قمة الاتحاد الإفريقي وقرار منح الكيان الصهيوني صفة المراقب

 

لم تكن المرة الأولى التي يُقدم فيها الكيان الصهيوني طلبًا لمنحه عضوية الاتحاد الإفريقي بصفة مراقب، فقد رُفضت طلباته أعوام 2013 و2015 و2016، لكن رئيس المنظمة موسى فقي قرَّر منفردًا إعطاءه هذه الصفة في 22 يوليو 2021، وهو قرار وصفه وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة بغير المسؤول ودفع 25 دولة لمطالبته بالتراجع. هذا الرفض من جانب العديد من الدول الإفريقية للقرار دفع فقي إلى إرجاء البت في الموافقة من عدمها لحين عقد القمة. وقائمة الدول التي عارضت هي جنوب إفريقيا، تونس، إريتريا، السنغال، تنزانيا، النيجر، جزر القمر، الغابون، نيجيريا، زيمبابوي، ليبيريا، مالي، سيشل. وكان رئيس المفوضية موسى فقي قد منحها بدعم من تشاد، المغرب، بورندي، توغو، من بين آخرين، بعد نشاط مُكثَّف من لوبيات صهيونية في ربوع القارة السمراء. ‏فما هو شكل العلاقات الإفريقية الصهيوني؟ وكيف تم اتخاذ قرار انضمامه للاتحاد الإفريقي؟ وكيف يُمكن قراءة قرار تعليقه في قمة الاتحاد الخامسة والثلاثين؟ تلك هي التساؤلات التي ستسعى تلك الورقة للإجابة عليها..

أولًا: علاقات الكيان الصهيوني بإفريقيا ومنحه صفة المُراقب في الاتحاد:

يرجع تواجد الكيان الصهيوني في إفريقيا عمومًا والقرن الإفريقي خصوصًا إلى منتصف القرن الماضي، بعد أن استخدم الكيان العديد من الوسائل لتحقيق أهدافه وعلى رأسها ما يُسمى بـ “القوة الناعمة”. وشهدت العلاقات الصهيونية- الإفريقية ولاسيما غير العربية منها تحولات فارقة خلال الخمسين عامًا الماضية. وربما تعزى تلك التحولات إلى تغير الاهتمامات وترتيب أولويات السياسة الخارجية للكيان الصهيوني، فضلًا عن تطور ديناميات النظام الدولي. حيث ظهور بعض التهديدات الأمنية على الساحة الإفريقية، وحدوث نوع من التكالب الاستعماري الجديد على موارد وثروات إفريقيا الطبيعية، قد دفعا القيادة الصهيونية إلى إعادة التأكيد مرة أخرى على محورية إفريقيا في عملية صياغة سياستها الخارجية.

وقامت السياسة الصهيونية تجاه القارة على عدة مستويات: أولًا: المستوى السياسي والديبلوماسي: حيث تُمثِّل إفريقيا قوة تصويتية كبرى في المحافل الدولية ولاسيما الأمم المتحدة، وهو ما يعني أن بمقدور الأفارقة إحداث تغيير هائل في السياسات الرامية لفرض العزلة الدولية على الكيان. بيد أن ثمَّة اعتبارات استراتيجية تمثَّلت في حاجة الكيان إلى كسر حاجز العزلة التي فرضتها عليه الدول العربية من خلال إقامة شبكة من التحالفات مع دول الجوار غير العربية ولاسيما في منطقة القرن الإفريقي وشرق إفريقيا. وثانيًا: المستوى الاقتصادي: حيث تُعد إفريقيا سوقًا محتملة للمنتجات الصهيونية، وفي بداية التسعينات من القرن الماضي تمت إعادة تأسيس العلاقات بين الكيان وإفريقيا مرة أخرى وبصورة أقوى بفضل توقيع اتفاقات أوسلو ومعاهدة السلام الصهيونية الأردنية وهو ما يعني إزالة كافة العقبات التي كانت تعترض العلاقات الصهيونية-الإفريقية.

ومع مطلع الألفية الجديدة أعاد الكيان النظر بأهمية قصوى لمنطقة القرن الإفريقي تحديدًا، لعدة أسباب: أولها؛ الاعتبارات الأمنية: فثمَّة مخاوف صهيونية من انتشار الجماعات المتطرفة في كثير من مناطق إفريقيا كما هو الحال في الصومال، بالإضافة إلى التغلغل الإيراني المتزايد في إفريقيا. وثانيها؛ الاعتبارات الاقتصادية والتجارية: حيث يستخدم الكيان هيئة التعاون الدولي (مشاف) التابعة لوزارة خارجيته، باعتبارها الذراع الدبلوماسية التي تسهم في تقوية علاقاتها مع الدول الإفريقية، هذا بجانب التكالب الدولي الجديد على استغلال الموارد الطبيعية.[1]

وهكذا استطاع الكيان الصهيوني في السنوات الأخيرة، تحقيق اختراقات تدريجية في إفريقيا، على رغم أن القضية الفلسطينية ظلت حتى وقت قريب تُمثِّل عائقًا أساسيًا أمام نفوذها. وشهدت الفترة الأخيرة نشاطًا مكثَّفًا لقسم إفريقيا في وزارة الخارجية برئاسة أليزا بن نون منذ ديسمبر 2020، ما مثَّل محطة انتقالية لإرساء الدخول الصهيوني إلى إفريقيا في مجالات متعددة. وجاءت الخطوة الأخيرة وسط تداعيات دولية لـ “فضيحة بيغاسوس” للتجسس السيبراني، والتي حضرت دولة الاحتلال عبر شركة تابعة لها، في قلبها، بما يُعزِّز تصورات خطورة المكون الأمني في سياسات الكيان نحو إفريقيا، لاسيما مع تورُّط عدد من حكومات القارة وثيقة الصلة بتل أبيب (أبرزها بحسب تقارير غربية رواندا والمغرب) في التجسس على رؤساء دول وحكومات إفريقية. وقد تمدَّدت مقاربة دولة الاحتلال الأمنية في أرجاء متفرقة من القارة، لدعم نظم حكم أو تهديد أخرى، بينما دعم التخوف من تنامي “التهديد الإسلامي” في إفريقيا علاقات الكيان الأمنية بدول من مثل غانا وساحل العاج ورواندا وكينيا، والتي تم تزويدها بتكنولوجيات وقدرات استخباراتية متقدمة منذ أكثر من عقد. كما مثَّل الدعم الأمني لأوغندا أهم ملمح للتعاون بين الجانبين في السنوات الأخيرة، لاسيما بعد زيارة نتنياهو إلى عنتيبي ومقابلته الرئيس الأوغندي يوري موسيفني، ورئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان فبراير 2020. وعلى النحو نفسه، تقدَّمت المقاربة الأمنية على ما عداها في علاقات الكيان مع إريتريا، والتي أُقيمت بشكل كامل في العام 1993 عقب استقلال الأخيرة مباشرة، وحظيت بدعم مستمر منذ ذلك الوقت.

ثانيًا: بعد أعوام من المحاولة؛ الكيان الصهيوني مراقب في الاتحاد الإفريقي:

حتى عام 2002، كان الكيان الصهيوني عضوًا مراقبًا في منظمة الوحدة الإفريقية، حتى جرى حلها واستبدالها بالاتحاد الإفريقي. وشهدت العلاقات بين إفريقيا والكيان الصهيوني توترًا منذ ستينيات القرن الماضي، مع اندلاع حركات التحرر الوطني في القارة السمراء، وتصاعد الصراع العربي الصهيوني. وفي وقتٍ لاحق، دفعت الحروب الصهيونية مع الدول العربية عامي 1967 و1973، إلى قطع الدول الإفريقية الواقعة جنوب الصحراء الكبرى علاقاتها مع الكيان. وكان للكيان الصهيوني عضوية مراقبة قبل حل منظمة الوحدة الإفريقية وتأسيس الاتحاد الإفريقي، ولكن بعد إعلان الأخير، مارس العقيد الليبي الراحل معمر القذافي ضغوطًا على دوله، وحال دون قبول طلب الكيان الصهيوني، خاصةً وهو الممول الرئيسي له حينها، وكان يستعد لإعلان نفسه “ملك ملوك إفريقيا”. وظل الوضع كذلك حتى بذلت تل أبيب على مدار السنوات الماضية مساعٍ كبيرة لتحسين العلاقات مع العديد من دول القارة، وصار لديها شراكات واسعة النطاق وتعاون مشترك في العديد من المجالات المختلفة مع تلك الدول. وأعلنت وزارة خارجية الكيان الصهيوني، يوم الخميس 22 يوليو 2021، انضمام بلادها مرة أخرى إلى الاتحاد الإفريقي عضوًا مراقبًا عبر سفيرها لدى إثيوبيا. وقالت الوزارة في بيان لها “لأول مرة منذ عام 2002، قدم سفير إسرائيل لدى إثيوبيا أليلين أدماسو أوراق اعتماده عضوًا مراقبًا لدى الاتحاد الإفريقي” دون أن توضح خلفيات الخطوة. من جانبه، قال وزير الخارجية الصهيوني يائير لابيد “هذا يوم احتفال بالعلاقات الإسرائيلية الإفريقية”. وأضاف في البيان الصادر عن وزارة الخارجية “هذا الإنجاز يصحح الحالة الشاذة التي كانت موجودة منذ قرابة عقدين وهو جزء مهم من تعزيز نسيج العلاقات الخارجية لإسرائيل”. وتابع لابيد “هذا الإنجاز سيساعدنا على تعزيز أنشطتنا في القارة الإفريقية ومع الدول الأعضاء في الاتحاد”.[2]

– لماذا ألحَّ الكيان الصهيوني في طلب عضوية الاتحاد الإفريقي؟

يدرك الكيان أهمية إفريقيا كقارة بكر، تملك قدرات هائلة وإمكانيات كبيرة من الموارد غير المستغلة، إضافة إلى حاجتها الماسة للتكنولوجيا الحديثة. ويستهدف عدة مجالات بإفريقيا؛ أهمها: المجال السياسي والدبلوماسي: حيث حاجة الكيان إلى من يدعمه في المحافل المختلفة القارية والدولية، والتي جعلته يعمد إلى بناء الجسور مع الدول طمعًا في أصواتها، وبالتالي منع الدبلوماسية المضادة له من استصدار قرارات ضده. إضافةً إلى أن الكيان الصهيوني يعتبر نفسه وسيط بين الدول الإفريقية والولايات المتحدة، وهو مجال استغله باستمرار ضد الدول المغلوبة على أمرها خاصة. المجال الاقتصادي: حيث يُعتبر الكيان أكثر من يستغل المعادن الثمينة في إفريقيا، حتى صار من أكبر مُصدِّري الماس والذهب واليورانيوم وغيرها من الموارد. المجال العسكري والاستخباري: وهو أكثر المجالات التي ينشط فيها الكيان بإفريقيا، سواء كان في مبيعات السلاح، أو التدريب الأمني للجيوش الإفريقية، أو التقنيات وتكنولوجيا التجسس، وهو ما يبرع فيه ويستهوي الزعماء الأفارقة.

– تغذية الصراعات في إفريقيا:

حيث يستغل الكيان الصهيوني النزاعات المُتصاعدة في كثير من الأقاليم الإفريقية، ويعمل على تغذية أطراف النزاع بالسلاح. والأمثلة كثيرة كدعم نيجريا في قضية بيافرا، وتغذية النزاع في الكونغو وجنوب السودان وتشاد وغيرها. ولكل ذلك تكمن أهمية الاعتراف بالكيان الصهيوني داخل الاتحاد الإفريقي في تقديم الكثير من التسهيلات في التعامل مع الدول والهيئات التابعة للاتحاد. وهذه العضوية ستضمن للكيان مواجهة التحركات الفلسطينية بالساحة الإفريقية. وتُحسِّن صورته لدى الأفارقة من خلال إظهار أنه لم يعد في إفريقيا من يرفض وجودها أو يعاديها، وبالتالي تخفيف التعاطف الإفريقي مع القضية الفلسطينية، إن لم يكن تجفيفها. وكذلك، تقويض جهود الدول العربية في كسب مواقف الدول الإفريقية لصالحها. ومن خلال حضور القمم الإفريقية، يسعى الكيان الصهيوني إلى التأثير على قرارات الاتحاد في القضايا التي تمس مصالحها.[3] وتولي الدولة العبرية أهمية كبيرة لعضويتها في الاتحاد، بدافع من تحصيل الاعتراف الرسمي (بعد تحقيق أهداف استراتيجية على الأرض)، واستعادة وضعها الذي حُرمت منه بضغوط ليبية في العام 2002. ورأت الخارجية الصهيونية، في بيان يوم القرار، أن “قبول إسرائيل مراقبًا مصلحة واضحة للجميع؛ إذ سيسهِّل زيادة التعاون بين إسرائيل والدول الإفريقية”. ومن الواضح أن الكيان الصهيوني لم يسعَ إلى مجرد تحصيل مكسب شكلي، بقدر سعيه إلى مأسسة نفوذه في القارة، وتوسيع اختراقاتها لتصبح أكثر مباشرة وعلانية وقدرة على الانخراط في ديناميات العمل الجماعي الإفريقي.

ثالثًا: القمة الإفريقية الخامسة والثلاثين:

انطلقت يوم السبت 5 فبراير في أديس أبابا القمة الـ35 للاتحاد الإفريقي، والتي تبحث ملفات سياسية وأمنية وصحية تشمل الانقلابات العسكرية وتداعيات جائحة كورونا على قارة إفريقيا. وفي مستهل القمة، ندد رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي موسى فقي بتقويض النظام الدستوري في عدد من دول غرب إفريقيا، في إشارة إلى الانقلابات العسكرية في دول على غرار بوركينا فاسو ومالي. وقال فقي إن جائحة كورونا والإرهاب يشكلان تحديًا وخطرًا على القارة الإفريقية، مشدِّدًا على رفض التدخلات الخارجية في الشؤون الإفريقية. وأضاف أن التحدي الأكبر هو استقلالية تمويل التنمية في إفريقيا، وقال إن خطة مارشال للقارة غير مقبولة، وإن التمويل لا يمكن أن يأتي من الخارج. وطالب رئيس المفوضية الإفريقية بالتحدث بصوت واحد في مواجهة الأزمات والتحديات. من جهته، قال رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إن كورونا والجراد والجفاف شكلت تحديًا حقيقيًا للقارة الإفريقية في توفير الغذاء. وأضاف أحمد أنه يجب إصلاح وإعادة تفعيل الأمم المتحدة بحيث تكون أكثر تمثيلا للعالم، وقال إن من حق إفريقيا أن يكون لها تمثيل عادل في المؤسسات الدولية وعلى رأسها مجلس الأمن الدولي. وتابع أن الاتحاد الإفريقي ملتزم بخطط عمل طموحة من أجل نهضة شاملة. وفي كلمة ألقاها عبر الفيديو، قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إن التعاون بين الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي اليوم أقوى من أي وقت مضى، مُضيفًا أن هناك التزامًا مشتركًا بالتنمية المستدامة في إفريقيا.[4]

– الملفات التي تناولتها القمة:

بحث الزعماء الأفارقة خلال يومين 8 ملفات، تندرج تحت عناوين عريضة تتعلق بالسياسة والأمن والاقتصاد والصحة. وكان أبرزها مجموعة من الملفات الحرجة: أولها؛ الانقلابات في القارة والتغير المناخي: تأتي القمة بعد سلسة انقلابات في القارة كان آخرها قبل أسبوعين في بوركينا فاسو. وندَّد الاتحاد الإفريقي بعودة الانقلابات في إفريقيا وبمحاولة الانقلاب الأخيرة في غينيا-بيساو. وثانيها؛ مسألة اللقاحات: حيث عرض رئيس جنوب إفريقيا سيريل رامافوزا الاستجابة الإفريقية للوباء بعد حوالي سنتين من رصد أول حالة كوفيد-19 في القارة، في مصر. في 26 يناير كان هناك 11% فقط من أكثر من مليار إفريقي مُطعمين بالكامل بحسب المراكز الإفريقية لمراقبة الأمراض والسيطرة عليها. وهذا أقل بكثير من هدف الوصول إلى تلقيح 70% من السكان المحدد حتى نهاية السنة. وثالثها؛ حضور الكيان الصهيوني: كان هناك بند على جدول الأعمال ينص على مناقشة القرار الذي اتخذه فقي في 2021 بمنح الكيان الصهيوني صفة مراقب في المنظمة. وأثار قرار فقي احتجاجات شديدة من قِبل الدول الأعضاء القوية في الاتحاد الإفريقي لاسيما جنوب إفريقيا –انطلاقًا من رفضها للسياسات العنصرية- والجزائر –نكايةً في المغرب التي تدعم الكيان-. ووسط برنامج العمل المُثقل هذا، لم تحظَ الحرب في إثيوبيا بين القوات الموالية للحكومة ومتمردي جبهة تحرير شعب تيجراي، الكثير من الانتباه. وبالرغم من ممارسة الموفدون الأجانب ضغوطًا من أجل التوصل إلى وقف لإطلاق النار وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية؛ لا أن الحكومة الإثيوبية رفضت الانتقادات الأميركية والغربية التي وصفتها بأنها تمارس إمبريالية جديدة.[5]

رابعًا: قرار منح الكيان الصهيوني صفة المراقب:

علَّق الاتحاد الإفريقي بالإجماع قرار منح صفة مراقب للكيان، وأعلن تشكيل لجنة لبحث الأمر. وكانت حركة حماس قد دعت المجتمعين في قمة الاتحاد الإفريقي إلى رفض قبول عضوية الكيان الصهيوني فيه. وأكدت الحركة أن دولة الكيان مارست ولا تزال تمارس إرهاب الدولة، وترتكب بشكل منهجي كل أنواع الجرائم بحق الشعب الفلسطيني وأرضه ومقدساته، بحسب تعبيرها. من جهته، دعا رئيس الوزراء الفلسطيني محمد إشتية لسحب قرار منح الكيان وضع مراقب في الاتحاد الإفريقي. وقال إشتية إن هذا القرار مكافأة لا يستحقها الكيان، وتشجعه على الاستمرار في انتهاكاته وخرقه المواثيق والاتفاقات الدولية. وشدَّد إشتية خلال اللقاء المنعقد على هامش أعمال القمة الإفريقية، على ضرورة إحياء العملية السياسية وإنهاء الاحتلال الصهيوني وحل القضية الفلسطينية حلًا شاملًا وعادلًا.[6] وأكد رئيس جمهورية جزر القمر غزالي عثماني معارضة بلاده منح الكيان الصهيوني صفة مراقب، وقال أنه يبحث مع رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي موسى فقي كيفية اتخاذ خطوات لإلغاء القرار من أجل وحدة الاتحاد. وكان اليوم الأول للقمة قد شهد خلافات علنية بين أعضاء الاتحاد بشأن علاقة التكتل بالكيان، حيث دافع موسى فقي عن موافقته من جانب واحد العام الماضي على قبول طلب الكيان الحصول على صفة مراقب. وانتقدت هذا القرار دول عدة من بين الدول الأعضاء في الاتحاد، بينها جنوب إفريقيا والجزائر ونيجيريا والتكتل الإقليمي للجنوب الإفريقي.[7]

– قراءة في قرار تعليق منح الكيان الصهيوني صفة مُراقب:

يُعتبر هذا التعليق انتصارًا للدبلوماسية النشطة لكل من جنوب إفريقيا والجزائر، و21 دولة أخرى من إفريقيا. لكن هناك مجموعة من النقاط التي يجب التوقُّف عندها. أولها؛ تجدر الإشارة إلى أن “التعليق” ليس “إلغاء”، فالتعليق يعني ضرورة إعادة النظر في القرار الذي اتخذه رئيس المفوضية بشكل أحادي، متجاوزًا صلاحياته دون الرجوع إلى الأعضاء المعنيين. وثانيها؛ انطلاقًا من النقطة الأولى، قرَّر الاتحاد الإفريقي تشكيل لجنة من 7 رؤساء دول في الاتحاد، لدراسة المسألة. تضم اللجنة رئيس السنغال، والذي هو الرئيس الحالي للاتحاد الإفريقي ماكي سال، والرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، ورئيس جنوب إفريقيا سيريل رامافوزا ورئيس رواندا بول كاغامي، ورئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي ورئيس نيجيريا محمد بخاري، ورئيس الكاميرون بول بيا. ويُلاحظ من تلك الأسماء، أن قيادات 4 دول من اللجنة تميل إلى بقاء ودعم قرار منح الكيان صفة مراقب. وهي: رواندا، والسنغال، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، والكاميرون، من طرف. ومن الطرف الآخر، يوجد المعارضين الشرسين لقرار المنح وهم قيادات ثلاث دول، هي: الجزائر، جنوب إفريقيا، وإلى مستوى أقل دولة نيجيريا. وهكذا سيكون النقاش مشحونًا بين الأطراف في لجنة الدراسة، وسيتوقف كل شيء على قدرة الضغط وتوازن المصالح، وقوة الحجة والإقناع، والابتزاز السياسي والاقتصادي -ربما- في اللجنة المعنية بدراسة القرار. وثالثها؛ بعد هذا القرار الذي يُعتبر انتكاسًا للدبلوماسية الصهيونية في القارة الإفريقية، حيث وصفت قرار المنح سابقًا بـ”إنجاز عظيم” و”خطوة تاريخية” فإن الكيان الصهيوني لن يبقى دون السعي الحثيث وراء رفع التعليق، باعتبار أن صفة “عضو مراقب”، انتصار دبلوماسي للكيان على المتعاطفين مع فلسطين، فالاتحاد الإفريقي هيئة تضم 55 دولة، وهذا يعني احتمال الفوز بتصويتات أخرى على الصعيد الدولي، كما لها مصالح اقتصادية وجيواستراتيجية أخرى في إفريقيا تتماشى مع قرار المنح، ما يفضي إلى حركة دبلوماسية ودبلوماسية التمويل وربما الإغراء من طرف اللوبيات الصهيونية في أروقة الاتحاد.[8]

خامسًا: تداعيات القرار على مصر:

مجرد صدور القرار يعكس حجم التفكك العربي وضآلة الثقل العربي وهزيمة للنفوذ الناعم لمصر في المنظمة القارية، كما يعكس تدهور العلاقات العربية الإفريقية وتمدُّد النفوذ الصهيوني في القارة. وحتى لو كان بقبول ضمني من مصر، فتوسع النفوذ الصهيوني في إفريقيا ولاسيما في منابع النيل يُعد تهديدًا للساحة الخلفية التي تُعتبر الامتداد الحيوي لأمن مصر القومي. وبينما كان ينبغي على مصر منذ سنوات أن تظل منطقة حوض النيل منطقة نفوذها الرئيسية؛ أدى التفريط في ذلك إلى دخول الكيان بأهدافه التوسعية في المجالات التنموية والتقنية، ليكون لها اليد العليا على حكومات إفريقية. واستمرار تراجع قدرة مصر على التأثير وتحقيق أمنها، يؤثر مستقبلًا على الأمن المائي، نظرًا لأهداف الكيان لتطوير الزراعة في إثيوبيا خصمًا من الحصة المائية لمصر، وذلك بمشاركة دول أخرى عربية اختارت أن تستثمر في دول حوض النيل، نظرًا للقرب الجغرافي بين الجزيرة العربية وإثيوبيا. وضم الكيان الصهيوني يؤدي إلى إضعاف نفوذ مصر على المدى البعيد، بما يقوِّض قدراتها على المناورة في مختلف الملفات الإقليمية التي تمس الأمن القومي. كما أن هناك تداعيات، بناءً على توضيح معنى صفة مراقب، الذي يشارك في الاجتماعات دون أن يكون له حق التصويت، لكنه سيعلم ما يدور في أروقة الاتحاد الإفريقي. ورغم ذلك تستبعد مصر وجود تداعيات من وراء انضمام الكيان الصهيوني على أمنها القومي، حيث تنظر القاهرة إلى تل أبيب كحليف لا عدو، كما أن هناك تنسيقًا أمنيًا كبيرًا في العديد من الملفات منها سيناء والصراع الفلسطيني الصهيوني، وربما سعت مصر إلى ضم الكيان الصهيوني للاتحاد الإفريقي، لمزيد من توطيد العلاقات معه.[9] وبينما ظلت دولة الكيان داعمًا يعوَّل عليه لإثيوبيا، حتى بعد تراجع الولايات المتحدة عن دعمها في فترات متقطعة. وبالنظر إلى التحالف الصهيوني- الإماراتي المُعلن في إفريقيا، ووثاقة صلة هذين الطرفين بالنظام الإثيوبي ودعمهما له ماليًا وعسكريًا وسياسيًا منذ وصول آبي أحمد إلى الحكم في 2018، وطبيعة أدوارهما التكتيكية بتغليب رؤيتهما حول “الفوز للجميع” في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، وجهد دمج مصر في هذه الرؤية كأحد العناصر المكوِّنة مع تجاهل حجمها وثقلها وطبيعة مصالحها وتخوفاتها ودورها الحالي والمستقبلي في القارة الإفريقية، فإنه يمكن وضع النجاح الصهيوني في سياق تمكُّن تل أبيب من تحقيق اختراق خطير لما تبقّى من بنية الأمن القومي العربي والمصري.[10]

سادسًا: ماذا بعد؟

بقراءة خريطة علاقات الكيان الصهيوني مع الدول الإفريقية، يُلاحَظ أنها ممتدة في شرق إفريقيا وغربها، مع اختراق في شمال القارة. ويصاحب هذا الحضور تنسيق أمني واستخباراتي وصل في الشهور الأخيرة إلى مستويات غير مسبوقة في ملفات الأزمة الإثيوبية، والترتيبات الأمنية في جنوب البحر الأحمر (بخاصة بعد تدريبات عسكرية مع الإمارات والبحرين بتنسيق أميركي نهاية عام 2021)، و”مواجهة الإرهاب” في شمال موزمبيق وغرب أوغندا، والتحولات السياسية في عدد من دول غرب إفريقيا، والصلات المتنامية مع السودان (الذي لم يوقِّع على بيان تعليق قرار فقي)، فضلًا عن توقعُّات بدور صهيوني بالغ الخطورة في الأزمة الليبية في العام الجاري، لعدة اعتبارات أبرزها العلاقات العميقة مع نظام أبو ظبي (الذي تتطابق خريطة نفوذه في القارة الإفريقية مع خريطة نظيره الصهيوني بشكل واضح). في المقابل، فإن الحضور الصهيوني في منطقة إفريقيا الجنوبية، التي قادت دولها خطوة تعليق القرار إلى جانب الجزائر، يظل في حدوده الدنيا، بالنظر إلى هيمنة جنوب إفريقيا الاقتصادية والسياسية التقليدية في الإقليم، واعتبارات قدرات جوهانسبورغ في الصناعات المتقدمة ومن بينها الصناعات العسكرية؛ مما يرفع من حدة حساسيتها تجاه أي اختراقات صهيونية في دائرة تأثيرها التقليدية، مع ملاحظة تراجُع صادراتها إلى الكيان في الأعوام العشرة الأخيرة من قرابة بليون دولار (2012)، إلى نحو 200 مليون دولار فقط في عام 2020، أغلبها معادن ثمينة، وتراجُع صادرات الدولة العبرية إليها في الفترة نفسها من نحو 400 مليون دولار (2012) إلى نحو 175 مليون دولار (2020)، مثَّلت الآلات والمعدات المتطورة ما قيمته 29 مليون دولار منها. تبقى مسألة قبول عضوية الكيان من عدمه مفتوحة على احتمالات شتَّى، من بينها تمكُّن تل أبيب من استمالة عدد من الدول الإفريقية المُوقِّعة على بيان رفض العضوية لتغيير موقفها، عبر تقديم دعم عسكري وأمني ملموس لها في الشهور المقبلة، فضلًا عن توظيف صلاتها بقوى دولية وإقليمية بارزة في الشأن الإفريقي، لتحقيق هذا الهدف. كما أن استمرار فقي رئيسًا للمفوضية، يعني استمرار توظيفه جهوده وسياساته لصالح الغاية نفسها، والتي بات يعتبرها “شأنًا شخصيًا”، وفق ما أكده بيانه الأخير، الذي لم يُجِب على تساؤلات رئيسة تتعلق بحيثيات اتخاذ القرار بشكل مباغت، وفي ذروة موجة التطبيع بين الكيان الصهيوني وبعض الدول العربية.[11]

الخُلاصة؛ يتطلع الكيان الصهيوني، من خلال عضويته في الاتحاد الإفريقي، إلى فتح الآفاق أمام إقامة علاقات مع بقية الدول الإفريقية غير المُطبِّعة معه، وترقية صورته كطرف قادر على بناء شراكات مع القارّة ككل، وتوظيف مقدراته كوسيط لتسوية الصراعات. وبينما يُمكن وصف تلك الخطوة إن تمَّت بالإنجاز الدبلوماسي الصهيوني في القارة السمراء بعد نحو عقدين من المحاولات المتكررة، فإن تداعيات هذه الخطوة ومساراتها وقدرة الكيان على الوساطة في ملفات حساسة، ستظل ضوابط كاشفة لحجم هذا الإنجاز ومدى استمراريته وتجاوزه الدوائر الدبلوماسية، في ظل غياب مُتوقَّع للقضية الفلسطينية عن الأجندة الإفريقية- الصهيونية، واختراقات في ملف الأمن القومي العربي والمصري. وبالرغم من تعليق القرار في قمة الاتحاد الإفريقي؛ إلا أنه من المُنتظر أن تشهد الفترة القادمة نشاطًا كبيرًا للوبيهات الصهيونية في دول القارة التي عارضت القرار، وربما ضغوطات إقليمية ودولية لتمريره. الأمر الذي سينتج عنه حالة من الاستقطاب الشديد بين الدول الإفريقية، وتظل إمكانية تمرير القرار مرهونة بالنشاط المُضاد لرفض هذا القرار من قِبل الدول الرافضة وعلى رأسها الجزائر وجنوب إفريقيا.

 

[1]  ياسر قطيشات، “التنافس الإقليمي والدولي في القارة السمراء: القرن الإفريقي نموذجًا”، آراء حول الخليج، (دبي: مركز الخليج للأبحاث، العدد 129، 24/6/2011). متاح على الرابط: https://cutt.us/OLBQa

[2]  “عبر سفيرها في إثيوبيا.. إسرائيل تنضم إلى الاتحاد الإفريقي كعضو مراقب”، الجزيرة نت، 22/7/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/5HuHO

[3]  محمد صالح عمر، “إسرائيل توسّع مكاسبها الأمنية والاقتصادية والسياسية عبر عضوية الاتحاد الإفريقي”، الجزيرة نت، 27/7/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/UvB5G

[4]  “انطلاق القمة الإفريقية بأديس أبابا.. تنديد بتقويض النظام الدستوري ورفض للتدخلات الخارجية”، الجزيرة نت، 5/2/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/PQNYh

[5]  “أديس أبابا تستضيف قمة الاتحاد الإفريقي وسط موسم الانقلابات العسكرية”، Euro News، 3/2/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/9vC8f

[6]  “انطلاق القمة الإفريقية بأديس أبابا.. تنديد بتقويض النظام الدستوري ورفض للتدخلات الخارجية”، الجزيرة نت، 5/2/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/PQNYh

[7]  “القمة الإفريقية الخامسة والثلاثون.. الاتحاد الإفريقي يعلق قرارا بمنح إسرائيل صفة مراقب”، الجزيرة نت، 6/2/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/FSJms

[8]  إدريس آيات، “جيوسياسية إفريقيا”، فيس بوك، 6/2/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/3LYAQ

[9]  محمود سامي، “أبرزها منابع النيل.. تداعيات انضمام إسرائيل للاتحاد الإفريقي على مصر”، الجزيرة نت، 4/8/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/coYpk

[10]  د. محمد عبد الكريم، “صقور التطبيع يُتوّجون إرث نتنياهو: إسرائيل تتمدّد إفريقيًا”، الأخبار، 28/7/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/wenl9

[11]  محمد عبد الكريم أحمد، “انتكاسة «مؤّقتة» لجهود العضوية: إفريقيا تلفظ إسرائيل… إلى حين؟”، الأخبار، 8/2/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/wv6Qs

Editor P.S.

كاتب ومدون

جميع المشاركات

المنشورات ذات الصلة

الأكثر قراءة

اتبعنا

التصنيفات

آخر المقالات

Edit Template

رؤية تحليلية للأخبار السياسية والاقتصادية في العالم العربي والإسلامي والعالمي، ودراسات استراتيجية للوضع السياسي المحلي والإقليمي والعالمي

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا لتلقي التحديثات على البريد الإلكتروني الخاص بك

You have been successfully Subscribed! Ops! Something went wrong, please try again.

جميع الحقوق محفوظة لرؤية للتخطيط والدراسات الاستراتيجية ©2022