‫الرئيسية‬ الشرق الأوسط “دراسة” مواقف الفاعلين فى الشرق الأوسط من الأزمة الأوكرانية: التوجهات والمحددات “3”
الشرق الأوسط - عالمي - مارس 15, 2022

“دراسة” مواقف الفاعلين فى الشرق الأوسط من الأزمة الأوكرانية: التوجهات والمحددات “3”

"دراسة" مواقف الفاعلين فى الشرق الأوسط من الأزمة الأوكرانية: التوجهات والمحددات "3"

ثالثًا: تأثير الأزمة الأوكرانية على القضايا المثارة فى منطقة الشرق الأوسط (القضية الفلسطينية- القضية الليبية- القضية السورية- القضية اليمنية).

  • القضية الفلسطينية:

إذا نظرنا إلى المواقف الفلسطينية سنجد عدم اتخاذ موقف رسمي حتى الآن، وتوزعت المواقف الفلسطينية غير الرسمية بين آراء عدة: الأول، يرى أن عدو عدوي صديقي، لذا يجب أن تكون فلسطين مع روسيا ظالمة أو مظلومة، وتراهن على عالم جديد تعددي الأقطاب المتصور أنه آتي حتمًا وبسرعة، كما يرى هؤلاء إمكانية قيام روسيا بالوقوف ضد إسرائيل، خصوصًا منعها من قصف سوريا لدعمها المعسكر المعادي لها.

الرأى الثانى، يرى أصحابه أن مكان فلسطين إلى جانب أوكرانيا وأصدقائها، لأنهم المعسكر الأقوى الذي لن يغفر لمن لم يقف معه، ويتغطى أصحاب هذا الموقف بسيادة الدول واستقلالها، غاضين النظر عن كل الجرائم التي ترتكبها أميركا وربيبتها إسرائيل، متجاهلين أن أميركا خذلت وستخذل كل حلفائها، ولا يهمها سوى مصلحتها. وأخيرًا يتمثل الرأى الثالث، فى تبنى موقف الحياد، ويمكن أن يكون حيادًا كليًا أو حيادًا إيجابيًا يميل إلى جانب الأصدقاء، على أساس عدم صحة المساواة بين المعسكرين[1].

ويمكن الإشارة إلى مجموعة من المحددات التى يتوقف عليها الموقف الفلسطينى من الأزمة الأوكرانية الحالية تتمثل أبرزها فى:

– وفق التجارب التاريخية، فأن كل أزمات وحروب أوروبا، خاصة منذ نهاية القرن التاسع عشر، قد أثرت عميقا على فلسطين والشعب الفلسطيني، فالمهاجرون اليهود الأوائل جاءوا من روسيا نتيجة الاضطهاد والمذابح التي لحقت بهم هناك، ثم جاءت الحرب العالمية الأولى وما نجم عنها من اتفاقية سايكس – بيكو، وهي الاتفاقية التي تقاسمت خلالها كل من بريطانيا وفرنسا الوطن العربي، بالإضافة إلى تصريح بلفور، وهو التصريح الذي تعهدت من خلاله بريطانيا بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وأخيرًا هجرة مئات آلاف اليهود نتيجة الاضطهاد والمحرقة النازية “الهولوكوست” قبيل وخلال الحرب العالمية الثانية، ما أدى إلى إنشاء إسرائيل واختفاء فلسطين عن الخارطة وتشريد أهلها[2].

– أنه من غير المتوقع أن تسعى القوى الكبرى (الصين وروسيا) المنافسة للقوى الإستعمارية الغربية التقليدية (أمريكا وبريطانيا) والتي لن تعود بعد اليوم تتربع لوحدها على عرش قيادة النظام الدولي، مباشرة الى فرض الرؤية الدولية الخاصة بمعالجة الصراع على إسرائيل في المدى المنظور، خاصة وأن وحدة الفلسطينيين تغيب عنهم ويبدو أنها باتت بعيدة عن قدرة هذا الجيل على تحقيقها، علاوة على أن البعض من العرب الذين يعتبرون العمق الإستراتيجي للفلسطينيين، قد قطعوا شوطاً لا بأس به في الإنزياح لصالح الرواية الإستعمارية الصهيونية على حساب رواية الحق الفلسطينية، بمعنى أن قوى قيادة النظام العالمي الجديد لن تكون ملكية أكثر من الملك[3].

– أن روسيا صديقة لفلسطين، وكانت صديقة وحليفة لهم زمن الاتحاد السوفييتي والحرب الباردة (رغم الأخطاء التي ارتكبت في الماضي والحاضر، وأكبرها الاعتراف السوفييتي السريع بإسرائيل)، إلى حد يمكن الجزم بأنّ انهيار الاتحاد السوفييتي وحدوث السيطرة الانفرادية الأميركية على العالم، أحد أهم الأسباب التي تفسر التدهور الخطير في الوضع الفلسطيني منذ اتفاق أوسلو وحتى الآن. وهناك أمل إذا توفرت الشروط الذاتية الفلسطينية أن تنهض فلسطين وتأخذ مكانها في خارطة العالم الجديد، الذي ستأخذ الصين، وبدرجة أقل روسيا، مكانة متقدمة فيه. وبكل أسف لا يوجد ما يكفي من جهود لتحقيق هذه الشروط.

– أن رئيس أوكرانيا يهودي، ولا يوجد مشكلة في ذلك، وإنما هو صهيوني وحامل للجنسية الإسرائيلية، وكذلك رئيس وزرائه وعدد من وزراء حكومته صهاينة. وكان موقف زيلينسكي مؤيدًا القرار الأميركي بالاعتراف بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل، وأيّد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وكان موقفه معاديًا للفلسطينيين حتى فيما يتعلق بعمليات الاقتلاع والتطهير العرقي في الشيخ جراح[4].

– هناك مخاوف كبيرة من قيام دولة الاحتلال باستغلال انشغال العالم في الحرب الروسية – الاوكرانية لتمرير مخططاتها في الضم والتوسع والقيام بعملية تطهير عرقي بحق ابناء الشعب الفلسطينى خاصة في العديد من احياء القدس بما في ذلك احياء سلوان والشيخ جراح وداخل البلدة القديمة من القدس.

والخوف أيضًا من قيام دولة الاحتلال ضم منطقة «ج» اي منطقة الاغوار التي تشكل أكثر من 60٪ من الضفة الغربية وهو ما جرى تأجيله بعد الضجة الدولية التي اثيرت حول الموضوع والدعوات لدولة الاحتلال بعدم ضمها، وربما تجد دولة الاحتلال في انشغال العالم بالحرب الروسية – الاوكرانية للقيام بضم هذه المنطقة للحيلولة دون التفكير في اقامة دولة فلسطينية مستقلة على الاراضي المحتلة عام 1967، وهو ما أعلنه اكثر من مسؤول اسرائيلي، برفض دولة الاحتلال اقامة دولة فلسطينية واعتبار الضفة الغربية اراضي اسرائيلية حسب المزاعم الإسرائيلية[5].

– يدور حديث في إسرائيل عن تحضيرات لاستقبال عشرات آلاف اليهود من أوكرانيا في حال نشبت الحرب هناك. أما إذا توسعت الحرب أكثر لتشمل دولا أخرى فسيكون هناك المزيد من المهاحرين اليهود، وقد تلجأ إسرائيل إلى خطة جديدة للتطهير العرقي وتهجير جزء من الشعب الفلسطيني. وفي أوكرانيا ما يقارب من 200 ألف يهودي ولهم امتداد قوي في إسرائيل[6]. وتقاطع ذلك، مع ما أوردته صحيفة «يسرائيل هيوم»، حول أن مختلف الوزارات الحكومية والجيش الإسرائيلي والوكالة اليهودية والهيئات الحكومية الأخرى، تستعد لاستيعاب «موجة هجرة يهودية من أوكرانيا»، ووضعت «خطة طوارئ» مفصّلة بسبب نشوب الحرب هناك[7].

– الفلسطينيون من الناحية الأخلاقية، ومن حيث المبدأ، لا يمكن أن يدعموا أي احتلال وأي ظلم لأي شعب، لا سيما أنهم عانوا من التشريد والعدوان والحروب والمذابح والتهجير والتطهير العرقي والاحتلال، وممارسة كل أنواع الظلم من الحركة الصهيونية[8].

– بعد تخلى الدول الغربية بقيادة أمريكا عن دعم أوكرانيا فى مواجهة ومقاومة الاحتلال الروسى، رغم أن أوكرانيا دولة حليفة لواشنطن تواجه عدو استراتيجى لها، فإن ذلك يثبت للسلطة الفلسطينية الحالية أن الرهان على الولايات المتحدة لإجبار إسرائيل (حليفة واشنطن) على تقديم تنازلات فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية هى مجرد أوهام حقيقة. وأن الشعوب هى فقط من تدافع عن حقوقها، وبالتالى فإن وجهة نظر حركات المقاومة وفى مقدمتها حماس برفع شعار المقاومة ضد الاحتلال وعدم السير خلف سراب المفاوضات السياسية مع الاحتلال هى وجهة نظر صائبة وصحيحة.

– أعاد الاحتلال الروسى لأوكرانيا تسليط الضوء أكثر على الاحتلال الإسرائيلى لفلسطين. وفى هذا السياق، فقد شبهت النائبة البريطانية عن حزب العمال، جولي إليوت، ما يحدث في أوكرانيا من غزو روسي بما يحدث في الأراضي المحتلة بفلسطين. ودعت إليوت إلى “حظر كامل وشامل للمستوطنات الإسرائيلية غير القانونية” في الضفة الغربية، وقالت إن الاعتراف بفلسطين هو “الحد الأدنى” لما يجب أن تفعله المملكة المتحدة[9].

وفى سياق متصل، فقد دعا نجم كرة القدم المصري السابق ومحلل قنوات “بي إن” beIN، محمد أبو تريكة الاتحاد الدولي لكرة القدم FIFA لمنع الأندية والمنتخبات الإسرائيلية من المشاركة في البطولات الدولية، على غرار قرارها منع الأندية الروسية في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا. وتأتي تغريدة أبو تريكة، تزامناً مع البيان المشترك من قبل الاتحادين الدولي والأوروبي لكرة القدم، لإعلان أحدث العقوبات الرادعة المفروضة على الروس، وهي استبعاد روسيا من المسابقات التابعة لهما، سواء على مستوى المنتخبات والأندية حتى إشعار آخر[10].

ويمكن القول، أن تأثير الأزمة الأوكرانية على القضية الفلسطينية – وغيرها من القضايا – يتوقف على مدى تطور الأزمة، أى هل ستندلع حرب واسعة أم محدودة؟، وهل ستكون النتائج لصالح روسيا أم أمريكا؟، أم أنه سيتم التوصل  لتفاهمات واضحة ونهائية خلال فترة قصيرة نسبياً؟، أم سيكون تفاهم محدود يسمح بالبدء بعملية تفاوض على أساس خفض التصعيد والاستمرار نحو تفاهمات استراتيجية بين روسيا وأمريكا؟. وعليه توجد سيناريوهات للتصعيد والتهدئة يتم خلالها فحص إمكانيات التأثير علي القضية الفلسطينية، وذلك ضمن الأسئلة المطروحة سابقاً:

الحالة الأولى: وهي حالة اندلاع حرب واسعة هو احتمال محدود جداً أو حرب محدودة وهو احتمال أعلى من سابقه. قد يؤدي هذا السيناريو إلى تأثير غير مباشر على القضية الفلسطينية من خلال أنه سيُضعف الموقف الإسرائيلي على الأرجح وتحديداً في الساحة السورية وربما فى قطاع غزة؛ لأن علاقة روسيا مع “إسرائيل” ستتأثر سلباً؛ بسبب اضطرار “إسرائيل” للوقوف الى جانب حليفتها التقليدية أمريكا ضد الروس.

أما الحالة الثانية: وهي المرجحة وتحمل احتمالات أعلى بكثير من غيرها؛ هو احتمالية التوصل لتفاهم يسمح بخفض التصعيد، ويؤدي إلى بداية مفاوضات حوار استراتيجي بين الروس والأمريكان وأوروبا، حول قضايا الخلاف الرئيسية والتي تقف خلفها رغبة روسية بتغيير النظام العالمي؛ لصالح محور صيني روسي جديد بعدما لاحظ بوتين في ما يبدو ضعفاً أمريكياً في السياسة الخارجية، وفي هذه الحالة أيضاً قد تتأثر القضية الفلسطينية إيجاباً، طالما تعدد أقطاب النظام العالمي، وتراجع الدور الأمريكي والإسرائيلي في المنطقة، ولكنّ هذا يتطلب من القيادة الفلسطينية الرسمية إصلاح نفسها وتعزيز موقفها الداخلي وإعادة النظر في خياراتها الاستراتيجية واصطفافاتها في المنطقة[11].

  • القضية السورية:

أيدت الحكومة السورية اعتراف روسيا بدونيتسك ولوهانسك، وأعلن الرئيس بشار الأسد عن استعداد سوريا للبدء ببناء علاقاتٍ معهما في 21 ديسمبر على أقرب تقدير، وذلك خلال زيارة وفدٍ برلمانيٍ روسيٍ لدمشق. ويتوافق ذلك مع خطوات سوريا في مايو الماضي حين استضاف الأسد رئيس أبخازيا، وهي منطقة انفصالية في جورجيا؛ وأشار البيان الحكومي لتلك الزيارة إلى العلاقات الثنائية بين “البلدين”.

وفيما يتعلق بالغزو، أفادت وسائل الإعلام الحكومية في 25 فبراير أن الأسد اتصل بنظيره فلاديمير بوتين وأشاد بخطوات روسيا ووصفها بأنها “تصحيح للتاريخ وإعادة للتوازن إلى العالم… الذي فقده بعد تفكك الاتحاد السوفيتي”. كما شدد على أن “سوريا تقف مع روسيا الاتحادية انطلاقاً من قناعتها بصوابية موقفها بأن مواجهة توسع حلف “الناتو” هي حق لروسيا”. وثم ادعى أن “الدول الغربية تتحمل مسؤولية الفوضى وإراقة الدماء نتيجة سياساتها التي تهدف للسيطرة على الشعوب، حيث تستخدم هذه الدول أساليبها القذرة لدعم الإرهابيين في سوريا والنازيين في أوكرانيا وفي أماكن مختلفة من العالم”[12].

ويبدو من الموقف الرسمى السورى أن دمشق هي الأكثر وضوحاً في تبني الموقف الروسي بشكل كامل، فهي تعتبر الحرب فرصة كبيرة لها لاستعادة زخم السيطرة العسكرية على كل المناطق التي ما زالت خارج سيطرتها، وخصوصاً بعد الاتفاق الروسي الأميركي السابق الذي أعلن انتهاء العمليات العسكرية والذهاب نحو إيجاد حل سياسي وفق أستانة والقرار 2254، ما منعها من متابعة معارك إدلب بشكل أساسي للسيطرة على شمال غرب البلاد، ثم التمدد نحو المناطق الأُخرى.

وعلى الرغم من عدم صدور أيّ تصريح عن القيادة الكردية حول الحرب، فإنَّ التردد والقلق من نتائج الحرب هما المسيطران على رؤيتها وموقفها، فنتائج الحرب ستترك آثارها في مشروع الإدارة الذاتية واستمرار السيطرة على ثلث المناطق الغنية بالنفط والغاز والإمكانيات الزراعية الهائلة. وعلى الرغم من عدم ثقة الكرد بالأميركيين بعد سماحها لتركيا بالقيام بعمليات عسكرية ضدهم في عفرين في العام 2018، وفي المنطقة الممتدة بين تل أبيض ورأس العين في العام 2019، فإنّ قسماً منهم ما زال يراهن على التطمينات الأميركية في تحصيل حقوقهم القومية.

وعلى العكس، فإن المعارضة السورية المدعومة من قبل تركيا يتابعون بقلق كبير مجريات الحرب، ويخشون نتائجها، وخصوصاً أن الراعي الأول لهم، الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، متورط فيها، فهو الذي أمدّ أوكرانيا بطائرات بيرقدار، وأصر على وحدة أراضيها علانية وعدم الاعتراف بجزيرة القرم، ولوّح بتطبيق معاهدة مونترو، ما يمنع مرور السفن الحربية الروسية من الدخول إلى البحر الأسود. وتدرك المعارضة أنَّ انتصار روسيا في هذه الحرب سيقلص هامش مناورة الرئيس التركي بشكل كبير[13]. ومن المتوقع أن يكون الموقف الروسي حيال ما يجري في سورية متأثرًا بالموقف التركي (من أوكرانيا) كون المعارضة السورية محسوبة على أنقرة. وفى ظل عدم وجود عملية سياسية في سورية، ومن ثم التشدد الروسي سيكون في الميدان أكثر، إذا كان هناك تدخل تركي مؤيد لأوكرانيا، وعليه فمن الممكن أن تشهد سورية تصعيداً عسكرياً روسياً ضد مناطق المعارضة السورية في الشمال[14].

ويمكن تفسير هذا الموقف السورى – سواء النظام أو المعارضة- من الأزمة الأوكرانية فى ضوء محددين رئيسيين هما:

المحدد الأول؛ ارتباط مصير سوريا وأوكرانيا بطريقةٍ غير مسبوقة، فعندما سارت الأزمة الأوكرانية فى عام 2014 على خلفية سقوط نظام فيكتور يانكوفيتش، في فبراير 2014، وانتقال أوكرانيا إلى المعسكر الغربي، وهو ما استدعى بوتين للقيام بضم شبة جزيرة القرم إلى روسيا، انعكس الأزمة الأوكرانية وقتئذ بصورة مباشرة على سوريا.

وتمثلت أولى انعكاسات الصراع الروسي – الغربي بشأن أوكرانيا على سورية في فشل مفاوضات جنيف2، إذ طلبت روسيا من النظام التشدد في مواقفه، ثم ذهبت باتجاه إخراج مسار جنيف كلياً عن مساره. استمر التشدد الروسي في المسألة السورية بالتوازي مع تصاعد التوتر في العلاقة مع الغرب خلال الحرب التي اشتعلت في إقليم دونباس، ودعمت روسيا فيها استقلال إقليمي لوغانتسك ودونيتسك اللذين تقطنهما أقلية روسية كبيرة، وأمدّتهما بالمرتزقة والسلاح، وفي عام 2015، استغلت موسكو استفحال مظاهر فشل السياسة الأميركية في العراق وسورية، للتدخل عسكرياً في الأخيرة. أراد بوتين استخدام نتائج حربه في سورية في إطار مقايضةٍ مع الغرب لاستعادة أوكرانيا، لكن إدارة أوباما رفضت قطعاً المقاربة الروسية.

لكن بوتين لم يصبر على تجاهل الغرب تدخله في سورية، فعمد إلى إغراقه بموجات من اللاجئين السوريين الهاربين من جحيم القصف الروسي. واعتباراً من عام 2018، أخذ يستخدم مناطق المعارضة في شمال غرب سورية أداة للضغط على تركيا في ملفات عديدة متشابكة بينهما، ومنها أوكرانيا التي زودتها تركيا، أخيراً، بطائرات مسيّرة استدعت احتجاجاً روسياً، وهو نمط من السلوك الروسي يتوقع أن يستمر إذا اتخذت تركيا إجراءات أقوى بخصوص الحرب في أوكرانيا، مثل تفعيل معاهدة مونترو لعام 1936، والتي تنصّ على تقييد حركة السفن الحربية في البحر الأسود في حال اندلاع حرب.

خلاف ذلك، سوف يتضرّر السوريون، سواء في مناطق النظام أو المعارضة، من ارتفاع أسعار الطاقة والقمح بفعل الأزمة الأوكرانية، وسوف يرتب ذلك أعباء إضافية عليهم فوق التي يعانون منها أصلاً[15].

المحدد الثانى؛ تبرز الحالة السورية كإحدى الساحات المرشحة بشدة لتجليات الارتدادات الإقليمية للأزمة الأوكرانية التى تنخرط فيها كلًا من روسيا وأمريكا. فقاعدتا حميميم وطرطوس فى سوريا التى أنشئتهما روسيا على البحر المتوسط أُنشئتا بالأساس لتطويق الخاصرة الجنوبية لقوات الناتو الرابضة في قاعدة إنجرليك التركية، والعمل كقاعدة متقدمة للدفاع عن شبه جزيرة القرم.

وفي الصراع الأخير لجأت روسيا إلى سوريا وقاعدتيها هناك (حميميم، وطرطوس) لإرسال رسائل تحذيرية مضادة إلى الولايات المتحدة والناتو وتأكيد وجودها العسكري في الشرق الأوسط، حيث نفذت البحرية الروسية مناورة شرق المتوسط بمشاركة 15 سفينة حربية و6 سفن إنزال من أساطيل الشمال وبحر البلطيق والبحر الأسود والمحيط الهادي كانت قد وصلت إلى المركز اللوجيستي للبحرية الروسية في طرطوس بالتزامن مع تفقد وزير الدفاع الروسي سيرجي لافروف للقاعدة ذاتها.

وفى المقابل، ترى واشنطن أن تنامي الحضور العسكري الروسي فى سوريا تهديدًا لمصالحها الاستراتيجية في العراق وسوريا والبحر المتوسط، وهو ما سيجعلها دائمًا خاضعة للتفاهمات والتجاذبات مع روسيا، وربما يعوق الخطوات المتقدمة التي قطعها الجانبان في اتجاه تسوية الأزمة بموجب سياسة “خطوة مقابل خطوة”، ولا سيمَّا إذا أجازت روسيا لإيران تحريك مليشياتها لتصعيد الضربات ضد المصالح والقوات الأمريكية بالبلاد، بما يدفع الأخيرة لمحاولة قلب الأوراق لتكبيد نظيرتها الروسية خسائر فادحة، وهو ما من شأنه عرقلة التسوية السياسية للأزمة وإطالة أمدها[16].

يمكن القول أن نتيجة الحرب الروسية على أوكرانيا سواء كانت لصالح روسيا أو ضدها لن تؤثر على النفوذ الروسى فى سوريا، ففى حالة خروج روسيا منتصرة من هذه الحرب، فإنها ستحظى بالثقة والرغبة لتعزيز مكاسبها واستثمارها في ملفات دولية مختلفة، ومنها وجودها في سورية. ومع احتمالات قوية باستمرار العقوبات الغربية المشدّدة وحملات عزل روسيا على المدى القريب، وحتى المتوسط، مهما كانت نتيجة المعارك، ربما ستصبح موسكو أكثر شراسة في استثمار وجودها في سورية، لمشاكسة المصالح الغربية في المنطقة، وربما حتى في شرق المتوسط، واستخدام ذلك ورقة ضغط، من بين أوراق متعدّدة لفك العزلة وإجبار أوروبا على إنهاء العقوبات.

بينما فى حالة فشل روسيا فى أوكرانيا فإن ذلك سيفرض ضغوطاً شديدة على موسكو لإيجاد منافذ يمكن أن تعيد بناء صورتها في العالم. وهنا أيضاً لن تتغير المقاربة الروسية مع الملف السوري، لأنّه من الملفات الأساسية والنادرة التي تسيطر عليها روسيا بقوة، ويمكن أن تنظر إليه فرصة متبقيةً، تقدم لها أملاً في البقاء ضمن دائرة النفوذ وترميم ما تحطم من قدراتها الدولية.

وعليه فإن كل احتمالات الحرب في أوكرانيا ستقود إلى تشدد روسيا في الاحتفاظ بالملف السوري، لكن ذلك ليس هو المتغير الوحيد في العلاقة بين القضيتين، إذ يبرز التشدّد الغربي غير المسبوق بمواجهة روسيا ليمثل فرصة سانحة بقوة، لإعادة تشكيل القضية السورية دوليًا، وتحويل الوجود الروسي من مصدر قوة للنظام إلى أبرز أسباب استهدافه غربيًا بوصفه سببًا لشرعنة وجود روسي مضرّ بالمصالح الغربية. وسيكون نجاح الحملة الروسية في أوكرانيا سببا مباشرا لمخاوف غربية جدّية، من أن تكون سورية قاعدة متقدّمة لإجراءات روسية عدائية، أمنية وعسكرية واقتصادية، مدفوعة بزخم تفوقها الأوكراني لتحقيق مكاسب استراتيجية أكبر، تجبر الغرب على رفع العقوبات والإقرار بالنفوذ الدولي لروسيا قوة عظمى. وفي حال الفشل، سيكون الغرب أكثر حماسة للتضيق على روسيا في الشرق الأوسط، منطلقا من مستقرّها السوري، بوصفه عنصر الجذب الأساس الذي وفر لها فرصة النفاذ لملفات المنطقة.

ومن المهم الإشارة هنا إلى أنّ إدراك الغرب أهمية تجريد روسيا من الورقة السورية كان مطروحاً من مدة، بمعزل عن الأزمة الأوكرانية. لكن، من خلال مقاربة التطبيع مع النظام السوري لتشجيعه على الابتعاد عن روسيا، غير أن مجريات الحرب ربما أقنعت الأوساط الغربية بأن النظام بات حالة ميؤوساً منها، وأنّه صار خاضعاً بالكامل للإرادة الروسية، ولا يمكن التعويل عليه مستقبلاً، وهو ما يجعل من إعادة تنظيم الجهد الغربي لدعم المعارضة السورية سياسياً احتمالاً ممكناً وواقعياً.

كذلك فإن إقامة سلطة شرعية بديلة عن نظام بشار الأسد، ولو في المنفى، تمثل قوى المعارضة وتحصل على اعتراف غربي، سيمثل قوة دافعة كبيرة تحول الوجود الروسي إلى قوة احتلال، وتضعف النظام بشكل كبير. أما إذا أضيف إلى ذلك دعم فصائل سورية معينة بأسلحة نوعية، فإنّ روسيا ستواجه مأزقاً أكبر لها وللنظام. لكنّ مثل هذا السيناريو سيكون بحاجة الى جهد سوري حقيقي، لتسويق الفكرة غربياً، واستثمار الحشد الغربي الضخم ضد روسيا والحالة النفسية للرأي العام الدولي المعادي لغزو أوكرانيا[17].

  • القضية الليبية:

أصدرت وزارة الخارجية في حكومة الوحدة الوطنية الليبية، في 22 فبراير، بياناً أوضحت فيه رفضها الاعتراف بالمنطقتين الانفصاليتين. كما أكدت الوزارة رفضها للأنشطة التي تمارسها “مجموعة فاغنر”، الشركة العسكرية الروسية الخاصة التي تمّ الاستعانة بخدماتها في كل من أوكرانيا وليبيا. بالإضافة إلى ذلك، دعت الحكومة روسيا إلى إيجاد حل دبلوماسي وحثت المجتمع الدولي على الاعتراف بسيادة أوكرانيا[18].

وتُعَدُّ ليبيا من الدول التي ستشعر على الأرجح بتداعيات الحرب المندلعة بين روسيا وأوكرانيا. وذلك فى ضوء مجموعة من المحددات تتمثل فى:

– تدعم غالبية دول الغرب حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها من الأمم المتحدة، في حين تدعم روسيا الجيش الوطني الليبي بقيادة الجنرال خليفة حفتر في شرق البلاد. وقد أُلغِيَت الانتخابات التي كان من المقرر انعقادها في ليبيا، خلال شهر ديسمبر 2021، على خلفية عدة نزاعات، ما ترك عملية صنع السلام الدولية في حالةٍ من الفوضى، وألقى بظلال الشك على مصير الحكومة المؤقتة في البلاد. وبالتالي لن يكون التعاون من أجل فرض الاستقرار داخل ليبيا أولوية بالقدر نفسه، في ظل خلاف روسيا مع الغرب حول أوكرانيا حالياً[19].

كما أنه من المتوقع أن يشجع انتصار روسيا في الحرب على أوكرانيا على مزيد من التمدد الروسى في شرق ليبيا وجنوبها، عن طريق عناصر مجموعة «فاغنر». كما تبرز ليبيا كورقة ضغط على الأوروبيين يمكن لموسكو توظيفها من خلال التهديد بإثارة موجة لاجئين جديدة عبر المتوسط.

– ربما تتخوف ليبيا فى حالة خروج روسيا منتصرة من الحرب وعدم نجاح العقوبات الغربية فى إضعاف موقفها إلى قيام دول أخرى فى اتباع روسيا بالتدخل العسكرى فى دول جوارها فى حالة ما إذا رأت تلك الدول أن هناك تهديد لأمنها القومى قادم من دول الجوار. وهنا، تخشى ليبيا بصورة رئيسية من إمكانية أن تقوم مصر بالتدخل العسكرى سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة فى ليبيا، وهو التخوف الذى زاد بعد تصريحات عمرو أديب وتشبيه بالوضع فى أوكرانيا بالنسبة لروسيا بوضع ليبيا بالنسبة لمصر، وهو ما أثار استنكار رسمى من قبل الخارجية الليبية لهذه التصريحات.

– إن الحرب المستجدة بين روسيا وأوكرانيا قد تتسبب فى تعطُل تزويد أوروبا بالغاز الروسي، الذي يؤمن نسبة تفوق 50 في المئة من حاجاتها، ما يمنح ليبيا والعديد من منتجي الغاز، فرصة استثنائية لتسويق غازهم. وتُعتبر ليبيا من البلدان الواقعة في محيط القارة الأوروبية، والقادرة على تصدير الغاز بكميات تجارية، ما يساهم في تأمين جزء من حاجات أوروبا إلى الغاز الطبيعي.

فليبيا مُصدر كبير للغاز إلى إيطاليا عبر البحر المتوسط. كما أنها باشرت أخيرا تنفيذ مشروع طاقي جديد يتمثل بتركيب منصتين بحريتين ثابتتين، مقابل مُجمع مليته (غرب). ومن المقرر أن يبدأ العمل في المشروع في الربع الأول من العام المقبل (2023)، على أن يدخل مرحلة الإنتاج في العام 2026. ويهدف المشروع إلى تحويل موارد الغاز والمكثفات للاستخدام المحلي والتصدير الإقليمي (إيطاليا) بطاقة إنتاجية مشتركة للغاز تبلغ 760 مليون قدم مكعب يوميًا عند اكتماله. ويُفيد خبراء أن المشروع يتطلب تأهيل منصة أخرى وإنشاء شبكة من خطوط الأنابيب، تحت سطح البحر، لتوصيل الغاز إلى منشأة معالجة على الساحل البحري. وبهذا الانجاز الجديد يمكن أن تزيد ليبيا من إنتاجها وتُحسن موقعها بين الدول المصدرة للغاز[20].

ومع ذلك، فعلى الرغم من أن ليبيا تمتلك احتياطات كبيرة من الغاز الطبيعي تُقدر بـ 52 تريليون قدم مكعب، إلا أن معدلات الإنتاج ظلت منخفضة نظرًا لاعتماد البلاد الأكبر على النفط، إذ يُقدر الإنتاج بـ 2.2 مليار قدم مكعب سنويًا تقريبًا، موزعة بحوالي 700 مليون قدم مكعب من المنطقة الشرقية، وحوالي 1.5 مليار قدم مكعب من المنطقتين الجنوبية والغربية، ويتم التصدير إلى الشبكة الأوروبية عبر خط الأنابيب البحري الوحيد الواصل إلى إيطاليا “غرين ستريم”.

كما أن قدرة الدولة الليبية على تلبية الاحتياجات الأوروبية ضعيفة للغاية لاعتبارات عدم الاستقرار السياسي والاضطرابات الأمنية؛ فاستمرار الانسداد السياسي يُعزز سيطرة المرتزقة على المنشآت الغازية ويضعها ضمن بنك أهداف هجمات المتشددين، كما أن انقسام قطاع الطاقة الليبي بين المؤسسة الوطنية للنفط وحرس المنشآت النفطية، وخضوعه للتجاذبات السياسية بين هي حكومة الدبيبة والمجلس الأعلى للدولة فى طرابلس من جانب ومجلس النواب ومليشيات حفتر في طبرق من جانب أخر، يعنى عرقلة خطط صيانة البنية التحتية وتنمية الإنتاج والصادرات.

علاوة على افتقار ليبيا للإمكانيات التقنية اللازمة لزيادة الإنتاج والصادرات وتوقف الاستثمارات المحلية والأجنبية في قطاع الغاز، وتحويل كميات الغاز المخصصة للتصدير إلى أوروبا للاستخدام المحلي وتشغيل محطات الكهرباء؛ حيث تصدر البلاد 24% فقط من إنتاجها الغازي، والباقي يوزع على الاستهلاك المحلي[21].

– قد يتسبب الصراع بين روسيا والغرب إلى عودة الصراع بين الأطراف الليبية خاصة المتحكمة فى إنتاج النفط. وفى هذا السياق، فقد سعى رئيس مؤسسة النفط مصطفى صنع الله إلى زيادة الإنتاج لتلبية مطالب أميركية وأوروبية لتخفيض أسعار البترول التى وصلت إلى حوالى 120 دولار للبرميل، وهو ما دفع سفارات الولايات المتحدة ودول أوروبية للتدخل لصالح صنع الله، ويبدو أن موقف صنع الله قريبًا من موقف حكومة الدبيبة ووزارة الخارجية التي أدانت “الغزو الروسي لأوكرانيا”.

فى المقابل، فقد رفض وزير النفط محمد عون ذلك، مشيرًا إلى ضورة أن تلتزم ليبيا الحياد في الأزمة الروسية – الأوكرانية. ويتوقع مراقبون أن يتطور الصراع بين صنع الله وعون وهو ما قد يقود إلى توقف الإنتاج خاصة وأن الحقول تقع تحت سيطرة خليفة حفتر، الذي تربطه علاقات جيدة بروسيا كما تقول تقارير غربية إن مرتزقة فاغنر يحرسون بعض حقول النفط. وكان حقل الصباح النفطي جنوب ميناءي السدرة ورأس لانوف قد تعرض للتخريب والنهب وسط شكوك في أن يكون الهدف من ذلك عرقلة إنتاج النفط[22].

ويمكن القول أن تأثير الأزمة الأوكرانية على ليبيا سوف يتوقف على مسارات تلك الأزمة، ففى حالة استمرار الصراع بين روسيا وأمريكا فى أوكرانيا، فمن المتوقع أن ينعكس ذلك على باقى مناطق الصراع التى يتشابك فيها الطرفان، وهنا تبرز ليبيا كأحد هذه المناطق. فمن المتوقع أن تقوم واشنطن وحلفائها الأوروبيين بتقديم مزيد من الدعم الدبلوماسى والعسكرى لحلفائها الداخليين فى ليبيا مثل الدبيبة، كما قد تلجأ إلى فرض عقوبات على الأطراف المحسوبة على روسيا والتى ساهمت فى تقوية النفوذ الروسى داخل ليبيا مثل خليفة حفتر. وفى هذه الحالة فمن المتوقع أن تنحاز واشنطن والدول الأوروبية لصالح حكومة الدبيبة فى صراعها الحالى ضد اختيار فتحى باشاغا لرئاسة الحكومة بدعم من حفتر وعقيلة صالح رئيس مجلس النواب.

بينما فى حالة حدوث نوع من تهدئة الصراع والتوصل إلى نوع من التفاهمات بين روسيا وأمريكا حول أوكرانيا، فمن المتوقع أن ينعكس ذلك أيضًا على ملفات الصراع الأخرى، وفى هذه الحالة قد يتم دعم اختيار باشاغا فى رئاسة الحكومة باعتباره شخصية توافقية فهو من المنطقة الغربية ويحظى بدعم قوى سياسية وعسكرية فضلًا عما يحظى به من دعم من قبل حفتر وعقيلة صالح المحسوبين على المنطقة الشرقية.

وأخيرًا، ففى حالة وجود نوع من الصفقات بين روسيا وأمريكا حول ملفات الصراع بينهما، بأن تقوم دولة بالتنازل للأخرى فى ملف معين مقابل ما ستحصل عليه فى ملفات أخرى. هنا سوف يتوقف موقع الملف الليبى من هذه الصفقات، هل سيكون من ضمن الملفات التى ستتنازل عنها واشنطن لصالح روسيا أم العكس. وفى حالة ما إذا كان الملف الليبى من ضمن الملفات التى ستتنازل عنها واشنطن لموسكو، ففى هذه الحالة سيكون حلفاء موسكو هم الفائزون وعلى رأسهم سيف القذافى الذى سوف يتم السماح له بالترشح للانتخابات القادمة فضلًا عن فوزه. بينما إذا كان الملف الليبى من ضمن الملفات التى ستتنازل عنها موسكو لصالح واشنطن، ففى هذه الحالة من المتوقع أن يكون حلفاء واشنطن هم الفائزون مثل الدبيبة، وستخسر الأطراف الحليفة لموسكو مثل سيف القذافى وبدرجة أقل خليفة حفتر.

  • القضية اليمنية:

لم تعلن الحكومة اليمنية عن موقف رسمى من الأزمة الأوكرانية، وفى المقابل، أعلن القيادي في جماعة الحوثيين محمد علي الحوثي، في 21 فبراير، أن جماعته تدعم اعتراف روسيا “بالجمهوريتين المستقلتين”. كما دعا إلى ضبط النفس حتى لا “يتم الانزلاق إلى حرب تهدف إلى استنزاف القدرات الروسية”. وكرّر هذا الرأي بعد الغزو، مغرداً “ندعو روسيا وأوكرانيا إلى التحلي بضبط النفس وعدم إغلاق الأبواب أمام الحوار والعمل الدبلوماسي” [23].

ومن المتوقع أن يكون لتلك الأزمة تأثيرات كبيرة على القضية اليمنية، خاصة أن الأزمة الأوكرانية تأتى في أعقاب زخم دولي كبير لإنهاء الحرب اليمنية، حيث يسود إجماع لدى الدول الخمس الكبرى في مجلس الأمن وكذلك دول الاتحاد الأوروبي على تقديم دعم لا محدود للتحركات الأممية التي يقودها المبعوث الأممى هانس غروندبرغ لوقف الحرب التي تدخل عامها التاسع. وتأتي الأزمة الأوكرانية أيضًا قبل انعقاد مؤتمر المانحين بشأن دعم خطة الاستجابة الإنسانية للأمم المتحدة منتصف الشهر القادم (مارس 2022).

ويرجح أغلب المراقبين أن تؤثر الأزمة الأوكرانية بالسلب على الأزمة اليمنية، حيث أنه من المتوقع أن تؤدي الحرب الأوكرانية إلى “فض الإجماع الدولي حول الملف اليمني”، وخصوصا بعد أن ظلت التسوية السياسية ودعم التحركات الأممية محور توافق بين الدول الخمس الكبرى خلال الفترة الماضية، فارتفاع حرارة المواجهة بين روسيا والغرب بقيادة أميركا سيتصاعد دراماتيكياً في كل الملفات، وعلى الرغم من عدم مركزية الملف اليمني في النزاع بينهم إلا أن موجات الصراع ستصل إليه. وقد تسعى روسيا إلى التدخل بصورة أكبر فى الملف اليمنى لتعزيز حضورها الدولي أمام الاصطفاف الغربي. مستغلة فى ذلك، الانحياز المبكر لجماعة الحوثيين إلى روسيا من خلال اعتراف القيادي الحوثي، محمد علي الحوثي، بـ”جمهوريَّتي” دونيتسك ولوغانسك.

كذلك فإن تأثير الأزمة على المفاوضات النَّووية بين إيران ودول 5+1 من المتوقع أن يكون فى صالح طهران، ما يعنى أنها ستعمل على تقوية موقفها عسكريًّا واقتصاديًّا، وانعكاس ذلك على حليفتها (جماعة الحوثي)، بما يخلق المزيد مِن العنف، والابتعاد أكثر عن مسار السلام، وهو ما سُيقابل بمثله من الأطراف الخليجية[24].

ففى مقابل، السعى الحوثى على جذب الدعم الروسى لصالحه فى اليمن، فإن الإمارات هى الأخرى لم تفوت استغلال الأزمة الأوكرانية لصالحه فى حرب اليمن. فقد نجحت الإمارات فى الحصول على موافقة مجلس الأمن الدولي لتصنيف الحوثيين في اليمن “جماعة إرهابية”، وذلك بعدما ضمنت أبو ظبى عدم استخدام روسيا للفيتو ضد هذا القرار، وذلك بعدما امتنعت الإمارات عن التصويت فى مجلس الأمن لصالح قرار يدين الغزو الروسى لأوكرانيا[25].

ختامًا؛ يجب الإشارة هنا إلى إمكانية أن تؤثر الأزمة الأوكرانية على الشعوب العربية والحركات والتيارات الناشدة للديمقراطية (وفى القلب منها حركات الإسلام السياسى) تأثيرًا سلبيًا وإيجابيًا.

فبالنسبة للتأثيرات السلبية: أولًا؛ يتم النظر إلى الصراع الحالى بين روسيا (ومن خلفها الصين) وأمريكا بقيادتها للدول الغربية على أنه صراع بين التوجه الديمقراطى والتوجه الاستبدادى. وبالتالى، فإن انتصار توجه معين يعنى تحوله إلى نموذج يقتدى به على المستوى الدولى، ومحدد رئيسى فى العلاقات الدولية والسياسة الخارجية لهذه الدول، وقد تسعى إلى تطبيقه على غيرها سواء بالترغيب أو الترهيب.

وبالتالى، فإن انتصار روسيا والصين سيعنى تصاعد السياسات الاستبدادية فى العالم والمنطقة العربية. وما يزيد الأمور خطورة، أن هاتين الدولتين لها توجهات معادية ضد التيارات الإسلامية بصورة كبيرة سواء من خلال اضطهاد الصين للأقلية المسلمية داخل البلاد (خاصة فى تركستان الشرقية)، أو عبر دعم محاربة روسيا للتيارات الإسلامية فى سوريا وليبيا.

كذلك لا ننسى الدور السلبى الذى لعبته روسيا فى إجهاض ثورات الربيع العربى، سواء عبر تدخلها العسكرى فى سوريا، أو عبر مرتزقة فاغنر فى ليبيا، أو عبر انحيازها المبكر للانقلاب العسكرى بقيادة السيسى فى عام 2013.

ثانيًا؛ اضطرار الولايات المتحدة إلى التغاطى عن انتهاكات الحكام العرب ضد شعوبهم مقابل الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية معهم، والتى أصبحت فى أمس الحاجة إليها لضمان استمرار بقائها على قيادة النظام الدولى، وهو ما أظهرته الأزمة الأوكرانية بصورة رئيسية خاصة فى ظل تحكم دول الشرق الأوسط فى ملف الطاقة.

ثالثًا؛ قد تؤثر تلك الأزمة بصورة سلبية على تركيا (الحليف الاقليمى لحركات الإسلام السياسى)، ما قد يعنى تراجع الدعم التركى لهذه التيارات بصورة عامة وفى سوريا وليبيا على وجه الخصوص.

ولكن ذلك لا يمنع من إمكانية أن تكون للأزمة الأوكرانية تأثيرات إيجابية على الشعوب العربية وحركات الإسلام السياسى، وذلك من قبيل: أولًا؛ إمكانية أن تساهم تلك الأزمة فى حل قضية اللاجئين من خلال تحويلها إلى قضية عالمية وعدم النظر إليها باعتبارها قضية تخص منطقة معينة (المنطقة العربية)، وبالتالى السعى إلى تقديم وطرح حلول لها عبر تقديم المساعدات المالية والإنسانية، والأهم عبر التدخل لوقف الانتهاكات التى تمارسها الأنظمة الحاكمة فى المنطقة العربية ضد شعوبهم باعتبارها السبب الرئيسى للهجرة واللجوء.

ثانيًا؛ قد تعيد الولايات المتحدة النظر مرة أخرى فى تحالفاتها مع الأنظمة العربية الحاكمة باعتبارها أصبحت أنظمة غير حليفة بصورة حقيقة، وستتخلى عن دعم الولايات المتحدة عند الضرورة، وهنا قد تلجأ الولايات المتحدة إلى التخلى عن دعم هذه الأنظمة ما يشكل خطر حقيقى على استمرار بقائها باعتبار أن الدعم الأمريكى من الركائز الرئيسية لبقاء هذه الأنظمة.

أيضًا، قد تلجأ الولايات المتحدة إلى البحث عن حلفاء جدد غير تلك الدول، وهنا تبرز تيارات الإسلام السياسى باعتبارها تمثل المعارضة الأكبر لهذه الأنظمة، حيث تلجأ واشنطن إلى دعم هذه التيارات واستخدامها كورقة ضغط على تلك الأنظمة. والأهم من ذلك، توظيفها فى صراعها الدولى ضد روسيا خاصة أن تلك التيارات هى الأكثر معارضة لروسيا وتحاربها فى معظم مناطق الصراع (سوريا وليبيا على سبيل المثال).

 

 

[1] “الموقف الفلسطيني من الحرب في أوكرانيا‎‎”، مسارات، 1/3/2022، الرابط: https://bit.ly/36XFFaT

[2] “انعكاسات الأزمة الأوكرانية على القضية الفلسطينية”، الحياة الجديدة، 13/2/2022، الرابط: https://bit.ly/3M9W103

[3] ” هل تنطوي عملية روسيا العسكرية الخاصة في أوكرانيا على فرص للفلسطينيين؟”، القدس، 28/2/2022، الرابط: https://bit.ly/3IucDxu

[4] “الموقف الفلسطيني من الحرب في أوكرانيا‎‎”، مرجع سابق.

[5] “الحرب الروسية- الأوكرانية وضرورة توحيد الساحة الفلسطينية”، القدس، 28/2/2022، الرابط: https://bit.ly/3IqhAqW

[6] “انعكاسات الأزمة الأوكرانية على القضية الفلسطينية”، مرجع سابق.

[7] “«غرفة طوارئ»…إسرائيل تستغلّ الحرب في أوكرانيا لاستجلاب اليهود”، الأخبار، 24/2/2022، الرابط: https://bit.ly/3Iwtyzt

[8] “الموقف الفلسطيني من الحرب في أوكرانيا‎‎”، مرجع سابق.

[9] “جولي إليوت تقارن بين غزو أوكرانيا واحتلال فلسطين”، الخليج الجديد، 27/2/2022، الرابط: https://bit.ly/3hqowZf

[10] “أبو تريكة يطالب بعقوبات على الأندية الإسرائيلية أسوة بالروسية.. ماذا قال؟”، تى أر تى عربى، 1/3/2022، الرابط: https://bit.ly/3Mfn5uQ

[11] “كيف ستؤثر أزمة أوكرانيا على القضية الفلسطينية؟”، حضارات للدراسات السياسية والاستراتيجية، 15/2/2022، الرابط: https://bit.ly/3tzPxPR

[12] ” ردود دول الشرق الأوسط على أزمة أوكرانيا”، مرجع سابق.

[13] ” بدأت الحرب في أوكرانيا.. فهل تنتهي في سوريا؟”، الميادين، 1/3/2022، الرابط: https://bit.ly/3McCb4e

[14] ” أي تداعيات للأزمة الأوكرانية على العملية السياسية في سورية؟”، العربى الجديد، 28/2/2022، الرابط: https://bit.ly/3suK1P2

[15] ” لماذا كلّ هذا الربط بين سورية وأوكرانيا؟”، العربى الجديد، 2/2/2022، الرابط: https://bit.ly/3Kbn0Xq

[16] ” التأثيرات الجيوسياسية: الغاز والشرق الأوسط في الأزمة الأوكرانية”، مرجع سابق.

[17] ” غزو أوكرانيا فرصة سورية في الأفق”، العربى الجديد، 2/2/2022، الرابط: https://bit.ly/3C4LFtX

[18] ” ردود دول الشرق الأوسط على أزمة أوكرانيا”، مرجع سابق.

[19] “ليس القمح والنفط فحسب.. 7 طرق تؤثر بها الحرب الروسية الأوكرانية على الشرق الأوسط”، مرجع سابق.

[20] ” حرائق الحرب في أوكرانيا «تُبرد» الصراعات في ليبيا”، القدس، 26/2/2022، الرابط: https://bit.ly/35wUYGK

[21] ” التأثيرات الجيوسياسية: الغاز والشرق الأوسط في الأزمة الأوكرانية”، مرجع سابق.

[22] ” زيادة إنتاج النفط في ليبيا تصطدم بخلافات عون وصنع الله”، العرب، 27/2/2022، الرابط: https://bit.ly/3MkY5ma

[23] ” ردود دول الشرق الأوسط على أزمة أوكرانيا”، مرجع سابق.

[24] ” تداعيات الاجتياح الروسي على الملف اليمني: السلام أمام مفترق طرق”، العربى الجديد، 25/2/2022، الرابط: https://bit.ly/3ps8hPE

[25] ” تأثيرات إيجابية للأزمة الأوكرانية لصالح دول الخليج في اليمن”، إندبندنت عربية، 1/3/2022، الرابط: https://bit.ly/3C5Y0ha

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

‫شاهد أيضًا‬

الموقف مصر من تشكيل تحالف ضد إيران

    انعقدت قبل الشهر قمة بين السيسي ورئيس وزراء إسرائيل نفتالي بينيت وولي عهد أب…