‫الرئيسية‬ العالم العربي ليبيا الانتخابات الليبية بين حتمية التأجيل وآفاق إنهاء الانقسام
ليبيا - ديسمبر 16, 2021

الانتخابات الليبية بين حتمية التأجيل وآفاق إنهاء الانقسام

كيف يمكن فهم الموقف المصرى من الانتخابات الليبية؟

 

بعد كثير من التجاذبات بين الفرقاء الليبيين، أعلنت المفوضية الوطنية العليا للانتخابات في ليبيا، في 11 ديسمبر 2021، عن تأجيل إعلان القوائم النهائية للمرشحين للانتخابات الرئاسية، بهدف مراجعة كافة الأحكام القضائية الخاصة بالطعون التي تم تقديمها من أو ضد المترشحين. وقد كان من المفترض -وفقاً للجدول الزمني المعلن للتجهيزات الخاصة بالانتخابات الرئاسية الليبية- أن يتم الإعلان عن القوائم النهائية للمرشحين يوم 6 ديسمبر الماضي، مع إغلاق باب الطعون النهائية وبدء الدعاية الانتخابية. وبتأجيل إعلان قائمة المرشحين يكون من المستبعد، عملياً، الالتزام بالموعد المقرر لإجراء الانتخابات فى 25 ديسمبر القادم أى خلال أقل من أسبوعين، وبذلك يكون ملف الانتخابات الليبية قد انتهى إلى المسار المرجح من قبل أغلب المراقبين، وهو إرجاء الانتخابات، ومن ثم إطالة أمد المرحلة الانتقالية[1].

أولًا: حتمية تأجيل الانتخابات:

يمكن القول أن تأجيل عملية إجراء الانتخابات الليبية عن موعدها المقرر فى 24 ديسمبر القادم أصبح أمرًا حتميًا؛ لمجموعة من الأسباب منها:

1- غياب التوافقات السياسية: فلايزال الانقسام بين الشرق والغرب على أشده، وكانت أخر تجليات هذا الأمر فى موضوع الانتخابات؛ الخلاف حول الأسس القانونية التى تقوم عليها تلك الانتخابات، والتى واجهت انقسامًا حادًا بين المجلس الأعلى للدولة بطرابلس ومجلس النواب بطبرق، حيث تجاهل مجلس النواب المجلس الأعلى للدولة (نيابي واستشاري) فيما يتعلق بإعداد قوانين الانتخاب الرئاسية والبرلمانية طبقا للاتفاق السياسي، بجانب الخلاف حول إجراء الانتخابات الرئاسية أولًا (كما يرغب مجلس النواب) أم إجراء الانتخابات البرلمانية أولًا (كما يرغب المجلس الأعلى للدولة)[2]. فضلًا عن رغبة مجلس النواب فى الاستفتاء على الدستور أولًا قبل إجراء الانتخابات وهو ما يرفضه مجلس النواب.

كذلك، فهناك الخلاف حول الشخصيات الجدلية، ففى حين ترفض المنطقة الغربية ترشح اللواء المتقاعد خليفة حفتر بدعوى ارتكابه جرائم حرب، وصدور حكم غيابي ضده بالإعدام من محكمة مصراتة العسكرية، وحمله للجنسية الأمريكية (وهى الأشياء الكفيلة باستبعاده من الانتخابات وفق القانون الخاص بالانتخابات الرئاسية). فإن المنطقة الشرقية ترفض ترشح رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة بدعوى أنه لم يتخلى عن منصبه قبل 3 أشهر من موعد الانتخابات (وفقًا لأحد بنود القانون الخاص بالانتخابات الرئاسية)، بجانب ترشحه للانتخابات بعد تعهده بعدم الترشح أثناء اختياره رئيسًا لحكومة الوحدة الوطنية فى فبراير الماضى من قبل ملتقى الحوار السياسى. ولتزداد الأمور تعقيدًا بعد ترشح سيف القذافى نجل الرئيس الراحل معمر القذافى بإعلان ترشحه، وهو ما ترفضه المنطقتين الشرقية والغربية، خاصة وأن سيف الإسلام مطلوب من قبل المحكمة الجنائية الدولية، ومحكوم عليه غيابيًا بالإعدام من محكمة طرابلس (2015)، ولكن يبدو أن القذافى يحظى بدعم فى المنطقة الجنوبية، وهو ما ظهر خاصة بعد ظهوره فى منطقة سبها تحت حماية مليشيات عسكرية تتبعها، وهو ما تأكد أكثر بعدما أعادته محكمة سبها القذافى للسباق الرئاسى.

وقد انتقل هذ الخلاف إلى القضاء، حيث ثبتت محكمة طرابلس الدبيبة في قائمة المترشحين رغم استبعاده في الطعون الابتدائية. وبالنسبة لحفتر، فأن محكمة الزاوية الابتدائية استبعدته من الرئاسيات ثم أعادته محكمة استئناف طرابلس للسباق الرئاسي مجددًا. وبالنسبة للقذافى، فقد استبعدته مفوضية الانتخابات ثم أعادته محكمة سبها للسباق الرئاسى مرة أخرى.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، ففى أحدث حلقات مسلسل تسيس القضاء، فقد أصدر مجلس النواب قانوناً بشأن تعديل بعض أحكام قانون نظام القضاء يجعل رئيس التفتيش القضائي رئيساً للمجلس الأعلى للقضاء، بعد أن كان رئيس المحكمة العليا هو من يتولى هذا المنصب، وبناء عليه لم يعد رئيس المحكمة العليا محمد الحافي رئيساً للمجلس، وهو القرار الذى رفضه الحافى[3].

2- اشتداد التوترات الأمنية: فقد واكب الاستعداد لعملية الانتخابات توترًا أمنيًا واضحًا، حيث أقدمت بعض المليشيات المسلحة على إغلاق مقرات المفوضية في الزاوية ثم طرابلس غرب البلاد، كما صاحبت عملية الطعن على ترشح سيف الإسلام القذافي في محكمة سبها جنوب البلاد ثم استئنافه مظاهر مماثلة، وبالتالي لا يمكن استبعاد تنامي مستوى التوتر الأمني، على نحو لا يتوافق مع إجراء الانتخابات في أجواء آمنة[4].

كذلك فقد اشتكت مفوضية الانتخابات من تعرض 5 مراكز تابعة لها لسطو مسلح، واختطاف موظف، والاستيلاء على عدد من بطاقات الناخبين في كلًا من طرابلس ومدينة العزيزية[5]. ما دفع وزير الداخلية الليبي خالد مازن إلى التحذير من أن استمرار عرقلة الخطة الأمنية الخاصة بالانتخابات سينعكس على الالتزام بموعدها في الرابع والعشرين من ديسمبر الجاري[6].

كما هدد قائد “لواء الصمود” في العاصمة الليبية طرابلس، صلاح بادي، بغلق كل مؤسسات الدولة في طرابلس، لأنها “تشتغل للخارج وليس للداخل”. جاء ذلك في مقطع مصور، جرى تداوله على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، ويظهر بادي وهو يتحدث خلال اجتماع مع مجموعة من قادة المجموعات المسلحة الليبية، وشن هجومًا عنيفًا على مستشارة الأمين العام للأمم المتحدة ستيفاني وليامز، واعتبر أن لها “دورًا إجراميًا” خلال الهجوم على طرابلس، قائلاً: “لن تبقى على أراضينا”. وتناقل نشطاء على مواقع التواصل أنباء تفيد بقيام مجموعة مسلحة لا يعرف تبعيتها بالسيطرة على مقر رئاسة الوزراء بطريق السكة في العاصمة طرابلس[7].

أيضًا فقد شهدت مدينة سبها عاصمة الجنوب الليبي، فى 14 ديسمبر، اندلاع اشتباكات مسلحة بين كتيبة الـ116 التابعة لـ”حكومة الوحدة الوطنية” التي يرأسها عبد الحميد الدبيبة، وكتائب تتبع القيادة العامة لـ”الجيش الوطني الليبي” الذي يقوده خليفة حفتر. هذا الاشتباك يُعتبَر تطوراً جديداً في الصراع بين القوتين المحليتين في سبها، فمنذ أن غيرت كتيبة الـ116 ولاءها عن حفتر وصارت تتبع الحكومة الجديدة في طرابلس، بدأ الاحتقان بينها وبين الكتائب الأخرى، ولكنه لم يُترجَم في الفترة الماضية إلى اشتباك مسلح[8].

3- الارتباك الأممي: لا شك أن استقالة المبعوث الأممي يان كوبيتش في توقيت حرج قبيل شهر من موعد الانتخابات تعد مؤشراً على حجم الإشكاليات والتحديات الداخلية والخارجية التي لم يتمكن معها كوبيتش من المضى قدماً في المسار حتى النهاية. ورغم تجاوز هذه العقبة، بإعادة ستيفاني وليامز المبعوثة السابقة بالإنابة إلى المشهد، كمبعوث خاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى ليبيا، في محاولة لإنقاذ الموقف، إلا أن ذلك لا يخفي الارتباك الأممي، على نحو بدا جلياً في تعثر عملية تعيين نيكولاس كاى، حيث أن تعيين مبعوث جديد سيستغرق المزيد من الوقت للتوافق عليه كما أنه سيكون في حاجة لوقت إضافي للتعرف على المشهد وأطرافه وأبعاده، في حين تمتلك وليامز خبرة كبيرة، إضافة لكونها الأكثر دراية بتفاصيل الملف بحكم أنها مهندس خريطة طريق عملية الانتقال السياسي، لكن فى الوقت ذاته من الصعوبة بمكان حلحلة الأزمة خلال أسبوعين فقط (الفترة ما بين انتهاء مهمة كوبيتش في 10 ديسمبر وبين موعد الانتخابات في 24 من الشهر ذاته)[9].

4- لا يشكل سيناريو تأجيل الانتخابات سابقة: ففي المشهد الليبي القريب، دخلت خريطة الطريق حيز التنفيذ الفعلي بعد إعلان وقف إطلاق النار (أكتوبر 2020) بعدة أشهر، وكان مخططاً أن تجرى عملية تشكيل السلطة التنفيذية الانتقالية (حكومة الوحدة الوطنية- المجلس الرئاسي) كخطوة أولى وفق جدول أعمال خريطة الطريق الانتقالية في يناير 2021، إلا أن تلك العملية استغرقت نحو 4 أشهر أخرى لهندسة الإجراءات بشكل سليم، في إطار توافقات سياسية وضمانات واضحة.

في المقابل، ستُرحَّل استحقاقات أخرى مدرجة ضمن خريطة الطريق إلى ما بعد الانتخابات، كملف توحيد المؤسسة العسكرية وإجلاء المرتزقة والمقاتلين الأجانب، حيث أثبتت الممارسة العملية أن هناك حاجة إلى ظروف وسلطة مختلفة لإنجاز هذه الملفات. ولم يؤد ذلك إلى إفشال المسار الانتقالي، بل على العكس من ذلك حفَّز الأطراف على الالتزام بوقف إطلاق النار، والبناء التدريجي على تلك الخطوة، ولو بشكل متباطىء[10].

5- تأجيل الانتخابات أفضل من إجرائها: يبدو أن تأجيل الانتخابات قد يكون أفضل بكثير من إجرائها بشكلها الحالى الذى قد يعمق من حالة الانقسام الليبى. ففى حالة فوز الدبيبة، فلن يعترف حفتر بشرعيته، وسيعرقل فرض سلطة الرئيس الجديد على مناطق سيطرته في الشرق. أما إذا فاز حفتر بالرئاسة، فلن تُمكنه كتائب المنطقة الغربية من دخول العاصمة طرابلس. بينما إذا فاز سيف الإسلام، فإن كلا من كتائب المنطقة الغربية ومليشيات حفتر، لن تقبل به رئيسًا على البلاد، وامتلاك القذافي الابن، شرعية رئاسية قد يدفع أنصاره للاحتشاد حوله أكثر خاصة في المنطقة الجنوبية، كما قد توفر له روسيا دعمًا عسكريًا عبر شركة فاغنر. وقد تنفجر الأوضاع حينها إلى حرب أهلية جديدة، يسيطر فيها حفتر على الشرق، والقذافي الابن بدعم من فاغنر على الجنوب، والدبيبة على المنطقة الغربية، ما قد يمهد لتقسم البلاد[11].

وبناءً على ما سبق؛ فإن أغلب المراقبين والسياسيين يرجحون تأجيل الانتخابات، ويتحدثون فقط عمن سيقوم بالإعلان عن هذا القرار، وهل ستقوم به المفوضية العليا للانتخابات أم المبعوثة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة ستيفانى ويليامز أم سيتم الإعلان عن قرار التأجيل عبر بيان مشترك من الجانبين؟. كذلك تتعدد الأحاديث حول مدة التأجيل؛ وهل سيكون تأجيلها لمدة شهر أم أثنين أم ثلاثة أم أربعة أشهر.

ثانيًا: تأجيل الانتخابات وآفاق إنهاء الانقسام:

لا يعنى تأجيل الانتخابات إعادة الصراع العسكرى بين الأطراف الليبية مرة أخرى، فقد ظهرت خلال الفترة الماضية مجموعة من الخطوات التى تهدف إلى إنهاء الانقسام بين الأطراف الليبية المتنازعة، والتى قد تكون مدخلًا لإنهاء الخلاف بينهما حول العملية الانتخابية؛ تتمثل أبرز هذه الخطوات فى:

1- عودة ويليامز: خلال توليها رئاسة البعثة الأممية في ليبيا بالإنابة، أظهرت ستيفاني ويليامز قدرة كبيرة على السيطرة على مسار المباحثات، وممارسة الضغوط اللازمة على اللاعبين المحليين لدفعهم نحو التوصل إلى صيغة مؤقتة للتوافق، بشكل أدى إلى إنهاء الانقسام وانتخاب سلطة جديدة. وقد استندت ويليامز في ممارسة هذا الدور إلى الدعم الأمريكي بالأساس، فضلاً عن استفادتها من التوازنات القائمة بين اللاعبين الخارجيين على الساحة الليبية، ووجود مساحة مشتركة من المصالح المرتبطة بتجميد الصراع العسكري. وخلق الإنجاز الذي حققته ويليامز حالةً من التفاؤل بإمكانية استكمال خارطة الطريق خلال فترة تولي خلفها في المنصب يان كوبيتش.

فعلى خلاف التوقعات، أظهرت فترة تولي كوبيتش لمنصبه حالةً من فقدان السيطرة على اللاعبين المحليين، الذين تمكّنوا في النهاية من التلاعب باستحقاقات الشهور الماضية، بشكل أفضى إلى كثير من التعقيدات، ومن ثمّ الوصول إلى الهدف المشترك بين كثير من الخصوم المحليين، وهو تأجيل إجراء الانتخابات.

ويمكن القول إن إعادة ويليامز إلى الساحة الليبية مرة أخرى تهدف إلى استعادة المجتمع الدولي زمام القيادة في إدارة المشهد الليبي. ولمزيد من التوضيح، تجدر الإشارة إلى أن مواقف الأطراف الخارجية والداخلية الفاعلة في الصراع خلال الشهور الماضية أظهرت وجودَ مساحات ممكنة من التوافق بين اللاعبين الخارجيين، في مقابل الطابع الصفري الذي يسيطر على مواقف الأطراف الداخلية؛ وهذه الرؤية الصفرية للصراع تدفع تلك الأطراف نحو عرقلة تنفيذ خارطة الطريق، أو العمل على تنفيذها بشكل يدفع الخصوم نحو انتهاج سلوكيات تصعيدية تربك المشهد السياسي بأكمله[12].

وفى ظل صعوبة استبعاد المرشحين حاليًا بالطرق القانونية لانتهاء فترة الطعون والاستئناف عليها، فإن هذا يفتح الباب أمام صيغ توافقية أو سياسية، سيتم من خلالها تمرير القائمة النهائية للمرشحين، سواء عبر انسحاب بعض المرشحين، وهو ما يمكن قراءته في اللقاءات المتتالية لمستشارة الأمين العام للأمم المتحدة في طرابلس ستيفاني ويليامز.

فمنذ وصول ويليامز إلى العاصمة طرابلس، التقت مع مجموعة كبيرة من الشخصيات السياسية والحكومية الليبية، منها خالد المشري رئيس المجلس الأعلى للدولة، ورئيس الأركان المعين من جانب حكومة الوفاق الوطني السابقة محمد الحداد، ورئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، ورئيس المجلس الأعلى للقضاء محمد الحافي، ورئيس مجلس النواب المكلف فوزي النويري، ووزيرة الخارجية نجلاء المنقوش، ورئيس المفوضية العليا للانتخابات عماد السايح، ووزير الخارجية خالد مازن، ورئيس المؤسسة الوطنية للنفط مصطفى صنع الله، والنائب بالمجلس الرئاسي موسى الكوني، ووزيرة العدل حليمة إبراهيم عبد الرحمن.

كما زارت ستيفاني مدينة مصراتة، ودخلت مقر المجلس البلدي الخاص بالمدينة. لقاءات ستيفاني المتعددة الاتجاهات، تشير بشكل واضح إلى رغبة أمريكية في الدفع قدمًا نحو عقد الانتخابات، لكن مع تنحية بعض المرشحين جانبًا، سواء عبر بعض التسويات السياسية، أو عبر الإقصاء خاصة أن القوائم النهائية للمرشحين لم تصدر بعد[13].

وفى السياق، تسعى ويليامز إلى حل النزاع الدائر حول القضاء، فقد عقدت لقاء مع رئيس مجلس القضاء الأعلى المقال من منصبه محمد الحافي، وحمل إشارات واضحة لرفض القانون البرلماني الذي أجرى تغييرات جذرية على المؤسسة القضائية، والذى بموجبه تم إقالة الحافى.

وقالت وليامز عبر حسابها على “تويتر”، “التقيت رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي محمد الحافي في مقر المحكمة العليا بطرابلس، واتفقنا على الأهمية الحاسمة للحفاظ على وحدة القضاء واستقلاليته بعيداً من كل النفوذ السياسي والخلافات”. وأشارت المبعوثة الأممية إلى رغبة البعثة الدولية في التحقيق بملابسات الأحداث التي رافقت إصدار الأحكام القضائية بحق المترشحين للرئاسة خلال الأسابيع الماضية، قائلة إن “الأمم المتحدة لن تتهاون مع الترهيب والاعتداء على القضاة والأجهزة القضائية”[14].

2- تنشيط عوامل التوافق: بالتزامن مع استقالة كوبيتش وعودة ويليامز، بدأت مجموعة من الخطوات على صعيد تنشيط عوامل التوافق، بعيداً عن الاقتصار على الجوانب الإجرائية المتعلقة بالعملية الانتخابية، وفي اتجاه إعادة الاعتبار للمسارين الاقتصادي والعسكري. فعلى الرغم من أن المسارين الأخيرين كانا يحظيان بالاهتمام اللازم، إلا أن التقدُّم الحاصل فيهما لم يكن كافياً لتوفير بيئة داعمة لإجراء الانتخابات. ومن أبرز التحركات الجديدة على المسارين الاقتصادي والعسكري ما يلي:

– اجتماع كل من رئيس المصرف المركزي، الصديق الكبير (الممثل لمصالح غرب ليبيا)، ونائبه علي الحبري (الممثل لمصالح الشرق الليبي) بتاريخ 6 ديسمبر، للاتفاق على إطلاق عملية “التوحيد الفعلي” لفرعيّ المصرف المركزي شرق وغرب البلاد، وهو الاجتماع الذي وصفه الحساب الرسمي للمصرف على موقع تويتر بأنه “الأهم” لتوحيد فرعيّ المصرف.

– اجتماع أعضاء لجنة 5 + 5 الخاصة بالمسار العسكري في كلٍّ من أنقرة وموسكو بتاريخ 4 و9 ديسمبر على التوالي، لبحث ملف انسحاب المقاتلين الأجانب. كما أجرت ستيفاني ويليامز، في أول نشاط لها بعد تعيينها في منصبها الجديد، اتصالاً مع أعضاء اللجنة فور وصولهم موسكو. وعلى صعيد آخر، استضافت مدينة سِرت، في 11 ديسمبر، اجتماعاً بين رئيس الأركان المكلف في شرق البلاد الفريق عبد الرازق الناظوري، برئيس الأركان التابع لسلطة طرابلس الفريق محمد الحداد؛ وهو الاجتماع الأرفع على المستوى العسكري بين الطرفين منذ بدء المباحثات حتى الآن.

يعكس هذا الحِراك النشط على المسارين الاقتصادي والعسكري، والمتزامن مع تعثُّر إجراء الانتخابات في موعدها، وعيَ المجتمع الدولي بأن التركيز المفرط على الالتزام بموعد إجراء الانتخابات أدى إلى اختلال العمل على المسارات الثلاثة للتسوية، بحيث ظلت العوامل الصلبة للانقسام قائمة، بشكل قد يُفرغ أي خطوات خاصة بالاستحقاق الانتخابي من أهميتها.

وفي مقابل التطورات الظاهرة على السطح الليبي، هناك جانب كامن من التفاعلات يُعد المحدِّد الرئيس لكل ما يحدث في واجهة المشهد في هذا البلد، وهو الخاص بالمساومات بين الطرفَين الدوليَّين الأكثر تأثيراً على الأطراف المحلية الرئيسة، أي موسكو وواشنطن؛ فبالتزامن مع التطورات الجارية انعقدت قمة افتراضية بين الرئيسين الأمريكي جو بايدن والروسي فلاديمير بوتين في 7 ديسمبر؛ وعلى الرغم من تصدُّر الملف الأوكراني المحادثات بينهما، ووجود ملفات أخرى أكثر حيوية مثل الملف النووي الإيراني والوضع في سورية، إلا أنه يصعب استبعاد حضور الملف الليبي كأحد أوراق المساومة لدى الطرفين.

ولعل الأمر المؤكد هنا هو الأهمية المتأخرة التي قد يمثلها الصراع في ليبيا بالنسبة للبلدين قياساً لحيوية الأوضاع في البؤر الصراعية الأخرى وانعكاسها على مصالح كل طرف، وهو ما يعني بالتبعية إمكانية تقديم تنازلات ما، ولو جزئية، من أحد الطرفين للآخر في الملف الليبي، الأمر الذي قد يعني أيضاً زيادة فرص حلحلة الأزمة، وتشديد الخناق على الأطراف المحلية المعرقِلة، في سبيل التوصل إلى صيغة ما من شأنها تحقيق الاستقرار خلال الفترة المقبلة[15].

وفى سياق متصل، وفي خطوة غير مسبوقة أعلنت الرئاسة التركية عن استقبال وفد يمثل نواب البرلمان في شرق ليبيا، وبحث إمكانية فتح قنصلية تركية في مدينة بنغازي، لتسهيل إجراءات الحصول على الخدمات القنصلية وتأشيرة الدخول لتركيا.

وضم الوفد رئيس مجلس النواب المكلف فوزي النويري، والوفد الرسمي المرافق له الذي ضم رئيس لجنة الشؤون الخارجية يوسف العقوري، ورئيس لجنة الطاقة عيسى العريبي، وأعضاء المجلس: سالم قنان وبدر النحيب وإدريس المغربي وزياد دغيم. واستقبل الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في المجمع الرئاسي بالعاصمة أنقرة، وفد مجلس النواب، وفق ما أعلنته الرئاسة التركية عبر حسابها على “تويتر”[16].

ويأتى هذا الانفتاح التركى على شرق ليبيا في إطار الحوارات التي بدأتها تركيا مع مصر من خلال تأسيس القاهرة علاقات مع الغرب الليبي، وهو ما يتطلب خطوات تركية أيضاً ببناء علاقات مع الشرق الليبي، تمهيداً لإجراء مصالحة في البلاد تتكلل بالانتخابات، ويرافق ذلك تفاهمات تركية مصرية، حيث يشكل الملف الليبي عقدة في العلاقات الثنائية[17]. كما يمكن تفهم هذا الانفتاح فى ظل حالة التقارب المتزايدة خلال الآونة الأخيرة بين تركيا والإمارات والتى تجلت فى زيارة ولى عهد أبو ظبى محمد بن زايد إلى أنقرة فى أواخر شهر نوفمبر الماضى.

3- إحياء ملتقى الحوار: فهناك إمكانية لتهميش دور كل من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، لصالح إحياء ملتقى الحوار الليبي مرة أخرى، بأعضائه الأربعة وسبعين. وتتزايد فرص ذلك في ضوء أن أعضاء الملتقى كان قد تم اختيارهم في السابق تحت رعاية ستيفاني ويليامز نفسها، وفي ضوء النجاح الذي تمكنت من تحقيقه من خلال الإشراف على عمل الملتقى. كما أن القوانين الانتخابية الصادرة عن مجلس النواب، وعلى الرغم من خلافيتها، يمكنها أن توفر أساساً لإجراء الانتخابات، بعد ما تم اتخاذه خلال الأسابيع الماضية من خطوات فعلية من قبل مختلف المرشحين، بما في ذلك المعارضين لتلك القوانين، وهو ما يُعد اعترافاً ضمنياً يمكن البناء عليه. لذا فقد تشهد الأوضاع، تحت وقع الضغوط الدولية، مرونةً من قبل مجلس النواب في إدخال بعض التعديلات المطلوبة على القوانين الانتخابية بغرض توسيع قاعدة التوافق.

4- تعزيز دور المجلس الرئاسي: يفترض هذا السيناريو إسناد دور أكبر إلى المجلس الرئاسي، وبدعم دولي واسع، على حساب الكيانات الرسمية الأخرى المتمثلة في مجلسي النواب والدولة وملتقى الحوار. والمنطق في ذلك هو محدودية عدد أعضاء المجلس الرئاسي (ثلاثة أعضاء فقط)، على خلاف الأعداد الكبيرة لعضوية الكيانات الأخرى، والتي يصعب بناء توافق بداخلها، وفق ما أظهرته تجارب الشهور والسنوات الماضية. ويتمثل الدور المنتظر في طرح مبادرات جديدة بشأن القاعدة الدستورية الحاكمة لصلاحيات الرئيس والبرلمان الذي سيتم انتخابهم؛ بشكل يتكامل مع القوانين الخلافية التي أصدرها مجلس النواب في هذا الخصوص، ويعمل على حشد التوافق بين الفرقاء الليبيين. وقد عبّر موسى الكوني، نائب رئيس المجلس الرئاسي، عدة مرات خلال الأشهر الماضية عن نيّة المجلس الرئاسي طرح مبادرات بشأن القضايا الخلافية، وعلى رأسها القاعدة الدستورية؛ كما أن محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي، كان قد لوّح بمبادرة تتضمن استبعاد الشخصيات الجدلية من الترشُّح للانتخابات[18].

 

 

[1] “”تأجيل” الانتخابات الرئاسية وآفاق المشهد الليبي”، مركز الإمارات للسياسات، 14/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3oUwWga

[2] ” العراقيل التي تحول دون إجراء الانتخابات الليبية”، البيان، 30/11/2021، الرابط: https://bit.ly/3DBE05k

[3] “السباق الرئاسي يجر القضاء الليبي إلى قلب الصراع السياسي”، إندبندنت عربية، 15/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3F0FCas

[4] “سيناريو محتمل: لماذا تصاعد اتجاه تأجيل الانتخابات الليبية؟”، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 12/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3DScv7T

[5] “ليبيا.. سطو مسلّح على 5 مراكز اقتراع واختطاف موظف”، الأخبار، 2/12/2021، الرابط: https://bit.ly/31vP9b3

[6] “فيتو أميركي يُقلص من مخاوف تأجيل الانتخابات الليبية”، العرب، 2/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3lGcduv

[7] “ليبيا..صلاح بادي يهدد بطرد “وليامز” وبرلمان طبرق يتصالح مع أردوغان”، البيان، 16/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3s9AGwd

[8] “اشتباكات مسلحة في سبها قبل 10 أيام من الانتخابات الليبية”، إندبندنت عربية، 14/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3GKcpkq

[9] “سيناريو محتمل: لماذا تصاعد اتجاه تأجيل الانتخابات الليبية؟”، مرجع سابق.

[10] المرجع السابق.

[11] “سيناريوهات إجراء انتخابات ليبيا بموعدها ليست أفضل من تأجيلها (تحليل)”، الأناضول، 10/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3ytVrUw

[12] “”تأجيل” الانتخابات الرئاسية وآفاق المشهد الليبي”، مرجع سابق.

[13] “تفاعلات متزايدة … المشهد الليبي والأيام العشر الحاسمة”، المرصد المصرى، 15/12/2021، الرابط: https://bit.ly/33tenHr

[14] “السباق الرئاسي يجر القضاء الليبي إلى قلب الصراع السياسي”، إندبندنت عربية، 15/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3F0FCas

[15] “”تأجيل” الانتخابات الرئاسية وآفاق المشهد الليبي”،مرجع سابق.

[16] “ليبيا..صلاح بادي يهدد بطرد “وليامز” وبرلمان طبرق يتصالح مع أردوغان”، مرجع سابق.

[17] “زيارة النويري إلى تركيا: انفتاح أنقرة على جميع الأطراف الليبية”، العربى الجديد، 15/12/2021، الرابط: https://bit.ly/3F6sq3K

[18] “”تأجيل” الانتخابات الرئاسية وآفاق المشهد الليبي”، مرجع سابق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

اتفاقية التنقيب عن الطاقة بين تركيا وليبيا.. بين الدوافع التركية والاعتراضات المصرية

أبرمت الحكومة التركية وحكومة الوحدة الوطنية الليبية برئاسة عبد الحميد الدبيبة عددًا من الا…