‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر رئاسة مصر لـ الكوميسا ونظرة على العلاقات المصرية الإفريقية
مصر - ديسمبر 22, 2021

رئاسة مصر لـ الكوميسا ونظرة على العلاقات المصرية الإفريقية

رئاسة مصر لـ الكوميسا ونظرة على العلاقات المصرية الإفريقية

 

تعالت الدعوات المصرية خلال السنوات الماضية بضرورة العودة للحضن الإفريقي؛ لاسيما مع تصاعد أزمة المياه في مصر، والتي بدا خلالها تحامل دول منابع نهر النيل على الدولة المصرية التي شهدت سياستها الخارجية فترة كبيرة من القطيعة مع عمقها الإفريقي بعد محاولة اغتيال الرئيس مبارك في أديس أبابا عام 1991. ومع تصاعد أزمة سد النهضة مع تولِّي نظام السيسي؛ اتجهت الإدارة المصرية نحو مزيد من الإجراءات للتقارب مع إفريقيا في محاولة لحل أزمة سد النهضة ومحاولة تفادي المزيد من الأزمات. وتصدَّرت العلاقات المصرية الإفريقية الواجهة من جديد بعد تولِّي مصر رئاسة الكوميسا نهاية نوفمبر الماضي، وبالرغم من كون الحدث دوريًا يتناوب عليه رؤساء الدول الأعضاء؛ إلا أنه طرح مجموعة من التساؤلات يسعى هذا التقرير للإجابة عنها، مثل: ما هي الكوميسا؟ وكيف تستطيع مصر الاستفادة منها؟ وما هي محددات السياسة الخارجية المصرية في إفريقيا؟ وكيف يُمكن تقييمها؟ وما هو وضع الإخوان المسلمين في إفريقيا؟ وكيف سيكون مستقبله؟

أولًا: الكوميسا ورئاسة مصر:

تسلَّمت مصر الثلاثاء 23 نوفمبر 2021، الرئاسة الدورية لتجمع قمة السوق المشتركة لدول شرق وجنوب القارة الإفريقية “الكوميسا”، وذلك بمشاركة رؤساء بعض الدول من أعضاء التجمع، في مستهل انعقاد القمة في العاصمة الإدارية الجديدة، شرقي العاصمة المصرية القاهرة. وسلَّم رئيس دولة مدغشقر، أندريه راجولينا، السيسي الرئاسة الدورية لتجمع الكوميسا، ومن المُقرر أن يُطلق السيسي خطة العمل الاستراتيجية متوسطة المدى للتجمع عن الفترة (2021 – 2025)، والتي تهدف إلى تعميق الاندماج الاقتصادي والتكامل الإقليمي والتنمية بين دول التجمع، في إطار اتفاقية منطقة التجارة الحرة للقارة الإفريقية.[1]

ما هي الكوميسا؟

تُعتبر الكوميسا بمثابة اتفاقية السوق المشتركة لدول الشرق والجنوب الإفريقي، ويُعد التجمع أحد الدعامات الرئيسية للجماعة الاقتصادية الإفريقية التي تم إقرارها في قمة أبوجا لعام 1991، واستهدف إنشاء التجمع إلغاء كافة القيود التجارية فيما بين دول أعضاء التجمع تمهيدًا لإنشاء وحدة اقتصادية للمنطقة، وهو ما يخدم تحقيق هدف الوحدة الإفريقية، وتم إنشاء الكوميسا في ديسمبر عام 1994 خلفًا لمنطقة التجارة التفضيلية التي بدأت في عام 1981، وتستضيف العاصمة الزامبية لوساكا مقر سكرتارية الكوميسا. كما أن تجمع الكوميسا يُعد أحد تجمعات التكامل الاقتصادي الإقليمية، ويستهدف تحقيق التكامل الاقتصادي بين دول الشمال والشرق والجنوب الإفريقي، من خلال إقامة منطقة تجارة حرة، يتبعها إقامة اتحاد جمركي ثم الوصول إلى مرحلة السوق المشتركة بين الدول الأعضاء. وتُعد الكوميسا من أهم التجمعات الاقتصادية في القارة السمراء، إذ تضم 21 دولة؛ هي مصر، وبوروندي، وجزر القمر، والكونغو الديمقراطية، وجيبوتي، وإريتريا، وإسواتيني، وإثيوبيا، وكينيا، وليبيا، ومدغشقر، ومالاوي، وموريشيوس، ورواندا، وسيشل، والصومال، والسودان، وتونس، وأوغندا، وزامبيا، وزيمبابوي. والتي تتفق على السماح بمرور البضائع فيما بينها دون حواجز جمركية، الأمر الذي من شأنه تعزيز التبادل التجاري.[2] ويزيد عدد سكان الدول الأعضاء عن 583 مليون نسمة، ويبلغ الناتج المحلى الإجمالي 805 مليارات دولار، ويصل حجم تجارة هذه الدول في السلع مع العالم إلى 324 مليار دولار، وتشكِّل الكوميسا سوقًا رئيسيًا للتجارة الداخلية والخارجية. وجغرافيًا تصل مساحة الدول الأعضاء بالكوميسا إلى ما يقرب من ثلثي القارة الإفريقية بمساحة 12 مليون كيلومتر مربع.[3]

أهداف وتحديات الكوميسا:

للكوميسا مجموعة من الأهداف؛ أولها؛ التوصل إلى النمو المتواصل والتنمية المستدامة في الدول الأعضاء، وذلك عن طريق تشجيع هيكل إنتاج وتسويق متوازن ومتناسق. وثانيها؛ دفع عجلة التنمية المشتركة في كافة مجالات النشاط الاقتصادي، وكذا التبني المشترك لسياسات الاقتصاد الكلي وبرامجه، وذلك لرفع مستويات المعيشة السكانية وتشجيع العلاقات الحميمة بين الدول الأعضاء. وثالثها؛ التعاون في خلق مناخ مواتي للاستثمار المحلي والأجنبي والعابر للحدود. ورابعها؛ التعاون في تعزيز العلاقات بين السوق المشتركة وبقية دول العالم. وخامسها؛ التعاون في مجال دفع مسيرة السلام والأمن والاستقرار بين الدول الأعضاء، وذلك لتقوية أواصر التنمية الاقتصادية في المنطقة. أما غن التحديات؛ فمن أهم التحديات التي تواجه التجمع في المرحلة المقبلة كيفية تأهيل البنية الأساسية لمتطلبات التجارة البينية والتكامل الاقتصادي بين الدول الأعضاء، حيث إن استكمال المشروعات المتعلقة بها سيسهم في خفض تكلفة الاستثمار بين الدول الأعضاء. وهناك أيضًا تحديات تتعلق بنقص الطاقة والمياه ومعوقات التمويل الاستثماري وندرة النقد الأجنبي، نظرًا لتخلف القطاع المصرفي في العديد من دول الكوميسا، مما قد يعرقل عمليات التصدير والاستيراد.[4] فضلًا عما سبق، هناك التحديات السياسية التي تتعلق باستتباب الأمن والسلام في بعض دول الكوميسا، وفى مقدمتها التوترات في الداخل الإثيوبي والسوداني والصومالي، والأزمات السودانية- الإثيوبية والصومالية- الكينية والإثيوبية- الصومالية، وغيرها من الأزمات التي تعصف بالمنطقة وتؤثر على استقرارها.

مصر والكوميسا:

ووقَّعت مصر على الانضمام إلى اتفاقية السوق المشتركة للشرق والجنوب الإفريقي “الكوميسا” في 29 يونيو 1998، وتم البدء في تطبيق الإعفاءات الجمركية على الواردات من باقي الدول الأعضاء اعتبارًا من 17 فبراير 1999 على أساس مبدأ المعاملة بالمثل للسلع التي يصاحبها شهادة المنشأ معتمدة من الجهات المعنية بكل دولة، بحسب موقع هيئة تنمية الصادرات. وتتمتع جميع السلع المصرية المصدرة إلى الدول الأعضاء بإعفاء تام من جميع الرسوم الجمركية والرسوم والضرائب الأخرى ذات الأثر المماثل وفقًا لنسب التخفيضات التي تقرها كل دولة وعلى أساس مبدأ المعاملة بالمثل. وتشمل أهم بنود الصادرات المصرية إلى دول الكوميسا اللدائن، والملح، والكبريت، والجير والأسمنت، ومنتجات السيراميك، والآلات والأجهزة الكهربائية، ومنتجات المطاحن، والورق، والسكر، والصابون، والزيوت العطرية، والعطور.[5] وضمن هذا السياق فإن التبادل التجاري المصري مع دول الكوميسا سجل حوالي 3 مليار دولار في العام 2020، وهو ما يعادل نحو 60% من إجمالي قيمة التبادل التجاري المصري مع القارة الإفريقية خلال العام نفسه، والذي سجل 5 مليارات دولار أميركي. كما تحظى مصر في علاقاتها التجارية مع دول الكوميسا، بتحقيق فائض تجارى خلال الفترة من (2015- 2020) بلغت قيمته نحو 1.4 مليار دولار أميركي. وتبلغ قيمة إمكانات التصدير غير المستغلة إلى تلك الدول نحو 1.8 مليار دولار أميركي بحلول 2025، وهو ما يعادل نحو 1.8% من القيمة المستهدفة لتعزيز الصادرات المصرية. كما سجلت إمكانات التصدير غير المستغلة إلى دول الكوميسا نسبة 9% من إجمالي الفرص التصديرية غير المستغلة لمصر بحلول 2025. من جانب آخر، بلغ متوسط معدل النمو الاقتصادي للكوميسا 5.6% خلال عام 2019، إلا أن هذا المعدل شهد تراجعًا كبيرًا خلال عام 2020 بسبب تبعات جائحة كورونا على معظم اقتصادات الدول الأعضاء، بحسب ما ذكرته السكرتير العام لتجمع الكوميسا.[6]

ثانيًا: إفريقيا في السياسة الخارجية المصرية:

سجَّلت السياسة الخارجية المصرية منذ عام 2014 نشاطًا متزايدًا في القارة عمومًا وفي إقليم شرق إفريقيا خصوصًا، عبر حزمة من الآليات متعددة الأبعاد، في ظل ما يتمتع به الإقليم من أهمية جيوستراتيجية بالغة. ويعكس هذا الحضور المصري في القارة المصالح المصرية المتعددة في إقليم شرق إفريقيا، والتي يأتي من بينها: ضمان حماية حقوقها المائية، وتأمين حركة الملاحة الدولية المارة عبر قناة السويس. واستنادًا لما يشهده الإقليم من تحديات سياسية وأمنية جعلت منه إقليمًا مضطربًا، فإن حجم المخاطر المحيطة بمصر قد تعاظم نظرًا لتقاربها وترابطها الجغرافي مع هذا الإقليم الذي بات يمثِّل امتدادًا لأمنها القومي.

محددات السياسية المصرية تجاه شرق إفريقيا:

في إفريقيا عمومًا وتحديدًا إقليم شرق القارة، هناك حزمة من المحددات السياسية والأمنية والاقتصادية التي ساهمت في إعادة تقييم المنظور المصري للإقليم وإعادة بنائه، والتي وقفت، في الوقت نفسه، وراء التحركات المصرية النشطة في دول الإقليم التي احتلت مكانة مميزة وفريدة في السياسة المصرية تجاه القارة الإفريقية، ويتمثَّل ذلك في مجموعة من المحددات.

أولها؛ أزمة سد النهضة والأمن المائي المصري، والتي تُعد محددًا مهمًا ورئيسيًا للتحركات المصرية تجاه دول إقليم شرق إفريقيا، وفي القلب منها دول حوض النيل، وتسعى مصر في سياستها تجاه الإقليم إلى الحفاظ على حقوقها المائية التي تتيحها لها الاتفاقيات الدولية، مُتَّبعة في ذلك الوسائل الدبلوماسية، وذلك بغية تحقيق هدفين رئيسيين: الأول: استمالة مواقف دول الإقليم في تلك الأزمة وإقناعها بأحقية المخاوف المصرية من تداعيات السد على حقوقها المائية، مع التأكيد على ضرورة التوصل لاتفاق ملزم لقواعد ملء السد وتشغيله. أما الهدف الثاني فهو السعي إلى تحييد موقف بعض دول الإقليم التي لا تدعم الموقف المصري في الأزمة. وثانيها؛ الأهمية الجيوستراتيجية لإقليم شرق إفريقيا، والتي عزَّزت منها حالة التنافس بين القوى الدولية والإقليمية للبحث والحفاظ على موطئ قدم لها في الإقليم، كما كانت تلك الأهمية وما تزال مصدر قوة وورقة رابحة لدول الإقليم التي نجحت في توظيفها لتعظيم مكاسبها الاقتصادية والسياسية والأمنية عبر الانخراط مع مختلف القوى الإقليمية والدولية في شراكات ثنائية أكسبتها دعم وتمثيل سياسي في المحافل الدولية والإقليمية. وثالثها؛ اضطراب  البيئة السياسية والأمنية  للإقليم، والتي تشهد حالة من الاضطراب الناتجة عن مجموعة من العوامل من بينها الأزمة اليمنية التي تدور رحاها على الجانب المقابل للإقليم من البحر الأحمر، وما  يترتب عليها من تداعيات تطال دول الإقليم، وما تواجهه عملية الانتقال السياسي للجار المصري (السودان) من تحديات، بالإضافة إلى تنامي نشاط التنظيمات الإرهابية التي دفعت القوى الإقليمية والدولية إلى تعزيز حضورها في الإقليم عبر عدة آليات، من بينها: نشر القواعد العسكرية، والاستثمار في موانئ الساحل الشرقي الإفريقي؛ بما يُمكن تلك القوى من إعادة توجيه وتسيير المعادلة السياسية والأمنية في الإقليم وفقًا لمصالحها وأهدافها، الأمر الذي قد يترتب عليه خلق حالة من التجاذبات السياسية والتوترات الأمنية. و تهدد تلك التغيرات أمن واستقرار منطقة البحر الأحمر وإقليم شرق إفريقيا؛ ومن ثمَّ تفرض مزيد من المخاطر والتهديدات على الأمن القومي المصري.[7]

تقييم السياسة الخارجية المصرية في إفريقيا منذ عام 2014:

لتقييم السياسة الخارجية المصرية التي استهدفت القارة الإفريقية؛ يُمكن رصد مجموعة من النقاط الإيجابية مثل؛ إطلاق مبادرة لعلاج مليون إفريقي من الالتهاب الكبدي الوبائي، قيام وزارة الزراعة المصرية بإنشاء نحو 8 مزارع نموذجية بقيمة 35 مليون جنيه مصري لتنمية مشروعاتها بإفريقيا، وافتتاح مصر للمرحلة الأولى من محطة توليد الطاقة الشمسية بالمزرعة المصرية- التنزانية المشتركة، ومتابعة تنفيذ سد “ستيغلرجورج” في تنزانيا، وإطلاق برنامج لتأهيل الشباب الإفريقي، وتوصيل مصر الطاقة الكهربائية لنحو 600 مليون إفريقي في إطار المبادرة الإفريقية للطاقة المتجددة، ومضاعفة أنشطة الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية لخدمة دول القارة وارتفاع قيمة المنح والمساعدات الموجهة لإفريقيا بنسبة 113%. وبالرغم من ضآلة تلك الاستثمارات والإسهامات مُقارنة بما تقدمه دول أخرى من القوى الإقليمية والدولية المُتنافسة في القارة؛ إلا أنها تظل إسهامات إيجابية، ولتقييم آثارها على الملفات ذات الأولوية لدى الجانب المصري؛ يُمكن رصد ذلك في تحرك مجموعة من الملفات المصرية على رأسها؛ عدم النجاح في الوصول لحل لأزمة سد النهضة، وعدم حسم قضية مثلث حلايب وشلاتين، وعدم الوصول إلى حل جذري للأزمة الليبية، وعدم تحقيق تقدم ملموس في مبادرة إسكات البنادق خلال تولي مصر رئاسة الاتحاد الإفريقي –كما كان يسوّق الجانب المصري-، وعدم التمكُّن من إيصال المرشح لمصري لرئاسة البرلمان الإفريقي، وكذلك المرشح المصري لرئاسة منظم التجارة العالمية في مواجهة المرشحة النيجيرية.[8]

ثالثًا: الإخوان المسلمون وإفريقيا:

تنتشر الجماعة –بمستويات مختلفة- في أكثر من 70 دولة حول العالم، وقد انتشرت فروع لجماعة الإخوان المسلمين في العديد من الدول الإفريقية، كما ذاعت أفكارها –لاسيما منذ الستينيات- في الكثير من الدول حتى في ظل غموض تنظيمي ملحوظ. وقد وُجدت تنظيمات وتيارات فكرية تابعة للجماعة –خارج منطقة شمال إفريقيا- في دول مثل إريتريا والسودان وموريتانيا وغرب إفريقيا، كما وُجدت في أقصى جنوب القارة في جنوب إفريقيا وإن كان في شكل تيار فكري أكثر منه تنظيمًا حركيًا.

الإخوان في إفريقيا بعد انقلاب 2013 في مصر ومسارات الدعم والتمويل:

منذ 2014 حرصت النظام المصري على مطاردة الجماعة في الدول الإفريقية بعد ضرب الجماعة الأم في مصر. فمثلاً دعا الحكومة المصرية نظيرتها في جنوب إفريقيا بمنع جميع أنشطة الإخوان المسلمين في البلاد بما فيها المؤتمرات، كما تم خلال زيارة المدير العام لوكالة أمن الدولة سونتو كودجو ووزير أمن الدولة سيابونجا سويلي للقاهرة ومطالبتهما بمنع تنظيم عناصر الجماعة في جنوب إفريقيا مؤتمرًا جامعًا للتنظيم الدولي بدعوى استهدافه إذاعة أنباء خاطئة عن الوضع في مصر.[9] وبالنسبة لمسارات دعم وتمويل نشاط الإخوان في إفريقيا؛ فيُمكن رصد هذا المسار في مساهمات مانحون في بعض دول الخليج وفي الغرب، وفي رسوم العضوية، وكذلك ضمن أنشطة التعليم والمنح المقدمة للطلاب الأفارقة، أو ما تقوم به الجماعة من أنشطة استثمارية سواء بصورة مباشرة أو عبر أعضائها، كما توجد صلات وطيدة للجماعة مع عدد من البنوك الإسلامية والمؤسسات المالية التي تقدم خدمات إدارية وخلافه.[10] وقد تم رصد الكثير من تلك الأموال العائدة للمصريين؛ إلا أنه لا توجد معلومات موثَّقة عن حجمها أو توثيق أحقية الإخوان المصريين بها، وذلك نظرًا لما يلاقيه أفراد الجماعة من تضييق في تلك الدول كنتيجة للملاحقات التي يتعرضون لها من نظام السيسي حتى خارج مصر.

الاستجابات المؤسساتية للجماعة من الدول الإفريقية بعد 2013:

صاحب تراجع نفوذ الجماعة في مصر تبدُّل واضح في الاستجابات المؤسساتية من قِبل الدول الإفريقية؛ على سبيل المثال فإنه في نهاية العام 2011، وعقب فوز الجماعة بأغلبية برلمانية في الانتخابات المصرية، حرصت دول إفريقية على التقارب مع الجماعة، ومنها نيجيريا التي التقى سفيرها بالقاهرة حينذاك بابا جانا وكيل بنائب رئيس حزب الحرية والعدالة عصام العريان. وعبر السفير عن سعادته بما تشهده مصر من ديمقراطية خلال الانتخابات وتوجُّه المواطنين لمراكز الاقتراع للتعبير عن إرادتهم؛ فيما أكد العريان بخصوص علاقات مصر الخارجية مع إفريقيا أن الحزب يشجع “علاقات ثنائية متوازنة بشكل خاص مع الدول الكبيرة مثل نيجيريا وجنوب إفريقيا وإثيوبيا، ودول حوض النيل”.[11] كما استضاف حزب المؤتمر الوطني الإفريقي الحاكم بجنوب إفريقيا في نهاية العام 2015 عددًا من قادة حركة حماس، حيث التقى خالد مشعل وموسى أبو مرزوق بالرئيس السابق يعقوب زوما، وناقش الأول مع الأخير سُبل التعاون مستقبلًا، فيما أكد الأمين العام للمؤتمر الوطني الإفريقي جويدي مانتاش أن الحزب سيبدأ علاقة مع حماس، وأنهما سيعملان معًا في “جميع النضالات من أجل حرية فلسطين”.[12] لكن حظوظ الجماعة في مقاربات مؤسساتية مع الدول الإفريقية أصبحت تتراجع بشكل كبير، في ظل التآكل التنظيمي للجماعة نفسها، ونجاح عدة دول بالمنطقة ومنها مصر والسعودية والإمارات في تبنِّي سياسات شراكة مع الدول الإفريقية تضمَّنت بند مكافحة الجماعة وأنشطتها على أجندتهما. وبينما تتضاءل فرص تمدد جماعة الإخوان المسلمين في إفريقيا في الوقت الراهن، وعلى المدى المتوسط وربما على المدى البعيد في ضوء تراجع الجماعة في البلد الأم؛ إلا أنه لا تزال هناك فرص لاستمرار هياكل وتنظيمات الجماعة بشكل فاعل من خلال دعم حلفائها، إضافةً إلى مدى قدرة الجماعة على تقديم مقاربات سياسية لحل الوضع الراهن في الداخل المصري.

الخُلاصة؛ من الواضح أن مصر قد أدركت أهمية البُعد الإفريقي في سياستها الخارجية، وهو ما يعني حتمية بذل مزيد من الجهود لخلق مساحات من التفاهم والتشارك حول عدد من الشواغل المصرية والإفريقية، مع ضمان تقديم الدعم المتبادل لطرحها في المحافل الدولية والإقليمية. كما يتحتم على مصر توسيع نطاق الشراكة الأمنية والعسكرية والاستخباراتية مع دول الإقليم، بما يصب في تعزيز قيمة الشراكة المصرية في المنظور الإفريقي، مقارنةً بتكلفة الوجود والدعم العسكري الأجنبي في إفريقيا، ناهيك عن السعي إلى تعزيز واتساع نطاق الشراكات الاقتصادية والتنموية مع دول الكوميسا، بالتوازي مع العمل على تأهيل العنصر البشري الإفريقي في مختلف المجالات ونقل الخبرات المصرية عبر برامج الدعم والتأهيل المتعددة. ومع تراجع تنظيم الإخوان المسلمين في مصر وتضاؤل داعميه في إفريقيا كنتيجة لملاحقات نظام السيسي لنشاط التنظيم في دول القارة؛ يجب على الإخوان السعى لفتح قنوات جديدة مع شعوب وحكومات تلك الدول، وذلك من خلال تقديم مشروع تنموي متكامل لتلك الدول التي تفتقر للتنمية. على أن يسعى هذا المشروع إلى توظيف وتوحيد الإمكانيات والطاقات الاقتصادية والسياسية للجماعة بشكل يضعف ضغط النظام المصري على حكومات تلك الدول لحظر نشاط الجماعة من ناحية، ويكون مصدر قوة وورقة ضغط بيد قيادات الجماعة في مواجهة النظام المصري وممارساته القمعية في الداخل المصري، في الوقت الذي يعمل فيه النظام على تحسين علاقاته مع الأفارقة.

 

[1] “السيسي يتسلم رئاسة الـ”كوميسا” من رئيس مدغشقر”، العربي الجديد، 23/11/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/1KBZj

[2] مصطفى صلاح، “تعزيز التواجد: استراتيجية مصر خلال رئاسة تجمع الكوميسا”، المركز العربي للبحوث والدراسات، 24/11/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/QssfT

[3] ساجد النوري، “مصر تتسلم رئاسة الكوميسا فى القمة 21.. الرئيس السيسى يطلق مبادرة: صُنع فى الكوميسا”، صدى العرب، 2/12/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/mAMyc

[4] “السوق المشتركة لدول شرق وجنوب إفريقيا (الكوميسا)”، قراءات إفريقية، 2/12/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/1bLFk

[5] ساجد النوري، مرجع سبق ذكره.

[6] مصطفى صلاح، مرجع سبق ذكره.

[7]  بسمة سعد، “السياسة المصرية تجاه إقليم شرق إفريقيا.. المحددات والآليات والتحديات”، TRENDS، 2/9/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/tOcHQ

[8] محمد الجزار، “ملامح السياسة الخارجية المصرية تجاه أفريقيا منذ عام 2014″، مركز دراسات الوحدة العربية، متاح على الرابط: https://cutt.us/SO5fB

[9] “Egypt Calls for Muslim Brotherhood Ban in South Africa”, Radio Islam International, 28/2/2014. At: https://cutt.us/EElBz

[10] “The Muslim Brotherhood (The Society of the Muslim Brothers)”, Political Extremist Groups and Islamic Movements in the Middle East and North Africa, At: https://cutt.us/SWgls

[11] FJP Receives Nigerian Ambassador to Cairo, “Stresses Vital Relations With Africa”, Ikhwan Web, 20/12/2011. At: https://cutt.us/imIlC

[12] Kyle Shideler, “South Africa Hosts Hamas”, Center for Security Policy, 23/10/2015. At: https://cutt.us/Q9FbK

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

‫شاهد أيضًا‬

موقف القوى المدنية من الحوار الوطني .. الدوافع والتداعيات

موقف القوى المدنية من الحوار الوطني الدوافع والتداعيات   دعا الرئيس المصري عبد الفتاح…