‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر «الأدنى للأجور».. جدواه وتوابعه
مصر - فبراير 23, 2022

«الأدنى للأجور».. جدواه وتوابعه

«الأدنى للأجور».. جدواه وتوابعه

 

 

اجتمع الجنرال عبدالفتاح السيسي يوم الثلاثاء 18 يناير 2022م، برئيس الحكومة الدكتور مصطفى مدبولى، والدكتور محمد معيط وزير المالية، وأحمد كجوك نائب وزير المالية للسياسات المالية، والدكتور إيهاب أبو عيش نائب وزير المالية للخزانة العامة، ووجَّه السيسي الحكومة بعدة قرارات:

  • أولا، رفع الحد الأدنى للأجور (من 2400 إلى 2700 جنيه) نحو 171 دولارا.
  • ثانيا، إقرار علاوتين بنحو 8 مليارات جنيه، الأولى علاوة دورية للموظفين المخاطبين بقانون الخدمة المدنية بنسبة 7% من الأجر الوظيفي، والثانية علاوة خاصة للعاملين غير المخاطبين بقانون الخدمة المدنية بنسبة 13% من المرتب الأساسي.
  • ثالثا، 3٫1 مليارجنيه حافزا جديدا للمعلمين.
  • رابعا، تخصيص “1.5” مليار جنيه كحافز جودة لهيئات التدريس بالجامعات.
  • خامسا، زيادة الحافز الإضافى «للمخاطبين» و«غير المخاطبين» بقانون الخدمة المدنية،  بقيمة 18 مليار جنيه.

هذه القرارات قوبلت بتضخم إعلامي واسع، وبروباجندا منظمة عبر الصحف والفضائيات والمواقع وحتى الكتائب الإلكترونية التابعة لأجهزة النظام الأمنية على مواقع التواصل الاجتماعي، في محاولة لإظهار الجنرال بصورة الحريص على دعم الفئات الفقيرة والمهمشة رغم أنه يسحقهم بفرض المزيد من الرسوم والضرائب الباهظة ورفع الأسعار بشكل  جنوني حتى طالت جميع السلع والخدمات الحكومية، كما أن هذه الزيادات لا تتناسب مطلقا مع حجم التضخم والغلاء الفاحش، علاوة على ذلك فإن هذه القرارات سيتم العمل بها بداية من السنة المالية الجديدة 2022/2023م.[[1]]

وكان “المجلس القومي للأجور”، برئاسة وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية هالة السعيد، قد اعتمد 2400 جنيه شهرياً، أي ما يعادل 152 دولاراً تقريباً، حداً أدنى للأجور شهرياً في مؤسسات القطاع الخاص، اعتباراً من 1 يناير 2022. غير أن المجلس وافق لاحقاً على طلبات أكثر من 6 آلاف منشأة بشأن إرجاء تطبيق هذا الحد، بدعوى الظروف الاقتصادية الناجمة عن أزمة فيروس كورونا؛ وهو ما يفرغ القرار من محتواه، إضافة إلى عدم وجود رقابة حكومية على القطاع الخاص تلزمه بتنفيذ الأدنى للأجور. ويعد نحو 80% من القوى العاملة في مصر هم من العاملين في القطاع الخاص، والبالغ عددهم نحو 23.5 مليوناً مقابل 5 ملايين تقريباً في القطاع الحكومي، والذين لن يستفيدوا من قرار زيادة المرتبات في الجهاز الإداري للدولة، في وقت يعانون فيه من خفض في الرواتب، وتسريح من أعمالهم، على خلفية أزمة تفشي وباء كورونا. ولكل هذه الأسباب دعت نقابة العاملين بالقطاع الخاص إلى إيجاد آلية ملزمة لتطبيق الأدنى للأجور بمنشآت القطاع الخاص البالغ عددها نحو عددهم 3 ملايين و738 ألف منشأة، ويعمل بها نحو 35 مليون عامل، وفق تقديرات شعبان خليفة رئيس النقابة في بيان له في ديسمبر 2021م، في ظل تهرب أرباب العمل عن تنفيذ القرار بدعوى تفشي جائحة كورونا.[[2]]

على العموم، ظل نصيب صغار العمال والعاملين بأجر حول العالم ولا سيما في مصر والدول العربية غير الخليجية يتآكل خلال العقود الأخيرة في ظل غياب التفاوض الجماعى، والحرية النقابية والدراسات اللازمة، ومع غياب حد أدنى للأجر على المستوى القومى، صار الوضع مثيرا لقلق المؤسسات المالية الدولية التى تقرض النظام العسكري في مصر، مثل البنك الدولى. حيث يلاحظ الأخير أن كل عشرة جنيهات يخلقها الاقتصاد المصرى، تذهب 7.5 منها إلى القلة من أصحاب الثروات ورءوس الأموال و2.5 منها فقط تذهب إلى الأغلبية من أصحاب الأجور، ثم يحصل كبار الموظفين (عام وخاص) على معظم ذلك النصيب الضئيل. ويقدر نصيب الواحد في المائة الأغني بمصر بنحو 18% من إجمال الدخل؛ بمعنى أن 900 ألف فرد يملكون وحدهم حصة من الدخل القومى تعادل مجموع الدخول التى يحصل عليها 45 مليون مواطن، وذلك وفقا لدراسة قام بها توماس بيكيتى وفريقه البحثى عن مصر وعدد من دول الشرق الأوسط.[[3]] وتنتشر في مصر منذ عقود ظاهرة العمال الفقراء وهم أولئك الذين يكدون ويعملون لكن أجورهم تبقى متواضعة لا تسمح لهم بالصعود إلى أعلى خط الفقر العالمي، وقد قدر البنك الدولي في 2009 نسبة العمال الفقراء في مصر بنصف عدد العاملين، وهي النسبة التي تزايدت في أعقاب ثورة يناير ثم انقلاب 03 يوليو 2013م، وتزايدت بشدة في أعقاب الاتفاق مع صندوق النقد الدولي في نوفمبر 2016م. وتبقى مصر من الدول القليلة التي ينعدم فيها حد أدنى للأجور على المستوى القومي، حيث يتركز معظم العاملين الفقراء فى القطاع غير الرسمى، يليه القطاع الخاص (معا، يشكلون أكثر من 85٪ من العاملين الفقراء)، وفقا للبيانات الرسمية فى عام 2012ــ2013م.

«وفي نهاية مارس 2020، أصدر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المصري بيانات التعداد الاقتصادي المصري لعام 2018، (تتم كل خمس سنوات)، كشف أن عدد المشتغلين في مصر بلغ نحو 26.021 مليون شخص، معنى ذلك أن العاملين بالقطاع الخاص والمهن الحرة يصل عددهم  إلى نحو 21 مليونا؛ استنادا إلى أن عدد العاملين بالحكومة نحو 5 ملايين وفقا لتصريحات وزير المالية».[[4]]

قراءة في القرار

ويمكن قراءة القرارات الأخيرة للسيسي وفهم مغزاها وأبعادها من خلال الملاحظات  الآتية:

أولا، رغم أن هذه الزيادات سوف تطبق بداية من يوليو المقبل “2022” إلا أن لتوقيت إعلانها دلالة وغاية؛ فقد جاء الإعلان عنها قبل ذكرى ثورة يناير بأيام قليلة، استباقا لأي دعوات تظاهر لا سيما في ظل تواصل مظاهرات فئوية بسبب تدني مستويات المعيشة وتآخر صرف المستحقات المالية مثل عمال وموظفي ماسبيرو وغيرهم. وبالتالي فالهدف هو قطع الطريق على أي دعوات للتظاهر. لذلك يمن عزو هذه الخطوة إلى تقارير أمنية رفتعها الأجهزة إلى مكتب السيسي تحذر من تبعات السياسات الحكومية وتأثير السلبي على الناس، وأوصت بمثل هذه الخطوة درءا لغضب شعبي محتمل.

ثانيا، رغم رفع الأدنى للأجور من 1200 إلى 2000 في 2019م، ثم إلى 2400ج في 2021م، ثم إلى 2700ج في 2022م، إلا أنّ القيمة الشرائية لهذا المبلغ تراجعت بصورة كبيرة بفعل آثار التضخم، وموجات الغلاء التي لم تتوقف في مصر منذ قرار تحرير سعر صرف العملة المحلية (الجنيه)، في 3 نوفمبر 2016. ويدرك المصريون جيداً انخفاض قيمة دخولهم، مقارنة بما كانت عليه قبل الانقلاب العسكري في عام 2013، حيث كان يبلغ سعر صرف الدولار نحو 6.96 جنيهات مقارنة بـ15.74 جنيهاً حالياً، أي أن الحد الأدنى للأجور حينها (1200 جنيه) كان يعادل 172.4 دولاراً، مقابل 171.5 دولاراً (2700 جنيه) بعد الزيادة الأخيرة. ومع ارتفاع قيمة الفواتير الشهرية لاستهلاك الكهرباء والغاز والمياه للمنازل، بات المصريون يقتطعون ربع دخلهم على الأقل لسدادها، خصوصاً الفقراء منهم ومحدودي الدخل. إذ ارتفعت أسعار الكهرباء بنسبة 860% منذ اغتصاب السيسي الحكم، والغاز بنسبة تصل إلى 2400%، إضافة إلى ارتفاع أسعار البنزين 8 مرات منذ عام 2014، ومضاعفة أسعار مياه الشرب للمتر المكعب من 36 قرشاً (الجنيه 100 قرش) إلى 225 قرشاً.[[5]]

ثالثا، زيادة الحد الأدنى للأجور في هذا التوقيت (يناير 2022)  تستبق الزيادة المتوقعة في أسعار جميع أنواع البنزين، وهي الزيادة الرابعة توالياً بإجمالي جنيه واحد على سعر الليتر، إذ من المقرر أن يرتفع بنزين (80 أوكتان) إلى 7.25 جنيهات من 6.25 جنيهات لليتر في إبريل/نيسان 2021، بنسبة زيادة تقدر بـ16%، وبنزين (92 أوكتان) إلى 8.50 جنيهات من 7.50 جنيهات لليتر، بزيادة تقدر بـ13.3%، وبنزين (95 أوكتان) إلى 9.50 جنيهات من 8.50 جنيهات لليتر، بزيادة تقدر بـ11.7%؛ وفقا للمعادلة السعرية لاسعار البنزين في مصر بتعديل الأسعار بما لا يتجاوز نسبة 10% (صعوداً وهبوطاً) استناداً إلى ثلاثة عوامل رئيسية، هي السعر العالمي لبرميل النفط، وسعر صرف العملة المحلية (الجنيه) أمام الدولار، ومقدار التغير في عناصر الكلفة.[[6]] الغريب أن كاتبا مثل عماد الدين حسين، رئيس تحرير صحيفة الشروق اليومية، اعتبر القرار مفرحا وأشاد فيه بالسيسي ونظامه واعتبر هذا المبلغ الزهيد “2400” ج مفرحا لملايين  المصريين رغم أن الكاتب يتقاضي مرتبا يصل إلى نحو 250 ألف جنيه شهريا!! [[7]]

رابعا، قرار رفع الأدنى للأجور يتزامن مع توجهات السيسي نحو تقليص مخصصات الدعم والإصرارعلى رفع أسعار الخبز وباقي السلع الأساسية المدعومة على بطاقات التموين؛ وهو ما يعني بشكل واضح أن السيسي يستبق هذه القرارات المؤلمة برفع أسعار الخبز والسلع الغذائية برفع الأدنى للأجور؛ على أمل أن يكون ذلك أحد أدوات السلطة في احتواء أي احتجاجات مرتقبة. وكان السيسي قد كشف عن نيته تنفيذ مذبحة في مخصصات الدعم بحذف عشرات الملايين من الفقراء. وفي يوم 22 ديسمبر 2021م قال السيسي: «اللي فات مش أكثر من فردين.. والجديد مفيش ــ قلت لا يمكن أدي بطاقة تموين تاني لحد بيتجوز». وهي التصريحات التي تضع مستقبل الدعم في مصر  على كف عفريث ويهدد نحو 70 مليون مصري بحرمانهم من الدعم، والتوقف عن إصدار أي بطاقات تموين جديدة. [[8]]

خامسا، من دلالات  توقيت إعلان رفع الحد الأدنى أيضا أنه قد يستبق قرارا مرتقبا من جانب السيسي بإبرام اتفاق جديد مع صندوق النقد الدولي، مع ما يترتب على ذلك من آثار وتداعيات كارثية أهمها احتمال تعويم جديد للجنيه، وانخفاض قيمته مجددا وهو ما يعني تآكل قيمة الأجور والمرتبات إلى الحد الذي تصبح معه هذه الزيادات لا معنى لها. التعويم الجديد المرتقب يأتي لأسباب أبرزها أزمة السيولة المتفاقمة وهروب الأموال الساخنة؛ الأمر الذي دفع بنوك استثمار عالمية إلى التحذير من أن العملة المصرية مرشحة للهبوط ومعرضة لضغوط في ظل مخاطر تتعلق بتقلبات في التدفقات الأجنبية خلال الشهور المقبلة. وقد أكد موقع “مدى مصر” أن حكومة السيسي تواصلت مع صندوق النقد الدولي خلال الشهور الماضية للنظر في إمكانية الحصول على قرض جديد إذا دعت الضرورة، بحسب مسؤولين حكوميين اثنين، وثالث مسؤول حكومي سابق، ورابع دبلوماسي غربي يعمل في القاهرة، وخامس مسؤول بارز بإحدى المجموعات المالية في مصر، تحدثوا إلى «مدى مصر» خلال الأسبوعين الماضيين بشكل منفصل، بشرط عدم كشف هوياتهم. أشارت المصادر إلى أن القرار المصري للتقدم رسميًا بطلب الحصول على قرض يتوقف على ما ستجنيه مصر من مصادر الاقتراض الأخرى التي اعتمدت عليها في السنوات الأخيرة، وبالأخص: سوق الديون، وودائع الحلفاء من دول الخليج، وبيع الأصول الذي يتولاه صندوق مصر السيادي. الشرط الأهم، بحسب إجماع المصادر، هو توقف مصر عن دعم سعر الجنيه في السوق. على الرغم من تحرير سعر الصرف ضمن خطة إعادة الهيكلة الاقتصادية في 2016، حافظ البنك المركزي المصري على استقرار قيمة الجنيه عند حدود 15.7 جنيه للدولار الواحد. لتحقيق هذا الاستقرار، اضطر البنك المركزي كذلك للتدخل بشكل غير مباشر عبر البنوك المحلية المملوكة للدولة للدفع بدولارات في السوق.[[9]] وكانت حكومة السيسي قد حصلت على قرضين من الصندوق خلال الأعوام الستة الماضية. الأول كان في 2016 بقيمة 12 مليار دولار، والقرض الثاني كان في 2020 بقيمة 5.2 مليار دولار، بعد تفجر أزمة «كورونا».

سادسا، يمثل النمو في مخصصات الأجور إجمالًا في موازنة العام المالي الحالي (2021 ــ2022) 11% تقريبًا قياسًا للعام السابق عليه (2020ـــ2021)، وهو مستوى يقل قليلًا عن مستوى نمو الأجور في العام الحالي قياسًا للعام الماضي. معنى ذلك أن هذه الزيادات هي زيادة اعتيادية بالأساس يتم إدراجها بالموازنة بشكل تلقائي؛ وما جرى من زفة إعلامية وتضخيم إعلامي إنما يستهدف تلميع صورة السيسي المشوهة  وترميم شعبيته المتآكلة. من جانب آخر فإن الزيادات الإجمالية للقرارات الجديدة، ليست زيادات كبيرة كما يعتقد البعض، بل هي مجرد إقرار للزيادات السنوية المقررة في قانون الخدمة المدنية.  كما أن نظام السيسي كان قد أقر العمل بقانون اقتطاع 01%  من مرتبات وأجور العاملين بالجهاز الإداري للدولة والقطاع الخاص و0.05% من أصحاب المعاشات لمدة سنة وهو القانون الذي مدته الحكومة عاما  إضافيا  يبدأ من يوليو 2021م حتى يوليو 2022م، بدعوى المساهمة في مكافحة وباء كورونا وهو ما يوفر للنظام ما بين 15 إلى 20 مليار جنيه سنويا.

سابعا، يبلغ حد الفقر عالمياً 3.2 دولارات للفرد في اليوم، ما يعادل 96 دولاراً شهرياً، أي أن العامل في القطاع الخاص الذي لا يعيل سوى زوجته يحتاج إلى 192 دولاراً شهرياً، وبالتالي فهو لا يزال يقبع تحت خط الفقر، حتى مع الحد الأدنى الجديد للأجور الذي أعلن “المجلس القومي للأجور” عن تطبيقه بداية من الشهر المقبل.  والأسرة التي تتكو من أربعة أفراد تحتاج إلى نحو 6 آلاف جنيه حتى تبقى على خط الفقر الدولي ولا تهبط دونه. معنى ذلك أن هذا الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص “2400” ج، أو القطاع العام “2700”ج، لا يساوي شيئا، في زمن الغلاء الفاحش وتحويل التعليم والصحة إلى سلعة. ولا تكشف البيانات الحكومية في مصر عن معدلات الفقر الحقيقية، بينما أعلن سابقاً رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، أنها وصلت إلى 29.7% في العام المالي 2019-2020، مقارنة بـ32.5% من إجمالي السكان في العام المالي 2017-2018. لكن خبراء اقتصاد يؤكدون أن النسبة الحقيقية للفقر تتجاوز 55% في مصر، في ظل الغلاء المستمر مع فرض زيادات متواصلة على أسعار السلع والخدمات والضرائب، علماً أن وباء كورونا زاد من تعقيدات الوضع، خصوصاً للعاملين في القطاع غير الرسمي البالغ عددهم نحو 4 ملايين شخص، والذين فقدوا (أو باتوا مهددين) بفقدان أعمالهم. ويعزو الخبراء الارتفاع الكبير في نسب الفقر إلى السياسات الاقتصادية التي يتبناها السيسي، والتي لم يضع محدودي الدخل ضمن أولوياته، ورضخ إلى تعليمات صندوق النقد بشأن تقليص الدعم، وتحرير أسعار الوقود والكهرباء نهائياً، وخفض أعداد الموظفين الحكوميين، ما أدى إلى إنتاج مزيد من الفقراء. وفي المقابل، اتجه نحو مشروعات عملاقة ليس لها أي مردود على المواطن، مثل مشروعات العاصمة الإدارية والعلمين الجديدة وغيرها.[[10]]

ثامنا، نسبة الزيادة في الأدنى للأجور التي قررها السيسي مؤخرا (12.5%) تعتبر الأقل مقارنة بدول العالم؛ حيث قررت إدارة الرئيس الأمريكي جوبايدن في يناير 2022م رفع الأدنى للأجور إلى 15 دولار في الساعة بدلا من 10.95 بنسبة زيادة تصل  إلى (37%)، والأهم هو ربط الزيادات المستقبلبة بالتضخم.[[11]] معنى ذلك أن أدنى عامل في أمريكا يتقاضي نحو 40 ألف جنيه مصري! وقد شهد عام 2021م ارتفاعات محلوظة على مستوى العالم لنسبة الأدنى للأجور؛ حيث يبلغ الأدنى للأجور في لوكمسبورج (18.6) يورو في الساعة تساوي 325 جنيها/  الساعة) وهو الأعلى على مستوى العالم معنى ذلك أن العامل المبتدئ الفقير  في لوكسمبورج يتقاضى شهريا نحو 60 ألف جنيه مصري!.  وفي أيرلندا (11.49 دولاراً / ساعة) بما يساوي (32 ألف  جنيه شهريا). وفي تركيا الأدنى للأجور يساوي 4250 ليرة بما يساوي نحو 4500 جنيه مصري. ويتقاضي فقراء نيوزلندا نحو 13.5 دولارا في الساعة بما يساوي نحو 37 ألف جنيه مصري شهريا. وفي استراليا 14.41 دولارا في الساعة، بما يساوي نحو 40 ألف جنه مصري شهريا. وفي بلجيكا نحو 11.7 دولارا في الساعة، بما يساوي نحو 32 ألف جنيه شهريا. وفي إسبانيا نحو 17 ألف جنيه شهريا. وفي فرنسا نحو 12.86 دولارا في  الساعة بما يساوي نحو 35 ألف جنيه شهريا. نفس الأمر في بريطانيا تقريبا  بما يساوي نحو 35 ألف جنيه شهريا كحد أدنى للأجور.[[12]] لكن الأكثر دهشة وغرابة أنه رغم التفاوت الهائل في حجم الأدنى للأجور بين مصر وغيرها من دول العالم، فإن المصري الفقير يشتري الوقود والكهرباء والمياه وتعريفة المواصلات ورسوم الإنترنت بنفس الأسعار العالمية على مستوى العالم؛ وهذا ظلم مبين لا يتحمله أحد؛ لكن السيسي يصر على المزيد من سحق المصريين!

محطات الأدنى للأجور

على كل حال، تمثل الزيادة الجديدة أقل نسبة لزيادة الحد الأدنى للأجور؛ فقد كان الحد الأدني لأجور العاملين بالحكومة والقطاع العام فى عهد جمال عبدالناصر ٥ جنيهات شهريـًا، كانت تكفي لشراء ٣٤ كيلو جرامـًا من اللحم، بعدها شهد ارتفاعـًا تدريجيـًا من 9 جنيهات شهريـًا وفقـًا للقانون رقم 58 لسنة 1961م. وفي عهد السادات بلغ الحد الأدنى للأجر الأساسي للعامل ١٦ جنيهـًا بموجب القانونين ٤٧، ٤٨ لسنة ١٩٧٨، فيما وصل الراتب الكلي لخريج الجامعة في بداية اشتغاله بالجهاز الحكومي إلى ٢٨ جنيهـًا أواخر عصر السادات. زادت الأسعار بشكل كبير مع تولي حسني مبارك السلطة سنة 1981م، وارتفع الأدنى للأجور إلى 35 جنيهـًا شهريـًا، وفقـًا للقانون رقم 53 لسنة 1984م. و فى عام 2003 أسست الحكومة المجلس القومي للأجور وفقا لأحكام قانون العمل رقم 12 لسنة 2003، وفي العام 2007 ظهرت مطالبات لإقرار الحد الأدنى، كان منها مشروع المجلس القومي للأجور الذي طالب بـمبلغ ٤٠٠ جنيه شهريـًا كحد أدنى، ومقترح اتحاد العمال الذي طالب بـ٦٠٠ جنيه. ولم يتم تحديد حد أدنى للأجور، إلا أن متوسط الدخل الأدنى كان حوالي ٢٠٠ جنيه في الشهر عام ٢٠٠٧م. وفي العام المالي ٢٠٠٩ قدرت حسابات القومي للأجور الحد الأدنى الكافي لضرورات الحياة بمبلغ ٥٣٠ جنيهـًا، في حين طالب اتحاد العمال بـ٨٠٠ جنيه.

وتعنت نظام مبارك في تحديد الأدنى للأجور منذ سنة 1984م حتى 2010م، حيث صدر حكم قضائي من مجلس الدولة في مارس من هذا العام ألزمها برفع الأدنى للأجور، وهو الحكم الذي حصل عليه المحامي خالد علي، مدير المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وقتها لصالح موكله ناجي رشاد، وهو عامل في قطاع الأعمال العام. وألزم الحكم القضائي حكومة أحمد نظيف برفع الأدنى للأجور من 35 جنيها حسب قانون سنة 1984م، إلى 1200 جنيه (تساوي 250 دولار بسعر مارس 2021م)، وذلك لأنه ظل جامدا لنحو 26 سنة. لكن حكومة نظيف وبتوجيهات من مبارك لم تلتزم بالحكم القضائي ولم تنفذه حتى قامت ثورة 25 يناير 2011م.

وفي يونيو 2011م قرر سمير رضوان، وزير المالية بحكومة ما بعد ثورة يناير، رفع الحد الأدنى للأجور إلى 700جنيه (كانت تساوي نحو 118  دولارا وقتها) على أن تزيد سنويا لتصل إلى 1200ج بعد خمس سنوات.  وفي عهد الرئيس محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر ــ وقبل الانقلاب عليه ناقش البرلمان ــ قبل حله بحكم قضائي مسيس من  الدستورية العليا ــ  بنود الموازنة العامة للدولة للعام المالي (2013/2014)، وبشرت الحكومة جموع العاملين بزيادات كبيرة فى الأجر وهى ضم علاوة 30% التى حصلوا عليها فى 2008 إلى أساسى المرتب مما ينعكس على زيادة الحوافز وكذلك علاوة اجتماعية أعلنت عنها الرئاسة 15% ووفقا لتصريحات بعض مسئولى المالية فلم تكن هذه العلاوة فى الحسبان بخلاف العلاوة الدورية. وأعلن وزير المالية وقتها البدء فى تطبيق قانون الحد الأدنى والأقصى للأجور بداية من أول مايو 2013 حيث ألزم من يحصلون على الحد الأقصى من موظفى الحكومة والذى يعادل 35 ضعف الحد الأدنى بتقديم إقرار بالراتب وشيك يعيد فيه ما زاد على هذا الحد الأقصى الذى وضعته الدولة.[[13]]

وفي أكتوبر 2013 قررت حكومة الدكتور حازم الببلاوي رفع الأدني للأجور إلى 1200 جنيه بنسبة 71% (تساوي 170 دولارا وقتها انخفضت إلى 69دولارا بعد التعويم في نوفمبر 2016)؛ وذلك لامتصاص الغضب الشعبي ضد الانقلاب وفشل الحكومة في تحقيق الأمن والتنمية. وارتفع الأدنى للأجور بنسبة 66%  في مارس 2019م؛ حيث قرر السيسي تحديد الأدنى للأجور بـ 2000جنيه وذلك قبيل مسرحية التعديلات الدستورية التي تسمح له بالاستمرار في الحكم إلى 2030م وتمنحه صلاحيات فرعونية مطلقة؛ الأمر الذي اعتبره كثيرون رشوة من أجل تمرير هذه الحزمة المشبوهة من التعديلات. وفي 2021 ارتفع بنسبة 20% فقط. وبالتالي فإن نسبة الارتفاع في  الأدني للأجور هي الأقل على الإطلاق. ولكن يبقى الهدف منها ولغز التوقيت محل تساؤلات كثيرة. وفي 14 مارس 2021م، أعلنت الحكومة عن رفع الأدنى للأجور ضمن مخصصات الأجور في الموازنة، من 2000 إلى 2400 جنيه، ورفع مخصصات الأجور إجمالا في الموازنة الجديدة بواقع 37 مليار جنيه قياسا لمخصصات العام السابق عليه.[[14]]

خلاصة الأمر، زيادة رواتب القطاع العام والحد الأدنى للأجور غير كافية لمواجهة ظاهرة التضخم الحالية، ولن تمنع بالطبع وقوع أزمات معيشية وغلاء في الأسعار طالما استمرت زيادة أسعار البضائع والخدمات، خاصة الأغذية والطاقة من نفط وغاز، وبالتالي فإن الحكومة مطالبة باتخاذ خطوات أخرى وسياسات سريعة لاحتواء التضخم المرتفع، مثل خفض ضريبة القيمة المضافة التي تعد سببا أساسياً في زيادة الأسعار، وتقوية العملة المحلية، مع سحب السيولة النقدية الزائدة من الأسواق لأنها حطب التضخم، وتقوية العملة عبر زيادة إيرادات النقد الأجنبي، وتوفير السلع في الأسواق بسعر مناسب، ومواجهة الاحتكارات وفرض ضرائب أعلى على ثروات الأثرياء.

لكن الأهم والأخطر أن قرار السيسي برفع الأدنى للأجور في القطاع الحكومي إلى 2700جنيه ابتداء من يوليو 2022م، وقبله تحديد 2400جنيه كحد أدنى للأجور في القطاع الخاص الذي يفترض أن العمل به بدأ في يناير 2022م، إنما يبرهن على أن السيسي سوف يُقدم على اتخاذ قرارات مؤلمة خلال الأسابيع والشهور المقبلة. ومن أبرز القرارات المرتقبة  رفع أسعار الخبز وسلع التموين إلى الحد الذي يؤدي إلى تآكل قيمة الدعم المخصص للأفراد. كما أن ذلك قد يكون مقدمة لتنفيذ السيسي تهديداته بحذف عشرات الملايين من مستحقي الدعم، فلا يدع في كل بطاقة تموين سوى اثنين فقط أو أربعة على أقصى تقدير مع حذف ما زاد عن ذلك. وقد يكون ذلك آية على اقتراب اتفاق جديد مع صندوق النقد  الدولي مع مع يترتب على ذلك من آثار وتداعيات مؤلمة وهبوط في قيمة الجنيه من جديد؛ وهو القرار الذي سيؤدي إلى اشتعال أسعار جميع السلع والخدمات في ظل ترقب رفع أسعار الوقود وفق الآليات الحكومية المتبعة. ورغم تحذيرات تقديرات الموقف الأمنية من التداعيات المحتملة لخفض الدعم أو رفع أسعار الخبز إلا أن السيسي يبدو أنه يتجه نحو إقرار ذلك دون اكتراث للعواقب؛ اطمئنانا إلى قدرة آلته القمعية على إخماد أي احتجاجات شعبية محتملة. ولهذه الأسباب والعوامل فإن مصر مرشحة للدخول في مرحلة  جديدة على المستويين الاقتصادي والسياسي وسط تنبؤات مقلقة حول تزايد معدلات الجريمة وارتفاع منسوب الغضب الشعبي الذي قد ينطوي على سيناريوهات فوضوية قد لا يتمكن النظام من احتوائها.

 

[1] انظر: إسماعيل جمعة/ السيسى يصدر قرارات تاريخية لتحسين معيشة المواطنين..رفع الحد الأدنى للأجور إلى 2700 جنيه.. وتعيين 30 ألف مدرس سنويا لتلبية احتياجات «تطوير التعليم»/ الأهرام اليومي ــ الأربعاء 19 يناير 2022م/// خالد ميري: تحريك الحد الأدنى للأجور غير مسبوق في تاريخ مصر/ بوابة الشروق ـ الأربعاء 19 يناير 2022

[2] أحمد كساب/ نقابة العاملين بالقطاع الخاص تطالب بإيجاد آلية ملزمة لتطبيق الحد الأدنى للأجور/ بوابة الشروق ــ الإثنين 13 ديسمبر 2021/// محمود العربي/ اتحاد الغرف التجارية يرفع مذكرة للتخطيط بطلبات الاستثناء من تنفيذ الحد الأدنى للأجور/ بوابة الشروق ـ الأربعاء 10 نوفمبر 2021//// أحمد كساب وفهد أبو الفضل/ رئيس نقابة القطاع الخاص: 48% من المنشآت لا تطبق الحد الأدنى للأجور/ بوابة الشروق ــ الثلاثاء 9 نوفمبر 2021

[3] سلمى حسين/ ادفع بالتى هى أحسن: الحد الأدنى للأجر يعود/ بوابة الشروق ــ الجمعة 21 ديسمبر 2018

[4] إبراهيم الطاهر/لماذا يخشى المصريون زيادة الأجور والعلاوات؟.. “أرقام صادمة”/ “عربي 21” ــ الثلاثاء 16 مارس 2021م

[5] رفع الحد الأدنى للأجور في مصر: مسكنات مؤقتة مع ذكرى ثورة يناير/ العربي الجديد ــ 24 يناير 2022

[6] السيسي يستبق زيادات الوقود برفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في الحكومة إلى 171 دولاراً/ العربي الجديد ــ  18 يناير 2022

[7] عماد الدين حسين/2400 جنيه حدًا أدنى فى القطاع الخاص/ بوابة الشروق ــ الجمعة 24 ديسمبر 2021/// عماد الدين حسين/ هل يرحب المعارضون برفع الحد الأدنى للأجور؟!/ بوابة الشروق ــ السبت 22 يناير 2022

[8] أماني حسن/ السيسي يحسم قضية إضافة مواليد جدد ببطاقة التموين: «اللي فات مش أكثر من فردين.. والجديد مفيش»/ المصري اليوم ــ 22 ديسمبر 2021م// الرئيس السيسي: فردان فقط الحد الأقصى لبطاقات التموين الحالية/ بوابة الشروق ــ  الأربعاء 22 ديسمبر 2021// السيسي يقرر حذف ملايين المصريين من بطاقات الدعم التموينية/ العربي الجديد ــ 22 ديسمبر 2021

[9] بيسان كساب, دانيال أوكونيل و عايدة سالم/ مصر تناقش «النقد الدولي» في قرض جديد محتمل/ مدى مصر ــ 26 يناير 2022م

[10] مصر تعتمد 152 دولاراً حداً أدنى للأجور في القطاع الخاص/ العربي الجديد ــ 21 ديسمبر 2021

[11] إدارة بايدن ترفع الحد الأدنى لأجور موظفي الحكومة إلى 15 دولاراً في الساعة/ العربي الجديد ــ 21 يناير 2022

[12] تعرّف إلى ارتفاع الحد الأدنى للأجور خلال 2021 في 10 دول/ العربي الجديد ــ 09 ديسمبر 2021

[13] صفوت قابل (أستاذ اقتصاد بجامعة المنوفية)/ الحد الأدنى للأجور مشكلة بلا حل/ بوابة الشروق ــ الثلاثاء 4 يونيو 2013

[14] بأقل معدل زيادة منذ 10 سنوات.. السيسي يعلن عن رفع الحد الأدنى للأجور / مدى مصر 15 مارس 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

‫شاهد أيضًا‬

موقف القوى المدنية من الحوار الوطني .. الدوافع والتداعيات

موقف القوى المدنية من الحوار الوطني الدوافع والتداعيات   دعا عبد الفتاح السيسي، إلى ا…