‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر العلاقات المصرية الألمانية بعد ميركل
مصر - يناير 21, 2022

العلاقات المصرية الألمانية بعد ميركل

العلاقات المصرية الألمانية بعد ميركل

 

أسفرت الانتخابات الألمانية التي أجريت في 26 سبتمبر 2021م عن مفاجأة من العيار الثقيل؛ حيث كان من المتوقع أن يفوز الحزب المسيحي الديمقراطي الذي كانت تقوده المسشارة إنجيلا ميركل، بالمرتبة الأولى، غير أن هذه الانتخابات قلبت المعادلة رأسا على عقب؛ إذ تصدر فيها الحزب الاشتراكي بزعامة أولاف شولتز الذي قاد ائتلافا حكوميا ضم إلى جانب حزبه كل من حزبي الخضر والليبراليين. وانتهت مرحلة ميركل التي دامت 16 عاما، وبدأت مرحلة المستشار شولتز.

الدرس الأهم في هذه الانتخابات أن الإنجازات الكبرى التي حققتها المستشارة ميركل، إضافة إلى نظافة يدها وشخصيتها الكاريزمية لم تشفع لحزبها المسيحي الديمقراطي بالفوز، فالتداول السلمي للسلطة عبر أدوات الديمقراطية هي من ثوابت المانيا والتي تضمن لها نظام حكم رشيد ومكانة عالمية مرموقة؛ كما أنه يمنحها طاقة وتجديدا تماما كالنهر الجاري تتجدد مياهه باستمرار، على عكس دول الاستبداد التي يبقى فيها الحكام متسلطين حتى مماتهم فهم كالماء الآسن لا يروي من ظمأ ولا   تتحقق به فائدة. وفي أعقاب الانتخابات عادة السيدة ميركل إلى صفوف الموطنين تعيش حياتها كمواطنة ومستشارة سابقة دون أن تمن على بلادها بما حققته من إنجازات فذلك هو الدور الطبيعي المنتظر من كل مسئول ولهذا ينتخبه الناس أو يختارون غيره، دون أي تدخل من أجهزة الدولة التي تبرهن باستمرار أن ولاءها للوطن وليس لحزب أو مؤسسة أو قيادة تحظى بالزعامة، فليس في مثل المانيا زعماء بل حكام منتخبون من الشعب باعتباره سيد البلاد وصاحب السلطة الحقيقية فيها يفوض من يشاء وينزع من يشاء وفق نصوص الدستور وأدوات الديمقراطية.

الدرس الثاني، هو أن الصحافة العربية راحت تكيل المديح للمستشارة الألمانية وتصنفها في دائرة الأساطير؛ فقد سألت صحفية ذات مرة ميركل ـ لماذا ترتدين نفس الملابس؟ ويتكرر ظهورك بها؟ .. فردت عليها أنها تعمل موظفة عند الشعب، وليست عارضة أزياء تقوم باستعراض الملابس، وسألتها تلميذة في إحدى المدارس: هل لديك خادمة تساعدك في أعمال المنزل؟.. فردت عليها أنها هي من تقوم بأعمال المنزل بمساعدة زوجها، وفي أحيان كثيرة تضبطها الكاميرا وهي تقوم بالشراء بنفسها من الأسواق، وعندما تعطلت طائرتها المخصصة لها من وزارة الدفاع مرتين تم استبدالها بطائرة أخرى بعد أن ظلت الطائرة عشرين عاما في الخدمة، وفي المرتين استخدمت طائرات تجارية عادية لإكمال رحلتها كانت آخرها في أمستردام عندما تعطلت الطائرة وهي في طريقها إلى اجتماع الدول الصناعية في الأرجنتين، وأكملت الرحلة في طائرة ركاب عادية، وجلست بجوار شاب لا تعرفه، وعندما سألت الصحافة الشاب عن شعوره عندما تفاجئ بركوب المستشارة بجواره قال: إنها سيدة هادئة،  كانت تقرأ طول الوقت ولم تتناول طعام غير الزبادي! [[1]] معنى ذلك أن مديح الصحافة العربية لميركل يعكس حجم الظمأ العربي نحو نظام حكم رشيد يكون فيه الحاكم مجرد موظف يخدم الشعب، لكن الصحافة الألمانية لم تفعل ذلك مطلقا، فميركل ليست قديسة في بلادها، ولا أحد يتغنى بها على غرار الصحافة العربية، فالتقشف ونظافة اليد واحترام الديمقراطية ليس تفضلا منها على الشعب، بل هي أسس لا يمكن الحياد عنها في ظل دستور قوي يحاسب بقوة وشدة ولا أحد يستطيع الخروج عليه، ولم يكن عمل المستشارة في مفهوم العقلية الألمانية أكثر من موظفة تؤدي عملها تجاه الشعب. فميركل كانت شديدة التواضع رغم أنها كانت تقود ثالث أكبر اقتصاد على مستوى العالم، لكنها لا تملك قصورا ولا سيارات فارهة على غرار طغاة العرب رغم أنها كانت تحكم البلد الذي ينتج أفخم ماركات السيارات، ويبدو أن مديح الصحافة العربية لها دون الصحافة الألمانية إنما يعود في جزء منه إلى حالة السأم من الحكام اللصوص في بلادنا العربية والمتاجرين بأقوات الشعوب الذين لا يكفون عن النهب والمن على الشعوب في ذات الوقت.

ما يعنينا هو مستقبل العلاقات المصرية الألمانية في ظل حكومة المانية جديدة، تتمتع بأجندة مختلفة في رؤيتها وتصوراتها حيال قضايا المنطقة التي تتسم بكثير من التعقيد والتشابك. فهل تمضي حكومة شولتز على خطى حكومة ميركل التي فضلت الانحياز للمصالح على حساب القيم؟ أم تتخذ مسارا مغايرا ينحاز بشكل أوضح نحو القيم الديمقرطية الإنسانية التي ترفعها المانيا؟ وهل يمكن لحكومة اشتراكية جديدة في المانيا أن يكون لها تأثير ملموس على سياسات النظام العسكري في مصر؟ وهل يمكن أن تنتقل من دائرة البيانات والشجب والإدانة في ملف انتهاكات حقوق الإنسان في مصر إلى دائرة الفعل والتأثير وفرض عقوبات على نظام السيسي لدفعه نحو احترام حقوق الإنسان حقيقة لا ادعاء وجوهرا لا شكلا دون التفاف على هذه الحقوق الإنسانية؟

صدام الماني مع السيسي

البداية كانت مع صدام خفيف بشأن الملف الحقوقي، حيث  بدأت الحكومة الجديدة برئاسة المستشار أولاف شولتز في التعبير عن مواقفها بشكل أكثر حدة من حكومة ميركل بشأن الموقف من نظام الجنرال عبدالفتاح السيسي في مصر؛  فقد استبقت الخارجية الألمانية النطق بالحكم في القضية التي يحاكم فيها النشطاء علاء عبدالفتاح ومحمد الباقر ومحمد إبراهيم المعروف باسم «أكسجين»، وأصدرت بيانًا يوم الخميس 16 ديسمبر 2021م، قبل يومين من النطق  عليهم بالحكم في القضية 1228 لسنة 2021م، قالت فيه “إن الحكم سيكون بمثابة إشارة للاتجاه الذي ستسير فيه قضية العدالة وحقوق الإنسان في مصر”. وفي إشارة ضاغطة ورافضة للحكم قبل النطق به، قال البيان إن الحكومة الألمانية “تتوقع الإفراج عن الموقوفين، خاصة أنهم رهن الاعتقال منذ عام 2019 على خلفية اتهامات بنشر أخبار كاذبة، مع أنها تعتبر أن حرية التعبير هي أساس السلام الاجتماعي”. وأشارت الحكومة الاتحادية في المانيا إلى أن «حرية التعبير هي أساس السلام الاجتماعي ومشاركة جميع الأوساط الاجتماعية والاستقرار المستدام»، معبرة عن أملها في أن تعمل مصر على تحقيق المحاكمة العادلة، وأن يكون حكم الغد «إشارة للاتجاه الذي تتطور إليه حالة حقوق الإنسان في مصر»، حسب البيان. وكانت نيابة أمن الدولة العليا أحالت عبدالفتاح و«أكسجين» والباقر إلى محكمة أمن الدولة طوارئ، نهاية أكتوبر 2021، بتهمة «نشر أخبار كاذبة باستخدام أحد مواقع التواصل الاجتماعي»، وذلك في قضية منسوخة من القضية 1356 لسنة 2019، جنايات أمن دولة، والمتهمين فيها بتهم أخرى مثل «الانضمام لجماعة إرهابية».

قوبلت الانتقادات الألمانية من جانب نظام السيسي بعدة إجراءات: أولها، رفض وزارة الخارجية المصرية للبيان الألماني، وعدته تدخّلا سافرا وغير مبرر في الشأن الداخلي المصري، وقالت إن “افتراض نتيجة محددة مرفوض رفضًا تامًّا، لأن ذلك يمثل ضياعًا للعدالة المصرية ومبادئ سيادة القانون وفصل السلطات المنصوص عليها في الدستور”.[[2]] وثانيها، هو تنظيم حفلة مسائية جماعية على جميع الفضائيات التي تهمين عليها أجهزة السيسي المخابراتية والأمنية؛ حيث وجه إعلاميو  السلطة نقدا لاذعا للبيان الألماني، وكالوا ركاما من السباب والشتائم إلى كل منظمات حقوق الإنسان العالمية التي تدين الانتهاكات التي يمارسها النظام العسكري في مصر بحق معارضيه، متهمين هذه المنظمات بالخيانة والعمالة والعمل ضد مصر. وبالطبع كان الهدف منها التغطية على جوهر القضية وهو حجم الانتهاكات الوحشية التي يرتكبها  النظام بحق عشرات الآلاف من المصريين في سجونه ومعتقلاته. أما الإجراء الثالث فتمثل في النطق بالحكم على النشطاء المتهمين في القضية بمددة تفاوتت بين 5 سنوات و4 سنوات. وقد يكون الحكم كان أشد قسوة من ذلك لكن البيان الألماني خفف شيئا من وجاءت الأحكام على هذا النحو.

اختبار صفقة السلاح

تواجه حكومة شولتز اختبارا جادا بشأن علاقاتها مع نظام الجنرال السيسي؛ فقبل رحيلها بيوم واحد نسجت المستشار السابقة إنجيلا ميركل بإحكام فخا لشولتز وحكومته؛ تستهدف من ورائه اختبار الشعارات والمبادئ التي طالما يرفعها اليسار الألماني؛ إذ وقعت على صفقة سلاح لنظام السيسي تعتبر الأكبر على الإطلاق في تاريخ العلاقات العسكرية بين البلدين. وما يبرهن على أنه فخ من ميركل أن حكومتها في هذا الوقت كانت حكومة تسيير أعمال. ووفقا لوكالة الأنباء الألمانية (د ب أ)، فإن “الشائك في الأمر” هو أن الحكومة في أيامها الأخيرة كانت تتولى مهمة تسيير الأعمال لحين تنصيب الحكومة الجديدة. ومن الشائع أن تتوقف الحكومة عن اتخاذ قرارات سياسية بعيدة المدى في مثل هذه المرحلة، خاصة عندما يكون للحكومة اللاحقة رأي مخالف. وتضيف  وكالة الأنباء الألمانية أن حكومة ميركل في آخر أيامها وافقت على صادرات أسلحة بقيمة تقارب نحو 5 مليارات. وبذلك ارتفعت تصاريح صادرات الأسلحة على مدار عام 2021 إلى مستوى غير مسبوق، بإجمالي 9 مليارات و40 ألف يورو.  وبحسب وزارة الاقتصاد، حلت مصر في المرتبة الأولى بفارق كبير على قائمة الدول المستوردة للأسلحة الألمانية هذا العام يصفقة قيمتها  4.34 مليار يورو، بينما كانت قيمة صادرات  مصر من الأسلحة الألمانية نحو  0.18 مليار يورو حتى 29 نوفمبر/تشرين الثاني 2021، ما يعني أنه تمت الموافقة لمصر وحدها في الأيام الأخيرة من حكومة ” أنجيلا ميركل” على صادرات أسلحة بقيمة تزيد عن 4 مليارات يورو من أصل 4.91 مليار يورو، تمت الموافقة عليها في الأيام التسعة الأخيرة بمجموع يزيد عما تمت الموافقة عليه منذ بداية العام.[[3]] وتنتهي الوكالة الألمانية إلى أن “شولتز” يتحمل شيئا من المسئولية عن هذا القرار بحكم أنه كان ضمن مجلس الأمن الاتحادي الذي هو عبارة عن لجنة وزارية ضمت إلى جانب “أنجيلا” سبعة وزراء، من بينهم وزير المالية في ذلك الحين “أولاف شولتز”.

وكانت مجلة Der Spiegel الألمانية، قد كشفت في منتصف ديسمبر 2021م، أن الحكومة الألمانية السابقة بقيادة المستشارة أنجيلا ميركل، أعطت الضوء الأخضر لعددٍ من صفقات الأسلحة المثيرة للجدل مع مصر قبل مغادرة المستشارة منصبها بيوم واحد. وتشمل اتفاقيات الأسلحة التي كُشف الستار عنها، تسليمَ ثلاث فرقاطات من طراز “ميكو إيه 200” MEKO A-200 EN إلى مصر من شركة Thyssenkrupp Marine Systems الألمانية، إلى جانب 16 نظام دفاع جوي من شركة Diehl Defense. إضافة إلى بيع غواصة من طراز “جي 218” G 218، وإنتاج شركة Thyssenkrupp الألمانية، إلى سنغافورة.

الصفقة أثارت انتقادات حادة داخل الأوساط الألمانية، لأسباب تتعلق بالسجل السيئ لنظام الجنرال عبدالفتاح السيسي في ملف حقوق الإنسان؛ فقد انتقدت أغنيسكا بروغر، النائبة البارزة عن حزب الخضر في البوندستاغ الألماني، هذه الصفقة انتقاداً لاذعاً. واعتبرتها كانت خطوة محسوبة للإفلات من عواقب سياسية معينة، لأن حزب الخضر، الممثَّل في الائتلاف الحاكم الجديد مع الحزب الديمقراطي الاشتراكي بزعامة شولتس والحزب الديمقراطي الحر، كان من المرجح ألا يوافق على تمرير هذه الصفقات. وقال مارتن دوتزمان، الممثل البروتستانتي في مؤتمر الكنائس المشترك للتنمية (GKKE)، إنه يعجز عن فهم الداعي وراء هذا النوع من الصفقات، لاسيما أن الضوابط الحالية على الأسلحة “غير كافية”، على حد وصفه. لكن كارل يوستن، الممثل الكاثوليكي في مؤتمر الكنائس المشترك للتنمية (GKKE)، وجه الاتهام إلى أوروبا كلها بهذا الشأن، مؤكدا أن أوروبا ككل تصدر مزيداً من الأسلحة إلى دول خارجية، أبرزها الإمارات والسعودية.وتذهب سيكون ويزوتزكي، خبيرة الأمن الدولي وقائدة مشروع بمعهد أبحاث السلام فرانكفورت، لموقع DW الألماني، إنه “لم يعُد هناك ما يبرر الحديث عن أنها حالات استثنائية” فيما يتعلق بالصادرات إلى “دول أجنبية”، فقد أصبحت مبيعات الأسلحة إلى تلك الدول بمثابة “القاعدة”.[[4]] في إشارة إلى تغليب لغة المصالح على القيم. لكن فريقا آخر ينتمي إلى المحافظين يدافعون عن صفقات السلاح الألمانية لنظم قمعية مثل نظام السيسي؛ حيث دافع خبير السياسة الخارجية للكتلة المحافظة في البرلمان الألماني، رودريش كيسويتر، عن صفقات حكومة ميركل المنتهية ولايتها، قائلاً إنها تمت “ضمن الإطار القانوني الصحيح”.وقال لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ) إن انتقادات الأحزاب اليسارية “ليست أكثر من دموع التماسيح”.ورأى أنه من الضروري حماية المصالح الأمنية لألمانيا في الإصلاح القادم لضوابط تصدير الأسلحة. وحذر من أن “من مصلحة ألمانيا أن تستمر دول الشرق الأوسط في الحصول على دعم دول الاتحاد الأوروبي في سياستها المتعلقة بالتسلح. ولا يمكن أن يكون في مصلحتنا إذا حصلت هذه الدول في المستقبل على إمداداتها من الصين أو روسيا”.

خيارات وسيناريوهات

بعد صفقة السلاح لمصر، ما موقف الحكومة الجديدة من صفقة الأسلحة لنظام السيسي؟ هل تجمدها نهائيا أم إلى حين؟

في تصريحات لوكالة الأنباء الألمانية Deutsche Presse-Agentur DPA في 16 ديسمبر 2021م، تذهب كاتيا كيول، وزيرة الدولة في وزارة الخارجية الألمانية، إلى أن الحكومة الجديدة لن تمرر هذه الصفقة لنظام السيسي سيئ السمعة في مجال حقوق الإنسان؛ وقالت: “لا أتصوَّر أن الحكومة الجديدة ستمرِّر هذه الصفقة”. وتعزو أسباب ترجيحها لذلك إلى أن الاتفاق الذي يقوم عليه الائتلاف الحاكم الجديد يتضمن بنداً واضحاً حول مسألة تصدير الأسلحة، وشددت على أن الحكومة الائتلافية الجديدة ستدخل قانوناً يشدد القيود على صادرات الأسلحة.  وكانت الحكومة الائتلافية الجديدة، المكونة من حزب الديمقراطيين الاشتراكيين من يسار الوسط (SPD)، وحزب الخضر وحزب FDP النيوليبرالي –  قد تعهد في اتفاق تحالفهم بتشديد صادرات الأسلحة إلى ما يسمى بالدول الثالثة خارج الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي. وسيشمل ذلك مصر، التي كانت إحدى الوجهات الرئيسية لتصدير الأسلحة لألمانيا.[[5]]

لكن تقديرات أخرى تذهب إلى أن أقصى ما يمكن أن تصل إليه حكومة شولتز هو التنديد بالبيانات والتصريحات وانتقاد الملف المتخم بالجرائم لنظام السيسي في ملف حقوق الإنسان، لكن الحكومة لن تغامر بتصعيد موقفها ضد نظام السيسي لاعتبارات كثيرة.

أولا، على الأرجح فإن الهدف من بيان الخارجية الألمانية بشأن انتقاد الأحكام الجائرة بحق نشطاء مصريين إنما هو رسالة للداخل وللكتلة التصويتية التي انتخبت الائتلاف الحاكم، مفادها أن الحكومة الجديدة لن تتهاون في ملف حقوق الإنسان، وسوف تولي هذا الملف شيئا من أولوياتها دون تجاهل على عكس سياسات الحكومة الألمانية السابقة التي كانت تقودها ميركل. ورغم أن المانيا من الدول التي تحفظت على انقلاب السيسي في 3 يوليو 2013م، إلا أن حكومتها لم تصف رسميا ما جرى بأنه انقلاب على عكس الإعلام الألماني الذي وصف ذلك بالانقلاب العسكري ولا يزال يصفه على هذا النحو حتى اليوم. ورغم الانتقادات الألمانية في عهد ميركل لملف نظام السيسي في حقوق الإنسان إلا أن  الحكومة الألمانية تبنت سياسة براجماتية بحتة، حيث استقبلت السيسي 4 مرات في برلين في سنوات 2015 و2017 و2018 و2019م. كما قامت المستشارة “ميركل” بزيارتين إلى مصر الأولى فى مارس 2017، والثانية فى فبراير 2019، كما التقى السيسي والمستشارة الألمانية  مرتين على هامش أعمال قمة العشرين فى اليابان، ولاحقا فى فرنسا على هامش أعمال قمة السبع الصناعية. وتعبيرا عن قوة العلاقات، زار رئيس الوزراء مصطفى مدبولي ألمانيا مرتين فى مدة أقل من ستة أشهر، وذلك فى يناير 2019، ثم يونيو 2019، على رأس وفد كبير من الوزراء ورجال الأعمال. وهو الأمر الذي يحدث لأول مرة في تاريخ العلاقات بين البلدين. كما قام وزير خارجية ألمانيا السابق “هايكو ماس” بزيارة إلى القاهرة يومى 29 و30 أكتوبر 2019، حيث التقى بالسيسي، فضلا عن إجراء مباحثات مع وزير الخارجية سامح شكري، تناولت العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية.

ثانيا، يدرك نظام السيسي جيدا أن الحكومات الغربية دون استثناء تولي لمصالحها أولوية على أي شيء آخر، وإذا تعارضت المصالح مع القيم فإنها غالبا ما تنتصر للمصالح، وعلى هذا الأساس يقدم السيسي نفسه باعتباره حارسا للحدود الأوروبية جنوب المتوسط؛ فهو رأس حربه ضد الإرهاب (المزعوم) إضافة إلى دوره المفترض في منع قوافل الهجرة غير الشرعية من إفريقيا إلى أوروبا عبر المتوسط لدرجة أنه اقترح إقامة معسكرات لاستقبال اللاجئين في مصر بشرط أن تقدم الدول الأوروبية مساعدات نقدية لنظامه مقابل ذلك كما فعلت مع تركيا. كما أن السيسي قفز خطوات واسعة في ملف التطبيع مع “إسرائيل”، وهو ما تراه المانيا والحكومات الغربية سياسة رشيدة تضمن استقرار المنطقة، علاوة على دور  مهم آخر لنظام السيسي بالنسبة لألمانيا وفرنسا واللتان تنظران إلى الدور المصري في شرق المتوسط بوصفه موجها ضد الدور التركي وحدا لنفوذ أنقرة في هذه المنطقة الحساسة. وكلها أوراق يعلب عليها نظام السيسي.

ثالثا، رغم التحفظات الألمانية على انقلاب 3 يوليو، إلا أن نظام السيسي تمكن من جرجرة حكومة ميركل نحو علاقات اقتصادية متينة، وتمكن من أغواء ميركل بصفقات مليارية من العيار الثقيل، وكانت البداية في 2015م؛ حيث تم التعاقد مع شركة “سيمنز”  الألمانية لإنشاء 3 محطات ضخمة لإنتاج الكهرباء بقيمة وصلت إلى 8 مليارات يورو، وهو رقم مهول في عالم صفقات البيزنس الدولية. وفى شهر يناير 2021، بدأت شركة “سيمنز” الألمانية فى تنفيذ أحد أهم المشروعات التي يتبناها السيسى، وهو مشروع القطار الكهربائى السريع، بإجمالى أطوال حوالى 1000 كم على مستوى الجمهورية، وبتكلفة إجمالية تقترب من 360 مليار جنيه. فى حين توصلت وزارة التعاون الدولى فى نوفمبر 2019 إلى اتفاقية تعاون مع الجانب الألمانى لتمويل عدة مشروعات فى مجالات كفاءة الطاقة وتأهيل المدارس المهنية والتعليم وتطوير البنية الأساسية فى المناطق الحضرية.

وتعد مصر ثالث أكبر شريك تجارى لألمانيا فى الشرق الأوسط، وسجل حجم التبادل التجارى بين البلدين فى 2017 أعلى مستوياته بقيمة 5،8 مليار يورو، وعلى الرغم من انخفاض حجم التبادل التجارى عام 2018 إلى 4.48 مليار يورو بنسبة انخفاض 21.7%، إلا أن ذلك حمل بطياته مؤشرات إيجابية للجانب المصرى، حيث يرجع لانخفاض الواردات المصرية من ألمانيا بنسبة 29% مقابل زيادة ملحوظة فى الصادرات المصرية غير البترولية للسوق الألمانى للعام الثالث على التوالى بنسبة 9.4%. ووفقا لبيانات الهيئة العامة للاستثمار، يبلغ إجمالى حجم الاستثمارات الألمانية فى مصر 640.6 مليون دولار حتى نهاية سبتمبر 2019، تتركز فى حوالى 1183 شركة بمجالات متنوعة “الصناعة، والسياحة، والانشاءات، والقطاع الخدمى، والزراعة، وتكنولوجيا المعلومات”. في حين  بلغ إجمالي الاستثمارات الألمانية في مصر نحو 7,4 مليار دولار بنهاية يونيو 2018، كما بلغ رأس مال بنك “مصر أوروبا” الذي يعتبر أكبر الاستثمارات المصرية في ألمانيا نحو 60 مليون يورو.[[6]] وتأتي صفقة السلاح الأخيرة (4.5 مليارات يورو) لتقفز بحجم التبادل التجاري والصفقات بين البلدين إلى مستويات قياسية وغير مسبوقة؛ تجعل من الصعب المخاطرة بكل هذه المكاسب والأرباح المتبادلة.

وعلى صعيد التعاون السياحى، كانت السياحة الألمانية ــ قبل تفشي جائحة كورونا منذ 2020م ــ  إلى مصر تحتل المركز الأول من إجمالى السياحة الأجنبية الوافدة للبلاد، وذلك للعام الرابع على التوالى. وقفز عدد السائحين الألمان الذين زاروا مصر إلى 2.5 مليون سائح خلال 2019، لتحتل بذلك المركز الأول فى قائمة الدول التى ترسل سائحيها إلى مصر، مقارنة بحوالى 1.8 مليون سائح خلال 2018، وهو ما يمثل زيادة بنحو 38.8% على أساس سنوى.

فى مجال التعليم العالى والجامعة الألمانية التطبيقية الجديدة، وقع وزير التعليم العالى والبحث العلمى، على هامش زيارة الرئيس السيسى لبرلين فى أكتوبر 2018، اتفاقية إنشاء الجامعة الألمانية الدولية GIU فى العاصمة الإدارية الجديدة كأول جامعة للعلوم التطبيقية فى مصر، بالاشتراك مع تحالف الجامعات التطبيقية الألمانية والجامعة الألمانية بالقاهرة، وقد بدأت الدراسة بالفعل فى مقر مؤقت لها بالجامعة الألمانية بالتجمع الخامس GUC.[[7]] كما توجد فى مصر سبع مدارس ألمانية معتمدة بما يفوق عدد المدارس الألمانية بالولايات المتحدة نفسها أو حتى الصين.. وتجدر الإشارة إلى أن أكثر من 95% من تلاميذ وطلاب هذه المدارس من المصريين.[[8]] فهناك ما يقرب من 900 ألف تلميذ يدرسون اللغة الألمانية كلغة أجنبية بالمدارس الحكومية المصرية حتى يونيو 2018، فضلاً عن وجود نحو 1250 دارس ماجيستير مصري و550 دارس دكتوراه مصري مسجلون في الجامعات الألمانية حتى يونيو 2018، بالإضافة إلى أن هناك 12 ألف دارس مسجلون بالجامعة الألمانية بالقاهرة حتى يونيو 2018 والتي تعد أكبر مشروع تعليمي ألماني في الخارج.[[9]] كما أن العلاقات الثقافية بين البلدين وثيقة للغاية، وينعكس ذلك من خلال مجموعة كبيرة من المؤسسات الثقافية الألمانية العاملة فى مصر على الدوام، ومنها معهد جوته بالقاهرة والإسكندرية، والمعهد الألمانى للآثار بالقاهرة، والهيئة الألمانية للتبادل العلمي، والإدارة المركزية للمدارس الألمانية بالخارج.

خلاصة الأمر، مرت السياسة الألمانية بمجموعة من المحطات والتحولات فى تاريحها خاصة السياسة الخارجية، حتى وصلت إلى صياغتها المعاصرة فى علاقتها الخارجية، التى تعتمد على مجموعة من المبادئ، تنقسم بدورها إلى مجموعتين، إحداهما تتمثل فى مجموعة من القيم، والتى تشمل ثلاث محددات رئيسية وهى «الديمقراطية، وحرية الرأى والتعبير وحقوق الإنسان»، وتعد مجموعة القيم هذه أساس لبناء الدولة المدنية الحديثة، والتى يطلق عليها «دولة العدل والحقوق والواجبات». وأما المجموعة الأخرى تتمثل فى مجموعة المصالح، التى تنطلق من عدة محددات منها ما هو متمثل فى تاريخ ألمانيا، وأخرى مرتبط بمراكز القوة الاقتصادية والسياسية الجديدة، التى تساهم بصياغة العالم المعاصر فى شكله الجديد «العولمة»، تلك الصياغة التى تتشكل طبقا للمستجدات على الساحة الدولية من تحالفات وصراعات، حيث يأتى ذلك ضمن وضع استراتيجيات تتوافق مع الواقع دون فقد لمجموعة القيم الأساسية.

وعلى هذا، فإن الإستراتيجية التى تتبعها ألمانيا فى علاقتها مع الدول الأخرى، يطلق عليها استراتيجية «الوضوح والتوازن فى الشراكة مع الدول الأخرى»، حيث إنه يتم الاعتماد فيها على الرؤية المستقبلية للأمور، وما الشكل الذى يمكن عليه المستقبل سواء القريب والمتوسط والبعيد فى العلاقة مع الدول الأخرى، وما مدى تفاعل هذه الدول داخل إطار مجموعتى القيم والمصالح. وعندما تتضارب مجموعتا القيم والمصالح، أو تنتفى إحداهما ــ وعادة ما تنتفى مجموعة القيم فى كثير من الأحيان ــ  تحدث إشكالية تناقض فى الموقف السياسى الألمانى، ولتجنب هذا التناقض، يتم استخدام لغة دبلوماسية غير فاصلة أو قاطعة. مما تجعل من ذلك الموقف ضبابيا وغير واضحٍ.[[10]] وهو ما ينطبق تماما على علاقات الحكومة الألمانية في عهد ميركل بنظام السيسي، لا سيما في ملف حقوق الإنسان الذي بدأته المانيا بلهجة انتقاد حادة؛ لكنها سرعان ما تراجعت على وقع الصفقات والمصالح الاقتصادية؛ فتلاشت هذه اللهجة، واختفى الانتقاد الالماني لانتهاكات نظام السيسي وحل مكانه الدفء في العلاقات والمصالح المشتركة.

وبناء على خلاصة هذه التجارب، فإن المرجح أن حكومة شولتز اليسارية، لن تغامر بتجميد نهائي لصفقة السلاح، لكنها قد تتبرأ منها لكنها ستمررها باعتبارها صفقة لم تبرمها وأن الحكومة السابقة هي من تتحمل المسئولية عنها أمام الشعب الألماني. وقد تجمدها فترة ثم تمررها لاحقا. أيضا لن تغامر حكومة شولتز بخسارة “زبون” مثل السيسي مريض بالإسهال في صفقات السلاح من أجل اكتساب دعم الحكومات الغربية. علاوة على النفوذ الذي تحظى بها شركات السلاح الألمانية في صناعة القرار وتوجيه بوصلة السياسات الخارجية وهو عامل مهم لا يمكن تجاهله.

من جانب آخر، فإن الانتقادات الألمانية للسيسي في ملف حقوق الإنسان، يكشف أن هذا الملف هو الأضعف لنظام السيسي الذي توظفه الحكومات الغربية في ابتزاز النظام والضغط عليه لتحقيق كثير من المكاسب والمصالح؛ لأن نظام السيسي عادة ما يواجه هذه الانتقادات والضغوط بالمزيد من الصفقات لإسكات هذه الأصوات الأوروبية الناقدة لانتهاكاته المتواصلة في ملف حقوق الإنسان. وقد تكون هذه الانتقادات برهانا على تحولات لافتة في التعاطي الألماني مع الملف المصري والانتهاكات المروعة في ملف حقوق الإنسان، وقد تكون شكلا من أشكال الابتزاز كما تعودنا من الحكومات الغربية سرعان ما تنطفئ  مع أقرب صفقة يبرمها السيسي مع الحكومة الألمانية الجديدة. وبالتالي لا يتعين علينا التعجل في استنتاج مواقف ألمانية جديدة قد لا تكون صحيحة أو معبرة عن حقيقة الموقف؛ والأفضل أن نتريث وندع الأيام تثبت لنا جدية الموقف الألماني من عدمه بناء على مواقفها العملية خلال الشهور والسنوات المقبلة.

 

 

[1] صلاح سليمان ميركل ليست قديسة! لا أحد هنا يتغنى بها على غرار الصحافة العربية/ الجزيرة نت ــ 17أكتوبر 2021م

[2] مصر ترفض التصريح الصادر عن الخارجية الألمانية بشأن قضية منظورة/ بوابة الشروق ــ  السبت 18 ديسمبر 2021

[3] ارتفاع قياسي لصفقات السلاح في اللحظات الأخيرة لحكومة ميركل/ دويتشه فيله ــ 25 ديسمبر 2021م// ارتفاع غير مسبوق لصادرات الأسلحة الألمانية.. ومصر في المرتبة الأولى/ الخليج الجديد ــ السبت 25 ديسمبر 2021

[4] صفقة أسلحة مع مصر تثير غضباً كبيراً في ألمانيا.. وافقت عليها ميركل في “الساعات الأخيرة” لحكومتها/ عربي بوست ــ 17ديسمبر 2021م

[5] حقوق الإنسان أم المصالح.. هل توقف ألمانيا صفقة أسلحة عملاقة لمصر مررتها ميركل في يومها الأخير؟/ عربي بوست ــ 02 يناير 2022

 

[6] كريم حسن/ بالإنفوجراف.. تعرف على طبيعة العلاقات المصرية الألمانية.. وأبرز أوجه التعاون بين البلدين/ بوابة الأهرام ــ 26 يونيو 2019م

[7] أيمن مكى/ العلاقات المصرية الألمانية .. تطورات جذرية وتحولات نوعية فى الشراكة/ مبتدأ ــ 27 أغسطس 2021م// مصر وألمانيا.. شراكة متطورة/ رأي الأهرام ــ الثلاثاء 19 نوفمبر 2019م

[8] غادة الشرقاوى/4٫5 مليار يورو حجم التبادل التجارى بين مصر وألمانيا.. السفير الألمانى: زيارة وزير الخارجية القاهرة تؤكد قوة علاقات البلدين/ الأهرام اليومي ــ الأربعاء 30 أكتوبر 2019م

[9] كريم حسن/ بالإنفوجراف.. تعرف على طبيعة العلاقات المصرية الألمانية.. وأبرز أوجه التعاون بين البلدين/ بوابة الأهرام ــ 26 يونيو 2019م

[10] هاني غانم/قبل زيارة السيسى إلى برلين.. «الشروق» تبحث فى ألمانيا عن مستقبل العلاقات بين البلدين/ الشروق ــ   الثلاثاء 26 مايو 2015 // نظر أيضا: صلاح سليمان/ الثابت والمتغير في العلاقات الألمانية – المصرية/ الجزيرة نت ــ 03 يونيو 2015م

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

‫شاهد أيضًا‬

نجل السيسي في «إسرائيل».. الخلفيات والمآرب

    أجرى العميد محمود السيسي، نجل الجنرال عبد الفتاح السيسي ووكيل جهاز المخابرات العا…