‫الرئيسية‬ إفريقيا حرب روسيا وأوكرانيا وانعكاساتها على إفريقيا
إفريقيا - مارس 10, 2022

حرب روسيا وأوكرانيا وانعكاساتها على إفريقيا

حرب روسيا وأوكرانيا وانعكاساتها على إفريقيا

 

تجتذب الأزمة في أوكرانيا أنظار العالم، وتثير مخاوفه وترقُّبه لما ستسفر عنه المواجهات الدولية الدبلوماسية على الأقل في الوقت الراهن وتوقعات اتساع رقعة الأزمة جغرافيًّا؛ ولم تكن القارة الإفريقية خارج دائرة تداعيات هذه الأزمة الدولية الخطيرة التي ستشهد دون شك تصعيدات عدة، وتؤدي إلى تضرُّر أو استفادة عدد كبير من الدول الإفريقية على المدى المتوسط والبعيد. وتتباين آثار الأزمة الأوكرانية في إفريقيا بين اقتصادية، وكذا تداعيات سياسية وأمنية في ملفَّات الإرهاب والأزمة الوطنية والنزعات الانفصالية في إفريقيا. فكيف يُمكن توقُّع التداعيات والمكاسب المُحتملة للأزمة على إفريقيا؟ وما هي مواقف الدول الإفريقية منها؟ وكيف يُمكن قراءة تلك المواقف؟ وهل من الممكن أن تُساهم هذه الأزمة في أن يحل النفوذ الشرقي في إفريقيا محل النفوذ الغربي؟ تلك هي التساؤلات التي سنحاول الإجابة عنها..

العلاقات الإفريقية مع كلٍّ من روسيا وأوكرانيا:

استوردت البلدان الإفريقية من روسيا منتجات زراعية بقيمة 4 مليارات دولار أمريكي في عام 2020، قرابة 90% منها قمح و6% زيت عباد الشمس. بالمثل صدَّرت أوكرانيا بقيمة 2.9 مليار دولار أمريكي من المنتجات الزراعية إلى القارة الإفريقية في عام 2020، 48% منها قمح و31% ذرة وشمل الباقي زيت عباد الشمس والشعير وفول الصويا. وتُعد روسيا وأوكرانيا المصدرين الأول والخامس على التوالي للقمح إلى إفريقيا، التي لديها بعض المستهلكين الكبار الذين يعتمدون في بعض الأحيان بشكلٍ كبير على القمح المستورد، كما هو الحال بالنسبة لمصر وتليها السودان ونيجيريا وتنزانيا والجزائر وكينيا وجنوب إفريقيا، والتي تستورد من موسكو وكييف بشكل أساسي. المغرب وتونس وإثيوبيا، أيضًا، من كبار المستوردين، لكن هذه الدول الثلاث قامت بتنويع مورديها.[1] وكما تعتبر روسيا أحد مُصدّري الأسلحة إلى القارة الإفريقية؛ فإنَّ أوكرانيا في المقابل طوَّرت علاقات تجارية قوية مع عدد من الدول الإفريقية منذ الحقبة السوفييتية، بالإضافة إلى ذلك يستفيد عشرات الآلاف من الطلاب من المنح الدراسية في أوكرانيا، والذين يمثلون حاليًا غالبية مواطني القارة الإفريقية في أوكرانيا. فمثلًا للمملكة المغربية قرابة 8000 طالب مقيم في أوكرانيا، وتمتلك غانا أكثر من 1000 طالب.[2] بالإضافة إلى أكثر من 8 آلاف مغربي و4 آلاف نيجيري يدرسون هناك. كل هذا مع تقوية النفوذ الروسي في بعض دول الساحل خلال الفترة الأخيرة مثل مالي وإفريقيا الوسطى، في مقابل تراجع النفوذ الفرنسي هناك.

التحديات المُحتملة للحرب الروسية- الأوكرانية على القارة الإفريقية:

الآن، وبعد أن أصبحت روسيا وأوكرانيا في حالة حرب، فإن ذلك يُشكِّل مجموعة من التحديات؛ من بينها تعطيل سوق القمح الذي يعتمد عليه غذاء ملايين الأفارقة، والذي قد يصبح أكثر تكلفة وربما أكثر ندرة في إفريقيا. ومنذ يناير الماضي، أخذت الأسعار بالفعل في الزيادة 15 دولارًا للطن، وحتى إذا تم تصدير ثلثي القمح الروسي المنتج في عام 2021 بالفعل، مازال من المُتوقع زيادة في الأسعار بحوالي 30% إذا لم يعد بإمكان روسيا الوصول إلى السوق. كما يُمكن أن يضاف إلى ذلك العزلة الاقتصادية لروسيا العائق أمام الصادرات عن طريق السفن، بسبب استحالة استخدام الموانئ أو الطرق البحرية، أو حتى صعوبة تأمين السفن في سياق الحرب.[3] علاوةً على ذلك، هناك مخاوف بشأن الجفاف في بعض مناطق القارة، كما وسيؤدي تعطيل شحنات السلع إلى زيادة المخاوف العامة من تضخم أسعار المواد الغذائية في القارة الإفريقية.

وبالنسبة لسوق الطاقة؛ فتؤكد الحرب في أوكرانيا على مخاطر اعتماد أوروبا على الغاز الروسي. وأثارت التوترات الحالية مخاوف من تعطُّل تدفق الغاز الروسي وارتفاع الأسعار حتى بالنسبة للمستهلكين الأوروبيين الذين يعانون من أزمة حادة في تكلفة المعيشة. وهنا تُمثِّل شمال إفريقيا حلًا محتملًا لمشاكل الطاقة في أوروبا، بالنظر إلى موقع الجزائر وليبيا كموردي غاز بديلين محتملين. لكن هذا سيأتي مع تعقيدات كبيرة؛ حيث أدت التوترات المتصاعدة بين الجزائر والمغرب بالفعل إلى توقُّف صادرات الطاقة عبر خط الأنابيب الذي يربط الجزائر وإسبانيا. ومع ذلك، لا يزال بإمكان الجزائر توفير إمدادات الغاز الطبيعي المُسال إلى أوروبا أو تصدير المزيد من الغاز شرقًا عبر خط أنابيب إلى إيطاليا. لكنه في المقابل سيُهدِّد خطط تعميق علاقاتها مع موسكو. وفى الوقت نفسه، فإن عدم الاستقرار السياسي في ليبيا والتهديد المستمر بالصراع يجعلانها شريكًا مزعجًا للطاقة، لاسيما بالنظر إلى قدرتها الإضافية المحدودة، يُمكن لروسيا أن تزيد من تعقيد هذه الديناميكيات من خلال الاستفادة من وجودها في شرق ليبيا وحقول النفط في البلاد لتعطيل تدفقات الطاقة لأوروبا.

وعلى مستوى الجغرافيا السياسية؛ يُمكن أن يوفر الصراع الروسي الأوكراني لدول شمال إفريقيا نفوذًا جديدًا هامًا على الولايات المتحدة وأوروبا. وستكون تركيا أيضًا جزءًا مهمًا من المعادلة، نظرًا لكونها عضوًا في الناتو ولها علاقات وثيقة مع كل من روسيا وأوكرانيا. وبالرغم من كون الرئيس التركي رجب طيب أردوغان منبوذ من قِبل أوروبا وإدارة بايدن؛ إلا أن الصراع في أوكرانيا سيُعزِّز ظهوره ويزيد من أهمية تركيا التي تتنافس روسيا والغرب الآن على جذبها وراء مواقفهما بشأن أوكرانيا. وهذه الديناميكيات ستؤدى بلا شك إلى سياسة خارجية تركية أكثر ثقة بالنفس-خاصةً في البحر الأبيض المتوسط وشمال إفريقيا- وتخفيف حدة النقد الغربي لسلوك أردوغان الداخلي.[4]

كما أن غزو روسيا لأوكرانيا يُمكن أن يُؤثِّر على السياسة والنزعات الانفصالية في الدول الإفريقية، حيث دائمًا ما تصبح إفريقيا ضحية للتنافس بين القوى العظمى. وأغلب الصراعات على القارة الإفريقية اليوم مرتبطة بالاعتبارات الاقتصادية والسياسية والجيواستراتيجية العالمية. ولسوء الحظ فإنه لا يمكن الفصل بين ما يحدث اليوم في جمهورية إفريقيا الوسطى أو مالي عما يحدث في أوكرانيا، حيث تنتهج روسيا استراتيجية إضعاف القوى التي سبق أن سعت لإضعاف موسكو في أوروبا. ومع اعتراف روسيا رسميًّا بالإقليمين الانفصاليين في شرقي أوكرانيا لصالح حرب بالوكالة، يُرجَّح أن تسترجع الحركات الانفصالية في إفريقيا مزيدًا من الثقة، وربما تستلهم الجماعات المسلحة مقاربة الكرملين في الأزمة الأوكرانية، في الوقت الذي تصاعد فيه النفوذ الروسي في الساحل خلال الفترة الأخيرة. وفرض مزيد من العقوبات الأوروبية على روسيا؛ قد يجعل موسكو من جهة تستخدم موقعها في ليبيا للرد من خلال استغلال الصراع المتجدد وزيادة تدفقات الهجرة واللاجئين للضغط على أوروبا، ومن جهة أخرى تستخدم تواجدها في الدول الساحل الإفريقي لزيادة العمليات الإرهابية في أوروبا أو بين القوات الأوروبية في دول الساحل.

الدول الأكثر تضرُّرًا من الحرب في إفريقيا:

من العرض السابق لتداعيات الحرب على إفريقيا؛ يتضح أن تأثير الحرب الروسية الأوكرانية سيظهر في بعض الدول الإفريقية قبل غيرها؛ فمثلًا: مصر تستورد قرابة 90٪ من قمحها من روسيا وأوكرانيا أيضًا، وتستورد ليبيا 43٪ من إجمالي استهلاكها من القمح من أوكرانيا، ومن المُحتمل أن تُعاني ليبيا خلال هذه الحرب من المزيد من التعقيدات الأمنية. وتستورد الجزائر كميات ضخمة من الحبوب من أوكرانيا وروسيا، غير أنها يُمكن أن تستفيد من ذلك الصراع؛ من حيث ارتفاع أسعار الطاقة؛ باعتبار أن ثلث الغاز الذي يستهلكه الأوروبيون من روسيا. واعتبارًا من 24 فبراير، أكدَّت الجزائر، التي تمثل المُورِّد الثالث للغاز في أوروبا، عن استعدادها للمساهمة في أمن الطاقة لشركائها من خلال تأمين الإمداد بالمواد الهيدروكربونية على وجه الخصوص الغاز الطبيعي. أما تونس فإنها تُصارع فعليًّا لدفع أثمان شحنات الحبوب حتى منذ اندلاع الأزمة؛ التي ستؤدي إلى تعقيد جهود الحكومة لتسديد المستحقات النقدية لتفادي حدوث انهيار اقتصادي وشيك. وفي المغرب التي تشهد أسوأ موجات جفاف منذ ثلاثة عقود قادت بدورها لارتفاعات في أسعار الغذاء؛ فإن الأزمة الأوكرانية يُمكن أن تفاقم من التضخم الذي أدى لانتشار احتجاجات في البلاد. أما كينيا فهي تستورد ما يعادل 75٪ من قمحها من أوكرانيا وروسيا، ولدى الكينيين سبب آخر يدعو للقلق بشأن الصراع الروسي الأوكراني؛ حيث كانت روسيا، في عام 2021، رابع أكبر مستورد للشاي الكيني بقيمة تقارب 50 مليون يورو، وتستورد كينيا معظم قمحها من روسيا وأوكرانيا. وفي الوقت نفسه، تستعد الأسواق المالية لهروب رأس المال المحتمل؛ حيث يفضِّل المستثمرون في أوقات الأزمات أمان الأسواق الغربية عن الأسواق الناشئة، بالإضافة إلى عواقب مباشرة على بورصة نيروبي للأوراق المالية، كما تخشى كينيا من ارتفاع أسعار النفط الذي سيؤثر بشدة على أسعار النقل؛ فضلًا عما قد يسبِّبه ارتفاع أسعار صرف الدولار مقابل العملات الأخرى من ضغوط إضافية على العملة الكينية. وفي جنوب إفريقيا ارتفع سعر النفط في أعقاب أنباء الهجوم العسكري الروسي على أوكرانيا؛ ليصل إلى قرابة 100 دولار للبرميل؛ حيث تعاني جنوب إفريقيا بالفعل من ارتفاع أسعار الوقود لمستويات قياسية وسط أزمة اقتصادية واجتماعية حادة. ورغم ذلك يمكن أن يؤدي هذا الوضع إلى زيادة صادرات جنوب إفريقيا إلى البلاد التي قد يتأثر إنتاجها مع منافسها الرئيسي في تصدير الكونفيت؛ باعتبارها ثاني أكبر منتج في العالم لهذا المعدن الذي يحظى بتقدير صناعة السيارات وفي قطاع التقنيات خلف روسيا مباشرة.[5] كما تستفيد جنوب إفريقيا من تصدير الفاكهة إلى روسيا. ففي عام 2020، اشترت روسيا 7% من صادرات جنوب إفريقيا من الحمضيات، وشكَّلت 12% من صادرات جنوب إفريقيا من التفاح والكمثرى في نفس العام – فجنوب إفريقيا ثاني أكبر سوق لروسيا. كما أن مالي الدولة التي تصاعد فيها النفوذ الروسي في الفترة الأخيرة على حساب الفرنسي؛ ستتحول إلى ساحة خلفية للصراع بين الجانبين الروسي والأوروبي.

المكاسب المُحتملة للدول الإفريقية جرَّاء الحرب الروسية الأوكرانية:

تستشعر بضع دول إفريقية فرص نُمو طويل الأجل جرَّاء الأزمة. وعلى وجه الخصوص؛ فإن الغاز الطبيعي في إفريقيا يمكن أن يُقلِّل اعتماد أوروبا على مصادر الطاقة الروسية. وعلى سبيل المثال؛ ففي تنزانيا؛ كانت الرئيسة التنزانية سامية حسن قد ذكرت في مقابلة على هامش أعمال القمة الأوروبية- الإفريقية منتصف فبراير 2022 أن التوتر في أوكرانيا يخلق اهتمامًا متصاعدًا في احتياطيات البلاد من الغاز الطبيعي التي تحل في المرتبة السادسة في قائمة الدول الإفريقية في احتياطات الغاز. وبينما كان سلفها الرئيس التنزاني السابق جون ماجوفولي قد علَّق المحادثات مع مستثمري الغاز الطبيعي في العام 2019 لمراجعة نظام اتفاقات مشاركة الإنتاج في البلاد؛ فإن سامية حسن تُفضِّل نهجًا أكثر تقربًا للشركات، وبدأت مفاوضات مع شركات الطاقة أملًا في جذب استثمارات بقيمة نحو 30 بليون دولار لإحياء تشييد مشاريع الغاز الطبيعي المسال في المياه الإقليمية لتنزانيا بحلول العام 2023. ويُمكن أن تستفيد العديد من الدول الإفريقية من خطط أوروبا لتنويع مصادر اعتمادها على الطاقة، مثل السنغال؛ حيث اكتُشف بها نحو 40 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي في الفترة 2014-2017، ويُتوقع بدء عمليات الإنتاج في وقتٍ لاحق من العام الجاري. كما تسعى نيجيريا؛ التي تُصدِّر بالفعل غازًا طبيعيًّا مسالًا لعددٍ من الدول الأوروبية، إلى تنشيط خط أنابيب الغاز عبر الصحراء بالاتفاق مع النيجر والجزائر لتصدير الغاز الطبيعي للأسواق الأوروبية. وقد وقَّعت الدول الثلاث في 16 فبراير الماضي اتفاقًا لتطوير خط الأنابيب بتكلفة تُقدَّر بنحو 13 بليون دولار، ويُرجَّح أن تكون أوروبا مُموِّلًا رئيسًا للمشروع في ضوء إقرار الاتحاد الأوروبي مطلع فبراير أن الاستثمارات في الغاز الطبيعي استثمارات في طاقة خضراء. وإلى جانب الغاز الطبيعي –على سبيل المثال- فإنَّ مزيدًا من العقوبات على روسيا سيؤدي لاستفادة مُصدِّرين آخرين للموارد الطبيعية في إفريقيا. وعلى سبيل المثال؛ فإن جنوب إفريقيا ثاني أكبر مُنتِج في العالم، بعد روسيا، للبالاديوم –وهو مادة مهمة في تصنيع السيارات والإلكترونيات-، ومن ثمَّ يُمكن أن تشهد جنوب إفريقيا طلبًا متزايدًا على هذه المادة جرَّاء العقوبات الدولية المفروضة على روسيا. وعلى نحوٍ مُشابه؛ فإن الراند الجنوب إفريقي شهد صعودًا ملموسًا نتيجة لارتفاع الأسعار العالمية على معدن الذهب.[6] وتُعد الجزائر ثالث أكبر مُصدِّر للغاز الطبيعي للاتحاد الأوروبي بعد روسيا والنرويج، ومورد غاز رئيسي لكل من إيطاليا وإسبانيا، ما سيوفر لخزينة الدولة مداخيل ضخمة، إلى جانب ارتفاع أسعار النفط التي تجاوزت الـ 100 دولار للبرميل. بالرغم من وجود علامات استفهام حول مدى قبول موسكو بأن تقوم الجزائر بهذا الدور، ما قد يؤثر في العلاقات الجزائرية الروسية، ولو أن ذلك يبقى مستبعدًا تحت أي ظرف في الأقل خلال هذه الفترة الزاهية بين البلدين.[7] والعداء الطويل الأمد بين المغرب والجزائر، ولأنه قد يؤثر على تأمين إمداد الغاز لأوروبا؛ فقد تدفع الأزمة الأوكرانية إلى بذل جهود أوروبية أقوى للتوسط في النزاع.

المواقف المُعلنة للدول الإفريقية:

ما إن اندلعت الحرب الروسية الأوكرانية حتى سارعت دول إفريقية بإعلان موقفها من الغزو الروسي لأوكرانيا فقد أعرب كل من الرئيس السنغالي – رئيس الاتحاد الإفريقي ماكي سال، ورئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي موسى فقي محمد، عن “قلقهما البالغ إزاء الوضع الخطير والخطير للغاية الذي اندلع في أوكرانيا” في بيان مشترك، مؤكدين أنه “على الاتحاد الروسي وأي جهة إقليمية أو دولية أخرى أن تحترم بشكل حتمي القانون الدولي وسلامة أراضي أوكرانيا وسيادتها الوطنية”. في حين ندَّد مارتن كيماني، سفير كينيا لدى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، بالغزو وقال “وحدة أراضي وسيادة أوكرانيا قد انتُهكت”، مضيفًا أن “الوضع الراهن يردّد صدى تاريخنا؛ حيث نشأت كينيا والعديد من الدول الإفريقية من رحم نهاية إمبراطوريات استعمارية، ولم نرسم حدودنا بأنفسنا، وإنما تم ذلك في العواصم الاستعمارية البعيدة في وقت الاستقلال، وإذا اخترنا متابعة الدول على أساس التجانس العرقي أو الديني؛ فسنظل نشن حروبًا دموية”؛ على حد تعبيره. والمُلفت للنظر الانتقادات التي تعرضت لها، ناليدي باندور، وزيرة العلاقات الدولية والتعاون في جنوب إفريقيا، حيث حثَّت قبل اندلاع الغزو جميع الأطراف على إيجاد طريقة دبلوماسية للخروج من الأزمة، وبعد ساعات قليلة، غزت روسيا أوكرانيا وجاءت ردة فعل مواطني جنوب إفريقيا ساخرة ومنتقدة لتصريحات باندور متسائلين “لماذا يجب أن تتدخل جنوب إفريقيا في أوكرانيا في حين تظل جنوب إفريقيا عاجزة عن مساعدة زيمبابوي أو موزمبيق ولماذا لا تلقون نظرة على قضايانا الداخلية” بحسب ما تداوله نشطاء جنوب إفريقيين على صفحات التواصل الاجتماعي. وفي هذا الإطار جاء الرد على المنتقدين بمقال أوردته إحدى الصحف الجنوب إفريقية قائلة “قد تبدو طبول الحرب التي تدق فوق أوكرانيا منفصلة عن قضايا العدالة الاجتماعية، وقد تبدو باهتة وبعيدة بحيث لا تستحق الكثير من الاهتمام، لكنها ليست كذلك؛ حيث ستطال تداعيات الحرب فور نشوبها كل قرية وبلدة في جنوب إفريقيا وحول العالم”؛ حسب ما ورد في المقال. وعلى الرغم من التأثيرات المتوقعة على القارة، خارج جنوب إفريقيا، أدانت أصوات إفريقية قليلة حتى الآن غزو الاتحاد الروسي لأوكرانيا.[8]

قراءة في مواقف الدول الإفريقية من إدانة روسيا في جلسة الأمم المتحدة:

بعد أسبوع من انطلاق العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة موقفًا رسميًا، أدانت فيه إعلان 24 فبراير 2022 الذي أعلن فيه الاتحاد الروسي عن بدء عملية عسكرية خاصة في أوكرانيا. القرار تم تبنِّيه بأغلبية 141 صوت -من أصل 193 دولة عضو-. وقد تباين الموقف الإفريقي ما بين الرفض والتأييد والامتناع عن التصويت. فامتنعت الجزائر الحليف الأول لروسيا في القارة عن التصويت، مما يدل على أنها لم تحسم بعد انحيازها لأي جانب. كما امتنعت جنوب إفريقيا أيضًا عن التصويت، حيث “إفريقية” دبلوماسيتها هي التي تسود قبل كل شيء، وهي لا تتدخل إلا دبلوماسيًا، بسبب تاريخها، عندما تكون القضايا الإفريقية مُهددة. كما امتنعت عن التصويت كلٌّ من بوروندي وأنغولا، اللذان يرتبط تاريخهما ارتباطًا وثيقًا بالماركسية. وكذلك امتنعت السنغال التي لطالما وُصفت في السنوات الأخيرة بـ “المعجزة الدبلوماسية” من حيث قدرتها على العمل مع كلٍّ من الصين والولايات المتحدة، وكذلك فرنسا وتركيا، حيث برفضه التصويت لصالح قرار الأمم المتحدة، يبتعد ماكي سال تدريجيًا عن نعته بـ “الرئيس الفرنسي الإفريقي”. وبالنسبة لأوغندا، التي اختارت أيضًا الامتناع عن التصويت، فإن الأمر يتعلق بالحفاظ على علاقاتها الدبلوماسية القوية مع موسكو، ولا سيما بفضل التبادلات التجارية العديدة بين البلدين، وما تملكانه من لجنة اقتصادية نشطة، تعمل بموجب اتفاقيتي تعاون يعود تاريخهما إلى عام 2008. كما يُسلِّط امتناع الكونغو برازافيل عن التصويت، الضوء على أهمية استثمارات الطاقة الروسية هناك، لكنه يظهر أيضًا حرص رئيسها على الحفاظ على صورته بصفته عميد دبلوماسية إفريقيا الوسطى. أما امتناع تنزانيا عن التصويت فكان مغايرًا لما كان يُمكن أن يُنتظر من الرئيس الراحل جون ماجوفولي، الذي كان صوَّت بلا شك ضد إدانة روسيا، لكن الرئيسة التنزانية الكاريزمية، تطمع أيضًا مثل رئيس الكونغو برازفيل في السوق الآسيوية والإفريقية لتصدير مواردها، وخاصةً الغاز. كما فضَّلت عدة دول الغياب عن التصويت. كما في حالة غينيا وغينيا بيساو والمغرب وبوركينا فاسو. بعد العديد من الهزائم الدبلوماسية، لا سيما في مالي وتشاد. وكان رئيس توغو قد صوَّت بالفعل لصالح الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني؛ إلا أنه هذه المرة فضَّل تجنُّب التصويت. أما بالنسبة للمغرب؛ فيُمكن اعتبار غياب المملكة على أنه عدم وضوح للاستراتيجية الدبلوماسية المغربية حتى الآن؛ حيث دفع استيراد الحبوب من المغرب من قبل الطرفين المتحاربين في أوروبا الشرقية وأزمة الغاز بعد انهيار العلاقات مع الجزائر، الرباط إلى التفكير قبل اتخاذ موقف. وهناك مجموعة من الدول الإفريقية صوَّتت لصالح إدانة روسيا. فنيجيريا التي تحاول دخول سوق الغاز بالقوة، حرصت على عدم إثارة غضب الغرب بالتصويت على القرار. أما زامبيا؛ فالرئيس الزامبي الجديد، هاكايندي هيشيليما، هو رأسمالي كان وعده الانتخابي الأول هو التوفيق بين البلاد وصندوق النقد الدولي. وبالنسبة لتونس، فهي تنأى بنفسها عن أي تقليد دبلوماسي للحياد كما في الماضي، فبعد الفشل في كسب ود المانحين الغربيين لإنقاذ مالية البلاد، تحاول تونس الوقوف إلى جانب الغرب. مثل مصر التي صوَّتت أيضًا لصالح قرار الأمم المتحدة. فبالرغم من كون القاهرة تتمتع بعلاقات قوية مع روسيا، لا سيما في قطاعي السياحة والطاقة. لكن يبدو أن السيسي اختار معسكره، في وقتٍ تتشكل فيه محاور جيوسياسية جديدة، وقد أنفقت القاهرة في الأشهر الأخيرة أموالًا طائلة في التسلح، بالاعتماد على صانعي الأسلحة الفرنسيين والألمان والبريطانيين. تشاد، التي تُعد أحد شركاء روسيا الرئيسيين من حيث التسلح والتدريب العسكري، اتَّبعت خُطى مصر، حيث كان تأثير باريس على الرئيس الانتقالي محمد ديبي فعَّالًا.[9]

التحالف الصيني الروسي؛ هل يحل محل النفوذ الأوروبي الأمريكي في إفريقيا؟

قبل اندلاع الحرب مرَّ حدث دولي بارز دون إثارة الكثير من الضجيج، هو إعلان الشراكة بلا حدود بين الصين وروسيا، أثناء زيارة بوتن لبكين مطلع شهر فبراير، أي ثلاثة أسابيع قبل بدء الاجتياح، وقد صرَّح الرئيس الصيني في ذلك اللقاء بأنه يدعم مطالب روسيا بعدم ضم أوكرانيا لحلف الناتو، وفي المقابل أعلن الرئيس بوتن اعترافه بسيادة الصين على دولة تايوان. وهذا الإعلان بين الصين وروسيا يوحي بأن تفاهمات استراتيجية قد تمَّت بين الصين التي تحاربها واشنطن في ميدان التكنولوجيا والاقتصاد، وبين روسيا التي تحاربها واشنطن في الساحة الطاقية والأمنية والاستراتيجية. ومن شأن ذلك أن يعيد ترتيب أوراق العالم ويؤذن بميلاد نظام دولي على أنقاض النظام الحالي أحادي القطبية. ولعل من أبرز ملامح هذا النظام الجديد تلك “الشراكة بلا حدود” التي تم الإعلان عنها في الخامس من فبراير بين التنين الصيني والدب الروسي، والتي تشمل عقودًا ضخمة لتوريد الغاز الروسي إلى الصين لضمان تدفق إمدادات الطاقة إلى الصين، وهي نقطة الضعف الكبيرة بالنسبة للقوة الصينية الصاعدة التي تعتمد على استيراد المحروقات بشكل شبه كلي من الخارج. كما أن هذا التحالف بلا حدود سيمتد إلى مجال الفضاء والمجال العسكري، وقد نظَّم البلدان أكبر مناورات عسكرية عرفها التاريخ سنة 2018، بمشاركة أكثر من 300 ألف جندي وآلاف الطائرات والدبابات. وفي الجانب الاقتصادي ربما سيُشكِّل التمدُّد الصيني في إفريقيا وأمريكا اللاتينية نهاية سيطرة الغرب على العالم، وإذا كانت الصين قد تكفَّلت بإنهاء تلك الهيمنة اقتصاديًا، فإن روسيا شرعت في الإجهاز على الإرث الاستعماري من خلال دخولها بقوة إلى دول الساحل وإفريقيا الوسطى، الأمر الذي بدا واضحًا في الطرد المهين للسفير الفرنسي من مالي، والدعوة إلى إنهاء عملية بارخان، وخروج القوات الفرنسية من هذا البلد، وتعويضها بقوات روسية.[10]

الخُلاصة؛ ألقى الغزو الروسي لأوكرانيا ظلالًا في إفريقيا كما في بقية أرجاء العالم. ورغم البعد الجغرافي هناك صلات مهمة بين أوكرانيا وإفريقيا. ورغم احتمال استفادة عدد من الدول الإفريقية من الغير في الأسواق العالمية بعيدًا عن روسيا بسبب الأزمة؛ فإن الآثار المحتملة قصيرة الأجل على الاقتصادات الإفريقية مقلقة. أزمة خبز، وأزمة طاقة، وأزمة ارتفاع الأسعار، كل تلك مخاوف تثير قلق الأفارقة من الأزمة الروسية الأوكرانية ويضاف إلى كل ما سبق أن روسيا تُعتبر أحد مُصدِّري الأسلحة إلى القارة الإفريقية؛ كما أن العلاقات التجارية القوية التي طورتها أوكرانيا مع عدد من الدول الإفريقية منذ الحقبة السوفييتية ستتأثر، بالإضافة إلى ذلك يستفيد عشرات الآلاف من الطلاب من المنح الدراسية في أوكرانيا، لتنضم إلى قائمة المخاوف الإفريقية من تداعيات هذه الأزمة والحرب. هذا بجانب احتمالات أن تُزكِّي الحرب الروسية الأوكرانية تصاعد النزعات الانفصالية في الدول الإفريقية ذات الصلات القوية مع روسيا من دول الساحل، وكذلك تصاعد احتمالية استغلال روسيا لتلك الدول للضغط على أوروبا. وفي ظل التقارب الروسي الصيني؛ فإن إفريقيا ستكون ساحة خلفية للصراع بين المحورين الشرقي والغربي؛ الأمر الذي سينعكس بالضرورة على استقرار وتنمية الدول الإفريقية.

 

 

[1] واندل سيلوبو، عمر جمال صدقي (مترجم)، “حرب أوكرانيا: كيف تؤثر على إمداد القمح لمصر وإفريقيا؟”، إضاءات، 27/2/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/47eFs

[2] ماري-فرنس ريفيلارد، سيدي. م. ويدراوغو(مترجم)، “ما هي تداعيات الحرب بين روسيا وأوكرانيا على إفريقيا؟”، قراءات إفريقية، 27/2/ 2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/EpgFh

[3] “مصر أول المتضررين.. هذه التداعيات المحتملة للحرب في أوكرانيا على إفريقيا”، القدس العربي، 27/2/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/0L1ms

[4] مروى حسن حسين، “هل تؤثر الأزمة الأوكرانية على الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؟”، أخبار اليوم، 20/2/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/ZP8Qh

[5][5][5] ماري-فرنس ريفيلارد، سيدي. م. ويدراوغو(مترجم)، “ما هي تداعيات الحرب بين روسيا وأوكرانيا على إفريقيا؟”، قراءات إفريقية، 27/2/ 2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/EpgFh

[6] د. محمد عبد الكريم أحمد، “عين على إفريقيا (25 فبراير 2022): آثار الأزمة الأوكرانية على إفريقيا”، قراءات إفريقية، 2/3/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/rOrPZ

[7] علي ياحي، “ما تأثير الغزو الروسي لأوكرانيا في الجزائر؟”، عربية Independent، 26/2/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/n8Ny9

[8] صفا عيد، ““الحرب الروسية الأوكرانية”… هل تخشى إفريقيا أثر الفراشة؟‌”، رفى داكار، 27/2/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/wZNr2

[9] أنور ديدين، “روسيا وأوكرانيا: أصوات الأفارقة في الخير والشر”، مجلة إفريقيا، 3/3/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/Q33Rr

[10] “خبير مغربي يربط بداية الحرب الروسية الأوكرانية بنهاية الهيمنة الغربية”، هسبريس، 26/2/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/4QbC6

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

‫شاهد أيضًا‬

احتجاجات تشاد والمأزق الفرنسي في إفريقيا

  شهدت العاصمة التشادية نجامينا وعدة مدن أخرى بالبلاد، في 14 مايو 2022، تظاهرات واسعة…