‫الرئيسية‬ العالم العربي فلسطين تقرير منظمة العفو الدولية حول سياسة الفصل العنصرى الإسرائيلى ضد الفلسطينيين: قراءة فى الدلالات والتداعيات
فلسطين - مارس 3, 2022

تقرير منظمة العفو الدولية حول سياسة الفصل العنصرى الإسرائيلى ضد الفلسطينيين: قراءة فى الدلالات والتداعيات

تقرير منظمة العفو الدولية حول سياسة الفصل العنصرى الإسرائيلى ضد الفلسطينيين: قراءة فى الدلالات والتداعيات

 

 

نشرت منظمة العفو الدولية “أمنستي”، فى 1 فبراير 2022، تقريرها الكامل حول سياسة الفصل العنصري الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، ويوثق التقرير الشامل بعنوان “نظام الفصل العنصري (أبارتهايد) الإسرائيلي ضد الفلسطينيين: نظام قاسٍ يقوم على الهيمنة وجريمة ضد الإنسانية”[1] كيف أن عمليات الاستيلاء الهائلة على الأراضي والممتلكات الفلسطينية، وأعمال القتل غير المشروعة، والنقل القسري، والقيود الشديدة على حرية التنقل، وحرمان الفلسطينيين من حقوق المواطنة والجنسية، والتى تمارسها إسرائيل من خلال قوانين وسياسات وممارسات ضد كل الفلسطينيين في مختلف مناطق إقامتهم، سواء الذين يعيشون في غزة، أو الضفة الغربية، أوالقدس الشرقية، أو الخليل، أو الداخل المحتل، فهم يعاملون كجماعة عرقية دونية ويُحرمون من حقوقهم على نحو ممنهج. وأن ذلك يشكل أجزاءً من نظام يرقى إلى مستوى الفصل العنصري بموجب القانون الدولي كما هي معرفة في نظام روما الأساسي والاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها (اتفاقية الفصل العنصري). ودعت منظمة العفو الدولية المحكمة الجنائية الدولية إلى النظر في جريمة الفصل العنصري في سياق تحقيقاتها الحالية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، كما أنها تناشد جميع الدول ممارسة الولاية القضائية الشاملة وتقديم مرتكبي جرائم الفصل العنصري إلى العدالة[2]. وتسعى هذه الورقة إلى تناول هذا التقرير من حيث محاولة تبيان دلالاته، ومدى إمكانية أن يشكل ضغط على إسرائيل، وإلى مدى سينجح الفلسطينيون فى توظيفه فى نضالهم ضد الاحتلال.

أولًا: قيمة التقرير ودلالاته:

تبرز قيمة تقرير منظمة العفو الدولية بوصف إسرائيل “دولة فصل عنصرى”، كونه صادر عن جهة دولية، وليست قراءة صحفية، أو صادر عن جهة حكومية أو حزبية، لها موقف مسبق ضد الاحتلال الإسرائيلى، بل سلوك وإجراءات وسياسات الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني هي سبب التقرير ودوافعه. فما ورد في التقرير هو خلاصة أربعة أعوام من البحث والتمحيص بالغ الدقة للحقائق من قبل منظمة تجمع عدد ضخم للنشطاء في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان يصل عددهم إلى عشرة ملايين إنسان، وتحظى باعتراف عالمي، ما جعلها تحظى بمكانة ومصداقية عالمية، كما أن تلك المنظمة معروف عنها الحذر والتوازن في الحديث عن الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فحتى هذا اليوم ترفض منظمة العفو الدولية اتخاذ موقف من الاحتلال الأمر الذي تُنتقد عليه من الفلسطينيين، مما يجعل تقريرها أكثر مصداقية وينفى عنها شبهة الانحياز للجانب الفلسطينى[3]. كما يمتاز التقرير بأنه شامل وموسع ويتسم بشموليته وباعتماده على اثباتات مستندة إلى ‏دراسات وأبحاث علمية قامت بها جماعات متخصصة في مجالات حقوق الانسان، ومن أكثر من جنسية، ‏وبأنه يشير في، اغلب فقراته، إلى بينات وأدلة وإلى ممارسات متواصلة لسنوات عديدة وإلى مراجع متعددة، ‏جمعت خلال عمل دؤوب ومتواصل مستنداً إلى حقائق يصعب دحضها، خاصة وأن الكثير منها أوردته ‏كتابات صحفية اسرائيلية أو أبحاث ودراسات صدرت عن جهات اسرائيلية موثوقة[4].‏ وربما هذا ما يفسر ردة فعل الاحتلال الذى ذهب إلى التقييم المتطرف، واتهم التقرير والقائمين عليه أنهم «أعداء للسامية» لأنهم لم يتمكنوا من إيجاد ثغرات للتسلل من خلالها نحو المس بمصداقية التقرير. وتبرز قيمة التقرير أيضًا فى أنه يشمل لأول مرة في اهتماماته مكونات الشعب الفلسطيني الثلاثة: 1- أبناء مناطق 48، أبناء الجليل والكرمل والمثلث والنقب ومدن الساحل المختلطة، 2- أبناء مناطق 67، في الضفة والقدس والقطاع، 3- أبناء اللاجئين في مخيمات اللجوء والعودة، فهو يؤكد وفق نص التقرير[5]. علاوة على ذلك؛ ينص تقرير منظمة العفو أيضًا على أنه يجب على “إسرائيل” الاعتراف بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى أرضهم وتقديم “تعويضات كاملة” للضحايا الفلسطينيين، بما في ذلك “تعويض جميع الممتلكات المكتسبة على أساس عرقي”[6].

كذلك يشكل هذا التقرير تأكيدًا للتقارير الحقوقية التى تؤكد على أن إسرائيل تمارس سياسات فصل عنصرى ضد الفلسطينيين،  فقبل عام أصدرت بيتسيلم، أكبر منظمة حقوق إنسان فى إسرائيل، فى يناير 2021، تقريراً مشابهاً يندد بسياسات حكومات اسرائيل المناهضة للشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة ‏في الاراضي المحتلة عام 1967 وفي داخل الخط الأخضر معتبرة تلك السياسات بأنها تمييزية وعنصرية ‏واعتبرتها بأنها سياسات (فصل عنصري) (واضطهاد). تلتها بعد ذلك ببضعة شهور منظمة هيومان رايتس واتش، فى مايو 2021، وردت فيه نفس الانتقادات تقريباً حيث اعتبر بأن اسرائيل تمارس (الفصل العنصري) ‏واعمال اضطهاد للشعب الفلسطيني، ليس فقط في الاراضي المحتلة بل وفي الداخل الاسرائيلي أيضاً.‏ وكذلك فعلت يش دين، وهي منظمة حقوق إنسان إسرائيلية أخرى خلصت إلى أن “جريمة الفصل العنصري، وهي جريمة ضد الإنسانية، يجري ارتكابها داخل الضفة الغربية”. وما فتئت منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية، الحق والضمير والميزان، منذ عقود تصف إسرائيل بأنها دولة فصل عنصري[7]. ويؤكد تقرير “أمنستى” أيضًا على عدم تأثير القرار الإسرائيلي قبل عدة أشهر بإعلان ستّ منظمات حقوقية وتنموية فلسطينية بأنها “إرهابية”، فى محاولة منها لأن يشكل الإجراء ردعًا للتوجهات الفلسطينية إلى محكمة الجنايات الدولية، وردعًا لمجلس حقوق الإنسان ولجنة التحقيق المنبثقة عنه في جرائم دولة الاحتلال. كما رأت في تسويغاتها أنّها ستشكّل رادعا لحركات التضامن ومنظمات حقوق الإنسان الدولية، ليأتي تقرير منظمة العفو الدولية ضربة لكل ما سعت إليه هذه الدولة. كما يشكّل سندًا معنوّيًا للشعب الفلسطيني، وتأكيدًا على أن الجبهة الحقوقية لمواجهة إسرائيلية هي عالمية، وليست محصورة بشعب فلسطين فحسب[8].

وبالنظر إلى ما ورد فى نص التقرير، نجد أنه يعود بنا إلى المربع الأول للصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ويؤكد على صحة الرؤاية الفلسطينية التى تؤكد على أن إقامة نظام الأبارتهايد الذى أقامته إسرائيل ضد الشعب الفلسطينى كان يمثل الدافع الرئيسى منذ اللحظة الأولى للاحتلال الإسرائيلى فى فلسطين عام 1948. ويبين التقرير كيف أن “إسرائيل” التي تعتقد بالتفوق العرقي اليهودي ليست انحرافاً معاصراً ناجماً عن سياسات التيار اليميني أو ممارسات الاستيطان، بل إنها هي العاقبة المنطقية لكل ما تم وضعه على الأرض من قبل. حيث لم يكن ثمة وجود لانعطافة قدرية حادة نجم عنها تحول إسرائيل فجأة من “دولة لكل مواطنيها” إلى “دولة قومية للشعب اليهودي دون غيره” – كما ورد في كلمات دونها في مارس 2019 رئيس الوزراء الإسرائيلي حينذاك بنيامين نتنياهو[9]. ويعطى تقرير منظمة العفو الدولية دافعًا قويًا للفلسطينيين للاستمرار فى نضالهم ضد المحتل، فعلى الرغم من أن الفلسطينيين لا يملكون القدرة على توجيه الضربة القاضية لمشروع الاحتلال الإسرائيلي، ولكنهم يوجهون ضربات تدريجية تراكمية متتالية، ولعل ما كشفه هذا التقرير من حقيقة الاحتلال ودوافع وجوده غير الشرعي، غير القانوني، غير الإنساني، على أرض فلسطين وعلى حساب شعبها، يعتبر من أهم وأقوى الضربات الفلسطينية ضد الاحتلال فى الفترة الأخيرة[10]. أضف إلى ذلك، فإن هذا التقرير يعطى مكاسب قانونية هامة للجانب الفلسطينى يمكن توظيفها واستخدامها أمام الجنائية الدولية والعدل الدولية وأي قضاء عالمي آخر، ويمكن أن يوظف ويستخدَم كتقرير يقدم لهيئات اتفاقيات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وهي: لجنة القضاء على كافة أشكال التمييز العنصري، ولجنة حقوق الإنسان، ولجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ولجنة مناهضة التعذيب، وغيرها من ضروب المعاملة القاسية واللاإنسانية المهينة التي يتعرض لها الفلسطينيون.

ويمكن للتقرير، بناءً على ما ورد فيه، مطالبة هيئة الأمم المتحدة بإرسال لجنة تحقيق دولية للتحقيق في التمييز العنصري وتحديد جريمة الفصل العنصري كجريمة ضد الإنسانية، استنادًا على النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، بهدف ضمان محاسبة ومساءلة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة من قبل دولة الاحتلال، أو رفع شكاوى فردية ضد السياسات الإسرائيلية التي تقوم بها كدولة فصل عنصري والتمييز ضد المدنيين الفلسطينيين، كما يحدث في الشيخ جراح وسلوان، ورفع شكاوى أمام هيئات اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وتقديمه دليلًا على ذلك[11]. ونظرًا لأن المحكمة الجنائية الدولية ليس لها اختصاص إقليمي في إسرائيل؛ فتدعو منظمة العفو الدولية مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إما إلى إحالة “الوضع برمته إلى المحكمة الجنائية الدولية” أو إنشاء “محكمة دولية لمحاكمة الجناة المزعومين” في جريمة الفصل العنصري المرتكبة ضد الإنسانية؛ حيث تقول منظمة العفو أن مجلس الأمن “يجب أن يفرض أيضًا عقوبات مستهدفة، ضد المسؤولين الإسرائيليين الأكثر تورطًا، مثل تجميد الأصول، وفرض حظر شامل للأسلحة على إسرائيل، وتعليق جميع أنواع المساعدات العسكرية  لإسرائيل[12]. ومن المؤكد أن هناك فيتو أمريكي على هذه العقوبات، إلا أنه على الرغم من ذلك الفيتو فإن عرض الأمر على ‏مجلس الأمن من شأنه أن يزيد من نشر الموضوع وتحريك الرأي العام الدولي وزيادة وعيه بالأمر[13].‏ ولم يوجه تقرير آمنستي لطمة سياسية قانونية ضد دولة الاحتلال فقط، بل ضد من تورط، ولا زال عن غير حق في تطبيع العلاقات معها وإن لم يذكرهم – خاصة الدول العربية-، عبر دعمهم لبرنامجها التوسعي وتوجهاتها العنصرية، فالتقرير يدعو إلى التوقف عن مواصلة دعم الاحتلال ضد شعب يُفترض أنه يستحق التضامن والدعم والإنحياز، وليس تطبيع العلاقات مع من يمارس كافة الجرائم التي حددتها أمنستي وصنفتها باعتبارها جرائم ضد الإنسانية تستوجب العقوبة من قبل محكمة الجنايات الدولية[14].

كذلك يشير التقرير إلى أن الدول التي تدعم إسرائيل عسكرياً بالسلاح، والحماية من المحاسبة في الأمم المتحدة (المقصود أولاً الولايات المتحدة) تصبح شريكة في دعم الأبارتهايد، وتهدّد النظام القانوني العالمي، وتفاقم معاناة الشعب الفلسطيني. كما يضع هذا التقرير أرضية صلبة وغير مسبوقة في قوتها، لتوسيع حملة المقاطعة وفرض العقوبات وسحب الاستثمارات على نظام الأبارتهايد الإسرائيلي، بصورةٍ لا تقل زخماً عن حملة المقاطعة العالمية التي أسهمت في إسقاط نظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا. وهو بالتالي يساهم في تعزيز مكانة حركة المقاطعة عموداً أساسياً من أعمدة الاستراتيجية الوطنية الفلسطينية لتغير ميزان القوى وإلحاق الهزيمة بنظام الأبارتهايد والاستعمار الإسرائيلي[15].

ثانيًا: هل يشكل التقرير ورقة ضغط على إسرائيل؟:

فى البداية يجب الإشارة إلى أن تقريرًا سابقًا لـ “أمنستي” صدر قبل نحو عامين تضمن للمرة الأولى اتهامًا مباشرًا وصريحًا لإسرائيل باعتماد نظام فصل عنصري تجاه حتى مواطنيها من الفلسطينيين، لا فلسطينيي الأرض المحتلة عام 1967 فحسب[16]. ولذلك، فقد استبق رئيس الوزراء الإسرائيلي، نفتالي بينيت ووزير خارجيته يائير لابيد، صدور تقرير منظمة العفو الدولية الحالى بالطلب منها تأجيل إصداره كونه يصفها بـ”الفصل العنصري”، وهو ما يعبر عن حالة القلق المباشر من النتائج القانونية التي قد تنشأ عنه مستقبلًا[17]. وبالفعل، صدر التقرير وأكد على وصف إسرائيل بدولة “فصل عنصرى”، ما أحدث ضجة كبيرة في المحافل الإسرائيلية، وتبين من ردود الأفعال الرسمية والإعلامية أن الاحتلال يختبئ خلف الصيغة القديمة الجديدة القائلة بأن العالم يسعى لتشويه صورة “إسرائيل”، وتتمسك دولة الاحتلال بفرضية غالبًا ما تمسكت بها وهي “معاداة السامية”، واستعداء اليهود من قبل من يسمونهم “الأغيار”، رغم أن التقارير الحقوقية وصفت سلوك الاحتلال، دون الاقتراب من قومية أو ديانة. أكثر من ذلك، فقد صدرت في الأيام الأخيرة دعوات إسرائيلية متلاحقة لإغلاق فرع أمنستي في داخل فلسطين المحتلة، واعتبار أفرادها غير مرغوب بهم، وربما استصدار أوامر اعتقال أو طرد بحقهم[18]. وفى هذا السياق، فقد أصدرت خارجية دولة الاحتلال بيانا ردت فيه على اتهام أمنستي لإسرائيل قالت فيه إن تقريرها كاذب وتعتريه ازدواجية المعايير، ويعمل على نزع شرعية إسرائيل وشيطنتها، زاعمة أن كل ذلك هو تماما مركبات اللاسامية الحديثة. وزعمت خارجية الاحتلال أن إسرائيل دولة ديمقراطية قوية وتعج بالحياة وتمنح المساواة لكل مواطنيها دون تمييز، داعية “أمنستي” للتراجع عن تقريرها.

وزعمت خارجية الاحتلال أن التقرير جزء من حملة معادية لإسرائيل انطلقت بشكل منسق منذ عام 2020 بهدف استعادة مصطلح “آبرتهايد” في السياق الإسرائيلي، مدعية أن فرع أمنستي في البلاد معروف بكونه فرعا عنصريا وبكراهية الغير وسبق أن اتهم إسرائيل باغتيال ياسر عرفات، وهذه فرية استغرقت المنظمة ثماني سنوات حتى تراجعت عنها. وكال وزير خارجية الاحتلال يئير لابيد في كلمة أمام البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) اتهامات لـ “أمنستي” ونعتها بـ”المنظمة المتطرفة التي تنشر مضامين دعائية”[19]، و”الأكاذيب ذاتها التي تشاركها المنظمات الإرهابية”، في إشارة إلى الجماعات الفلسطينية البارزة التي أعلنت “إسرائيل” مؤخرًا أنها غير قانونية. وأضاف لابيد: “لو لم تكن “إسرائيل” دولة يهودية، لما تجرأ أي أحد في منظمة العفو الدولية على تقديم مثل هذا الادعاء ضدها”[20]. وقد صدّت “أمنستي” هذه المزاعم الإسرائيلية، مؤكدة أن استخدام تهمة اللاسامية هو محاولة لصرف الأنظار عن انتهاكات الاحتلال لحقوق الفلسطينيين. كما ردت “أمنستي” على الاتهامات الإسرائيلية بالقول: “إن التقرير يشمل أجوبة تفصيلية للسؤال كيف بنت إسرائيل منظومة قاسية للتمييز البنيوي ولقمع واضطهاد الشعب الفلسطيني”، مشددة على أن هذه انتهاكات خطيرة للقانون الدولي[21]. كما أن انتقاد لابيد لمنظمة العفو الدولية بالانتقائية وبأنها تتقصد إسرائيل دون غيرها، يمكن دحضها بسهولة، فالمنظمة تصدر تقارير عن انتهاكات حقوق الإنسان أياً كان مصدرها، ولا أدل على ذلك من أن العفو الدولية أصدرت تقريراً في شهر مايو من عام 2020 وصفت فيه حملة ماينمار ضد الروهينغيا بأنها ممارسة للأبارتهايد[22].

بالإضافة إلى إسرائيل، فقد أثار التقرير غضب كل من رابطة مناهضة التشهير (إيه دي إل) ولجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (إيباك) ومجلس المندوبين اليهود في بريطانيا. ووصفت إيباك التقرير بأنه “مضلل وجهد متخلف يقصد منه شيطنة إسرائيل”. وجاء في بيان صادر عن رئيسة مجلس المندوبين اليهود في بريطانيا ماري فان دير زايل “إن استخدام مصطلح أبارتهايد الانفعالي ضد إسرائيل قذف غير مقبول”. وأكدت على أنه “على الرغم من زعم فرع بريطانيا لمنظمة العفو الدولية بأنها تعترف بحق اليهود في تقرير المصير، إلا أن التقرير يبين بشكل لا لبس فيه، من خلال التعبير عن الحسرة إزاء خلق دولة إسرائيل في عام 1948 ومن خلال ما تقترح اتخاذه من إجراءات، فإنها لا تدعم ذلك الحق”[23]. فيما رفضت الخارجية الأمريكية التقرير، وقال المتحدث باسم الوزارة نيد برايس، في إجابات على الصحفيين؛ إن “الولايات المتحدة ترفض الرأي القائل بأن أفعال إسرائيل تجاه الفلسطينيين تشكل فصلا عنصريا”. وأضاف “نرفض الرأي القائل بأن أفعال إسرائيل تشكل فصلا عنصريا. ولم تستخدم تقارير الوزارة مثل هذه المصطلحات مطلقا”. وأضاف برايس: “نعتقد بأن من المهم ألا يُحرم الشعب اليهودي من حقه في تقرير المصير، خاصة أن إسرائيل الدولة اليهودية الوحيدة في العالم، ويجب علينا ضمان عدم تطبيق معايير مزدوجة”[24]. كما قدم فرع منظمة العفو الدولية في أمريكا أعذار عن عدم مسؤوليتهم عن حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات التي يقودها الفلسطينيون، كما أكد على أن المنظمة لا تتخذ موقفًا تجاه الاحتلال نفسه، وتركز بدلًا من ذلك على التزامات “إسرائيل” “بصفتها القوة المحتلة، بموجب القانون الدولي”. كما نأى الفرع الألماني بنفسه عن التقرير؛ حيث  ذكر أن “القسم الألماني من منظمة العفو الدولية لن يخطط أو ينفذ أي أنشطة تتعلق بهذا التقرير” بسبب تاريخ الهولوكوست ومعاداة السامية المستمرة في البلاد. أى أنهما يرفضان مطالب المنظمة بممارسة أنواع من الضغط على إسرائيل لوقف ممارسات الفصل العنصرى[25].

وتكشف ردود أفعال إسرائيل وحلفائها على تقرير “أمنستى” عن حالة قلق وخوف كبيرة، وهو القلق الذى يمكن إرجاعه إلى مجموعة من الأسباب تتمثل فى:

– بينما ترفض “إسرائيل” ووكلائها وأنصارها مصطلح “الفصل العنصري” وتهاجم منظمة العفو الدولية، فهم يراقبون تهديدًا أكبر قد يمنع إفلات “إسرائيل” من العقاب؛ فوفقًا لبرقية من وزارة الخارجية الإسرائيلية اطلعت عليها مجلة أكسيوس، خططت “إسرائيل” لحملة لتشويه سمعة لجنة دائمة تابعة للأمم المتحدة تحقق في انتهاكات “إسرائيل” لحقوق الفلسطينيين على جميع الأراضي الخاضعة لسيطرتها. فقد وافق مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بفارق ضئيل على إصدار قرار بتشكيل لجنة التحقيق في مايو 2021 في أعقاب الهجوم الإسرائيلي الذي استمر 11 يومًا على غزة والذي انتفض خلاله الفلسطينيون في جميع أنحاء وطنهم. ومن المتوقع أن تقدم لجنة التحقيق، المتكونة من ثلاثة خبراء حقوقيين مستقلين اختارهم مجلس حقوق الإنسان، نتائجها في يونيو 2022. وذكرت أكسيوس أن المسؤولين الإسرائيليين “قلقون للغاية من أن يصف تقرير اللجنة “إسرائيل” بأنها “دولة فصل عنصري””، مضيفة: “إدارة بايدن لا تدعم التحقيق ولعبت دورًا مركزيًّا في خفض تمويل لجنة التحقيق بنسبة 25 بالمئة في مفاوضات ميزانية الأمم المتحدة”. وفي غضون ذلك؛ دعا تجمع يضم 42 عضوًا من كلا الحزبين في الكونغرس وزير الخارجية الأمريكي إلى “قيادة محاولات لوقف نشاط لجنة التحقيق الدائمة المشينة والظالمة”. في المقابل؛ يبدو أن “إسرائيل” تخشى ألا يكون هذا التدخل كافيًا؛ فقد ذكرت صحيفة هآرتس أن “كبار المسؤولين الإسرائيليين” قلقون من أن تعترف الأمم المتحدة “قريبَا بأن “إسرائيل” هي “دولة فصل عنصري”، مما من شأنه أن يقوّض مكانة “إسرائيل” على المسرح الدولي”. وتضيف الصحيفة أن إجماع الأمم المتحدة حول الفصل العنصري الإسرائيلي “يمكن أن يؤدي إلى استبعاد “إسرائيل” من مختلف الأحداث الدولية، بما في ذلك المسابقات الرياضية أو المناسبات الثقافية”. بعبارة أخرى؛ يخشى المسؤولون الإسرائيليون أن تصبح الدولة منبوذة عالميَّا مثلما كانت جنوب إفريقيا منبوذة قبل سقوط نظام الفصل العنصري في ذلك البلد[26].

– الأمر الأكثر خطورة بالنسبة لإسرائيل، هو تخوفها من نجاح وصفها بدولة “فصل عنصرى” على المستوى الأممى وهو ما سيكون مقدمة لاسقاط دولة الاحتلال. حيث تظهر تجربة إسقاط نظام الأبارتايد العنصري في جنوب افريقيا أن هناك أربعة شروط لاسقاط هذا النظام، وأول هذه الشروط هو أن يكون النظام فعلاً نظام عنصري وفقاً للحقائق المادية وليس وفقاً لقناعات نظرية رغبوية، وثاني هذه الشروط يدور حول تطور حركة عالمية مناهضة للعنصرية نشطة ورصينة، ويتعلق ثالث هذه الشروط بالولايات المتحدة الأمريكية نفسها، وقدرة حركة الإحتجاج المناهضة للعنصرية سواء داخل الكونجرس، أم في أوساط الأمريكيين من مؤسسات وإعلاميين ومثقفين وسياسيين على أجبار الإدارة على تغيير مواقفها الداعمة للنظام العنصري المراد إسقاطه، وآخر هذه الشروط يدور حول منظمة الأمم المتحدة ودورها. وعن مدى توفر هذه الشروط في الحالة الإسرائيلية يبين الفحص أن هناك قرائن مادية لا تقبل الدحض تثبت أن إسرائيل هي دولة فصل عنصري، الأمر الذي يتجلى في جدار الفصل العنصري، وفي الإستيطان، وفي نظام تقييد حركة الفلسطينيين، وفي القوانين والتشريعات التي تشرعن الإستعلاء اليهودي على العربي الفلسطيني مثل قانون القومية الصادر فى عام 2018، وسياسة هدم المنازل ومصادرة الممتلكات في كل من القدس وضواحيها والنقب، كما يظهر الفحص أن هناك حركة عالمية مناهضة للعنصرية الإسرائيلية ممثلة بحركة (BDS) التي تنمو وتتسع بإضطراد حول العالم خاصة في الأوساط الأمريكية سواء داخل الكونجرس أم في أوساط الجاليات اليهودية الأمريكية. أما حول الشرط الثالث الخاص بأمريكا فلم يعد خافياً أن أمريكا تشهد تحولاً جوهرياً في رؤيتها لإسرائيل وذلك على صعيد الرأي العام والكونجرس، الأمر الذي تجلى في نتائج إستطلاعات الرأي التي نفذت تباعاً خلال العام المنصرم (2021)، وتجلى كذلك في النقاش الذي جرى في الكونجرس حول فرض قيود على تقديم المساعدات الأمريكية لإسرائيل لأول مرة. وحول الشرط الرابع والأخير الذي يدور حول دور الأمم المتحدة فيما يتعلق بعنصرية إسرائيل فقد كشفت تقارير المواقع الإخبارية في إسرائيل أن الخارجية الإسرائيلية قد وضعت عرقلة أو منع تضمن تقارير الأمم المتحدة كلمة أبارتهايد في ما يخص إسرائيل على رأس أولويات عملها للعام 2022[27].

– أن التقرير  يسلب من أنصار إسرائيل هويتهم كليبراليين في العالم الغربي، وتجبرهم على أن يختاروا بين صهيونيتهم وبين قيمهم الليبرالية، وهم لن يتوانوا في كل مرة عن اختيار الصهيونية. خاصة فى حالة وصف إسرائيل بدولة “فصل عنصرى” فمن المتوقع أن يكون لهذه الكلمة تأثير كبير على الرأي العام الأمريكى وأعضاء الكونجرس ورجالات الإدارة[28]. كذلك يمكن للتقرير أن يخفف من مغالاة العديد من الدول وخاصة الدول الأوروبية، في دعم وتأييد ‏اسرائيل، أو على الاقل، من شأنه أن يحيد بعض تلك الدول بحيث تمتنع عن تأييد أعمال واجراءات ‏الحكومة الاسرائيلية أو تخفف من ذلك التأييد[29].‏

ومع ذلك، يرى العديد من المراقبين أن تأثير هذا التقرير سيكون محدود؛ فقد سبق وأن تم وصف دولة إسرائيل بأنها دولة “فصل عنصرى” ومع ذلك لم يتم ممارسة أى ضغوط أو فرض عقوبات عليها. ففي مؤتمر ديربان لمناهضة العنصرية في جنوب أفريقيا عام 2001، الذى نظمته الأمم المتحدة، هوجمت فيه إسرائيل باعتبارها نظاماً عنصرياً. وجاء الوصف ذاته في الكتاب الذي أصدره الرئيس الأميركي الأسبق، جيمي كارتر، عام 2006، بعد سلسلة لقاءات معه، تحت عنوان “سلام وليس أبارتهايد”، ما عرضه لهجوم كاسح من اللوبي الإسرائيلي والمناصرين للحركة الصهيونية. ثم جاء التقرير الموثق بالحقائق الموضوعية لفريق لجنة الأمم المتحدة لغرب آسيا (إسكوا)، والذي كشف معالم نظام الأبارتهايد الإسرائيلي باعتباره يضطهد الفلسطينيين في الداخل والأراضي المحتلة والخارج. وعلى الرغم من الدقة العلمية للتقرير، إلا أن الأمين العام للأمم المتحدة رضخ للضغوط الإسرائيلية والأميركية ومنع نشر التقرير على موقع “إسكوا”[30]. والأهم من ذلك، أن تقرير “أمنستى” يأتي في وقت تنعم فيه إسرائيل بدعم غير مسبوق ليس فقط في أوروبا والولايات المتحدة بل وكذلك في روسيا والهند والصين، والآن من قبل أنظمة عربية خليجية مهمة. حيث تبدو إسرائيل بذلك كما لو أنها نجحت في فك العزلة عن نفسها وفي كسب القبول الدبلوماسي رغماً عن الفلسطينيين. حتى أنه فى العالم الغربى الأكثر تحررًا وتمسكًا بالقيم الليبرالية والديمقراطية، يتجنب السياسيون توجيه أى انتقادات لإسرائيل بسبب التهديد بإلصاق تهمة “معاداة السامية” بهم. وتؤكد التصريحات الصادرة عن كبار المسؤولين الإسرائيليين على الاستمرار فى سياساتهم ضد الفلسطينيين، وعدم اعترافهم بأى دولة لفلسطين ورفضهم استئناف المفاوضات حول تلك الدولة الفلسطينية. ففي حديثه عن اتفاق الائتلاف الذي أبرمه مع نفتالي بينيت، يقول يائير لابيد: “عندما أصبح رئيساً للوزراء… سوف نظل على موقفنا من عدم إجراء مفاوضات مع الفلسطينيين… فاتفاق الائتلاف يمنع المضي قدماً في هذه القناة.” وهو الأمر الذي أكد عليه بينيت أيضاً حين قال: “لن تكون هناك أوسلو طالما أنني رئيس للوزراء، ولو كانت هناك أوسلو، فلن تكون هناك حكومة. فأنا أعارض الدولة الفلسطينية، وسوف أبذل كل ما في وسعي للحيلولة دون إجراء مفاوضات دبلوماسية قد تفضي إلى إقامة دولة فلسطينية”[31]. كما تكشف الممارسات الإسرائيلية عن أن إسرائيل لا تلتفت لتقرير “أمنستى” ولا تلقى له بالًا، وهو ما ظهر فى استمرار السياسات الإسرائيلية العنصرية ضد الفلسطينين. حيث قامت قوات الاحتلال بإطلاق النار علي ثلاثة شبان داخل سيارتهم في نابلس[32].

ثالثًا: هل يستغل الفلسطينيون التقرير فى نضالهم ضد إسرائيل؟:

رحبت مختلف الأطراف الفلسطينية رسميًا وفصائليًا بتقرير منظمة العفو الدولية الذي اتهم دولة الاحتلال الإسرائيلي بممارسة الفصل العنصري ضد الفلسطينيين. وقالت وزارة الخارجية والمغتربين في بيان لها، إن “أمنستي” انضمت بذلك إلى قائمة طويلة من المنظمات والخبراء الفلسطينيين والإسرائيليين والدوليين البارزين في مجال حقوق الإنسان الذين عملوا على فضح وكشف الاحتلال الاستعماري الإسرائيلي، باعتباره نظاما مؤسسا ومبنيا على القمع والهيمنة الممنهجة على الشعب الفلسطيني. وأكدت أهمية التقرير في “فضح الممارسات العنصرية المتأصلة لترسيخ سياسة ممنهجة وواسعة النطاق من الإقصاء، والقمع، والاستعمار والفصل العنصري”، وقالت “هذا الواقع البغيض للإجرام والإفلات من العقاب لا يمكن أن يتم تجاهله أو نكرانه من المجتمع الدولي”. وطالبت دلال سلامة عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، المجتمع الدولي بالتعامل مع إسرائيل كدولة تقوم على أساس استخدام سياسيات “الفصل العنصري” في كل أراضي فلسطين من النهر إلى البحر. وقال هشام قاسم رئيس الدائرة الإعلامية لحماس في الخارج، في تصريح صحافي “إن تقرير أمنستي قد التزم مبادئ المهنية الموضوعية، وعرض الحقائق الميدانية كما هي، ويعبر عن بشاعة الممارسات الاحتلالية ضد الشعب الفلسطيني على الأصعدة كافة”. ورحبت حركة الجهاد الإسلامي بالتقرير، رغم الاختلاف مع المنظمة الدولية في العديد من المصطلحات، وما كان يجب أن يحمله أكثر التقرير الأممي[33].

ويشير العديد من مسؤولى السلطة الفلسطينية، ومنهم السفير أحمد الديك المستشار السياسي لوزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي، بأن السلطة الفلسطينية تعمل في أكثر من مسار من أجل الوصول إلى مساءلة ومحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين الذين تورطوا في جرائم بحق الشعب الفلسطيني ومن يقف خلفهم، وذلك من خلال ثلاثة مسارات: المسار الأول؛ مسار الجنائية الدولية؛ وهو مسار قائم، وتطالب السلطة من الجنائية الدولية أن تسارع في فتح تحقيقاتها في الملفات التي أحالتها دولة فلسطين لها. المسار الثانى؛ الذى أثاره تقرير “أمنستي”، وهو مطالبة السلطة من مجلس الأمن الدولي أن يتخذ عقوبات ضد دولة الاحتلال، من أجل الضغط عليها لتفكيك نظام الأبرتهايد ومنظومتها الاستعمارية الاستيطانية التوسعية في أرض فلسطين. وأما المسار الثالث؛ فهو يتعلق بالمحاكم الوطنية في الدول، حيث يستطيع أي مواطن فلسطيني أن يرفع قضية؛ سواء في محاكم تلك الدول أو على مستوى المحكمة الجنائية الدولية. وعن استثمار ما جاء في تقرير “أمنستي” بشكل رسمي، قال السفير: “نعم، هذا تقرير هام، ونحن رحبنا به، ونعتبر أن لدينا الآن إثباتا جديدا بالإضافة للإثباتات والأدلة التي لدينا؛ والتي تؤكد أن ما تقوم به إسرائيل في فلسطين المحتلة من البحر وحتى النهر، هو نظام أبرتهايد”. ونبّه إلى أن “ما يميز هذا التقرير، أنه تقرير أممي صادر عن منظمة دولية ذات مصداقية، تكتب تقاريرها بمهنية تعتمد على المعايير التي حددها القانون الدولي، وليست من قبيل التقارير المسيسة، كما هو حال في بعض الدول”. وأكد أن الخارجية الفلسطينية ومن خلفها السلطة “ستبني على هذا التقرير، سواء في الدورة القادمة لمجلس حقوق الإنسان أو في التوجه للجمعية العامة للأمم المتحدة، من أجل المطالبة بإعادة تشكيل لجنة مناهضة التمييز والفصل العنصري، على مستوى الجمعية العامة للأمم المتحدة، وصولا إلى مجلس الأمن الدولي”. وطالب الديك، “الدول بالتعامل مع تقرير “أمنستي” بجدية، والتعامل مع دولة الاحتلال بناء على النتائج التي خلص إليها هذا التقرير الهام”[34].

وعلى الرغم من الترحيب الرسمى من قبل السلطة الفلسطينية بهذا التقرير، يرى العديد من المراقبين أنها لن تسعى إلى استغلال هذا التقرير بالصورة المطلوبة لملاحقة قادة الاحتلال ومعاقبتهم. فعلى الرغم مما يوفره هذا التقرير من مكاسب قانونية كبيرة، إلا أن تحقيق تلك الاستفادة مرتبط بالتحرك الرسمي للسلطة الفلسطينية في المحافل الدولية؛ لتعزيز القضايا الفلسطينية ضد الاحتلال وقادته في دول العالم، وإحالة هذه التقارير إلى محكمة الجنايات الدولية والمتابعة مع المنظمات الدولية لضمان إدانة مرتكبي الجرائم الإسرائيليين وملاحقتهم قانونيًّا، تمامًا كما جرى في حالة جنوب أفريقيا. ولكن مع استمرار السلطة في سياستها الحالية، فإن فرضية الاستفادة الرسمية تبدو ضعيفة على غرار غيره من التقارير التي أجهضها رئيس السلطة محمود عباس، ضمن خطوات بناء الثقة مع الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة. ومع تتالي اللقاءات بين المسؤولين الإسرائيليين في الحكومة الحالية ورئيس السلطة وفريقه، فإن السلطة ستقوم بإبطاء تحركاتها في الملفات القانونية ضد الاحتلال في المحاكم الدولية، وعملية ربطها بالخطوات السياسية “عملية المفاوضات”[35]. وفى هذا السياق، ووفق برقية سرّية لوزارة الخارجية الإسرائيلية أورد مضمونها موقع «واللا» العبري، تستعدّ إسرائيل لقيادة حملة سياسية – إعلامية ضدّ مجلس حقوق الإنسان، في وقت تُواصل فيه مباحثاتها مع السلطة الفلسطينية، بهدف منْع توليد مزيد من الضغوط الأممية عليها. وبحسب ما علمته «الأخبار» من مصادر في السلطة، فقد ناقش وزير خارجية الاحتلال، يائير لابيد، مسألة التقرير المنتظر صدوره من قبل المجلس مع رئيس «هيئة الشؤون المدنية»، القيادي في حركة «فتح»، حسين الشيخ. ووفق المعلومات، فقد عرَض الشيخ على لابيد الامتناع عن دعم التحرّكات الجارية في الأمم المتحدة، مقابل تمهيد الأخير الطريق لعودة مسار المفاوضات السياسية مع السلطة، وعدم الاقتصار على دعمها اقتصادياً. لكنّ لابيد رفض التباحُث في هذا الشأن، متعذّراً بالوضع السياسي في إسرائيل وتعقيدات الائتلاف الحكومي التي قد تؤدّي إلى تَفكّكه، إلّا أنه وعد بزيادة التحسينات الاقتصادية لمصلحة رام الله، والعمل على تعزيز مكانتها في الضفة الغربية ومنْع انهيارها.

وبفعْل هذا الموقف، عاد الشيخ وطالب لابيد بعودة جزئية للعلاقات السياسية مع السلطة، وعقْد لقاء مع الرئيس محمود عباس خلال الأشهر الأربعة المقبلة على أبعد تقدير، حتى وإن كان شكلياً، بهدف إعطاء دفْعة لعباس، وإيقاف الانتقادات المُوجَّهة إلى رام الله بأن علاقاتها مع تل أبيب أمنية واقتصادية فقط من دون أن يكون لها بُعد سياسي، الأمر الذي يعطي مبرّراً للسلطة، داخلياً وخارجياً، للمطالبة بإيقاف التحقيق إلى حين إكمال المفاوضات. وردّاً على ذلك، أبلغ الوزير الإسرائيلي، المسؤول الفلسطيني، أنه يضغط بشكل فعلي لفتْح مسار المفاوضات مع الفلسطينيين تَجنُّباً للضغوط الدولية وإرضاءً للرئيس الأميركي، جو بايدن، إلّا أن العوائق الداخلية لا تزال تؤخّر هذه الانطلاقة، متوقّعاً في الوقت نفسه أن تكون مشكلة وصْم دولة الاحتلال بالفصْل العنصري دافعاً لتغيير آراء الأطراف المعارِضة لعودة «المسيرة السياسية»[36].

وفى المقابل، فإن هذا التقرير، الذي رحبت به كل فصائل المقاومة الفلسطينية، يدعم رواية هذه الفصائل بوجود نظام الأبارتهايد العنصري الإسرائيلي، وضرورة انتهاج وسائل المقاومة المسلحة لإزالة هذا النظام. حيث يثبت التقرير ضرورة التخلي عن النهج الفاشل بالمراهنة على حل وسط مع نظام الأبارتهايد العنصري، أو الاستمرار في الحديث عن المفاوضات، أو مواصلة التمسّك باتفاق أوسلو ومفرزاته التي رماها الإسرائيليون في سلة المهملات. وأن البديل عن ذلك تبنّي استراتيجية كفاحية مقاومة لنظام الاضطهاد والتمييز العنصري الإسرائيلي[37]. وكان من الملاحظ دعوة منظمة العفو الدولية  السلطات الفلسطينية إلى “ضمان عدم مساهمة أي نوع من التعاملات مع “إسرائيل”، خاصة من خلال التنسيق الأمني، في الحفاظ على نظام الفصل العنصري ضد الفلسطينيين” في الضفة الغربية وقطاع غزة”[38]. وهو المطلب الذى طالما دعت فصائل المقاومة إلى ضرورة تبنيه فعليًا من قبل السلطة. كما يؤكّد التقرير – بصورة غير مباشرة-، وكما تطالب فصائل المقاومة، على ضرورة إعادة صياغة الهدف الوطني الجامع للفلسطينيين كافة، كي لا يقتصر على إنهاء الاحتلال للأراضي المحتلة عام 1967، بل أن يشمل أيضاً إسقاط مجمل نظام الأبارتهايد العنصري في كلّ فلسطين التاريخية، والذي يعني كذلك تطبيق حق عودة اللاجئين الفلسطينيين وذرّيتهم إلى وطنهم فلسطين، إذ لا يمكن لحركة تحرر وطني أن تطالب برفع الظلم عن جزء من شعبها فقط، مع بقاء نظام الأبارتهايد العنصري ضد أجزاء أخرى، وتحديداً اللاجئين الفلسطينيين والفلسطينيين المقيمين في أراضي 1948[39].

كذلك توقن فصائل المقاومة أن مسؤولى السلطة الفلسطينية لن يسعوا إلى استغلال هذا التقرير فى ملاحقة إسرائيل كما هو موضح أعلاه، ولن يسعوا إلى استغلال حالة المعارضة الشعبية العالمية ضد نظام الأرباتهيد الإسرائيلى، وهى المعارضة التى كانت من أهم الأسباب التى اسقطت نظام الأرباتهيد فى جنوب إفريقيا، وذلك لسبب رئيسى وهو أن الرئيس الفلسطينى محمود عباس لا يشبه بأى شكل من الأشكال قائد حركة التحرر من نظام الارباتهيد فى جنوب أفريقيا نيلسون مانديلا. بل إن عباس أصبح عبء على حركة التحرر فى ظل ممارساته ضد قوى المقاومة الفلسطينية وفى ظل تحويله للمؤسسات الفلسطينية التى كان من المفترض أن تقود حركة التحرير مثل منظمة التحرير الفلسطينية والمجلس الوطني الفلسطيني إلى مؤسسات جوفاء لم يعد لها أي معنى[40]. ولعل أحدث مثال على ذلك، تمسكه بانعقاد المجلس المركزى الفلسطينى فى ظل مقاطعة كل الفصائل الفلسطينية حضور اجتماع المجلس.

 

[1] للإطلاع على النص الكامل للتقرير، انظر الرابط: https://bit.ly/3owI81O

[2] ” “أمنستي” تنشر تقريرها الكامل حول الفصل العنصري الإسرائيلي”، عربى21، 1/2/2022، الرابط: https://bit.ly/3HGSX93

[3] “وثيقة آمنستي الأكثر أهمية”، القدس، 5/2/2022، الرابط: https://bit.ly/3HG6uxN

[4] “قراءة قانونية في تقرير منظمة العفو الدولية: ثالثة الأثافي لإسرائيل”، القدس، 9/2/2022، الرابط: https://bit.ly/3JiEDDY

[5] “وثيقة آمنستي الأكثر أهمية”، مرجع سابق.

[6] “تقرير منظمة العفو عن الفصل العنصري الإسرائيلي.. ما الذي اختلف؟”، نون بوست، 7/2/2022، الرابط: https://bit.ly/3oAYzKA

[7] “هيرست: تقرير أمنستي يؤكد وجوب جعل إسرائيل دولة منبوذة”، عربى21، 3/2/2022، الرابط: https://bit.ly/3HGogku

[8] “تقرير “أمنستي”: على دالّة الزمن نرى الإنجازات”، القدس، 7/2/2022، الرابط: https://bit.ly/3uEDUcw

[9] “هيرست: تقرير أمنستي يؤكد وجوب جعل إسرائيل دولة منبوذة”، مرجع سابق.

[10] “وثيقة آمنستي الأكثر أهمية”، مرجع سابق.

[11] ” تقرير العفو الدولية.. استرداد معنوي لحقوق الفلسطينيين”، نون بوست، 2/2/2022، الرابط: https://bit.ly/3oxmHgX

[12] “وثيقة آمنستي الأكثر أهمية”، مرجع سابق.

[13] “قراءة قانونية في تقرير منظمة العفو الدولية: ثالثة الأثافي لإسرائيل”، مرجع سابق.

[14] “وثيقة آمنستي الأكثر أهمية”، مرجع سابق.

[15] مصطفى البرغوثى، ” بدأت معركة إسقاط الأبارتهايد الإسرائيلي”، العربى الجديد، 6/2/2022، الرابط: https://bit.ly/34NLuXn

[16] “حملة إسرائيلية عنيفة على «العفو الدولية»: منظمة متطرّفة وتقريرها «معاد للسامية»”، القدس العربى، 1/2/2022، الرابط: https://bit.ly/3GBCeTh

[17] ” تقرير العفو الدولية.. استرداد معنوي لحقوق الفلسطينيين”، مرجع سابق.

[18] “هروب إسرائيلي للأمام من تقرير أمنستي بدل الاعتراف به”، فلسطين أونلاين، 7/2/2022، الرابط: https://bit.ly/3gBhjoM

[19] “حملة إسرائيلية عنيفة على «العفو الدولية»: منظمة متطرّفة وتقريرها «معاد للسامية»”، مرجع سابق.

[20] “تقرير منظمة العفو عن الفصل العنصري الإسرائيلي.. ما الذي اختلف؟”، مرجع سابق.

[21] “حملة إسرائيلية عنيفة على «العفو الدولية»: منظمة متطرّفة وتقريرها «معاد للسامية»”، مرجع سابق.

[22] “هيرست: تقرير أمنستي يؤكد وجوب جعل إسرائيل دولة منبوذة”، مرجع سابق.

[23] المرجع السابق.

[24] “أمريكا ترفض تقرير “أمنستي” عن العنصرية الإسرائيلية”، عربى21، الرابط: https://bit.ly/3sscjbI

[25] “تقرير منظمة العفو عن الفصل العنصري الإسرائيلي.. ما الذي اختلف؟”، مرجع سابق.

[26] المرجع السابق.

[27] “ماذا تخشى إسرائيل إقتران إسمها بمصطلح الأبارتهايد في وثائق الأمم المتحدة؟”، القدس، 31/1/2022، الرابط: https://bit.ly/3uIYZm9

[28] “هيرست: تقرير أمنستي يؤكد وجوب جعل إسرائيل دولة منبوذة”، مرجع سابق.

[29] “قراءة قانونية في تقرير منظمة العفو الدولية: ثالثة الأثافي لإسرائيل”، مرجع سابق.

[30] مصطفى البرغوثى، ” بدأت معركة إسقاط الأبارتهايد الإسرائيلي”، مرجع سابق.

[31] “هيرست: تقرير أمنستي يؤكد وجوب جعل إسرائيل دولة منبوذة”، مرجع سابق.

[32] “إسرائيل تغتال 3 فلسطينيين باستهداف سيارة كانوا يستقلونها في مدينة نابلس بالضفة الغربية (فيديو)”، أر تى اسأل أكثر، 8/2/2022، الرابط: https://bit.ly/3oDEeUZ

[33] “حملة إسرائيلية عنيفة على «العفو الدولية»: منظمة متطرّفة وتقريرها «معاد للسامية»”، مرجع سابق.

[34] ” تقرير “أمنستي” يمهد لمحاكمة الاحتلال.. هل تتفاعل السلطة؟”، عربى21، 3/2/2022، الرابط: https://bit.ly/3GDhA5j

[35] ” تقرير العفو الدولية.. استرداد معنوي لحقوق الفلسطينيين”، مرجع سابق.

[36] “عباس يُغري تل أبيب بوقْف التحقيق الأممي: فاوِضونا ولو كَذِباً!”، الأخبار، 28/1/2022، الرابط: https://bit.ly/3LogBcy

[37] مصطفى البرغوثى، ” بدأت معركة إسقاط الأبارتهايد الإسرائيلي”، مرجع سابق.

[38] “تقرير منظمة العفو عن الفصل العنصري الإسرائيلي.. ما الذي اختلف؟”، مرجع سابق.

[39] مصطفى البرغوثى، ” بدأت معركة إسقاط الأبارتهايد الإسرائيلي”، مرجع سابق.

[40] “هيرست: تقرير أمنستي يؤكد وجوب جعل إسرائيل دولة منبوذة”، مرجع سابق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

‫شاهد أيضًا‬

معركة “وحدة الساحات”: بين دوافع الاحتلال الإسرائيلي ورد فعل المقاومة الفلسطينية

شنت إسرائيل عملية عسكرية علي قطاع غزة  (عملية الفجر الصادق)، 5-7/8/202، وقد تركزت تلك العم…