‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر قراءة تحليلية للسياسة الخارجية المصرية خلال الفترة من 24 يناير حتى 1 فبراير 2022
مصر - فبراير 14, 2022

قراءة تحليلية للسياسة الخارجية المصرية خلال الفترة من 24 يناير حتى 1 فبراير 2022

قراءة تحليلية للسياسة الخارجية المصرية خلال الفترة من 24 يناير حتى 1 فبراير 2022

 

شهدت السياسة الخارجية المصرية خلال الأسبوع الأخير من شهر يناير 2022 عدة تطورات هامة على المستوى العربى والاقليمى والدولى؛ فقد استقبل عبد الفتاح السيسي نظيره الجزائري “عبد المجيد تبون” يوم 24 يناير 2022 في زيارة استغرقت يومين بحثا خلالها سبل تطوير العلاقات الثنائية، والملفات العربية الآنية إثر الإعداد للقمة العربية المقبلة. غداة ذلك قام السيسي بزيارة مفاجئة لدولة الإمارات، فى 26 يناير، هي الأولي له منذ الاعتداءات الحوثية على مطار أبوظبي في السابع عشر من يناير الحالي وجدد إدانة مصر لأي اعتداء إرهابي على الأمن القومي الإماراتي، وجدد الموقف المصري القائم على اعتبار الأمن الخليجي جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي المصري[1]. كذلك، فقد كشفت مصادر أمريكية مطلعة، في تصريحات لشبكة CNN، فى 27 يناير 2022، أن إدارة الرئيس جو بايدن قررت منع 130 مليون دولار من المساعدات العسكرية المخصصة لمصر (والتى تقدر ب 1.3 مليار دولار) بسبب عدم امتثال السلطات المصرية لشروط حقوق الإنسان التي وضعتها وزارة الخارجية الأمريكية[2]. وسنحاول توضيح الموقف المصرى من تلك التطورات خلال السطور القادمة كما يلى:

أولًا: زيارة الرئيس الجزائرى لمصر:

أسفرت زيارة الرئيس تبون إلى القاهرة عن تعزيز العلاقات الثنائية، حيث يتم الإعداد لعقد الدورة المقبلة للجنة العليا المشتركة على مستوى رئيسي وزراء الدولتين خلال النصف الأول من العام الحالي، بعد ثماني سنوات من التوقف. كما يتم تفعيل آلية التشاور السياسي على مستوى وزيري الخارجية، خلال النصف الأول من هذا العام، وكذلك تطوير التعاون الاقتصادي ومضاعفة الاستثمارات المتبادلة وزيادة معدلات التبادل التجاري، وتعزيز الشراكات وتبادل الخبرات في مختلف المجالات، بما يحقق مصالح الدولتين.

كذلك، فقد أكد السيسي وتبون ضرورة خروج جميع المرتزقة الأجانب من ليبيا وإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الليبية بأسرع وقت، وعودة الاستقرار لليبيا. كما أكد الرئيسان أن القضية الفلسطينية هي القضية المركزية للأمة العربية، وجددا دعم إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 4 يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وحشد الجهود الإقليمية والدولية لتحقيق ذلك. وقد أثني الرئيسان الجهود المبذولة من الدولتين في هذا الصدد حيث استقبلت العاصمة الجزائرية 6 فصائل فلسطينية لبحث المصالحة الوطنية، كما تستكمل مصر جهودها لتوحيد الفصائل الفلسطينية وإعادة إعمار قطاع غزة، وصولا لاستئناف عملية السلام[3]. كما تسعى الجزائر إلى تنسيق الجهود مع مصر من أجل إدراج ملف طرد إسرائيل من عضوية الاتحاد الأفريقي بصفة مراقب على رأس لائحة الملفات التي ستناقش في قمة الرؤساء الأفارقة، المقرّرة في الخامس من شهر فبراير الحالى في العاصمة الأثيوبية أديس أبابا[4].

كما أبدى الرئيسان اهتمامًا بضرورة إنجاح القمة الإفريقية المقبلة التي ستبحث عددا من القضايا المهمة، ومنها التطورات بالسودان حيث اتفقا على ضرورة دعم استقرار الأوضاع في السودان واحترام سيادته ووحدة أراضيه لما يمثله ذلك من أهمية بالغة لتحقيق السلم والأمن بالقارة الإفريقية. وكذلك بحث الرئيسان قضية “سد النهضة”، وما تمثله من تهديد للأمن المائي المصري وتوافقا على ضرورة التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم عملية ملء وتشغيل سد النهضة بما يحقق مصالح الدول الثلاث مصر والسودان وإثيوبيا بشكل عادل ومنصف وذلك قبل بدء الملء الثالث للسد[5].

وعلى الرغم من ترويج القنوات الإعلامية المحسوبة على النظام المصرى بأن تلك الزيارة تكشف عن حالة تحسن كبيرة فى العلاقات بين البلدين، إلا أن أغلب التحليلات المعمقة قد أكدت على أن الخلافات بين البلدين لا تزال مستمرة، ولم تفلح تلك الزيارة فى إزالته. فقد سارت تصريحات السيسى وتبون في اتجاه مختلف، فبينما ركز الرئيس المصري على «تعزيز العلاقات الثنائية»، وبشكل خاص، «تفعيل اللجان الثنائية المشتركة»، ركزت رسالة الرئيس الجزائري التي حملها وزير خارجية بلده إلى السيسي «زيادة تعزيز التنسيق والتشاور مع مصر لمواجهة التحديات المختلفة التي تواجه المنطقة والأمة العربية وتعزيز العمل العربي المشترك».

ويؤشر هذا الاختلاف في الصياغة الرسمية على أن أجندتي الجزائر ومصر مختلفتان، فعين الجزائر على التنسيق في القضايا العربية والإقليمية والعمل العربي، بينما مصر عينها على تعزيز التعاون التجاري والاقتصادي وجلب الأموال الجزائرية للاستثمار في مصر.

كما أن استقراء مواقف الدبلوماسيتين المصرية والجزائرية بإزاء قضايا عربية وإقليمية، يبين أن المواقف المتقاربة جد محدودة، فباستثناء قبول القاهرة والجزائر لعودة سوريا للجامعة العربية من غير شروط، تبقى الملفات الأخرى، نماذج لتباعد المواقف وتناقضها وأحيانا توترها وصراعها.

فمن جهة، مصر كانت حاسمة في اختيار التقارب مع دول الخليج، ومد القطيعة مع إيران، وعدم الاكتراث لرسائل طهران الغزلية للقاهرة، في حين، اختارت الجزائر في سياق صراعها الإقليمي مع المغرب، أن تعزز علاقاتها مع طهران، تقديرا منها أن ذلك يشكل الجواب عن تحدي تطبيع المغرب مع إسرائيل واعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بسيادة المغرب على الصحراء.

ومن جهة ثانية، ترتبط مصر بعلاقة استراتيجية مع دول الخليج، إذ ينظر مجلس التعاون الخليجي إليها على أنها صمام أمان لاستقرار المنطقة، بينما تعتبر مصر أمن الخليج من أمنها، في حين تثير علاقة الجزائر مع إيران، وكذا قطع الجزائر العلاقة مع المغرب ورفضها أي وساطة خليجية لتسوية الخلافات بين البلدين قلقا خليجيا، تم التعبير عنه أكثر من مرة، في صورة دعم غير مشروط للمغرب، كان آخر مثال له دعم دول الخليج للقرار الأخير لمجلس الأمن حول الصحراء، والذي انتقدته الجزائر بشدة معتبرة إياه متحيزا للمغرب.

ما يثير العلاقات الخليجية الجزائرية أكثر هو الخلاف مع الإمارات في الملف الليبي، وصدور اتهامات جزائرية لها بالتآمر ضد أمنها القومي من خلال دعم الجنرال حفتر، وأيضا من خلال تعزيز التقارب الجزائري التركي في هذا الملف.

كما أن مفردات بيان الخارجية الجزائرية يظهر هو الآخر مدى الخلاف بين الجزائر والقاهرة في النظر إلى موضوع اليمن، والهجوم الحوثي على الإمارات، فالجزائر، وهي تعرب عن تضامنها وتعاطفها مع دولة الإمارات، تأخذ مسارا مختلفا عن مصر، وهي ترفض الأعمال (من الطرفين) التي من شأنها تقويض الأمن والاستقرار في الإمارات وفي المنطقة، وتدعو إلى تبني الحوار بين الطرفين وتجنب التصعيد، في حين تعتبر مصر استمرار هجمات “ميليشيا” الحوثي ضد السعودية والإمارات تهديدًا صريحًا لأمنهما واستقرارهما، وتدعم كل ما تقوم بهما الرياض وأبو ظبي من إجراءات للتصدي لتلك الهجمات.

الجزائر، وفي سياق تدبير صراعها الإقليمي مع المغرب، قفزت على القاهرة، وحاولت الاستثمار في ملف الوحدة بين الفصائل الفلسطينية، من خلال الدعوة إلى اجتماعها في الجزائر، والإشراف على حوار لتقريب الشقة بين الفصائل، والخروج بخارطة طريق للمصالحة، والاتفاق على برنامج نضالي مشترك.

بدون شك، مصر نظرة بعين الشك والريبة لهذه الخطوة الجزائرية، فملف العلاقة بين الفصائل كان دائما بين يدي المخابرات المصرية، وما زاد حالة الشك المصرى فى تلك الخطوة الجزائرية، أنها تأتي مع تعثر جهود القاهرة لإقناع الفصائل الفلسطينية بالانخراط في برنامج لإعادة إعمار غزة، وترسيخ الهدنة.

ويتضح من هذه المقارنة، أن ما يجمع الجزائر بمصر هو أقل بكثير مما يفرقهما، وأن نقطة واحدة ربما هي التي تجمعهما هو توافق على عودة سوريا إلى الجامعة العربية، وما عدا ذلك، فشعاب متفرقة في الملفات المختلف حولها. وربما يكون السبب الرئيسى لزيارة تبون للقاهرة، هو طلب الجزائر توسطا مصريا لإذابة الجليد في العلاقات الجزائرية الخليجية، لأنها توقن أن قرار تأجيل عقد القمة العربية المزمع عقدها فى الجزائر، إنما كان في الجوهر قرارا خليجيا محضا، وأن أسرع طريق إلى دول الخليج، يمر عبر القاهرة، وترغب الجزائر فى مراجعة مواقف هذه الدول من القمة العربية، حتى لا يتعرض النظام الجزائري لصدمة كبيرة، بتأجيل انعقاد القمة العربية بها[6].

ثانيًا: زيارة السيسى للإمارات:

قام السيسي، فى 26 يناير 2022، بزيارة لدولة الإمارات لمدة يوم واحد وهي الأولى لرئيس دولة بعد الاعتداء الحوثي الذي استهدف مطار أبوظبي في 17 يناير 2022 وأسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة ضعفهم. وجدد السيسي إدانة مصر للحادث الإرهابي الأخير وأي عمل إرهابي تقترفه ميليشيا “الحوثي” لاستهداف أمن واستقرار وسلامة دولة الإمارات ومواطنيها والمقيمين بها. وجدد دعم مصر لكل ما تتخذه الإمارات من إجراءات للتعامل مع أي عمل إرهابي يستهدفها. وتأتي زيارة السيسي للإمارات تفعيلا لمقولته الشهيرة “مسافة السكة” التي جسد بها دعم مصر المستمر لدول الخليج العربي. وأكد أن الأمن القومي الخليجي جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري.

وهناك ترجيحات بأن هناك تنسيق إماراتى- مصرى لتصنيف ميليشيات “الحوثي” باليمن المدعومة من إيران كمنظمة إرهابية خلال القمة العربية المزمع عقدها فى الجزائر خلال الفترة المقبلة[7]. في السياق نفسه، تلعب البعثة الدبلوماسية المصرية لدى الولايات المتحدة الأميركية، دوراً قوياً، خلال الأيام الأخيرة، لدعم أبوظبي والرياض، بهدف إقناع الإدارة الأميركية بإعادة إدراج جماعة الحوثيين على قائمة التنظيمات الإرهابية. ولم يتوقف دور القاهرة الدبلوماسي عند هذا الحد، حيث بدأت البعثة الدبلوماسية هناك اتصالات لدى الدول الأعضاء في مجلس الأمن، لدعم الإمارات بعد الضربات الأخيرة، بهدف صدور قرار من المجلس ضد الأعمال الحوثية التي استهدفت مناطق مدنية[8].

كذلك، فقد قامت القاهرة بإرسال خبراء عسكريين مصريين إلى اليمن، وتحديداً الجنوب، في أعقاب الهجمات الحوثية، بهدف مراجعة خطط القوات التابعة لتحالف دعم الشرعية. وتتكون المجموعة من سبعة خبراء عسكريين مصريين رفيعي المستوى، يوجدون في غرفة العمليات الميدانية، لألوية العمالقة، التي خاضت معارك ضارية أخيراً ضد المقاتلين الحوثيين أدت لإخراجهم من محافظة شبوة. ومن بين المهام الموكلة للخبراء العسكريين المصريين تجهيز خطط لتطوير الهجوم البري من جانب قوات التحالف، ضد مناطق سيطرة الحوثيين، مع إعداد خطط محكمة لتأمين المناطق الحيوية، بالتنسيق مع قيادة التحالف، الداعم للشرعية، في الرياض[9].

وفى المقابل، فقد سعى السيسى إلى استغلال هذا الحدث من أجل الحصول على المزيد من المكاسب من الجانب الإماراتى. وفى هذا السياق، فمقابل الدعم العسكرى المصرى للإمارات،  فقد تجاوبت الإمارات مع مطالب مصرية سابقة، بتقديم دعم مالي، عبر وديعة دولارية في البنك المركزي المصري، ضمن حزمة من المساعدات الاقتصادية، بعد ما رفض الجانب الإماراتى في أوقات متفرقة، خلال عام 2021، تلبية مطالب مصرية متكررة بتقديم وديعة دولارية جديدة لإنعاش الاقتصاد المصرى[10]. كما يستعد تحالف بنوك خليجية، بينها بنكان إماراتيان، لتقديم قرض للحكومة المصرية بقيمة 2.5 مليار دولار. وفى ذات السياق، فقد سبق أن أودعت الرياض 3 مليارات دولار كوديعة في البنك المركزي المصري قبل نهاية عام 2021، لمساعدة النظام على الوفاء بتعهداته، ودعمه في مواجهة الأزمة الاقتصادية[11].

كذلك، فقد جددت الإمارات عرضها للوساطة مجدداً والمساعدة على الوصول لحل في أزمة سد النهضة الإثيوبي، انطلاقاً مما تملكه من نفوذ كبير لدى الحكومة الإثيوبية. وكانت العلاقات بين البلدين شهدت توتراً مكتوماً وصلت ذروتها بتقديم أبوظبي الدعم العسكري إلى رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد، لمواجهة متمردي إقليم تيغراي الشمالي، وكان الدعم العسكرى من قبل أبو ظبى أحد العوامل الرئيسية فى ترجيح كفة آبى أحمد فى تلك الحرب[12].

وبحسب موقع “الأخبار”، فإن ابن زايد وعد السيسي بممارسة الضغط بالطرق الممكنة وغير الممكنة على آبي أحمد لتعديل موقفه، وسط احتمالية عقد اجتماع مشترك في أبو ظبي، خلال الفترة المقبلة، لإنهاء حالة الجفاء بين البلدين، وتعبئة الإرادة السياسية اللازمة للتوصّل إلى اتفاق. وعلى الرغم مما تبديه إثيوبيا من تحفظ على التدخّل الإماراتي، والذي سيكون مصحوباً بضغوط سعودية، لكن وعود أبو ظبي بتقديم الدعم لحكومة آبى أحمد في مجلس الأمن والأمم المتحدة، بشأن الوضع في إقليم تيغراي وغيرها من الأمور، ستكون لها انعكاسات كبيرة على القرار الأخير الذي سيتّخذه رئيس الوزراء الإثيوبي[13].

ويبدو أن الوساطة الإماراتية فى موضوع سد النهضة لم تتأخر كثيرًا، فقد قام رئيس الوزراء الأثيوبى آبى أحمد بزيارة إلى الإمارات بعد يومين فقط من زيارة السيسى لأبو ظبى، أى فى 28 يناير 2022، علماً أنها الزيارة الأولى لآبى أحمد إلى الخارج منذ فترة طويلة، جراء تداعيات الحرب في إقليم تيغراي. وما قد يدفع الإمارات نحو لعب دور ما للوساطة بين مصر وأثيوبيا فى هذا التوقيت، هو تخوفها من نشوب صراع حول المياه بين البلدين الحليفتين لها ما قد يؤثر بالسلب على الدعم العسكرى من جانبهما للإمارات فى صراعها مع الحوثيين، خاصة وأن أمن البحر الأحمر ومنطقة القرن الأفريقي مرتبط ارتباطًا وثيقًا، وهو ما يستدعى موقفًا اقليميًا موحدًا قد تستغله الجماعات الإرهابية لإثارة المزيد من الفوضى فى المنطقة والسيطرة على مناطق حيوية قد تؤثر على حركة التجارة الدولية وعلى أمن واستقرار منطقة الخليج العربي.

كما أن زيارة آبي أحمد لدولة الإمارات في هذا التوقيت، الذي سبقه لقاء السيسي بالرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، وتوافقهما على ضرورة التوصل لاتفاق قانوني ملزم ينظم عملية ملء وتشغيل سد النهضة وبما يحقق مصالح الدول الثلاث مصر والسودان وأثيوبيا بشكل عادل ومنصف، يشير إلى أن هناك اتجاه جديد قد يأخذه مسار المفاوضات حول سد النهضة خلال الفترة المقبلة، خاصة وأن هناك ترتيبات جديدة تأخذها المواقف العربية، ربما تكون الجزائر ومصر والإمارات أكثر تنسيقا، خاصة فيما يتعلق بالموقف من مقعد سوريا بالجامعة العربية. وبالتالي قد يتشكل موقف عربي داعم لمصر تجاه قضيتها المائية ينعكس بالإيجاب على مواقف الدول العربية المستثمرة في أثيوبيا أو ذات التنسيق متعدد الأوجه معها[14].

كذلك، تضغط مصر في مسألة السد، عبر الدول الأفريقية أيضاً، والتي كان آخرها السنغال، إذ جرت مناقشة الأمر مع رئيسها، ماكي سال، خلال زيارته القاهرة قبل أيام، وسط تحرّكات لترتيب لقاءات مكثّفة بين المسؤولين المصريين ونظرائهم الأفارقة، خلال الاجتماعات المقبلة للاتحاد الأفريقي المقرّرة فى فبراير الجارى[15]. وفى هذا السياق، فقد كشف مصدر برئاسة الجمهورية لصحيفة “الزمان” أن السيسي طلب من نظيره السنغالي أثناء زيارته الأخيرة بالقاهرة ممارسة نفوذه والتوسط لدى الجانب الأثيوبي للوصول إلى إتفاق ملزم حول سد النهضة يراعي مصالح الدول الثلاث باعتبار أن السنغال ستترأس قمة الاتحاد الإفريقي في دورته الحالية. وأن هناك توقعات بأن تشهد القمة الأفريقية القادمة بأديس أبابا تسوية سياسية بين مصر والسودان وأثيوبيا بشأن سد النهضة[16].

لكن هذه الوساطة الإماراتية يبدو أنها ستكون كغيرها من الوساطات لن تكون قادرة، أو حتى راغبة، على إرغام الطرف الأثيوبى على الاستجابة للمطالب المصرية فيما يتعلق بمشروع السد.

وهو ما أثبتته سنوات التفاوض الماضية، فعلى الرغم من تعهدات آبى أحمد بأنه لن يلحق الضرر بمصر فيما يخص مياه النيل، وتعهد بضمان حصة مصر من المياه. إلا أنه على أرض الواقع يفعل عكس ذلك، فقد شرع في استكمال بناء السد ونفذ المرحلة الأولى من الملء ثم الثانية دون أي اعتبار لوعوه السابقة، ولاحقا رفض كل المبادرات التي طرحت سواء من الاتحاد الأفريقي أو من وسطاء إقليمين ودوليين وعلى رأسهم الولايات المتحدة والتي دعته إلى التوقيع على اتفاق ثلاثي يضمن حقوق دولة المنبع ودول المصب على حد سوء، وعندما لجأت مصر إلى مجلس الأمن الذي اكتفى بإصدار بيان باهت إثر الضغوط الروسية الصينية، عاب آبي على مصر والسودان ورفض ما أسماه “إصرار دول المصب على تدويل الأزمة”.

وحتى لو استجاب آبى أحمد للوساطة الإماراتية، فإن ذلك لن يكون بهدف الوصول إلى اتفاق قانونى ملزم وشامل بشأن أزمة السد، ولكن محاولة جديدة لجر مصر إلى متاهة المفاوضات العبثية التي تدور منذ أكثر من 10 سنوات. وذلك لتحقيق الهدف الذي سبق للمسؤولين الأثيوبيين أن أعلنوه مرارا، وهو أن مياه نهر النيل إثيوبية وأن بناء سد بل سدود على مجرى النيل شأن إثيوبي خالص، وأن من يريد المياه فعليه أن يدفع ثمنها، بحسب ما قالت دينا مفتي المتحدث باسم الخارجية الإثيوبيبة في مداخلة سابقة مع قناة الجزيرة القطرية.

كما أن الاستجابة الأثيوبية للوساطة الإماراتية ليس إلا تأكيدًا على السياسة الأثيوبية المتبعة على مدار السنوات السابقة، والتى تقوم على فتح قنوات للحوار والوساطات مع مصر مع اتخاذ خطوات على أرض الواقع لتنفيذ مشروع السد. فبالتزامن مع الحديث عن الوساطة الإماراتية المرتقبة، فقد باشرت إثيوبيا اختبار أول توربين منخفض في السد كخطوة أولى للبدء في توليد الكهرباء، وقبلها بأيام أعلنت أديس أبابا عن اعتزامها إزالة 40 ألف فدان من الغابات بمحيط السد تمهيدا لتنفيذ عملية الملء الثالث. وقال حاكم إقليم بني شنقول الشاذلي حسن “إنه سيوفر الدعم والتأمين اللازم لاكتمال عملية إزالة الغابات التي من المتوقع أن تنتهي خلال 60 يوما”. أما دينا مفتي المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية، فأكدت أن بلادها ماضية في استكمال المرحلة الأخيرة من مشروع السد وتوليد الكهرباء.

وبالتالى تسعى أثيوبيا إلى استدراك مصر نحو المفاوضات حتى تنتهى من تنفيذ الملء الثالث للسد، حينئذ ستكون مصر مضطرة إلى التعامل مع السد باعتباره أمرا واقعا، حيث إن صلاحية الورقة الأخيرة التي كان على القاهرة استخدمها منذ فترة ستكون منتهية، فالتدخل العسكري وضرب السد فى هذه الحالة سيؤثر وبشكل كارثي على السودان وسيعرض حياة الملايين منهم هناك للخطر، وهو ما يجعل مصر أكثر حرصا على سلامة السد من الإثيوبيين.

كما يسعى آبى أحمد من خلف الاستجابة لهذه الوساطة الإماراتية إلى تخفيف حدة الضغوط الدولية على نظامه سواء المتعلقة بملف سد النهضة أو بملف الصراع الأهلي في بلاده. حيث يبحث آبى أحمد عن غسل سمعته ولفت الأنظار عن الدماء التي تسبب فيها والجرائم التي ارتكبها في حق أبناء شعبه من قومية التيجراى خلال العام الماضي، وقد يكون سعيه إلى إعادة طرح ملف التفاوض حول سد النهضة جزءا من خطة لتعويمه إقليميا ودوليا بعد أن تحول إلى حاكم منبوذ ترفض العديد من الدول استقباله والتعامل معه باعتباره متهما بارتكاب جرائم ضد الإنسانية[17].

وأخيرًا، يجب التأكيد على أن الظروف الحالية تلعب لصالح أثيوبيا وضد مصر، فى ظل خروج الخرطوم من المشهد حالياً نتيجة للأوضاع السياسية المتوترة هناك، منذ “الانقلاب العسكرى” الذى قاده الفريق أول عبد الفتاح البرهان الذي يرأس المرحلة الانتقالية، فى 25 أكتوبر الماضى، عندما أعلن عن حل مجلس السيادة والحكومة برئاسة عبد الله حمدوك، واعتقاله مع عدد من الوزراء والسياسيين[18]. والأخطر من ذلك، فإن الدوائر السياسية المصرية تشعر بالقلق من زيارة الفريق أول ونائب رئيس مجلس السيادة السوداني محمد حمدان دقلو قائد الحشد الشعبي السوداني لأثيوبيا، فى 22 يناير، والتي يمكن أن تتمخض عن إتفاق سري بين الجانبين لتزويد السودان بالكهرباء الإثيوبية وتسوية النزاع الحدودي معها حول أراضى الفشقة بعيدا عن الموقف المصرى [19].

كذلك تشعر الدوائر المصرية بالقلق في ظل تباطؤ الاتحاد الأفريقي في اتّخاذ خطوات حاسمة في ملف السد، واستبعاد احتمالية العودة القريبة إلى مجلس الأمن[20] نتيجة انشغال القوى الدولية بأزمات أكثر أهمية كالأزمة الأوكرانية الراهنة وما نتج عنها من صراع بين أمريكا وأوروبا من جانب وروسيا من جانب أخر. وهو ما تدركه أثيوبيا جيدًا، ويجعلها أكثر تمسكًا بموقفها المتعنت ضد مصر فى قضية سد النهضة.

ثالثًا: حجب مساعدات عسكرية أمريكية عن مصر:

منذ ثورة يناير 2011 وبعد الانقلاب العسكري الذي قاده عبد الفتاح السيسي ضد أول رئيس مدني منتخب لمصر، الرئيس الراحل محمد مرسي، أصبحت المساعدات الأمريكية لمصر محل جدل ونقاش في الأوساط السياسية. ورغم تسريب أخبار بين الحين والآخر، على مدار السنوات الماضية، عن قرارات أمريكية بشأن المساعدات العسكرية تارة بحجبها وتارة أخرة بتقليصها احتجاجا على انتهاكات نظام السيسي لحقوق الإنسان إلا أنها تعود للانتظام مجددا.

المساعدات الأمريكية لمصر، هي مبلغ ثابت سنويا تتلقاه مصر من الولايات المتحدة الأمريكية منذ توقيع اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979، جزء منها اقتصادي وآخر عسكري لكل من مصر وإسرائيل، وتحولت منذ عام 1982 إلى منح لا ترد بواقع 3 مليارات دولار لإسرائيل، و2.1 مليار دولار لمصر، منها 815 مليون دولار معونة اقتصادية، و1.3 مليار دولار معونة عسكرية. وتسمح المساعدات لأمريكا بالإشراف على تسليح الجيش المصري ومراقبة السلوك العسكري المصري وضمان عدم توجه مصر لمصادر تسليح أخرى؛ وهو ما جعل 85% من واردات السلاح المصرية أمريكية المصدر[21].

وقبل أيام، كشفت مصادر أمريكية مطلعة، في تصريحات لشبكة CNN، فى 27 يناير 2022، أن إدارة الرئيس جو بايدن قررت منع 130 مليون دولار من المساعدات العسكرية المخصصة لمصر (والتى تقدر ب 1.3 مليار دولار) بسبب عدم امتثال السلطات المصرية لشروط حقوق الإنسان التي وضعتها وزارة الخارجية الأمريكية. وتأتي هذه الخطوة قبل أيام فقط من الموعد النهائي في 30 يناير لإعلان وزارة الخارجية عن خطط المعونات، وهي الجزء المتبقي من شريحة مثيرة للجدل بقيمة 300 مليون دولار من المساعدات تم تقسيمها في سبتمبر مع إعطاء ما يزيد قليلًا عن النصف (170 مليون دولار) إلى مصر في ذلك الوقت، والمبلغ المتبقي محتجز حتى الآن بسبب مخاوف تتعلق بحقوق الإنسان.

ويعد منع أموال المعونة عن مصر هو الأول من نوعه لإدارة بايدن، بعدما تعهد في حملته الانتخابية بإنهاء “الشيكات المفتوحة لديكتاتور ترامب المفضل”، في إشارة إلى الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي. لكن على خلاف تقرير الـ”CNN” فإن المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، نيد برايس، أكد في تصريحات صحفية أن وضع الأموال لم يتغير وأن بلينكن “لم يتخذ قرارا بعد”.

ولا يزال الجدل مستمرًا حول مدى تأثير حجب هذه المعونات على تغيير سياسة النظام المصرى تجاه ملف حقوق الإنسان، ويدور هذا الجدل حول وجهتى نظر رئيسيتين:

وجهة النظر الأولى: ترى بأن هذا الحجب للمساعدات لن يؤثر على سياسة النظام المصرى فى ملف حقوق الإنسان، ويتبنى وجهة النظر تلك بصورة رئيسية بعض نواب الكونجرس الديمقراطيين ونشطاء حقوق الإنسان، الذين يجادلون بأن هذه الملايين التي يتم حجبها تتضاءل أمام صفقات السلاح الأمريكية التى يتم بيعها إلى مصر. والتى كان أخرها؛ صفقة بيع أسلحة ومعدات أمريكية بقيمة 2.5 مليار دولار إلى مصر، التي أذنت بها إدارة بايدن قبل يومين فقط من حجب جزء من المعونة عن مصر، إذ تبلغ قيمتها تقريبا أكثر من 20 ضعف المبلغ المحجوب من المعونة[22]. فقد أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية، فى 25 يناير 2022، أنها أخطرت الكونغرس بموافقتها على بيع 12 طائرة نقل “سي-130 جيه سوبر هيركيوليز” تبلغ قيمتها 2.2 مليار دولار و أنظمة رادار للدفاع الجوي SPS-48 بقيمة 355 مليون لمصر. وقالت وزارة الخارجية الأمريكية إن المبيعات المحتملة “ستدعم السياسة الخارجية والأمن القومي للولايات المتحدة من خلال المساعدة في تحسين أمن دولة حليفة رئيسية من خارج حلف الناتو لا تزال شريكا استراتيجيا مهما في الشرق الأوسط”[23].

كما أن حجب جزء من المساعدات الأميركية عن مصر، لا يتعدى كونه ظاهرة شكلية، تحاول إدارة بايدن من خلالها أن تؤكد للكونغرس ولنشطاء حقوق الإنسان، أنها تستخدم سياسة العصا مع نظام عبد الفتاح السيسي.

ويجادل هؤلاء أيضًا بأن الحكومة المصرية لم تنفذ الطلبات الأميركية بحذافيرها، طمعاً في الحصول على مكاسب أخرى من واشنطن، في قضايا أخرى مختلفة. فسياسة نظام السيسي مع الغرب في ملف نشطاء حقوق الإنسان، أصبحت معروفة، فهو يستخدم ورقة المعتقلين دائماً لمساومة الدول الغربية، وعقد صفقات وتحقيق مصالح معينة، إذا تحققت يقوم بالإفراج عن بعض المعتقلين، وإذا لم تتحقق يرفض الإفراج عنهم. كما أن الإفراج عن أي معتقل من السجون المصرية يكونون من الشخصيات المعروفة لدى الإدارة الأميركية وغيرها من الحكومات الغربية، أما المعتقلون المجهولون، فلا يصيبهم الحظ أبداً في مثل هذه الصفقات[24].

ومن الجدير بالذكر هنا، أنه بالتزامن مع قيام واشنطن بحجب هذا الجزء من المساعدات لمصر، فقد قضت الدائرة الأولى (إرهاب) في محكمة جنايات القاهرة المصرية، فى 30 يناير، بإحالة أوراق 10 من أعضاء جماعة “الإخوان المسلمين” إلى مفتي الجمهورية، بينهم عضو الجماعة الموجود في تركيا يحيى موسى؛ لإصدار الرأي الشرعي في شأن إعدامهم. وحددت المحكمة جلسة 19 يونيو المقبل للنطق بحكم الإعدام، على خلفية اتهامهم في القضية رقم 4459 لسنة 2015، بـ”تشكيل مجموعات مسلحة لتنفيذ عمليات عدائية ضد أفراد وضباط الشرطة ومنشآتها”، والمعروفة إعلامياً بـ”كتائب حلوان”[25].

كذلك فإن هناك إدراك مصري بأن الدور العسكرى لمصر فى المنطقة هو أكثر أهمية من الملفات الأخرى، بل وقد يدفع هذا الدور أمريكا للتغاطى عن انتهاكات النظام لحقوق الإنسان. فحرص الولايات المتحدة على تعزيز التعاون العسكري مع أمريكا والتى كان أخرها صفقة الأسلحة المشار إليها يحقق أكثر من هدف يخدم مصالحها في المنطقة، لأن التهديدات المتصاعدة في منطقة باب المندب وزيادة التهديدات الحوثية بحاجة إلى قوة بحرية مستقرة ومتطورة يمكن التعامل معها، فضلا عن الدور المصري الذي تلعبه لتأمين خطوط الملاحة البحرية في البحر الأحمر لحماية قناة السويس التي تمثل شريانا حيويا عالميا.

وأن هناك قناعة لدى دوائر مصرية رسمية بأن توجهات القاهرة تجاه التعامل مع أزمات المنطقة وعدم انخراطها عسكريا في الصراعات الدائرة ودخولها كطرف يهدد المصالح الأميركية يدفع نحو تقديم الدعم العسكري بلا مخاوف، ويجعل من ملف حقوق الإنسان أولوية متأخرة فى العلاقة بين البلدين[26].

وجهة النظر الثانية: ترى بأنه رغم ضألة المبلغ المحجوب، إلا أنه يؤثر على سياسة النظام المصرى فى ملف حقوق الإنسان، ويتبنى وجهة النظر تلك بصورة رئيسية المسؤولون فى الإدارة الأمريكية. ويروا هؤلاء بأن حجب جزء من المعونة يمثل ضغطًا على النظام المصرى، ما يجعله يستجيب – حتى لو نسبيًا- للمطالب الأمريكية بتحسين حقوق الإنسان. ويبرهنون على ذلك، بما شهدته الأشهر الأخيرة الماضية حيث تم اعتقال عدد أقل من المعارضين، كما أصدر النظام المصرى استراتيجية مصرية جديدة لحقوق الإنسان فى سبتمبر الماضي، وإطلاقه على 2022 “عام المجتمع المدني”، وإنهائه حالة الطوارئ الطويلة.

ويرى هؤلاء بأن الولايات المتحدة لا تتوقف عند هذا الحد، وتطالب بخطوات أكبر لتحسين حقوق الإنسان، وتدرك بأن الخطوات التى اتخذتها مصر لحد الآن هى مجرد خطوات شكلية، خاصة أنها لم تتضمن إطلاق سراح معتقلين من جماعة الإخوان[27].

كذلك، لا تزال واشنطن تطالب بالإفراج عن المزيد من المعتقلين، وقد حددت بالفعل 16 معتقل لدى النظام، وأكدت مصادر ل”العربى الجديد” أن هذه الأسماء أساس شرط أميركي للإفراج عن المعونة، ومن بين هؤلاء رئيس حزب “مصر القوية”، المرشح السابق لرئاسة الجمهورية، عبد المنعم أبو الفتوح، والناشط علاء عبد الفتاح، ومعتقلو “قضية الأمل”، المتهم فيها صحافيون ومحامون ونشطاء[28].

وعمومًا ولفهم ما يشبه التناقض فى السياسة الخارجية الأمريكية تجاه مصر يجب التأكيد على أن المسؤولون الأمريكيون يؤكدون على أن مصر شريك رئيسي في مكافحة الإرهاب بالشرق الأوسط، ولعبت “دوراً بنّاءً” في النزاعات الإقليمية الأخيرة. ويشيرون على وجه الخصوص، إلى الوساطة المصرية الناجحة بالعام الماضي، في الصراع الذي استمر 11 يوماً بغزة بين إسرائيل وحماس، في مايو 2021.

ومنذ هذه الحرب التي أعقبها أول اتصال بين السيسي وبايدن منذ وصول الأخير للحكم، بدا واضحاً أن الإدارة الأمريكية ترى أن الأهمية الجيوسياسية للقاهرة أكبر من دواعي القلق بشأن حقوق الإنسان، رغم فرضها شروطاً تؤدي إلى حجب جزئي للمساعدات؛ لذرِّ الرماد في العيون، على ما يبدو.

وقد يكون جزء من ميل إدارة بايدن إلى تسهيل صفقات بيع السلاح لمصر، أيضاً توجه القاهرة منذ الإطاحة بالرئيس المصري المنتخب محمد مرسي، إلى مصادر بديلة للتسليح، منها فرنسا، التي زودت مصر بقِطع بحرية وطائرات رافال، كانت القاهرة أول زبون خارجي لها.

ولكن ما يُقلق الولايات المتحدة أكثر هو توجُّه القاهرة نحو روسيا، حيث اشترت منها القاهرة مروحيات Ka 52 وطائرات مقاتلة من طراز ميغ 29، والأهم تعاقد القاهرة على شراء طائرات سوخوي 35 الروسية الشهيرة لتصبح ثاني زبون دولي لها بعد الصين، وهي الصفقة التي يُعتقد أن واشنطن ضغطت على مصر لتجميدها، بعد أن هددت بوضع القاهرة تحت طائلة “قانون مكافحة أعداء أمريكا” الذي يفرض عقوبات على الدول التي تشتري أسلحة من روسيا.

وقد تكون رغبة واشنطن في إبعاد القاهرة عن سوقي السلاح الروسي والصيني، والأهمية الاستراتيجية للقاهرة في ملفات عديدة- أهمها الملف الفلسطيني الإسرائيلي- دافعاً إلى التغاضي عن سجل القاهرة سيئ السمعة في مجال حقوق الإنسان، مع حثها على تحسينه- ولو شكلياً- بطريقة تسمح بتمرير الصفقات في الكونغرس، خاصةً أن المشرعين الجمهوريين أقل ميلاً دوماً إلى الاعتراض على صفقات السلاح، بسبب الأبعاد الأخلاقية مقارنة بزملائهم الديمقراطيين الذين سيكون أغلبهم مضطراً إلى تأييد مواقف إدارة بايدن الديمقراطية حتى لو خالفت مبادئهم.

كما أنه يُعتقد أن إسرائيل- خصم مصر القديم- لم تعترض على إبرام القاهرة صفقات سلاح، حتى إن رئيس وزراء إسرائيل السابق، بنيامين نتنياهو، اتُّهم بأنه أعطى موافقة لألمانيا لبيع غواصات لمصر. ويعتقد أن العلاقات المصرية-الإسرائيلية قد دخلت مرحلة أقوى في عهد رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي نفتالي بينيت – ولعل زيارة الأخير للقاهرة بعد غياب سنوات طويلة من زيارات رؤساء وزراء إسرائيل لمصر والحفاوة التى استقبله بها السيسى أبرز دليل على ذلك – وأن جزءاً من هذا التطور نابع من رغبة القاهرة في أن تحث تل أبيب واشنطن على التساهل معها في عديد من الملفات[29].

وأخيرًا، فإن المساعدات وصفقات السلاح التى تقدمها أمريكا لمصر تهدف بصورة رئيسية إلى خدمة المصالح الأمنية لواشنطن. فقد برر المسؤلين الأمريكيين بأن تلك الصفقة ضرورة لأنها تخدم المصلحة الأمنية الأمريكية ويتم دفع ثمنها جزئيًا من أموال المساعدات العسكرية الأمريكية التي تلقتها مصر بالفعل[30]. وفى هذا السياق أيضًا، يمكن قراءة مشاركة مصر في أكبر مناورات بحرية متعددة الجنسيات تقودها الولايات المتحدة في البحر الأحمر. حيث تشارك في هذه المناورات مصر والأردن والسعودية والإمارات والبحرين وعُمان وباكستان، وكذلك إسرائيل التى تشارك لأول مرة.

وكانت البحرية الأميركية التابعة للقيادة الوسطى أعلنت عن انطلاق أكبر مناورات بحرية متعددة الجنسيات بالشرق الأوسط، تستمر من 1 فبراير حتى 17 من نفس الشهر بمشاركة 50 سفينة تابعة لستين دولة ومنظمة دولية. وتقود هذه المناورات المعروفة باسم “آي إم إكس- 2022” (IMX 2022) بحريةُ القيادة الوسطى الأميركية، بالشراكة مع مناورات تقودها البحرية الأميركية في أوروبا وأفريقيا بالخليج وبحر العرب وخليج عُمان والبحر الأحمر وشمال المحيط الهندي، وفق بيان للبحرية الأميركية.

وتتمثل أبرز أهداف تلك المناورات فى تأمين منطقة الخليج، التي تمر عبر مياهها قرابة نصف الإمدادات النفطية للعالم، وسط توترات تشهدها المنطقة بسبب الخلاف بين الغرب وإيران بشأن برنامجها النووي، وبسبب استهداف جماعة الحوثي للسعودية والإمارات[31].

 

 

[1] “دور متواصل وأهمية متصاعدة: أبعاد ودلالات استقبال الرئيس السيسى نظيره الجزائرى وزيارة الإمارات”، مجلة السياسة الدولية، تحليلات، 30/1/2022، الرابط: https://bit.ly/3J1lEhp

[2] “مصادر لـCNN: إدارة بايدن تقرر منع ملايين الدولارات من المعونة عن مصر بسبب عدم تنفيذ شروطها”، سى إن إن عربىة، 28/1/2022، الرابط: https://cnn.it/3gfXWBJ

[3] “دور متواصل وأهمية متصاعدة: أبعاد ودلالات استقبال الرئيس السيسى نظيره الجزائرى وزيارة الإمارات”، مرجع سابق.

[4] عثمان لحيانى، “نجاح مسعى الجزائر في إحالة ملف “طرد إسرائيل” إلى قمة القادة الأفارقة في فبراير المقبل”، العربى الجديد، 27/1/2022، الرابط: https://bit.ly/3uqu2TD

[5] “دور متواصل وأهمية متصاعدة: أبعاد ودلالات استقبال الرئيس السيسى نظيره الجزائرى وزيارة الإمارات”، مرجع سابق.

[6] “بلال التليدى، ” ماذا يريد الرئيس الجزائري من مصر؟”، القدس العربى، 27/1/2022، الرابط: https://bit.ly/3rnz5SU

[7] “دور متواصل وأهمية متصاعدة: أبعاد ودلالات استقبال الرئيس السيسى نظيره الجزائرى وزيارة الإمارات”، مرجع سابق.

[8] ” خبراء عسكريون مصريون في اليمن لتطوير خطط “العمالقة””، العربى الجديد، 29/1/2022، الرابط: https://bit.ly/3geqlrM

[9] المرجع السابق.

[10] “محادثات السيسي وبن زايد: العلاقات الثنائية واليمن وسد النهضة”، العربى الجديد، 27/1/2022، الرابط: https://bit.ly/3Hp9lL9

[11] ” خبراء عسكريون مصريون في اليمن لتطوير خطط “العمالقة””، مرجع سابق.

[12] “محادثات السيسي وبن زايد: العلاقات الثنائية واليمن وسد النهضة”، مرجع سابق.

[13] ” الإمارات وسيطاً في «سدّ النهضة»: دعم القاهرة مقابل شراء مواقفها”، الأخبار، 1/2/2022، الرابط: https://bit.ly/3oiLIwC

[14] “دلالات زيارة “آبي أحمد” إلى الإمارات بعد يومين من زيارة الرئيس السيسى”، مركز رع للدراسات الاستراتيجية، 29/1/2022، الرابط: https://bit.ly/3rkFAFR

[15] ” الإمارات وسيطاً في «سدّ النهضة»: دعم القاهرة مقابل شراء مواقفها”، مرجع سابق.

[16] “مصدر رئاسي لـ الزمان :السيسي طلب من الرئيس السنغالي الوساطة بشأن سد النهضة”، موقع صحيفة الزمان، 30/1/2022، الرابط: https://bit.ly/3rk3x04

[17] ” سد النهضة.. هل تلدغ مصر من نفس الجحر للمرة الثالثة؟”، مصر360، 1/2/2022، الرابط: https://bit.ly/3gfJr0L

[18] “السودان: البرهان يحل الحكومة الانتقالية ومظاهرات احتجاج توقع قتلى وعصيان مدني لموظفي البنك المركزي”، فرانس24، 25/1/2021، الرابط: https://bit.ly/3rqbocE

[19] “مصدر رئاسي لـ الزمان :السيسي طلب من الرئيس السنغالي الوساطة بشأن سد النهضة”، مرجع سابق.

[20] ” الإمارات وسيطاً في «سدّ النهضة»: دعم القاهرة مقابل شراء مواقفها”، مرجع سابق.

[21] “ما مدى تأثير قرار بايدن حجب مساعدات عسكرية عن مصر؟”، عربى21، 1/2/2022، الرابط: https://bit.ly/3oiUKJZ

[22] “مصادر لـCNN: إدارة بايدن تقرر منع ملايين الدولارات من المعونة عن مصر بسبب عدم تنفيذ شروطها”، مرجع سابق.

[23] “إدارة بايدن توافق على بيع أسلحة لمصر بـ2.5 مليار دولار”، سى إن إن عربية، 26/1/2022، الرابط: https://cnn.it/34tU6C2

[24] “وقف مساعدات عسكرية أميركية لمصر: خطوة رمزية لتفادي الانتقادات”، العربى الجديد، 30/1/2022، الرابط: https://bit.ly/3rk6Sfp

[25] “حكم مصري بإعدام 10 من أعضاء “الإخوان” في قضية “كتائب حلوان””، العربى الجديد، 30/1/2022، الرابط: https://bit.ly/3gkVrxM

[26] أحمد جمال، “القلق الأميركي من حقوق الإنسان في مصر لا يؤثر على الصفقات العسكرية”، صحيفة العرب، 28/1/2022، الرابط: https://bit.ly/3rm1pVy

[27] “ما مدى تأثير قرار بايدن حجب مساعدات عسكرية عن مصر؟”، مرجع سابق.

[28] “وقف مساعدات عسكرية أميركية لمصر: خطوة رمزية لتفادي الانتقادات”، مرجع سابق.

[29] “تفاصيل صفقة الأسلحة الأمريكية لمصر، ولماذا مررتها إدارة بايدن رغم اعتراضات المشرعين الديمقراطيين؟”، عربى بوست، 26/1/2022، الرابط: https://bit.ly/3riiZcZ

[30] “مصادر لـCNN: إدارة بايدن تقرر منع ملايين الدولارات من المعونة عن مصر بسبب عدم تنفيذ شروطها”، مرجع سابق.

[31] ” جيل جديد من الدفاعات الجوية لأصدقاء تل أبيب.. انطلاق أكبر مناورات بحرية في المنطقة بمشاركة إسرائيل ودول عربية”، الجزيرة نت، 2/2/2022، الرابط: https://bit.ly/3IYnpvz

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

‫شاهد أيضًا‬

موقف القوى المدنية من الحوار الوطني .. الدوافع والتداعيات

موقف القوى المدنية من الحوار الوطني الدوافع والتداعيات   دعا عبد الفتاح السيسي، إلى ا…