‫الرئيسية‬ العالم العربي ليبيا كيف يمكن فهم الموقف المصرى من الانتخابات الليبية؟
ليبيا - ديسمبر 1, 2021

كيف يمكن فهم الموقف المصرى من الانتخابات الليبية؟

كيف يمكن فهم الموقف المصرى من الانتخابات الليبية؟

 

على الرغم من أن مصر لم تعلن عن دعمها – تصريحًا أو تلميحًا – لأى من المرشحين للانتخابات الرئاسية الليبية المقررة فى ديسمبر 2021، إلا أنه يمكن الإشارة إلى نقاط أساسية قد تساعدنا فى فهم الموقف المصرى من هذه الشخصيات المترشحة، تتمثل فى:

1- المحدد الداخلى:

يمكن تصنيف الشخصيات المترشحة للانتخابات الليبية إلى ثلاثة تيارات: الأول؛ تيار الثورة (فتحى باشاغا، وعبدالحميد الدبيبة)، تيار الثورة المضادة (خليفة حفتر، عقيلة صالح)، تيار النظام السابق (سيف القذافى نجل الرئيس السابق معمر القذافى).

وبحسب هذا التصنيف، فإن مصر لا تفضل فوز مرشح محسوب على تيار الثورة، لا سيما وأن هذا التيار مرتبط بصورة أو بأخرى بجماعات الإسلام السياسى، وفى القلب منه جماعة الإخوان المسلمين، وتفضل فوز شخصية معارضة لهذا التيار. ومن هنا فإن مصر قد تراهن على تيارى الثورة المضادة والنظام السابق باعتبارهما من أشد الشخصيات المعارضة لتيار الثورة. وإن كانت القاهرة تراهن على تيار الثورة المضادة (عقيلة وحفتر) بصورة أكبر من مراهنتها على تيار النظام السابق (نجل القذافى)؛ نظرًا لأنهما ينتميان لنفس التيار (الثورة المضادة) الذى يعتبر نظام السيسى جزء منه، بجانب أن عقيلة وحفتر ينتميان للمنطقة الشرقية وهى المنطقة الأهم لمصر لكونها المنطقة الأكثر تأثيرًا على الأمن القومى المصرى بحكم جوارها الجغرافى معها، كما أن ترشح سيف القذافى نجل الزعيم الراحل معمر القذافى – وربما فوزه – قد يكون له تأثيرًا سلبيًا على النظام المصرى حيث أن تجربة نجل القذافى قد تدفع جمال مبارك نجل الرئيس الراحل حسنى مبارك إلى محاولة تكرارها داخل مصر، خاصة فى ظل الطموح السياسى لنجل مبارك ووجود دعم شعبى له، وربما نجده يترشح فى الانتخابات الرئاسية المقبلة ما قد يهدد استمرار السيسى فى منصب الرئاسة.

ومع ذلك، فإن النظام المصرى حريص على عدم الإعلان عن دعمه لأى من الشخصيات المترشحة سواء تصريحًا أو تلميحًا؛ خوفًا من إمكانية أن يصل إلى منصب الرئاسة أحد الشخصيات المحسوبة على الثورة الليبية ما قد يؤثر على توجهاتهم الخارجية مع مصر، خاصة أن تيار الثورة هو التيار الأكثر شعبية داخل ليبيا فى ظل الكثافة السكانية التى تميل لصالح المنطقة الغربية.

كما تدرك مصر حجم الرفض الشعبى لترشح وفوز كلًا من حفتر والقذافى واحتمالية خروجهما من السباق الانتخابى لارتكابهما جرائم حرب ضد مدنيين ليبيين، كما أنه فى حين أن مصر تدرك أن المنطقة الشرقية تمثل أهمية لها من الناحية الأمنية فإن المنطقة الغربية بحكم سيطرتها التاريخية على عملية صنع القرار فإنها تمثل أهمية كبيرة من الناحية الاقتصادية والتى كانت أحد الأسباب فى انفتاح القاهرة على حكومة الوحدة الوطنية عبر عقود إعادة الاعمار.

وإن كانت القاهرة تعول على إمكانية تزوير نتيجة الانتخابات لصالح الأطراف المحسوبة على قوة الثورة المضادة والذى ظهر مع قبول المفوضية العليا للانتخابات (التى تتولى الإشراف على العملية الانتخابية) بالقوانين التى أصدرها مجلس النواب (الذى يقوده عقيلة صالح) وبرغم رفض المجلس الأعلى للدولة (الذى يقوده الإخوانى خالد المشرى) لها.

2- المحدد الاقليمى:

ترغب مصر فى فوز الشخصيات القريبة منها والبعيدة عن منافسيها سواء المنافسيين المعاديين لها (تركيا)، أو المنافسيين المتحالفين معها (الإمارات). وفى هذا السياق، ترى القاهرة أن باشاغا والدبيبة أقرب إلى تركيا وأنهما قد يتمسكان بالاتفاق الامنى معها، خاصة أن الأول كان مهندسه والأخير كان من أشد المحافظين والمدافعين عنه، وإن كان الدبيبة مقرب من أنقرة بصورة أكبر من باشاغا، وهو ما يمكن تلمسه فى ترشح باشاغا إلى جانب عقيلة صالح (حليف القاهرة) فى أحد القوائم المتنافسة على منصب المجلس الرئاسى الحالى، كما أن موقف باشاغا الذى يفضل إجراء الانتخابات فى موعدها وإجرائها بناءً على القوانين الصادرة عن مجلس النواب قد تكون أقرب إلى وجهة النظر المصرية، وضد موقف الدبيبة الذى يتحفظ على إجراء الانتخابات بناءً على تلك القوانين وينادى بضرورة التوافق بين المجلس الأعلى للدولة ومجلس النواب حولها، كما أنه يفضل تأجيل الانتخابات وهو موقف أقرب إلى وجهة النظر التركية.

كذلك، فإن مصر قد تنظر إلى حفتر باعتباره حليفًا للإمارات بدرجة أكبر من تحالفه معها، وفى ظل وجود مؤشرات خلاف بين مصر والإمارات والتى تمثلت أبرزها فى شروع الإمارات وإسرائيل فى مشروعات تضر بقناة السويس المصرية، فإن القاهرة قد تضع بعض التحفظات أو الشروط على حفتر لتخفيف علاقته مع الإمارات قبل أن تقدم الدعم له.

كذلك فإن حالة الرفض الاقليمى لفوز حفتر بالانتخابات والذى يأتى بصورة كبيرة ومعلنة من قبل تركيا والجزائر قد يضع مزيد من الضغوط على مصر، وقد يجبرها فى النهاية إلى الوصول إلى حل وسط مع تلك الدول يتضمن الإطاحة بالشخصيات الجدلية وعلى رأسها حفتر والدبيبة والقذافى ودعم شخصيات توافقية مثل عقيلة صالح وفتحى باشاغا.

3- المحدد الدولى:

تعتبر المواقف الدولية، وفى القلب منها الموقف الأمريكى، من المحددات المؤثرة على الموقف المصرى. حيث أن مصر، وفى تماهى مع الموقف الدولى، تتبنى ضرورة إجراء الانتخابات فى موعدها المقررة فى ديسمبر المقبل وتحصينها مع ضرورة فرض عقوبات على المعرقلين لها، على الرغم من وجود أصوات تنادى بضرورة تأجيلها وضرورة حدوث توافق حولها، وإن كانت مصر ترى أن هذا الموقف الدولى يصب فى صالحها باعتبار أن تلك القوانين مفصلة لصالح شخصيات معينة (حفتر وصالح)، ومرفوضة من قبل الأطراف المعارضة لمصر.

ومع ذلك، فإن الموقف الأمريكى يبدو أنه على خلاف مع الموقف المصرى، فقد ترفض واشنطن ترشح وفوز أى من عقيلة أو حفتر أو القذافى باعتبارهم من الشخصيات المقربة من روسيا. وفى هذه الحالة، قد تجد مصر نفسها فى موقف حرج مع واشنطن فى حالة اصرارها على دعم اى من تلك الشخصيات.

وإن كانت القاهرة ستعول على الدعم الفرنسى لحفتر. بجانب ما ظهر من مؤشرات حول عدم معارضة واشنطن لترشح حفتر، وهو ما ظهر فى تاجيل النظر فى الدعاوى القضائية المرفوعة ضده فى أمريكا بدعوى ارتكابه جرائم حرب ضد مدنيين ليبيين، وهو التأجيل الذى يبدو أن إسرائيل – حليفة القاهرة – قد لعبت دورًا كبيرًا فى حدوثه، فى ظل محاولة حفتر الحصول على الدعم الإسرائيلى المؤثر على توجهات السياسة الخارجية الأمريكية فى المنطقة مقابل دخول حفتر – فى حالة فوزه بالانتخابات الليبية – إلى حظيرة التطبيع معها، وهو ما تقدم به نجل حفتر أثناء زيارته الأخيرة إلى تل أبيب.

وإجمالًا للقول، يمكن القول أن مصر وإن كانت حفتر وعقيلة كخيار فى الانتخابات المقبلة؛ لكونهما ينتميان لنفس تيار الثورة المضادة، مع تفضيل حفتر كخيار أول باعتباره يأتى من خلفية عسكرية مماثلة للسيسى ولكونه المسيطر على القوات العسكرية بالمنطقة الشرقية ذات الأهمية الاستراتيجية بالنسبة لمصر، فإن إمكانية الإطاحة بحفتر لأسباب قانونية قد تجعل من عقيلة الخيار الاول لها. ومع ذلك، فإن مصر لن تعلن عن دعمها لأى منهما؛ خوفًا من فوز أى من المرشحين الأخرين (الدبيبة وباشاغا)، وللحفاظ على حالة الانفراجة فى العلاقات المصرية مع المنطقة الغربية، والحفاظ على عقود عمليات إعادة الاعمار وعودة العمالة المصرية إلى ليبيا. أى أن مصر وإن كانت تدعم حفتر وعقيلة لأسباب شخصية وسياسية وأمنية فإنها ستتقبل فوز أى من الدبيبة وباشاغا لأسباب اقتصادية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

اتفاقية التنقيب عن الطاقة بين تركيا وليبيا.. بين الدوافع التركية والاعتراضات المصرية

أبرمت الحكومة التركية وحكومة الوحدة الوطنية الليبية برئاسة عبد الحميد الدبيبة عددًا من الا…