‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر تعديلات قانون السجون.. قراءة تحليلية
مصر - مارس 19, 2022

تعديلات قانون السجون.. قراءة تحليلية

تعديلات قانون السجون.. قراءة تحليلية

 

 

وافق البرلمان بشكل نهائي يوم الأربعاء 09 مارس 2022، على مشروع قانون مقدم من الحكومة بتعديل بعض أحكام القانون رقم 396 لسنة 1956 الخاص بتنظيم السجون. وبحسب تقرير اللجنة المشتركة من لجنة الدفاع والأمن القومى ومكتب لجنة التعليم والبحث العلمى، فإن مشروع القانون يتضمن ثلاث مواد بخلاف مادة النشر.

  • أولا، أبرز التعديلات كانت تختص بتغيير مصطلحات: فمسمى القانون هو «تنظيم مراكز الإصلاح والتأهيل المجتمعى» بدلا من «تنظيم السجون». وقطاع قطاع الحماية المجتمعية بدلا من قطاع السجون، ومركز إصلاح وتأهيل بدلا من سجن وليمان، ونزيل و نزلاء بدلا من سجين وسجناء أو مسجونين.
  • ثانيا، نصت التعديلات على وجوب إعلان النزيل بتسليم الأوراق المطلوب إعلانها إليه بشخصه وتفهميمه ما تضمنته في حضور مدير مركز الإصلاح والتأهيل العمومي، ومدير مركز الإصلاح الجغرافي، أو من يقوم مقامهما، وإذا أبدى النزيل رغبة في إرسال صورة الإعلان إلى شخص معين، وجب إرسالها إليه بكتاب موصى عليه، وإثبات هذه الإجراءات في سجل خاص يُعد لهذا الغرض.
  • ثالثا، توسَّعت التعديلات فيمن لهم سلطة إصدار قرار وضع قيد حديدي في قدم مسجون يُخشى هروبه، والتي كانت في يد مدير عام قطاع السجون فقط، لتمنح سلطة ذلك إلى مساعد وزير الداخلية لقطاع الحماية المجتمعية أو مدير اﻷمن المختص أو من يُفوض في ذلك.
  • رابعا، فيما يتعلق بالطلاب السجناء، نصت التعديلات على إلزام الجهات التعليمية المقيدين بها، بعقد لجان خاصة لهم داخل مراكز الإيداع، أو أن يطلب مدير الجهة التعليمية انتقالهم لأداء الامتحانات الشفوية أو العلمية خارج مراكز الإيداع عند اللزوم، بشرط عدم وجود خطورة أمنية، وهو ما يعود لتقدير وزير الداخلية أو من يفوضه، خلافًا للمواد السابقة في القانون التي تعطي إدارة السجن الحق في السماح بتأدية الطلاب الامتحانات في مقار اللجان خارج السجن.[[1]]

فما الهدف من هذه التعديلات في هذا التوقيت؟ وهل يمكن أن تؤدي فعلا إلى الحد من جرائم التعذيب الوحشي في السجون والمعتقلات؟ أم أنها مجرد إجراء شكلي يستهدف به النظام تحسين صورته عالميا في ظل تواصل الانتقادات الدولية لملفه المتخم بالانتهاكات والجرائم الوحشية؟

السياق العام

أولا، الملاحظة الأهم أن هذه التعديلات شكلية ولا تضيف شيئا جديدا إلى الحقوق المنصوص عليها للسجناء في الدستور والقانون، فلا يهم إن كان اسمه سجن أو ليمان أو كان اسمه مركز إصلاح وتأهيل؛ فتغيير الأسماء لم يكن مشكلة على الإطلاق، بل المهم هو ضبط سلوك الضباط وعناصر الشرطة القائمين على إدارة السجون والتزامهم بالدستور والقانون ومنح المعتقلين والمسجونين حقوقهم المشروعة، ووقف آلة التعذيب الوحشية التي تحولت إلى قاعدة وسلوك يومي، لأن المشكلة دائما لم تكن في نصوص القوانين بل في اعتلاء الأوامر الصادرة من القيادات العليا مكانة أعلى من الدستور والقانون. فمصر هي دولة الأوامر وليست دولة القانون. وبالتالي تأتي التعديلات الأخيرة على قانون السجون لتمثل خطوة جديدة  (شكلية) من جانب النظام لتحسين صورته عالميا. لكن تغيير المسميات لن ينصف المحبوسين احتياطياً ممن تخطوا مدة الحبس الاحتياطي المقررة بعامين في القانون، ولن يعالج المرضى الذين يعانون من إهمال طبي في السجون، ولن يزيد من مساحة الزنازين الانفرادية ويقضي على وحشيتها، لا سيما وأن للمصريين تجارب سابقة مع مثل هذه التغييرات الشكلية التي لا تمس جوهر الأمور مطلقا؛ منها تغيير شعار “الشرطة في خدمة الشعب” إلى “الشرطة والشعب في خدمة الوطن” عقب ثورة 2011، ثم العودة إلى الشعار القديم في أعقاب انقلاب 2013، وكذلك تغيير مسمى جهاز “أمن الدولة” إلى “الأمن الوطني”، لكن ذلك لم يغير شيئا من حجم التعذيب والانتهاكات والممارسات الوحشية على يد الضباط في السجون والمعتقلات.

ثانيا، التعديلات تستهدف أساساً الترويج للاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، التي أطلقها السيسي في سبتمبر2021، للتخفيف من حدة الضغوط الخارجية على نظامه حول ملف “حقوق الإنسان”، ولا سيما من قبل الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية. وتعتبر خطوة  ضمن مخطط واسع وضعه النظام في أعقاب فوز الديمقراطية برئاسة البيت الأبيض في نوفمبر 2021م، لا سيما وأن الرئيس بايدن كان انتقد انتهاكات نظام السيسي عندما كان مرشحا ووصف السيسي بدكتاتور ترامب المفضل. كما أن هذه التعديلات الشكلية قد تكون في سياق الحد من حدة الانتقادات التي وجهتها للنظام المصري حكومات 31 دولة في الثاني عشر من مارس2021، أمام مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، حيث عبرت عن “القلق العميق” إزاء انتهاكات حقوق الإنسان واسعة النطاق التي ترتكبها السلطات المصرية، في ظل إفلات مستمر من العقاب. وهو الإعلان المشترك من الدول، الذي عرض خلال الجلسة الـ 46 للمجلس، الذي دان استخدام قوانين مكافحة الإرهاب لمعاقبة المعارضين السلميين. ودعت الدول المنضمة إلى الإعلان المشترك إلى “المساءلة والإنهاء الفوري للإفلات من العقاب”، وطالبت مصر بوقف انتهاكات الإجراءات القانونية الواجبة للمحاكمات العادلة، بما في ذلك الاستخدام المفرط للاحتجاز الطويل السابق للمحاكمة، وضم المحتجزين لقضايا جديدة بتهم مماثلة بعد انتهاء المدة القانونية لحبسهم الاحتياطي. بعدها، تبنت مائة منظمة حقوقية دولية وإقليمية هذا الإعلان، وسردت بدورها صوراً من تلك الانتهاكات. وجاء في بيان المنظمات المائة أنه “في ظل حكم السيسي، قضت السلطات المصرية فعلياً على مساحات التعبير والتجمع السلميين، والحق في تكوين الجمعيات. وارتكبت قوات الأمن بتواطؤ مع المدعين العموميين والقضاة جرائم الاعتقال والاحتجاز التعسفي، ومحاكمة الآلاف، بمن في ذلك مئات المدافعين عن حقوق الإنسان وحقوق الأقباط، والمتظاهرين السلميين، والصحافيين والأكاديميين، والفنانين، والسياسيين، والمحامين”.

بعدها شرع النظام في تخاذ عدة إجراءات شكلية تستهدف تحسين صورته أمام العالم:

  • أولا، بالإفراج المحدود عن عدد من النشطاء والصحافيين، والحد من الإجراءات المشددة المفروضة على منظمات مجتمع مدني.
  • ثانيا، إطلاق استراتيجية وطنية لحقوق الإنسان مدتها خمس سنوات في سبتمبر 2021، تتضمن المحاور الرئيسية للمفهوم الشامل لحقوق الإنسان في مصر، بالتكامل مع المسار التنموي القومي لمصر الذي يرسخ مبادئ تأسيس الجمهورية الجديدة ويحقق أهداف رؤية مصر 2030، وتشمل محاور عمل رئيسية، هي: الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وحقوق الإنسان للمرأة والطفل وذوي الإعاقة والشباب وكبار السن، والتثقيف وبناء القدرات في حقوق الإنسان.
  • ثالثا، إعلان السيسي في 25 أكتوبر 2021، إنهاء حالة الطوارئ في جميع أنحاء البلاد. وسوّق النظام المصري لإعلان الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، ولإنهاء حالة الطوارئ، باعتبارها إنجازاً غير مسبوق وخطوة “حكيمة” في توقيت صائب بعد استقرار الأوضاع الأمنية في البلاد.

ثالثا، التعديلات رغم أنها شكلية ولا تغير من الواقع شيئا، إلا أنها حظيت بإشادة واسعة من جانب نواب المجلس أثناء التصويت عليها؛ واعتبرها بعضهم برهانا على انفتاح الحكومة وحرصها على تنفيذ استراتيجية حقوق الإنسان التي أطلقها السيسي في سبتمبر 2021م، وعدها رئيس لجنة حقوق الإنسان في المجلس، طارق رضوان، تقدما كبيرا في مجال حقوق الإنسان خاصة قطاع السجون، واعتبرها ممثل حزب النور بالمجلس انعكاسا للجمهورية الجديدة مشيدا بما وصفه بحالة الاستقرار في البلاد، قائلًا: «نحن أمام منظومة متكاملة نستطيع أن نوجه لها النقد، نبني أوطاننا وننتقدها من الداخل لا ننتقدها لنفتح أبوابها لنسلمها لأعداء الخارج، أعلم أن هذه التعديلات والقانون والاستراتيجية [حقوق الإنسان] ستُحزن الكثيرين لأنها رد عملي أن المساجين ليسوا أرقامًا»، غامزا في المعارضة الإسلامية واعتبرها تريد «تحويل الوطن لخراب» على حد زعمه.[[2]] وبحسب صحيفة «الأهرام» وباقي صحف ومواقع النظام، فإن التعديلات تأتي فى إطار خطة الدولة لتطـوير المؤسسات العقابية من حيث مسمياتها، وأبنيتها، وإدارتها على نحو يهدف إلى ترسيخ قيم ومبادئ حقوق النزلاء بها، لتوفير الحماية المجتمعية لهم، وإصلاحهم وإدماجهم بالمجتمع، والاستفادة من تأهيلهم فى برامج وخطط التنمية. ووفقا للمستشار حنفى جبالى، رئيس البرلمان، فإن مشروع القانون يأتى فى إطار تحرك الدولة بكامل مؤسساتها نحو تنفيذ ما تضمنته الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، التى أطلقها  الجنرال عبدالفتاح السيسى فى شهر سبتمبر الماضى، واعتبر التعديل نقلة نوعية لإصلاح المؤسسات العقابية، بحيث لا يكون تنفيذ العقوبة هدفاً فى ذاته إنما تغيير السلوك الإجرامى لنزلاء هذه المؤسسات وتأهيلهم ودعم حقوقهم، ليصبحوا عناصر فاعلة ونافعة للمجتمع. وأثنى على دور وزارة الداخلية التي تقدمت بمشروع التعديلات مدعيا أن  هذه التعديلات تأتي ضمن سلسلة التطورات الهائلة التى تقوم بها وزارة الداخلية ويشهد بها الجميع، والتى تبنت نهجاً معاصراً يهدف إلى تطوير الخدمات الشرطية فى جميع المناحى، الأمر الذى حقق نجاحاً ملموساً فى القضاء على مختلف أشكال الجريمة سواء إرهابية أم جنائية، وفى الوقت نفسه يضمن تطبيق المعايير الدولية لحقوق الإنسان.[[3]]

رابعا، تأتي هذه التعديلات في أعقاب موجات مسعورة للنظام منذ انقلاب 3 يوليو 2013م، حيث ارتفع عدد السجناء والمعتقلين سياسيا إلى مستويات غير مسبوقة؛ الأمر الذي أدى إلى اكتظاظ شديد في السجون، بحسب منظمة العفو الدولية، التي أكدت تكدس مئات السجناء في زنازين مكتظَّة. ويبلغ متوسط المساحة المتاحة لكل سجين من أرضية الزنزانة نحو 1,1 متر مربع، وهي تقل كثيراً عن الحد الأدنى الذي أوصى به خبراء، وهو 3,4 أمتار مربعة. وترفض السلطات المصرية الإفصاح عن عدد السجناء في مصر، وتشير تقديرات إلى أن العدد يبلغ نحو 114 ألف سجين، أي ما يزيد على ضعف القدرة الاستيعابية للسجون التي قدّرها السيسي في ديسمبر/ كانون الأول 2020 بـ 55 ألف سجين، بحسب تقرير صادر عن منظمة العفو الدولية في يناير/ كانون الثاني 2021.[[4]] وتقدر منظمات حقوقية مستقلة عدد السجناء والمحبوسين احتياطياً في مصر بنحو 120 ألف سجين، من بينهم نحو 65 ألف سجين ومحبوس سياسي،[[5]] وبإجمالي 82 ألف سجين محكوم عليهم، و37 ألف محبوس احتياطي.[[6]] وحسب رصد “مركز الشهاب لحقوق الإنسان”، فإن 73 محتجزاً ماتوا بالإهمال الطبي في عام 2020، و40 محتجزاً في 2019، و36 محتجزاً في 2018، و80 محتجزاً في 2017، و121 محتجزاً في 2016، و185 محتجزاً في 2015، و166 محتجزاً في 2014، و73 محتجزاً في 2013، بإجمالي 820 محتجزاً».[[7]] بينما يصل عدد من قتوا بالسجون إهمالا خلال 2022 إلى نحو 60 معتقلا وسجينا، حيث يحرم المعتقلون السياسيون من أبسط حقوقهم كحق الزيارة والتريض والعلاج والماء النظيف والغذاء الكافي ومقابلة الأهل والمحامين وغير ذلك من الحقوق.

خامسا، تأتي هذه التعديلات في ظل انتهاكات وحشية ومروعة تشهدها السجون والمعتقلات، ومنذ عهد عبدالناصر وصولا إلى السيسي فإن حجم الانتهاكات والتعذيب الوحشي حوَّل السجون المصرية إلى مفرخة للإرهاب وعتاة الإجرام. وكان موقع منظمة مجلس العلاقات الخارجية بالولايات المتحدة الأميركية قد نشر تحليلا كتبه مايكل بريكنيل وويل ميرو يحذر فيه من الانتهاكات الوحشية في سجون السيسي باعتبارها مصنعا يخرج أجيال تلو الأجيال من المتطرفين والإرهابيين.  ويؤكد الكاتبان أن السيسي يشرف على بيئة من القمع العميق، كما تغصّ السجون المصرية (التي كانت أرضًا خصبة للتطرف في الماضي) بخصوم النظام، فهناك عشرات الآلاف من السجناء السياسيين المتفاوتين في الانتماءات ووجهات النظر. و بالنظر إلى مزيج العنف والقمع الحكومي، وكذلك استمرار الأيديولوجيات المتطرفة، فإن هناك إمكانية لظهور إصدارات جديدة من الأفكار والمجموعات المتطرفة في مصر.[[8]] وكانت منظمة هيومن رايتس ووتش الحقوقية الدولية التي يقع مقرها في الولايات المتحدة الأميركية قد حذرت في تقرير لها  الخميس 15 يوليو 2021م من ممارسات التعذيب والانتهاكات داخل السجون المصرية وأكدت أنها تساعد في تغذية تجنيد السجناء بصفوف تنظيم الدولة “داعش”. ووفقاً لمنظمة Human Rights Watch، قُتِل ما لا يقل عن 3076 مسلحاً مزعوماً في الحملة الأمنية الجارية على سيناء، لكن المنطقة تظل بعيدة بنسبة كبيرة عن أعين الصحفيين؛ مما يجعل من شبه المستحيل تجميع إحصائية مستقلة عن الوفيات.  فيما كشف سجناء، لمنظمة Human Rights First، أنَّ الدوافع الأساسية للانضمام إلى داعش هي سعياً للانتقام من السلطات المصرية. وانضم كذلك بعضهم بسبب الحماية التي يتمتع بها أعضاء الجماعة المسلحة في السجون. وتنقل عن يوسف، وهو سجين سابق أُطلِق سراحه في عام 2021، أنَّ أفراد “داعش” كانت لهم حرية الانخراط مع السجناء الشباب المحرومين من حقوقهم والمعرضين للتعذيب باستمرار. وأضاف: “الكارثة هي أنَّ السلطات لم تفصل بين السجناء المرتبطين بقضايا إرهاب حقيقية وأولئك الذين يعارضون النظام لأسباب سياسية”. وأوضح: “لم أرَ قط سلطات السجن تتدخل لمنع حدوث ذلك”.[[9]] معنى ذلك أن المتهم الأول في نشر الإرهاب والتطرف هي الآلة الأمنية الوحشية للنظام، الأمر الذي قد يفهم منه أن النظام حريص على بقاء الحالة الداعشية وتغذيتها على نحو يخدم الأجندة السياسية للنظام  على المستويين الداخلي والخارجي؛ فعلى المستوى الداخلي تمثل الحرب على الإرهاب غطاء للتنكيل بكل  خصوم النظام والزج بهم في السجون والمعتقلات بتهم باطلة وبالغة التلفيق، ويكفي وصفهم بالإرهاب حتى يكون ذلك مبررا للتهرب عن الحقوق المدنية لآلاف المظلومين في سجونه ومعتقلاته. وعلى المستوى الإقليمي والدولي، فإن هذه   الحرب المزعومة تمثل برهانا من النظام على ولائه لأجندة التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية ضد الإرهاب(بوصفه حالة إسلامية كغطاء للحرب على الإسلام ذاته)؛  وبهذه الحرب القذرة يقدم السيسي نفسه للغرب باعتباره رأس الحرب ضد الإرهاب والحركات الراديكالية.

سجون في كل مكان

تنقسم السجون المصرية منذ عقود طويلة إلى 4 أنواع، هي السجون العمومية، والليمانات “سجن غير مركزي”، والسجون المركزية، إضافة إلى سجون خاصة تنشأ بقرار من رئيس الجمهورية بخلاف مراكز وأقسام الشرطة التي تقدر بالمئات. وكانت الاختلافات بين السجون الأربعة طبقا لدرجة المسار القضائي للمحبوس والعقوبات المقررة. ويبلغ عدد السجون في مصر نحو 88 سجنا، منها 45 سجنا أنشئت خلال السنوات السبع الماضية في أعقاب انقلاب 03 يوليو 2013م،  بقرارات جمهورية من السيسي.[[10]]

وخلال سنة 2021، أصدر السيسي عدة قرارات جمهورية بإنشاء نحو 20 سجنا بعضها ضخم للغاية ليسع عشرات الآلاف من المعتقلين. في الأربعاء 15 ديمسبر 2021، أصدر وزير الداخلية قرارا نشرته الوقائع المصرية بإنشاء ثلاثة سجون عمومية جديدة بمدينة بدر بالقاهرة. وفي 5 ديسمبر،  أصدر الوزير قرارا بإنشاء ستة سجون عمومية بمنطقة وادي النطرون بمحافظة البحيرة باسم مراكز الإصلاح والتآهيل. وفي 28 أكتوبر من العام ذاته، كان السيسي قد افتتح مجمع السجون الضخم بوادي النطرون وهو المجمع الذي يضم بداخله نحو ثمانية سجون مختلفة حسب بيان وزرة الداخلية،  وسط احتفال وزفة إعلامية كبرى دعي إليها عدد من ممثلي البعثات الدبلوماسية والمنظمات الدولية والمصرية، والمجالس الحقوقية، ولجان حقوق الإنسان بمجلسى النواب والشيوخ، وعدد من الإعلاميين ومراسلي الوكالات الأجنبية. معنى ذلك أن السيسي أنشأ بالمنطقة الصحراوي بوادي النطرون وحدها نحو 14 سجنا. وفي يونية 2021، أصدر الوزير خمسة قرارات بإنشاء تسعة سجون مركزية بمحافظات الفيوم وأسوان وكفر الشيخ وقنا والغربية.[[11]] بالتزامن مع إنشاء هذه السجون، حددت «الداخلية» 12 سجنًا سيتم إفراغها في المجمع الجديد بوادي النطرون، وهي: (استئناف القاهرة -ليمان طرة -القاهرة بطرة -بنها -الإسكندرية -طنطا العمومى -المنصورة -شبين الكوم -الزقازيق-دمنهور القديم -معسكر العمل بالبحيرة -المنيا العمومى)، وأوضحت الوزارة في بيانها أن موازنة الدولة لن تتحمل أية أعباء لإنشاء وإدارة مراكز الإصلاح والتأهيل لأن القيمة الاستثمارية لمواقع السجون العمومية المقرر غلقها(تقع في مناطق سكنية متميزة) تفوق تكلفة إنشاء تلك المراكز. معنى ذلك أن الحكومة كانت مدفعوعة أيضا بأسباب اقتصادية في بناء هذه السجون بالمناطق الصحراوية البعيدة عن العمران لإفراغ السجناء بالسجون الموجودة بوسط المدن في غالبية المحافظات على مستوى الجمهورية فيها للاستفادة ماليًا  من أراضي السجون القديمة التي تطل معظمها على النيل.[[12]] لكن الأهم أن الوزارة بهذه الخطوة تحقق هدفين:  الأول تعزيز استثمار وزارة الداخلية عبر استثمار أراضي السجون القديمة التي تقرر إخلاؤها وتقع على النيل أو بمناطق مميزة للغاية بالمحافظات الأخرى، والتي تقدر بنحو 30 مليار جنيه، وذلك في سياق الصراع بين الأجهزة على المكاسب والعوائد الاقتصادية في  مشروعات الدولة، والتي يحظى فيها الجيش بنصيب الأسد، بينما يتم حاليا ترضية جهاز المخابرات في اعقاب التعديلات التي تمت على قانون الجهاز مؤخرا، وترضيته بعدة مشروعات ضخمة بمدينة العلمين الجديدة بالساحل الشمالي. والهدف الثاني سياسي، يتعلق بتعزيز قدرة النظام القمعية بإنشاء هذا العدد الهائل من السجون القادرة على استيعات مئات الآلاف من المعتقلين السياسيين.

رسائل النظام

على نحو واضح بل وشديد الوضوح فإن التعديلات التي أدخلت على قانون السجون تستهدف تحسين صورة النظام عالميا، ومن جهة أخرى فإنها لا تعدو سوى غطاء مصحوب ببروباجندا زاعقة للتغطية على حجم الجرائم والانتهاكات التي تجري لعشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين وحتى الجنائيين في السجون وأقسام الشرطة وأقبية المخابرات؛  ذلك أن الإعلان عن إنشاء هذا العدد الضخم من السجون خلال سنة واحدة وافتتاح أكبر مجمع سجون على الطراز الأمريكي كما تباهي السيسي بذلك، إنما يحمل رسائل شديدة السلبية؛ وبنظرة أكثر عمقا على هذه الأوضاع (إنشاء هذا العدد الضخم من السجون وتعديلات قانون السجون والتعديلات التي جرت على قوانين مكافحة الإرهاب) فإن النظام يستهدف إضفاء الطابع المؤسسي على القمع والتوسع المحتمل في عدد نزلاء السجون.

أولا، بالنظر إلى العدد الهائل من السجون الجديدة وحتى ما يتعلق بتصميمها وحجمها وعزلتها في قلب الصحراء فإن ذلك لا يبشر مطلقا بالخيز لنزلاء السجون، فمجمع السجون بوادي  النطرون مثلا تم بناؤه على مساحة 219 هكتارا، ما يجعله أكبر سجن في تاريخ مصر، بسعة تقدر بنحو 34 ألف سجين، بافتراض عدم وجود اكتظاظ. وإذا كان هذا بالفعل واحدا من 8 سجون، ولكل منها سعة مماثلة، فقد يرتفع إجمالي سعة السجون في البلاد إلى عدة مئات من الآلاف. وفي الوقت الحالي، يُقدر إجمالي عدد نزلاء السجون بـ120 ألفا، بما في ذلك 65 ألف سجين سياسي. وورد أن السجون المصرية المكتظة تجاوزت طاقتها الاستيعابية بنسبة 300% منذ أكثر من عام. ويبدو أن النظام يقوم الآن بإنشاء البنية التحتية المادية لزيادة سريعة في نسق الحبس.

ثانيا، من مؤشرات القلق أيضا أن الهيكل القاسي للسجون الجديدة  إنما يشير إلى احتمال استمرار ممارسات النظام التعسفية. ويبدو أن تصميمه يتضمن عددا كبيرا من زنازين الحبس الانفرادي، وهي ممارسة منتشرة في السجون المصرية. وقد احتُجز الرئيس الراحل “محمد مرسي” في الحبس الانفرادي منذ اعتقاله حتى وفاته عام 2019، فيما وصفته الأمم المتحدة بأنه “قتل تعسفي بموافقة الدولة”. ويبدو أن المجمع يحتوي أيضا على 4 أقسام على غرار “سجن العقرب” سيئ السمعة، الذي يشتهر بارتكاب كثير من الانتهاكات فيه. وأخيرا، فإن عزل السجن واكتفاءه الذاتي يهددان بتعزيز قدرة قوات الأمن المصرية على ارتكاب الانتهاكات بعيدا عن أعين الجمهور. ويقع السجن بوادي النطرون في الصحراء على بعد نحو 100 كيلومتر من القاهرة. ويحتوي المجمع أيضا على محاكم ومقر للأمن الوطني، ما يزيد من صعوبة زيارة عائلات النزلاء، مع زيادة العزلة الاجتماعية للسجناء الذين لم يعودوا بحاجة إلى نقلهم من حبسهم إلى جلسات المحاكمة. ويهدف الهيكل الجديد إلى ضمان  السيطرة المطلقة على السجون عبر السيطرة الكاملة على الطرق المؤدية إليها باعتبارها في مناطق فضاء صحراوية.

ثالثا، افتتاح مجمع السجون الجديد وإنشاء هذا العدد الضخم من السجون، يتزامن مع مع التعديلات الأخيرة على قوانين مكافحة الإرهاب في البلاد. وقد أعطت تلك القوانين بالفعل سلطات واسعة للدولة لاتخاذ “إجراءات استثنائية” في حالة وجود تهديد إرهابي، مثل فرض حظر التجول أو إخلاء بعض المناطق. ويوسع التشريع الجديد سلطات الأمن القومي للرئيس المصري والجيش. وعلي مدار أعوام، تم استهداف الناشطين وشخصيات المعارضة وفق قانون مكافحة الإرهاب الذي يعطي تعريفا غامضا وفضفاضا للإرهاب يشمل “الإضرار بالأمن القومي وتكدير السلم الاجتماعي”. كما أنه يوفر حصانة من الملاحقة القضائية لقوات الأمن إذا استخدمت القوة المميتة أثناء أداء واجبها، ما أدى إلى تصاعد عمليات القتل خارج نطاق القضاء. ويمنح القانون الجيش سلطة حماية المؤسسات والكيانات العامة مثل الطرق والجسور وخطوط الكهرباء والهيئات الحكومية. وتقع الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون ضمن اختصاص المحاكم العسكرية. وسيكون لهذه التعديلات عواقب وخيمة نتيجة تحويل القوات المسلحة المصرية إلى قوة أمنية داخلية تتمثل مسؤوليتها الرئيسية في قمع المعارضة والحفاظ على أمن النظام.  وإجمالا، فإن السجون الضخمة تشير إلى توسع رؤية “السيسي” القمعية ما يعني زيادة مستوى القمع في مصر في الأعوام المقبلة.[[13]]

خلاصة الأمر، برغم انتقادات عدة لقانون السجون أو لمراكز الإصلاح، يعتقد خبراء في القانون ومحللون وحقوقيون أن النص القانوني لم يكن أبدا هو المشكلة فيما مضى،  لكنه تحوَّل إلى مشكلة في عهد السيسي في ظل بنية تشريعية تقنن القمع وتضمن إفلات الجناة من العقاب، كما في قانون الإرهاب وغيره. وفي قانون السجون وتعديلاته الأخيرة،  فإن المعضلة ـ كانت ولا تزال ــ  تتمثل في كيفية تطبيق مواد القانون على الجميع والرقابة من قبل القائمين على التنفيذ، وأن التعذيب بات سياسة منهجية منذ عقود بعيدا عن الدستور والقانون الذي يتضمن تجريما للتعذيب بكل أشكاله وأنواعه. ورغم بشاعة التعذيب في سجون مصر لم يقدم ضابط واحد لمحاكمة حقيقية وأدين فيها على نحو يعزز قيم حقوق الإنسان ويبرهن على صدق النظام في التصدي لآلة التعذيب في السجون والأقسام.

يستهدف النظام بهذه التعديلات على قانون السجون تحسين صورته عالميا في أعقاب الانتقادات الحادة لملفه المتخم بانتهاكات حقوق الإنسان لا سيما من جانب الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد الأوروبي. لكن آلة التعذيب الوحشي ستبقى وتستمر وسيفلت الضباط المتورطون في التعذيب من العقاب تحت إشراف وحماية قادتهم والمسئولين الكبار بالنظام في ظل ثقة مطلقة من جانب النظام وأجهزته في قدرتهم على السيطرة والهيمنة وإخضاع الشعب عبر إنهاكه باستمرار سواء بالقمع أو بالغلاء. الخطير أن النظام يتجاهل أنه بهذه السياسيات القمعية في بعدها الأمني، والرأسمالية المتوحشة في بعهدها الاقتصادي، قد يدفع بالمجتمع نحو الانفجار الذي قد يكون وشيكا وعلى حين غرة.

 

 

[1] إيهاب النجار/ النواب يقر تعديلات «السجون»: تغيير مسميات.. ونظام الامتحانات.. وتسليم الأوراق للسجين/ مدى مصر ــ  09 مارس 2022م

[2] المرجع السابق

[3] سامح لاشين ــ محمد عبدالحميد/ مجلس النواب يوافق على قانون تنظيم السجون.. جبالى: التعديلات نقلة حضارية لإصلاح المؤسسات العقابية/ الأهرام اليومي ــ الأربعاء 9 مارس 2022 السنة 146 العدد 49401// صفاء عصام الدين وأحمد عويس/ رئيس النواب: تعديلات قانون السجون نقلة نوعية لإصلاح المؤسسات العقابية/ بوابة الشروق ــ الثلاثاء 8 مارس 2022

[4] مصر: مسميات قانون السجون الجديدة لا تغيّر الواقع/ العربي الجديد ــ 12 مارس 2022م

[5] دعاء عبد اللطيف/ بعد موافقة البرلمان.. هل ستصبح “السجون والسجان” من الماضي في مصر؟/ الجزيرة نت ــ 10 مارس 2022م

[6] ارتفاع عدد سجون مصر إلى 88 منها 45 بنيت في عهد السيسي / العربي الجديد ــ 17 ديسمبر 2021

[7] المرجع السابق

[8] تجربة متكررة.. القمع في مصر يمهد الأرض للتطرف/ ترجمة الخليج الجديد لتقرير نشره موقع منظمة مجلس العلاقات الخارجية أعده كل من مايكل بريكنيل وويل ميرو

[9] الانتهاكات في سجون مصر تغذي الانضمام لـ”داعش”.. منظمة : سجناء سابقون انتقلوا للقتال بسيناء وسوريا/ عربي بوست ــ 17 يوليو 2021م

[10] المرجع السابق

[11] إنشاء 9 سجون جديدة ببدر ووادي النطرون.. وجمال عيد: خطة لنقل المساجين من المدن للصحراء/ مدى مصر ــ السبت 18 ديسمبر 2021م

[12] قيمتها 30 مليار جنيه.. نزاع بين الشرطة والصندوق السيادي على ملكية أراضي السجون المغلقة في مصر/ عربي بوست

[13] بتصرف: ماجد مندور/ مصر: السجون الضخمة تعمّق النظام القمعي البائس للسيسي/ ترجمة نون بوست نقلا عن ميدل إيست آي ــ  10 نوفمبر 2021م

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

‫شاهد أيضًا‬

حرية الصحافة والإعلام بين الرئيس مرسي والسيسي

    بعد مرور نحو 10 سنوات على صعود الرئيس محمد مرسي لحكم مصر، ثم انقلاب السيسي ا…