‫الرئيسية‬ غير مصنف الأبعاد السياسية في تعيين “بولس فهمي” رئيسا للمحكمة الدستورية
غير مصنف - فبراير 19, 2022

الأبعاد السياسية في تعيين “بولس فهمي” رئيسا للمحكمة الدستورية

الأبعاد السياسية في تعيين "بولس فهمي" رئيسا للمحكمة الدستورية

 

 

 

القرار الجمهوري الذي أصدره عبد الفتاح السيسي يوم الثلاثاء 08 فبراير 2022م، بتعيين المستشار بولس فهمي إسكندر، رئيسا للمحكمة الدستورية العليا بدرجة وزير خلفا للمستشار سعيد مرعي، يحمل كثيرا من الدلالات والأبعاد السياسية، لا سيما وأن تاريح المحكمة الدستورية وظروف نشأتها سنة 1969م في أحضان السلطة في عهد الرئيس الأسبق جمال عبدالناصر ثم السادات من بعده، حافل بالتوظيف السياسي وخدمة أجندة السلطة على الدوام. فتعيين المستشار بولس فهمي ليكون أول رئيس مسيحي للمحكمة الدستورية يحمل كثيرا من الرسائل والدلالات والأبعاد،  والسياسي في هذه الخطوة أكبر من القانوني، وبالتالي فإن ذلك يمثل فرصة لمناقشة الخطوة في سياق أبعادها السياسية لا سيما وأن السيسي بهذه الخطوة أطاح برئيس المحكمة الدستورية سعيد مرعي بما يناقض الدستور والقانون وهو الإجراء الذي جرت التغطية عليه من جانب السلطة بادعاء عدم قدرة مرعي على أداء دوره كرئيس للمحكمة لدواع صحية وفقا لما تم الإعلان عنه رسميا رغم أن الأولى كان الانتظار لحين معرفة ما ستسفر عنه الأزمة الصحية لمرعي ومدى قدرته على العودة من جديد وقد رحل بالفعل الأربعاء 16 فبراير 2022م. وساهم في التغطية عليه أيضا تركيز بعض المعارضين على ديانة الرئيس الجديد للمحكمة دون النظر إلى جرأة السيسي وإطاحته برئيس المحكمة الدستورية بإرادته المنفردة رغم أنه إجراء يخالف نصوص الدستور والقانون. على كل حال فإن الخطوة تمثل في مغزاها وتوقيتها وجوهرها، برهانا جديدا على أن السيسي قد تمكن بالفعل من الهيمنة المطلقة على أهم مؤسسات الدولة العميقة في البلاد (الجيش ــ المخابرات ــ القضاء ــ الإعلام ـ المؤسسة الدينية) دون أي التزام بالدستور أو القانون فرغبته أعلى من الإطار الدستوري والقانوني في دولة تحكمها الأوامر ــ حتى لو خالفت نصوص القوانين ــ  منذ عقود عديدة.

وتختص المحكمة الدستورية العليا بالفصل في دستورية القوانين، وتفسير النصوص القانونية، والفصل في طلبات وقف تنفيذ الأحكام الصادرة من هيئات التحكيم المشكلة للفصل في منازعات الحكومة والقطاع العام، والفصل في مسائل تنازع الاختصاص. وبحسب دستور 2014 المعدل في 2019، فإن للمحكمة الدستورية العليا موازنة مستقلة، يناقشها مجلس النواب بكامل عناصره، وتدرج بعد إقرارها في الموازنة العامة للدولة رقما واحدا، وتقوم الجمعية العامة للمحكمة على شؤونها ويؤخذ رأيها في مشروعات القوانين المتعلقة بالمحكمة.

أولا، القرار مثير للدهشة في توقيته ومبناه، لا سيما وأن مرعي الذي تمت الإطاحة به معروف بنفاقه الواسع للسيسي، وتأييد سياساته على طول الخط، وكم كان لافتا تملقه الواسع للسيسي في احتفال يوم القضاء الذي نظمه السيسي في 02 أكتوبر 2021م، حيث تودد مرعي في كلمته للسيسي وتملقه بشكل لافت، وأثنى على دور الجنرال في دعم منظومة القضاء وميكنة التقاضي وتجديد مقار المحاكم والمطالبة بتعيين المرأة في النيابة العامة ومجلس الدولة. وادعى مرعي حينها أن  دعم السيسي للقضاء والعمل على تأكيد استقلاليته وعدم التدخل في شئونه هو أمر مرئي للعيان ليس بحاجة إلى إشارة أو إشادة. وحملت كلمات مرعى مضامين سياسية بحتة تثني على السيسي وتقدح في معارضيه مهاجما من ينتقدون انتهاكات حقوق الإنسان في مصر موجها رسالة لمن يتحدثون عن حقوق الإنسان في مصر، قائلا: «الزموا الصمت خير لكم.. فمصر من أوائل الدول التي تحترم حقوق الإنسان». والسيسي بهذا القرار وعلى النحو الذي تم إخراجه به وما يشوبه من غموض لا سيما بشأن إحالة مرعي للتقاعد، إنما يبرهن على أنه بات يهيمن على السلطة القضائية من الألف إلى الياء. ولم يعد هناك صوت يستطيع انتقاد قراراته أو مراجعته بشأنها؛  فهو الحاكم بأمره الذي يحظى بصلاحيات فرعونية مطلقة لا يشاركه فيها أحد. وقد فرض السيسي هيمنته على السلطة القضائية بكل فروعها من خلال تعديلات قانون السلطة القضائية التي جرى التصديق عليها في 27 أبريل 2017م. ثم التعديلات الدستورية في أبريل 2019م. وهما الخطوتان اللتان انتزع بهما السيسي سلطة تعيين رؤساء الهيئات القضائية بعدما ساد نظام الأقدمية لعقود طويلة. وكذلك تعديل قانون محكمة النقض وتحويلها إلى محكمة موضوع. وبذلك تمكن السيسي من بسط يده على القضاء وجرى تطويعه على نحو كامل دون اعتراض من أحد.

ثانيا، الإطاحة بمرعي رغم تملقه ونفاقه الواسع إنما يعكس وافر الإهانة والتحقير لمرعي ولمؤسسة القضاء ذاتها، فقد تعامل السيسي مع مرعي بوصفه شيئا وليس رئيسا لما يصفها النظام بأكبر محكمة مصرية. وقد تمت الإطاحة بمرعى بدعوى عدم لياقته الصحية بناء على طلبه!  وحتى وإن صح ذلك فكان الأولى التريث وعدم التعجل لحين معرفة ما ستؤول إليه حالة رئيس المحكمة المحصن دستوريا من العزل؛ ألم يكن من الأفضل للنظام التريث لحين انكشاف الأمر إما بتعافي مرعي أو وفاته ليقطع بذلك حبال الشك والغموض التي غلفت الموضوع برمته؟. والراجح (عندي) أن هذه الخطوة صاغتها أجهزة السيسي استغلالا للحالة الصحية لمرعي من أجل تحقيق عدة أهداف على المستويين المحلي والعالمي تتعلق في مجملها بتنفيذ مخططات النظام الرامية لتبييص صورته أما العالم الخارجي. يبرهن على ذلك، عدة أدلة:

  • القرار استبق بلوغ مرعي سن الإحالة إلى المعاش في أغسطس 2024م. بما يعني أن السيسي كان على عجلة من أمره بهذا الشأن. معنى ذلك أننا أمام واقعة عزل لرئيس المحكمة الدستورية العليا بالمخالفة للدستور، الذي ينص على أنه لا يجوز عزل القضاة، وهو ما نص عليه قانون هذه المحكمة أيضاً. لقد عُين المستشار سعيد مرعي في 14 يوليو 2019 رئيساً للمحكمة الدستورية العليا، ونهاية ولايته في 14 يوليو 2023، وهذا يقودنا إلى تعديل آخر ليس مسبوقاً، فقد كان رؤساء المحاكم العليا قبله يظلون في وظائفهم لحين خروجهم على المعاش، كما ينص القانون، لكن السيسي عدل قانون المحكمة الدستورية ليقصر التعيين على أربع سنوات، أو لبلوغ سن الإحالة للمعاش، أيهما أقرب! وقد عزل السيسي المستشار سعيد مرعي، قبل انتهاء ولايته كرئيس للمحكمة الدستورية العليا، فلم يتركه في عمله القضائي بعيداً عن الرئاسة لحين الإحالة للمعاش ببلوغ سن السبعين (وُلد في 25 أغسطس 1954)، وقد جاء في قرار الإحالة للمعاش ضم عامين إضافيين ضمن خدمته، فما هي الضرورة لمثل هذا الاجراء المتعسف؟!
  • جاء في قرار الإحالة للمعاش يوم الاثنين (7 فبراير 2022) أنه بالنظر إلى قانون المحكمة الدستورية العليا، وهو أمر طبيعي، ثم اجتماع الجمعية العمومية، وهو أمر لافت! فالجمعية العمومية ليست جهة اختصاص في أمر كهذا، واختصاصها محدد في القانون على سبيل الحصر، وليس من ضمن اختصاصها ما يتعلق بأمر رئيس المحكمة عزلاً، أو تعييناً، أو إحالة للمعاش! علاوة على ذلك وهو الأهم أن الجمعية العمومية لم تنعقد، ولم ينشر ما يفيد انعقادها، على موقع المحكمة أو في وسائل الاعلام.
  • برر نظام مخالفته للدستور والقانون بأن المستشار المعزول مريض والإطاحة به تمت بناء على طلبه؛ ولكن متى كان مرضه؟! وما هو المرض الذي يدفع لقرار سريع بتعيين بديل له رئيساً للمحكمة؟! وحتى وإن كان هذا صحيحا فلم التعجل؟ ألم يكن من الأولى انتظار ما ستسفر عنه حالة مرعي المرضية بدلا من إجراء يناقض الدستور؟  إضافة إلى ذلك فإن المحكمة الدستورية عقدت جلسة يوم السبت (5 فبراير 2022) برئاسة المستشار سعيد مرعي، ونظرت في أكثر من قضية، على النحو المنشور بموقع المحكمة، أيضا ما نشر في موقع جريدة أخبار اليوم. فمتى طعنه المرض على هذا النحو المفاجئ؟ ولماذا لم يتم الكشف عن هذا المرض العضال الذي أصابه فلم تنتظر عليه الجمعية العمومية ودعت لجلسة طارئة يوم الأحد، ليصدر قرار إحالته للمعاش في اليوم التالي (الاثنين)؟ فلم يحدد القرار الرئاسي يوم انعقاد الجمعية العمومية! كما أن مرضه لم تشر إليه مطلقا أي وسيلة إعلامية تابعة للسلطة، ولم يسمع بنقله إلى أي مستشفى.[[1]] حتى تم الإعلان عن وفاته الأربعاء 16 فبراير2022م. وفي الوقت الذي يظن النظام أن وفاة مرعي قد أغلقت الملف نهائيا، إلا أن الواقع غير ذلك؛ فهذه الوفاة المفاجئة لرئيس المحكمة المعزول تزيد الأمر غموضا وتعقيدا وتثير كثيرا من الشكوك حول الأمر برمته.
  • تجاوز السيسي نظام الأقدمية المعمول به في القضاء منذ عقود قبل أن يعصف به السيسي في تعديلات قانون السلطة القضائية. وباختيار بولس يكون السيسي قد تجاوز 3 قضاة كانوا أولى بالمنصب وفق لمعيار الأقدمية، وهم المستشارون محمد خيري طه، وعادل عمر شريف، ورجب عبد الحكيم سليم، إذ إن بولس هو رابع أقدم قضاة المحكمة حالياً.[[2]] معنى ذلك أن للسيسي في اختيار بولس فهمي عدة رسائل وأهداف يسعى إلى تحقيقها. واستند السيسي في قراره إلى القانون رقم 78 لسنة 2019 بتعديل طريقة اختيار رئيس المحكمة الدستورية، والذي منح رئيس الجمهورية الحق في تعيين رئيس المحكمة الدستورية من بين أقدم خمسة نواب لرئيسها، من دون ترشيح من المحكمة، أو التقيد بمبدأ الأقدمية. فيما نص قانون السلطة القضائية في مصر على أنه “في حالة وجود عجز كامل يمنع القاضي عن أداء عمله، يتم تشكيل لجنة رباعية من الأطباء لفحص الحالة، وإعداد تقرير عنها. ويُحال القاضي إلى المعاش بقرار جمهوري يصدر بناءً على طلب وزير العدل، وبعد موافقة مجلس القضاء الأعلى”.

ثالثا، إسكندر يعتبر أول قبطي (مسيحي) يتولى رئاسة الدستورية العليا، وبالتالي فإن السيسي يواصل بهذا القرار مغازلة الغرب من جهة والكنيسة  الأرثوذوكسية من جهة ثانية، ويستهدف به تبييض صورته في الخارج بوصفه نصيرا للمسيحيين في مصر والذين حظوا بمزايا كثيرا منذ  أن تبوأ السيسي السلطة في أعقاب انقلاب في يوليو 2013م.  فقد بات منهم عدد من الوزراء وعشرات النواب في البرلمان بغرفتيه الشعب والشيوخ، بخلاف سن قانون خاص بتقنين أوضاع الكنائس المخالفة في الوقت الذي يتم فيه هدم عشرات المساجد وتدمير مآذنها بدعوى أنها مخالفة. ورغم شكاوى الأقباط باستمرار من التهميش في المناصب السياسية بالدولة منذ انقلاب يوليو 1952م، إلا أنهم كان لهم وجود أقوى نسبياً في هيئات القضاء المصري دوماً، مقارنة بمؤسسات وقطاعات عامة أخرى في البلاد. فعلى سبيل المثال، مجلس الدولة الذي يعتبر هيئة قضائية مهمة مكلفة بالنظر في القضايا التي تكون الحكومة طرفاً فيها، ترأسه أربعة قضاةٍ أقباط، آخرهم فريد نزيه حكيم تناغو بين عامي 2013 و2014، وقبله مباشرة غبريال عبد الملاك بين عامي 2012، و2013م.[[3]]

التأثيرات المتوقعة

لهذا القرار تأثيرات متوقعة على مستقبل البلاد؛ فإلى جانب الأهمية الدستورية لمنصب رئيس المحكمة الدستورية العليا، يمتلك المنصب أهمية خاصة على المستوى السياسي كون شاغله يحتل المرتبة الثالثة في تسلسل شغل منصب رئيس البلاد عند عدم قدرته على مباشرة مهامه، يسبقه في ذلك فقط رئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب على الترتيب، بحسب الدستور.[[4]] وقد سبق لأحد رؤساء المحكمة الدستورية، وهو عدلي منصور، أن تولى رئاسة البلاد بشكل مؤقت بعد انقلاب  الجيش في يوليو 2013م على الرئيس الشهيد محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب بإرادة الشعب الحرة. وعمر «بولس فهمي» الآن 65 سنة؛ معنى ذلك أنه سيبقى لخمس سنوات كاملة رئيسا للمحكمة الدستورية حتى بلوغه سن المعاش في 2027م. وهي الفترة التي ترجح تنبؤات كثيرة بأنها قد تشهد تطورات كبرى في ظل سياسات النظام الرامية إلى إلغاء الدعم والتوسع في الاستدانة الخارجية مع تزايد معدلات الفقر والبطالة والجريمة في المجتمع على نحو يهدد سلامته وتماسكه على نحو واسع. ومعنى أن يكون قبطي رئيسا للمحكمة الدستورية أنه قد يصبح رئيسا للبلاد في دولة مسلمة  ــ رغم أنه احتمال ضعيف ــ  حيث يبلغ المسلمون نحو 94% من جملة سكان البلاد؛ حيث تنص المادة 160 من دستور 2014م، على أنه “إذا قام مانع مؤقت يحول دون مباشرة رئيس الجمهورية لسلطاته، حل محله نائب رئيس الجمهورية، أو رئيس مجلس الوزراء عند عدم وجود نائب لرئيس الجمهورية أو تعذر حلوله محله. وعند خلو منصب رئيس الجمهورية للاستقالة، أو الوفاة، أو العجز الدائم عن العمل، يُعلن مجلس النواب خلو المنصب، ويباشر رئيسه مؤقتاً سلطات رئيس الجمهورية؛ فإذا كان مجلس النواب غير قائم، تحلّ الجمعية العامة للمحكمة الدستورية، ورئيسها، محل المجلس ورئيسه، فيما تقدم”. وهو أمر قد يستبب في مشاكل تهدد تماسك المجتمع وأمنه القومي  إذا حدث؛ لأن هناك قطاعات واسعة في الشعب المصري ترفض ذلك سواء اتفقنا أو اختلفنا معهم. إضافة إلى أن مثل هذه الخطوة تأتي في سياق فوضوي شديد القمع،  واضطهاد واسع لقطاعات واسعة من  المسلمين حيث يتواجد عشرات الآلاف في السجون والمعتقلات بتهم سياسية ملفقة. ولو كانت هذه الخطوة في سياق ديمقراطي طبيعي لهان الأمر ولم يكن لهذه المخاوف معنى كما هي عليه الآن في ظل تمزق النسيج الاجتماعي والتربص والبطش الأمني غير المسبوق بحق الإسلاميين الذين انتخبهم الشعب بإرادته الحرة قبل سنوات.

الدور السياسي للمحكمة

ورغم التسويق الحكومي الواسع للمحكمة الدستورية بوصفها الهيئة القضائية الأعلى في البلاد، إلا أن الواقع غير ذلك؛ فالقضاء المصري ينظر إلى المحكمة الدستورية منذ نشأتها في عهد الرئيس الأسبق جمال عبدالناصر سنة 1969م أثناء مذبحة القضاء،  بوصفها ليست جزءاً طبيعياً من القضاء المصري، بمعنى أنها ليست محكمة تأسست بالشكل الطبيعى الذي تتشكل به المحاكم فى منظومة القضاء المصري، بل كانت أشبه بلجنة شكّلتها الحكومة ممثلة في رئيس الجمهورية ووضعتها فوق القضاء، ورغم خطوة الرئيس الأسبق محمد أنور السادات بشرعنة وجود هذه المحكمة والنص عليها في  دستور 1971م، إلا أن الهيئات القضائية المختلفة ظلت على موقفها الرافض لهذه المحكمة التي شكلتها السلطة؛ وقد أكدت ذلك محكمة النقض عام 1974 والجمعية العمومية الطارئة لنادي القضاة والجمعية العمومية لمجلس الدولة والجمعيتان العموميتين لمحكمتي شمال وجنوب القاهرة عام 1978، ثم مؤتمر نادي القضاة عام 1979، ثم مؤتمر العدالة الأول 1986. ويدلل على ذلك أيضا أن رئيس المحكمة الدستورية التي هي من أحدث محاكم مصر في التأسيس، لا يترأس مجلس القضاء الأعلى الذي يعد الهيئة العليا الناظمة لعمل القضاء والقضاة في البلاد، بل يترأس هذا المجلس رئيسُ محكمة النقض التي ينظر إليها تقليدياً على أنها أعلى سلطة قضائية طبيعية في مصر.

وفي أعقاب ثورة يناير 2011م، ظهر الدور السياسي لهذه المحكمة والتي استغلها المجلس العسكري من أجل تدمير المسار الديمقراطي وتعويق أي انتقال ديمقراطي حقيقي ونسف المؤسسات التي انتخبها الشعب بنزاهة لأول مرة في تاريخ البلاد. فهي التي قضت بحل مجلس الشعب الذي جاء بعد الثورة في وقت كان يمثل الهيئة السياسية الوحيدة التي لها شرعية الانتخابات في البلاد. ويكفي أن رئيسها عدلي منصور جرى اختياره ليكون رئيسا مؤقتا في أعقاب الانقلاب العسكري في يوليو 2013م، فالمحكمة التي يفترض أنها حامية للدستور ومدافعة عنه هي التي شاركت في الانقلاب على الدستور والعصف بالشرعية الدستورية في برهان على أن وظيفتها ليست حماية الشرعية الدستورية بل خدمة النظام العسكري على طول الخط.

وجاء الدور المشبوه للمحكمة في قضية تفريط السيسي في جزيرتي «تيران وصنافير» للسعودية خير برهان على الدور السياسي للمحكمة؛ فقد بادر رئيس المحكمة المستشار عبد الوهاب عبد الرازق بالخطوة الأولي حيث أصدر حكما وقتياً بوقف تنفيذ كافة أحكام القضاء الإداري والقضاء المستعجل الخاصة باتفاقية تيران وصنافير وهذا الإجراء(الوقتي) الصادر في 20 يونيو 2017 فتح الطريق لتنفيذ الاتفاقية بعد تعليق القضايا المنظورة بالدستورية وسمح بنشر الاتفاقية في الجريدة الرسمية والبدء في إجراءات تسليمها. والخطوة الثانية اتخذها المستشار حنفي الجبالي ــ (كافأه السيسي وعينه رئيسا لمجلس النواب في برلمان 2020م) ــ بإهدار أحكام القضاء الإداري التي حكمت ببطلان اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية، حيث أصدر في 3 مارس 2018 حكماً بعدم الاعتداد بأحكام محكمة القضاء الإداري والإدارية العليا ومحكمة الأمور المستعجلة في دعوي تنازع الأحكام، وبذلك أسدل الستار علي بطلان الاتفاقية ومنح الخطوات التي اتخذها الانقلاب شرعية معيبة أدت لاقتطاع الجزيرتين من مصر وتسليمهما للسعودية في اتفاق كان المستفيد الأكبر منه هو الجانب الإسرائيلي.

خلاصة الأمر، أن قرار السيسي بتعيين المستشار بولس فهمي رئيسا للمحكمة الدستورية على النحو الذي جرى والإخراج الذي تم، إنما يحمل مضامين وأبعاد سياسية أكثر من المضامين والأبعاد القضائية والقانونية، وذلك في إطار سياسات النظام الرامية إلى تكريس الهيمنة على مؤسسات الدولة من جهة، وتعزيز التحالف مع الكنيسة الأرثوذوكسية من خلال تعزيز الوجود القبطي في مؤسسات الدولة التنفيذية والتشريعية والقضائية من جهة ثانية، ومغازلة الولايات المتحدة الأمريكية والغرب من جهة ثالثة.

الأكثر خطورة في القرار أن السيسي أطاح برئيس المحكمة الدستورية “سعيد مرعي” بالمخالفة للدستور والقانون. من جانب آخر فإن «تعيين قبطي في أعلى منصب قضائي بالبلاد، فيه إرضاء للغرب الذي يعطي أولوية لحقوق الأقليات، لاسيما المسيحيين بالشرق الأوسط، وفي الوقت ذاته فهو مطلب ليست له مخاطر من وجهة نظر النظام مثل المطالب الأخرى المتعلقة بالحريات السياسية. وفي هذا الإطار، أفادت تقارير بأن الحكومة المصرية كانت قد تعاقدت مع شركات أمريكية متخصصة في مجال مساعدة اللوبيات الأجنبية بواشنطن، وأن إحدى هذه الشركات تواصلت مع أعضاء من الكونجرس باهتماماتٍ مختلفة، بعضهم قلقٌ من الحرب ضد “داعش” وأمن إسرائيل، وآخرون متابعون باهتمام لأوضاع الأقباط في مصر. واستطاعت الشركة التأثير في مواقف أعضاء بالكونجرس ليؤيدوا السيسي، حيث ركّزت في تواصلها على ملف الأقباط وهجمات “داعش” ضدهم، ودور السيسي في حمايتهم ».[[5]]  قد يستهدف السيسي بهذه الخطوة تبييض صورته أمام الغرب للحد من حملة الانتقادات التي تلاحقه في ملف حقوق الإنسان لكن التصريحات التي أدلت بها وزير الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك، في زيارتها للقاهرة (السبت 12 فبراير 2022م)، بعد قرار تعيين بولس فهمي بعدة أيام فقط يبرهن على أن بعض العواصم الغربية باتت لا تنطلي عليها محاولات نظام السيسي للإفلات من الالتزام الواجب بحقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير؛ حيث انتقدت نظام السيسي وانتهاكاته في حقوق الإنسان، وأعلنت عن تبني بلادها سياسة تقييدية لصادرات السلاح للبلدان المتهمة بانتهاك حقوق الإنسان.[[6]]

 

[1] انظر بتصرف …. سليم عزوز/ماذا جرى في المحكمة الدستورية العليا بمصر؟!/ “عربي 21” ــ الإثنين، 14 فبراير”22″

[2] السيسي يتجاوز أقدم 3 أعضاء بـ”الدستورية” لتعيين بولس رئيساً للمحكمة/  العربي الجديد ـــ 09 فبراير 2022

[3] قاضٍ قبطي يترأس أعلى محكمة مصرية.. إليك صلاحيات المنصب ومتى يمكن أن يأخذ مكان رئيس الجمهورية؟/عربي بوست ــ09 فبراير22م

[4] بولس فهمي إسكندر: من هو أول مسيحي مصري يتولى رئاسة المحكمة الدستورية العليا؟/ بي بي سي عربي ــ الأربعاء 09 فبراير 22م

[5] قاضٍ قبطي يترأس أعلى محكمة مصرية.. إليك صلاحيات المنصب ومتى يمكن أن يأخذ مكان رئيس الجمهورية؟/عربي بوست ــ09 فبراير22م

[6] في مؤتمر صحفي: وزيرة الخارجية الألمانية:نعتزم تقييد صادرات السلاح بحقوق الإنسان.. وسامح شكري يعلق: تسليح مصر حمى أوروبا/ مدى مصر ــ السبت 12 فبراير 22م

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

‫شاهد أيضًا‬

إعلان فوز الرئيس مرسي برئاسة مصر قبل 10 سنوات

  10سنوات، مرت على إعلان فوز الرئيس محمد مرسي، برئاسة مصر، كأول رئيس مدني في تاريخ مص…