوسط من أجل تخفف الخسائر الواقعة عليه في ظل رفض دولي للانقلاب.  ويمكن وصف الاتفاق الأخير بين البرهان وحمدوك بوصفه تكريسا للانقلاب وليس تراجعا عنه؛ والدليل على ذلك هو رفض مكونات رئيسه في الحرية والتغيير لهذا الاتفاق وخروج مظاهرات حاشدة رفضا له.[[11]] إضافة إلى أن الاتفاق من الواضح أنه تكتيكي قبل به الجنرالات على مضض لتخفيف حدة الانتقادات والضغوط التي يتعرضون لها، ويبقى الدور المصري الذي كان يستهدف الربح من الانقلاب قد حقق شيئا  من الربح بالتوسط في الاتفاق الأخير  وهو ما يعزز دوره إقليميا لدى الإدارة الأمريكية.

 

 

[1] أحمد سلطان/ هل دعم النظام المصري الانقلاب العسكري في السودان؟/ عربي بوست ــ 03 نوفمبر 2021م

[2] د. خليل العناني/”كتالوغ” مصري للانقلابات العربية/ العربي الجديد ــ 14 نوفمبر 2021م

[3] الغارديان: هل حصل الانقلاب بالسودان على دعم مصري وإماراتي؟“عربي 21” ــ الإثنين، 25 أكتوبر 2021

[4] “وول ستريت جورنال” تتحدث عن دعم مصري “سري” لانقلاب البرهان بالسودان/ العربي الجديد ــ الأربعاء 03 نوفمبر 2021

[5] “وول ستريت جورنال” تتحدث عن دعم مصري “سري” لانقلاب البرهان بالسودان/ العربي الجديد ــ الأربعاء 03 نوفمبر 2021

[6] لوموند: انقلاب السودان يكرس نفوذ مصر لدى جنرالاته/ “عربي 21” ــ  الخميس، 28 أكتوبر 2021

[7] د. خليل العناني/”كتالوغ” مصري للانقلابات العربية/ العربي الجديد ــ 14 نوفمبر 2021م

[8] د. خليل العناني/”كتالوغ” مصري للانقلابات العربية/ العربي الجديد ــ 14 نوفمبر 2021م

[9] انقلاب السودان: ثلاثة ملفات جعلت حمدوك غير مرحب به مصرياً/ العربي الجديد ــ 26 أكتوبر 2021

[10] اتصالات مصرية لدعم موقف عسكر السودان/ العربي الجديد ــ 09 نوفمبر 2021

[11] الاتفاق السياسي في السودان.. تراجع عن الانقلاب أم تعزيز لمساره؟/ الجزيرة نت ــ الأحد 21 نوفمبر 2021م

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

‫شاهد أيضًا‬

هل تؤدي الحرب الروسية الأوكرانية إلى ربيع عربي جديد؟

    كانت تداعيات تفشي جائحة كورونا شديدة التاثير على نحو دفع باقتصادات الدول الناشئة …