‫الرئيسية‬ العالم العربي ليبيا ليبيا.. الخلافات حول الطعون والاستئناف الخاص بالمترشحين، هل تدفع نحو تأجيل الانتخابات؟
ليبيا - ديسمبر 14, 2021

ليبيا.. الخلافات حول الطعون والاستئناف الخاص بالمترشحين، هل تدفع نحو تأجيل الانتخابات؟

ليبيا.. الخلافات حول الطعون والاستئناف الخاص بالمترشحين، هل تدفع نحو تأجيل الانتخابات؟

 

على المستوى النظري، يبدو أن العملية الانتخابية فى ليبيا ستتم بموعدها المقرر فى 24 ديسمبر 2021، فقد تم التأكيد على ذلك من قبل القوى الدولية المجتمعة في المؤتمر الدولي حول ليبيا الذي عقد في باريس منتصف نوفمبر 2021، والذي هدد بفرض عقوبات على كل من يقف في طريق تحقيق ذلك. وضمن السياق ذاته تؤكد المفوضية الوطنية العليا للانتخابات في ليبيا استعدادها لتنظيم الانتخابات الرئاسية. ونشرت القائمة الأولى للمرشحين، وتقوم حاليًا بتوزيع بطاقات الناخبين، ما يجعل العملية تبدو طبيعية إلى حد ما.

لكن على المستوى الميداني، يبدو أن العملية الانتخابية تسير في حقل ألغام لا يمكن فيه التنبؤ بمصيرها[1]، فى ظل استمرار وتصاعد الخلافات بين الأطراف والقوى السياسية المختلفة داخل ليبيا، والذى كان أخرها تصاعد الخلاف القانونى حول عمليات الطعن والاستئناف الخاصة بكل من رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة، وقائد قوات شرق ليبيا خليفة حفتر، ونجل الرئيس الراحل سيف الإسلام القذافى، وقد تسببت تلك الخلافات فى عدم الإعلان عن القائمة النهائية للمرشحين، التي كان من المفترض أن تُعلن، فى 6 ديسمبر 2021، كآخر موعد لها وفق الجداول الزمنية التي أعلنتها المفوضية العليا للانتخابات.

أولًا: الخلافات حول الطعون والاستئناف الخاص بالمرشحين:

يزداد المشهد الليبي تعقيدًا مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية، والتطاحن القانوني على مستوى دوائر الطعون القضائية لإخراج ثلاث شخصيات جدلية رئيسية، تملك أكبر الحظوظ للفوز بكرسي الرئاسة. ويتعلق الأمر بعبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة الوحدة، وخليفة حفتر، قائد مليشيات الشرق، وسيف الإسلام القذافي نجل زعيم النظام السابق.

فالدبيبة، الذي قبلت مفوضية الانتخابات ملف ترشحه، تقدمت عدة شخصيات بطعون على ملف ترشحه، تمحورت حول عدم انطباق المادة 12 من قانون الانتخابات الرئاسية عليه حيث لم يقدم استقالته من منصبه قبل 3 أشهر من موعد الانتخابات، بالإضافة لاحتجاج الطاعنين بشأن ترشحه بوثيقة لملتقى الحوار السياسي وقع عليها الدبيبة وتعهد فيها بعدم ترشحه لانتخابات الفترة السياسية المقبلة أثناء اختياره رئيسًا لحكومة الوحدة الوطنية في فبراير الماضي[2]. وإن قبلت المحكمة الابتدائية في طرابلس الطعون المقدمة في حق الدبيبة، إلا أن استئناف الأخير للحكم أعاده مجددا إلى السباق الرئاسي رسميًا[3].

بينما يواجه حفتر حكمًا من محكمة الزاوية الابتدائية (غرب) باستبعاده من السباق الرئاسي، نظرًا لامتلاكه جنسية أمريكية، وصدور حكم غيابي ضده بالإعدام من محكمة مصراتة العسكرية. إلا أن محكمة الاستئناف بطرابلس قضت ببطلان حكم استبعاد حفتر من السباق الرئاسي، لتعيده للسباق مرة أخرى[4].

فيما كان استبعاد مفوضية الانتخابات لسيف الإسلام القذافي متوقعًا لأسباب سياسية وقانونية، خاصة بعد إبداء الولايات المتحدة الأمريكية تحفظها على هذا الترشح. بجانب، أن سيف الإسلام مطلوب من قبل المحكمة الجنائية الدولية، ومحكوم عليه غيابيًا بالإعدام من محكمة طرابلس (2015)، وهذا الحكم يحرمه من الحقوق المدنية مدى الحياة إلى غاية تنفيذ الحكم، وأولها حرمانه من المشاركة السياسية كمترشح أو كناخب.

ومع ذلك فقد طعن القذافي الابن أمام محكمة مدينة سبها (جنوب) حول قرار استبعاده من السباق الرئاسى، ولتقوم مليشيات حفتر بطرد القضاة وموظفي المحكمة، وحاصرت مقرها، لمنع إصدار الحكم. ورد أنصار القذافي بالتجمهر أمام المحكمة، كما أدانت روسيا استبعاد القذافي الابن من السباق الرئاسي، وانتقدت حكومة الوحدة عرقلة مليشيات حفتر للعملية الانتخابية. ولم تنسحب مليشيات حفتر إلا بعد انتهاء الآجال القانونية للطعن، ومع ذلك انعقدت المحكمة وأصدرت حكما بقبول الطعن، ما أعاد سيف الإسلام القذافي “مؤقتا” إلى السباق الرئاسي[5].

ثانيًا: هل تتسبب تلك الخلافات فى تأجيل الانتخابات؟:

تسببت تلك الخلافات حول الطعون والاستئناف الخاص بالمترشحين فى عدم الإعلان عن القائمة النهائية للمرشحين، التي كان من المفترض أن تُعلن، فى 6 ديسمبر 2021، كآخر موعد لها وفق الجداول الزمنية التي أعلنتها المفوضية العليا للانتخابات. ما يشير إلى إمكانية تأجيل الانتخابات الرئاسية إلى حين حسم الموقف القانونى – والأهم السياسى- من الشخصيات المترشحة.

وقد ظهرت مؤخرًا عدة مؤشرات على إمكانية تأجيل الانتخابات الليبية، منها؛ تأكيد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، بإن المنظمة الأممية “تريد أن تكون الانتخابات في ليبيا جزءًا من الحلّ وليس جزءًا من المشكلة”. بينما اعتبر رئيس مجلس الأمن الدولي، مندوب النيجر الدائم لدى الأمم المتحدة، عبده عباري، أن “الظروف ليست مواتية لإجراء انتخابات إيجابية”. وهى التصريحات التى قرئت على أنها تكشف عن قبول دولى وأممى لتأجيل الانتخابات[6]. وفى ذات السياق، فقد أشار موقع “العربى الجديد”، نقلًا عن مصادره، بوجود توافق إيطالى- فرنسى- مصرى على تأجيل الانتخابات الليبية، وأن هذه الدول الثلاثة تسعى إلى حث الجانب الأمريكى على القبول بتأجيلها[7].

كذلك باتت نية الأطراف الليبية لتأجيل الانتخابات تظهر للعلن بشكل واضح، فقد أعلنت المفوضية العليا للانتخابات في ليبيا مؤخرًا عن عدم وجود نية لتأجيل العملية الانتخابية التي ستجرى في موعدها المقرر بشهر ديسمبر الجاري، وقال سامي الشريف مدير المركز الإعلامي للمفوضية أن المقرر هو إجراء الانتخابات في موعدها إذا استمرت عملية الطعون والاستئناف وفقا لما تم إعداده في هذا الشأن، وذلك في ربط بين الالتزام بالموعد المحدد للانتخابات، وحسم موضوع الطعون والاستئناف وهو ما يعني ضمنيا إمكانية التأجيل في حالة عدم الانتهاء من الطعون، ورغم ذلك أوضح مدير المركز الإعلامي أن التأجيل قد يكون أربعة أو خمسة أيام فقط لحين الفصل في الطعون أو ما سماه «أسباب فنية»، وهو الحديث الذي أيده عماد السايح رئيس المفوضية من أن الموعد المقرر للانتخابات يعد من «المسائل الفنية» التي تخضع للمفوضية، وأن إمكاينة التأجيل واردة في حالة تأخر الفصل في الطعون المقدمة ضد المرشحين، ويرى بعض الحقوقيين الليبيين أن المفوضية تمتلك الحق في التأجيل بحسب الظروف الموجودة لأنها المسؤول الوحيد عن تنظيم إجراءات العملية الانتخابية[8].

وفى ذات السياق، فقد أكد رئيس مجلس الدولة، خالد المشرى، إلى أن انتخابات 24 ديسمبر، “لن تصل إلى محطتها الأخيرة.. وهي القبول والتسليم”[9]. كما اقترح المجلس الأعلى للدولة، فى 8 ديسمبر، تأجيل الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في 24 ديسمبر 2021 إلى فبراير 2022؛ بسبب الخلافات المستمرة بين المعسكرين المتنافسين، على أن يتم اجراء الانتخابات الرئاسية بنظام القائمة من رئيس ونائبين ورئيس حكومة، وأن تكون الدورة الزمنية لمجلس النواب والرئاسي أربع سنوات من تاريخ انتخابهم ولدورة واحدة وغير قابلة للتجديد. كما اقترح المجلس تنظيم الانتخابات الرئاسية فى فبراير بشكل “متزامن مع الانتخابات النيابية”[10].

ولا يبدو أن تأجيل الانتخابات مطلب خاص بالمجلس الأعلى فقط، فقد دعا مجلس النواب هو الأخر لجلسة طارئة استدعى إليها رئيسي المفوضية العليا للانتخابات والمجلس الأعلى للقضاء، لمساءلتهما حول ما وصف بـ”تجاوزات” بخصوص إجراءات قبول المرشحين للرئاسة. وذلك بعدما أبدى 70 نائبًا برلمانيًا، في بيان مشترك، قلقهم إزاء “التطورات السلبية للعملية الانتخابية”، وطالبوا بعقد جلسة برلمانية لمساءلة مفوضية الانتخابات والجهات القضائية المشرفة على العملية الانتخابية، واتهم النواب المفوضية بعدم تطبيق القوانين الانتخابية الصادرة عن مجلسهم، ما يعني إلغاء كل ما اتخذ من إجراءات لقبول المرشحين، والبداية من جديد، ما يعني أيضاً، تأجيل الانتخابات إلى موعد لاحق لضيق الوقت[11]. وهو ما أكدته بعض التقارير التى أشارت إلى أن هدف النواب المجتمعين هو تأجيل الانتخابات ومنع نشر القائمة النهائية لمرشحي الانتخابات الرئاسية[12].

ويبدو أن تلك المواقف التى تطالب بتأجيل الانتخابات لها ما يبررها على الأرض، إذ اشتكت مفوضية الانتخابات من تعرض 5 مراكز تابعة لها لسطو مسلح، واختطاف موظف، والاستيلاء على عدد من بطاقات الناخبين في كلًا من طرابلس ومدينة العزيزية[13]. ما دفع وزير الداخلية الليبي خالد مازن إلى التحذير من أن استمرار عرقلة الخطة الأمنية الخاصة بالانتخابات سينعكس على الالتزام بموعدها في الرابع والعشرين من ديسمبر الجاري[14].

ولكن فى المقابل، ووسط هذه المؤشرات على إمكانية تأجيل الانتخابات، إلا أن هناك ما يشبه الفيتو الأمريكى ضد تأجيلها. فقد أكد السفير الأميركي في ليبيا ريتشارد نورلاند في سلسلة تغريدات نُشرت على صفحة السفارة بـ”تويتر” إن “بلاده تشارك الليبيين والمجتمع الدولي مخاوفهم حول الانتخابات، وأنها تدعو كافة الأطراف إلى التهدئة وتخفيف التوترات واحترام العمليات الانتخابية القانونية والإدارية الجارية التي يقودها الليبيون”. وهو ما رأه مراقبون تمسك أمريكى بإجراء الانتخابات فى موعدها، خاصة أن تصريحات نورلاند جاءت في وقت تشتعل فيه معركة الطعون ضد مرشحين للانتخابات الرئاسية، ما أثار مخاوف من عرقلة الانتخابات بعد أن شملت تلك الطعون كلا من عبدالحميد الدبيبة وحفتر وسيف القذافى الذين نجحوا في العودة إلى السباق مرة أخرى[15].

كما أعلنت الأمم المتحدة عودة عرابة الاتفاق السياسي الليبي، الأميركية ستيفاني وليامز، إلى منصب المبعوث الخاص للأمين العام أنطونيو غوتيريش، وهو المنصب الذي شغلته ويليامز لفترة مؤقتة، بعد استقالة المبعوث الخاص اللبناني غسان سلامة، بداية العام الماضي، واعتبرت أفضل فترة لمبعوث أممي في البلاد، بنجاحها في التوصل إلى اتفاقين مهمين بين الأطراف الليبية على المستويين العسكري والسياسي، ووضعت خريطة طريق للخروج من الأزمة الليبية تنتهي بعقد الانتخابات العامة. وقد قرئت عودة ويليامز من قبل مراقبين بمحاولة أمريكية لإنقاذ العملية الانتخابية، قبل فوات الأوان[16]، ولقطع الطريق على متلاعبين سياسيين يراهنون على موظف أممي جديد لا يفهم في الملف قد ينساق وراء محاولات تأجيل الانتخابات.

ومع ذلك يقلل بعض المراقبين من أهمية عودة ويليامز في التأثير على مجريات الأمور في ليبيا؛ حيث يرى هؤلاء أن دورها سيكون محدودا وسيقتصر على تقديم المشورة لرئيسها غوتيريش ولن يسمح لها الجانب الروسي بالتدخل في إدارة البعثة الأممية بالفاعلية التي يطمح إليها الجانب الأميركي. وينظر متابعون إلى ما يجري في الأمم المتحدة من تطورات -بدأت باستقالة مفاجئة لكوبيش الذي يحسب على روسيا ويرجّح أنه تعرض لضغوط أجبرته على الاستقالة، ومن ثم تعيين ستيفاني ويليامز- على أنه دليل على استمرار الخلافات الدولية بشأن ليبيا. حيث أن تكليف ستيفاني مستشارة للأمين العام للأمم المتحدة من قبل الأمين العام نفسه وليس مبعوثة له بتكليف من مجلس الأمن مؤشر خطير يوحي بعدم التوافق الدولي حول ليبيا وخاصة بين روسيا وأميركا، كما يوحي هذا التكليف أيضا بالتحدي والقلق الذي تشعر به الإدارة الأميركية بشأن الأزمة في ليبيا والتدخل الروسي فيها، فلأول مرة تاريخيا تكون لموسكو قوات وقواعد عسكرية في ليبيا والدول المغاربية[17].

ثالثًا: هل تكون الانتخابات مخرجًا للأزمة الليبية؟:

لا يبدو أن تلك الانتخابات فى حالة إجرائها ستكون مخرجًا حقيقيًا للأزمة الليبية، وذلك فى ظل مجموعة من التحديات تتمثل أبرزها فى:

التحدى الأول، تنظيم الانتخابات، فالأسس القانونية التى تقوم عليها تلك الانتخابات تواجه انقسام حاد بين المجلس الأعلى للدولة بطرابلس ومجلس النواب بطبرق، حيث تجاهل مجلس النواب المجلس الأعلى للدولة (نيابي واستشاري) فيما يتعلق بإعداد قوانين الانتخاب الرئاسية والبرلمانية طبقا للاتفاق السياسي، وأن إجراء الانتخابات على أساسهما سيؤدي إلى الطعن فيهما، بجانب الخلاف حول إجراء الانتخابات الرئاسية أولًا (كما يرغب مجلس النواب) أم إجراء الانتخابات البرلمانية أولًا (كما يرغب المجلس الأعلى للدولة) أم إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بشكل متزامن (كما تنص الخارطة الأممية)[18].

التحدى الثانى، عودة شبح القذافي، ممثلاً بالجنرال خليفة حفتر أو بسيف الإسلام القذافي، وكلاهما مرشّح قوي في هذه الانتخابات التي قد تعيد ليبيا إلى الاستبداد الذي أطاحته ثورة الشعب الليبي عام 2011. وكلا الرجلين يجرّ وراءه ماضياً سيئاً. فحفتر ليس سوى جنرال فاشل في عهد القذافي، هو وجيشه الوطني متّهمان بارتكاب جرائم عديدة خلال العشرية الماضية، بما في ذلك استهداف مناطق مدنية، وإنشاء مقابر جماعية عُثر داخلها على رفات رجال ونساء وأطفال، وما زالت تلاحقه دعواتٌ تطالب بمحاسبته على تلك الجرائم التي ترقى إلى جرائم حرب.

وفي المقابل، عاد سيف الإسلام القذافي، مثل كابوس مزعج، عندما أعلن استعداده لقيادة ليبيا التي خرّبها والده بعد أربعة عقود من الحكم الاستبدادي، وذلك على الرغم من أنه مطلوب من المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وتحديداً دوره المزعوم في قمع الاحتجاجات في عام 2011، وهو متهم داخلياً أيضاً بتعاونه مع المرتزقة الروس.

التحدّي الثالث، وهو شفافية تلك الاستحقاقات، إذ يتخوف مراقبون كثيرون من محاولات تزوير نتائجها، ما سيفتح البلاد أمام صراعاتٍ داخليةٍ جديدةٍ، خصوصاً أنّ هذه الاستحقاقات ستجري في ظل استمرار الانقسامات التقليدية بين الغرب والشرق الليبيين، على الرغم من عملية السلام التي ترعاها الأمم المتحدة[19].

وقد زادت الشكوك حول إمكانية تزوير الانتخابات بعد الأحكام القضائية الأخيرة بخصوص المرشحين، وإظهار القضاة كطرف في الأزمة السياسية. فقد أصدرت محاكم طرابلس وسبها عدة أحكام تتعلق بالمرشحين لرئاسة البلاد، كان أشهرها الحكم بأحقية رئيس الحكومة الليبي، عبد الحميد الدبيبة، في الترشح، ورفض الطعن ضده، وكذلك رفض الطعن المقدم ضد المرشح خليفة حفتر، والحكم بعودة سيف الإسلام القذافي لقائمة المرشحين النهائية[20].

التحدي الرابع، قبول نتائج الانتخابات حتى لو كان التصويت نفسه نزيهاً، فكل طرف من القوى الفاعلة ما انفك يعلن بوضوح أنه لن يعترف بنتائج لا تصب في مصلحة مرشحه، وسيجد بالتأكيد ما يعتمد عليه في ذلك[21]. مثلا، في حال فوز خليفة حفتر المحسوب على الشرق الليبي، لن يقبل الغرب الليبي بنتائج الانتخابات. وفي حال فوز عبد الحميد الدبيبة المحسوب على الغرب الليبي فإن الشرق الليبي المُسَيطر عليه من حفتر وعقيلة صالح لن يقبل بنتائج الانتخابات. ويزيد من تعقيد هذه المسألة أنّ لدى كل طرف من طرفي الصراع الفصائل والمليشيات والجيوش القادرة على تنفيذ تهديده وعدم التسليم بالنتائج. وبالتالي، لن تكون القضية هنا إجراء الانتخابات بقدر ما تكون ضمان احترام جميع الأطراف نتيجتها، وهذه المسألة غير مؤكّدة في الواقع الليبي[22].

التحدّي الخامس، دور القوى الخارجية التي بفضل ضغطها تجري هذه الانتخابات، لكن لكل جهة منها حساباتها الخاصة من ورائها، وفي حال عدم تحقّقها، لن تسلّم بنتائجها بسهولة، وستعمل من خلال أدواتها في الداخل على تقويض عملية التحوّل الديمقراطي في ليبيا، وعرقلة كل محاولة الوصول إلى تسوية طويلة الأمد. يضاف إلى ذلك وجود أكثر من عشرين ألف مرتزق تحت إمرة أمراء الحرب الأهلية، ما زالوا يسيطرون على أجزاء مهمة من البلاد، في ظل استمرار الانقسامات بين الغرب والشرق، ما يهدّد بحدوث مزيد من الصراعات مستقبلاً، بناءً على نتائج هذه الانتخابات، من دون أن ننسى عشرات الآلاف من القوات الأجنبية الذين لا يزالون داخل ليبيا، على الرغم من الاتفاق على مغادرتهم[23].

أيضًا، فإن هذه القوى قد تدفع نحو تأجيل الانتخابات – بقصد أو بغير قصد- بالطرق الدبلوماسية، وهو ما يمكن تلمسه من استقالة السلوفاكي يان كوبيتش، من منصب المبعوث الأممي إلى ليبيا، ما يجعل المنصب شاغرا، في ظل خلاف دولي حول اسم الشخصية التي ستخلفه، قبيل أسبوعين من موعد الانتخابات الرئاسية.

وتتصارع على تسمية مبعوث أممي إلى ليبيا ثلاث كتل رئيسية، الأولى تتزعمها الولايات المتحدة وخلفها كل من بريطانيا وفرنسا، دائمتي العضوية، إضافة إلى دول أوروبية غير دائمة العضوية، والتي عارضت بشدة تسمية شخصية إفريقية لهذا المنصب، وتفضل أن يكون المبعوث الأممي أمريكيًا أو أوروبيًا.

أما الكتلة الثانية فتقودها روسيا وتدعمها الصين، وعارضت عدة مرات ترشيح الولايات المتحدة أسماء أوروبية، أو حتى التمديد للأمريكية ويليامز، ولو بالإنابة على رأس البعثة الأممية، وتفضل بالمقابل أن يتولى هذا المنصب شخصية عربية إفريقية.

وتتقارب مواقف روسيا مع الكتلة الإفريقية، التي لا تملك أي من دولها مقعدًا دائمًا في مجلس الأمن، لكنها تحوز مقعدين غير دائمين إلى ثلاثة مقاعد في المجلس (النيجر وكينيا تمثلان حاليًا الكتلة الإفريقية، إلى جانب تونس التي تمثل الكتلة العربية).

وتطالب الكتلة الإفريقية أن يكون المبعوث الأممي إلى ليبيا من القارة السمراء، خاصة وأنها بلد إفريقي، ومع ذلك لم يعين حتى الآن أي مبعوث أممي إليها من إحدى دول الاتحاد الإفريقي، وهو ما تعتبره تهميشا لها في أحد الملفات التي تعنيها بشكل مباشر.

وتداولت وسائل إعلام عربية وغربية عدة أسماء لخلافة كوبيتش، بينها الدبلوماسي البريطاني نيكولاس كاي، ومنسق البعثة الأممية في ليبيا، الزيمبابوي ريزدون زنينغا، وكذلك الأمريكية ستيفاني ويليامز، المبعوثة الأممية السابقة بالإنابة لليبيا.

وفي ظل صعوبة توافق أعضاء مجلس الأمن على شخصية بعينها، في أسرع وقت، لجأ غوتيريش إلى خيار ذكي، حيث عين الأمريكية ويليامز، مستشارة خاصة له في ليبيا، بدل اقتراحها رئيسة للبعثة الأممية في البلاد. ولجأ غوتيريش إلى هذا الخيار “لتجنب إجراء تصويت آخر مثير للجدل في مجلس الأمن”[24].

ومن بين العناوين الرئيسة للملفّ الأمني – العسكري، الوجود التركي على الأراضي الليبية، والذي توجهت اللجنة العسكرية المشتركة «5+5»، بصحبة وفد من الأمم المتحدة، إلى أنقرة لبحثه، قبيل مغادرتها إلى موسكو لبحْث المسألة نفسها. وبينما أبدت تركيا استعدادها لمغادرة ليبيا، «شرْط أن يتمّ سحْب قوات جميع المعنيين في الوقت نفسه»، برز موقف إماراتي – فرنسي لافت بالتشديد على ضرورة «انسحاب المرتزقة من ليبيا»، وذلك بعدما تمكّنت فرنسا، خلال زيارة رئيسها إيمانويل ماكرون لأبو ظبي (3 ديسمبر الحالى)، من تأمين أكبر طلب مشتريات لطائراتها الـ«رافال» والـ«كاراكال» بقيمة لا تقلّ عن 17 بليون يورو، في صفقة وصَفها ماكرون بأنها «أكبر عقد عسكري في تاريخنا». وتنبئ هذه الصفقة بأن التنسيق الفرنسي – الإماراتي الأمني في ليبيا وأفريقيا جنوب الصحراء، سيتعزّز بشكل كبير خلال المرحلة المقبلة، فيما يَظهر واضحاً أن واقع ما بعد الانتخابات الليبيبة سيكون محكوماً بتلك الترتيبات والتوافقات[25].

أضف إلى ذلك، استخدام ليبيا كورقة تفاوضية بين القوى الدولية المتصارعة (روسيا وأمريكا)، ففى ظل تصاعد الصراع الحالى بين روسيا من جانب وأمريكا والدول الأوروبية من جانب أخر على حدود أوكرانيا فى ظل الحديث الغربى عن حشود للقوات الروسية على حدود ‎أوكرانيا لاجتياحها.

فالتواجد الروسي في ليبيا ممثلا في المرتزقة الفاجنر وهم واجهة التدخل الروسي، يعتبر بالنسبة لأمريكا حصارًا لأوروبا من جنوبها وهذا يحدث لأول مرة في التاريخ، كما يمثل هذا التواجد العسكري، منفذا لروسيا إلى جنوب الصحراء الأفريقية حيث تتواجد القوات الأمريكية لمكافحة الإرهاب.

ويعبر عن القلق الأمريكي قائد القيادة الأفريقية في الجيش الأمريكي، الجنرال ستيفن تاوساند وتصريحه الذي أوردته محطة سي إن إن الإخبارية، حيث قال إذا سُمح لروسيا بتشكيل النتيجة النهائية للصراع الليبي فإن ذلك لن يعجب أمريكا والناتو وأوروبا، وأضاف تاوساند: تمامًا كما رأيتهم الروس يفعلونه في سوريا، يقومون بتوسيع رقعة وجودهم العسكري في أفريقيا باستخدام مجموعات مرتزقة مدعومة من الحكومة.

ولذلك فإن الوسيلة المجدية أمريكيا للخروج العسكري الروسي من ليبيا يتمثل في ثلاثة عناصر: الأول هو الاغراء الاقتصادي والمتمثل في تخصيص حصة من كعكة إعادة الاعماء للشركات الروسية. أما العنصر الثاني فهو انتخاب حكومة ليبية شرعية تدعو القوات الأجنبية للخروج وتكون دعوتها مؤيدة أمميا ودوليا. أما العنصر الثالث وهو العملي فيقوم على مقايضة روسيا في ملفات أخرى مثل الملف الأوكراني، وهذا يفسر التصعيد الأمريكي الأخير وتحريض الحكومة الأوكرانية على استفزاز روسيا باتهامها بالإعداد لغزو أوكرانيا، ومن ثم طلب الدعم الأمريكي الغربي لذلك الذي سيكون حينها مقابلا للانسحاب الروسي من ليبيا[26].

لذا، فالأولى هنا، وقبل إجراء هذه الانتخابات، أن يتم عقد جلسات حوار وطني جامع بين كل مكونات الشعب الليبي، ومن جميع المناطق، تكون مقدّمة لإنهاء حالة الانقسام السياسي والجهوي والمناطقي، وتعمل، في الوقت نفسه، على توحيد المؤسسات المنقسمة وسحب السلاح من المليشيات والقوات غير النظامية وإخراج المرتزقة، إلى جانب صياغة قوانين انتخاب تحظى بقبول الجميع، مع وضع سقفٍ زمنيٍّ لإنجاز كل تلك المتطلبات، قبل البدء بتدشين مرحلة جديدة لعهد جديد يبدأ بانتخاباتٍ حرّة ونزيهة وشفافة، تحظى باعتراف دولي وقبول شعبي؛ لأنه فى حالة إجراء الانتخابات بوضعها الحالى فإنها ستكون باباً جديداً للخلافات، الأمر الذي يعني العودة إلى نقطة الصفر، ودخول البلاد في دوامة سياسية أعنف من تلك التي حصلت عام 2014[27].

 

 

[1] “عودة التهديدات: هل تؤثر الاضطرابات الأمنية على مسار الانتخابات الليبية؟”، المركز العربى للبحوث والدراسات، 8/12/2021، الرابط: https://bit.ly/30cKV7u

[2] ” عودة الدبيبة إلى السباق الرئاسي: ترحيب شعبي واسع وجدل حول قانون الانتخابات”، العربى الجديد، 2/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3pEOnR2

[3] “ليبيا.. قائمة المرشحين النهائية تكشف ملامح الرئيس المقبل (تحليل)”، الأناضول، 6/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3ExSy7v

[4] ” عودة حفتر للسباق الرئاسي الليبي”، البيان، 6/12/2021، الرابط: https://bit.ly/33cyE47

[5] “ليبيا.. قائمة المرشحين النهائية تكشف ملامح الرئيس المقبل (تحليل)”، مرجع سابق.

[6]  المرجع السابق.

[7] “توافق على تأجيل الانتخابات الرئاسية الليبية ينتظر الموقف الأميركي.. ومصر تجهز لمؤتمر للمترشحين”، العربى الجديد، 5/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3dwZdTs

[8] “الانتخابات الليبية على صفيح ساخن بين الطعون والاستئناف… تدافع اللحظات الأخيرة يهدد العملية الديمقراطية”، المجلة، 6/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3lL27Zn

[9] “ليبيا.. قائمة المرشحين النهائية تكشف ملامح الرئيس المقبل (تحليل)”، مرجع سابق.

[10] “مجلس الدولة الليبي يقترح تأجيل الانتخابات الرئاسية”، البيان، 8/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3pB0LkW

[11] “بوادر التأجيل تحيط بالعملية الانتخابية الليبية قبل أيام من انطلاقها”، إندبندنت عربية، 7/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3GltzVb

[12] “عودة ستيفاني رسالة أميركية للمعرقلين: الانتخابات في موعدها”، العرب، 8/12/2021، الرابط: https://bit.ly/31GOBPl

[13] “ليبيا.. سطو مسلّح على 5 مراكز اقتراع واختطاف موظف”، الأخبار، 2/12/2021، الرابط: https://bit.ly/31vP9b3

[14] “فيتو أميركي يُقلص من مخاوف تأجيل الانتخابات الليبية”، العرب، 2/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3lGcduv

[15] المرجع السابق.

[16] “بوادر التأجيل تحيط بالعملية الانتخابية الليبية قبل أيام من انطلاقها”، مرجع سابق.

[17] “عودة ستيفاني رسالة أميركية للمعرقلين: الانتخابات في موعدها”، مرجع سابق.

[18] ” العراقيل التي تحول دون إجراء الانتخابات الليبية”، البيان، 30/11/2021، الرابط: https://bit.ly/3DBE05k

[19] ” في تحدّيات الانتخابات الليبية”، العربى الجديد، 24/11/2021، الرابط: https://bit.ly/3pzZnPv

[20] “حملة هجوم على القضاء الليبي.. هل تؤثر على الانتخابات؟”، عربى21، 8/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3IGmoZY

[21] “رئاسيات ليبيا من حرب الطعون إلى لحظة الاختيار”، العرب، 7/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3DwLo1V

[22] ” هل لا تزال الانتخابات الليبية أولوية؟”، العربى الجديد، 4/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3pzRMjX

[23] ” في تحدّيات الانتخابات الليبية”، مرجع سابق.

[24] ” وسط خلاف دولي.. ما بدائل غوتيريش لاختيار مبعوثه إلى ليبيا؟ (تحليل)”، الأناضول، 8/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3rNjlJq

[25] “انتخابات بلا آمال: ليبيا عالقة بالدوّامة”، الأخبار، 9/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3ICWp5p

[26] ” ‏ ليبيا وأوكرانيا… صفقة تبادلية”، البيان، 29/11/2021، الرابط: https://bit.ly/3oy9vJ9

[27] ” هل لا تزال الانتخابات الليبية أولوية؟”، مرجع سابق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

‫شاهد أيضًا‬

تعيين فتحي باشاغا رئيسًا جديدًا للحكومة الليبية المؤقتة: قراءة فى المواقف والتداعيات

    صوت مجلس النواب الليبي، فى 10 فبراير 2022 على نحو عاجل لتعيين وزير الداخلية …