‫الرئيسية‬ العالم العربي هل تؤدي الحرب الروسية الأوكرانية إلى ربيع عربي جديد؟
العالم العربي - مارس 22, 2022

هل تؤدي الحرب الروسية الأوكرانية إلى ربيع عربي جديد؟

هل تؤدي الحرب الروسية الأوكرانية إلى ربيع عربي جديد؟

 

 

كانت تداعيات تفشي جائحة كورونا شديدة التاثير على نحو دفع باقتصادات الدول الناشئة ومن بينها مصر إلى غرفة الإنعاش، وتسببت في كثير من المتاعب بشأن توفير إمدادات الغذاء في أعقاب عمليات الغلق الواسعة على مستوى العالم وتوقف مئات الآلاف من المصانع والموانئ وشركات الطيران عن العمل خوفا من العدوى؛ كما تسببت في تراجع إيرادات الدول الهشة نتيجة انهيار السياحة بشكل حاد، وتوقف عجلة الإنتاج بسبب الغلق النسبي وتراجع النشاط الاقتصادي. وبينما لا تزال هذه الدول تعاني على هذا النحو الأليم، جاء الغزو الروسي لأوكرانيا ليجهز على ما تبقى من قدرة الاقتصاد المصري وغيره من اقتصادات الدول العربية الهشة على الصمود. فروسيا وأوكرانيا من أعلى الدول إنتاجا وتصديرا للحبوب، لا سيما لدول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وعلى رأسها مصر التي تستورد نحو 85% من القمح من الدولتين، وتستورد أكثر من 65% من غذائها من الخارج. وتشكل روسيا وأوكرانيا معا 28.5% من صادرات القمح العالمية، و18.7% من صادرات الذرة، و29.6% من صادرات الشعير، و78.3% من صادرات زيت عباد الشمس، وهي جميعا مواد أساسية في النظام الغذائي البشري وأعلاف الحيوانات. وتتربع  مصر على قمة الدول المستوردة للقمح بحجم 13.5 مليون طن سنويًا، ونُعتبر رابع أكبر مستورد للذرة الصفراء بنحو 10 ملايين طن سنويًا، وخامس أكبر مستورد لزيوت الطعام بنحو 3 ملايين طن سنويًا، ومعها 1.25 طن من السكر ونحو 50% من احتياجاتنا من اللحوم الحمراء والألبان المجففة، و100% من احتياجاتنا من العدس ونحو 80% من الفول وفقا للبيانات الرسمية.

وفي أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا في 24 فبراير 2022،  حذر البنك الدولي من أزمة غذاء عالمية؛ مشددا على أن التداعيات قد تكون قاسية، خاصة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ويقول خبراء إن ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، قد يساهم بزيادة ديون العديد من البلدان منخفضة الدخل، وهناك نحو 60 دولة تعاني من “ضائقة الديون”، مع تعطل خطوط إمدادات الغذاء وارتفاع النفط إلى ما فوق الــ140 دولارا للمرة الأولى منذ نحو 10 سنوات، فإن ذلك قد ينعكس على ارتفاعات غير مسبوقة بأسعار الغذاء وزيادة مستويات التضخم على نحو يجعل مئات الملايين من البشر مهددين في غذائهم وعدم قدرتهم على توفير أساسيات الحياة.

فإلى أي مدى يمكن أن تصل تداعيات أزمة الغذاء وارتفاع الأسعار داخل مصر والبلاد العربية؟ وهل يمكن أن تؤدي إلى فوضى واضطرابات واحتجاجات شعبية رفضا للغلاء وعدم قدرة الحكومات على حماية الأمن الغذائي؟ وهل يمكن أن يفضي ذلك إلى اندلاع شرارة ربيع عربي جديد بعدما تمكنت الحكومات القمعية من وأد الموجة الأولى التي اندلعت في 2011؟ وإلى أي مدى يمكن للحكومات احتواء تداعيات هذه الأزمة والخروج منها بأقل الخسائر؟ وماذا إذا طالت الحرب لعدة شهور أو سنوات؟ فهل يمكن أن يؤدي ذلك إلى تحولات ضخمة تكون في صالح الشعوب المتطلعة للحرية والخبز؟ أم أن الموجة ستمر بسلام وسيبقى الاستبداد جاثما على أنفاس الشعوب العربية حينا آخر من الدهر؟

معدلات مرتفعة للفقر

وفقا لآخر بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، حول معدلات الفقر في مصر، فقد تراجعت من 32.5% في 2018، إلى 29.7% في 2020، (نحو 30.6 مليون فقير)، وأرجع الجهاز ذلك إلى ما تسمى بالمشروعات القومية التي زادت معدلات التشغيل إلى جانب إجراءات الحماية الاجتماعية التي تقدمها الدولة  ومنها برامج “فرصة ومستورة وسكن كريم” وغيرها من المبادرات. لكن فات الحكومة التي تتباهى بهذه الأرقام أمران:

الأول، أن رئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الذي يعد بيانات الفقر، أوضح أن فترة إجراء بحث الدخل والإنفاق الذي يتم على أساسه حساب معدلات الفقر كانت من بداية أكتوبر/تشرين الأول 2019 وحتى مارس/آذار 2020، أي قبل ظهور تداعيات فيروس كورونا الاقتصادية، وقبل ارتفاع معدل التضخم، وفقدان الجنيه المصري لكثير من قوته الشرائية. تلك التداعيات تفاقم تأثيرها خلال الربع الثاني من عام 2020، وقال جهاز الإحصاء الرسمي عنها إنها تسببت في فقدان 2.3 مليون شخص وظائفهم، إلى جانب تخفيض الأجور في منشآت أخرى عديدة.

ثانيا، نشرت صحيفة اقتصادية مصرية بالتزامن مع إعلان نتائج الفقر تقريراً مفاده أن النتائج قد تأخر إعلانها بضعة أسابيع، نظراً لاعتراض جهة سيادية على النتائج، ومطالبتها بـ”تحسين” النتائج، ورغم قيام جهاز الإحصاء بتحسين النتائج فقد طلب الجهاز السيادي تعديل نتائج معدلات الفقر مرة ثانية، أي أن النتائج المُعلنة قد تم تحسينها مرتين.[[1]]

في المقابل، تذهب تقديرات للبنك الدولي أن نسبة الفقراء في مصر أو أولئك الذين يقبعون على خط الفقر تزيد عن نحو 60%، بما يعني أن نحو 62 مليون مصري باتوا فقراء. وما يبرهن أن معدلات الفقر الرسمية ملعوب فيها أيضا أن الاستثمارات الأجنبية في مصر لم تشهد ارتفاعا يعزز من تراجع مستويات الفقر، بل إن الحكومة خفضت مخصصات الدعم وفقا لأرقام الموازنة في سنوات 2019 و2020، فكيف يتراجع الفقر في ظل هذه الحقائق؟! أما عن أسباب اختلاف التقديرات بين الأرقام الرسمية الحكومية (29.7%) وتقديرات البنك الدولي للفقراء في مصر (60%)، فإن ذلك يعود إلى أن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء حدَّد خط الفقر القومي في بحث الدخل والإنفاق 2017-2018 عند مستوى 8827 جنيهاً للفرد في السنة، وهو ما يعادل حوالي 735.5 جنيه شهرياً، أي ما يعادل نحو 24.5 جنيه مصري (1.5 دولار أمريكي). بينما استند البنك الدولي في تقييمه لمصر لخط الفقر عند 1.9 دولار أمريكي للفرد يومياً، أي 894 جنيهاً للفرد شهرياً و10725 جنيهاً سنوياً، مع العلم أن مؤشر الفقر وفقاً للبنك يبدأ من 5.5 دولار للفرد يومياً وصولاً إلى الفقر المدقع بالعيش على 1.9 دولار أمريكي أو أقل للفرد يومياً.[[2]]

يعزز  من اقتراب تقديرات البنك الدولي من النسب الصحيحة للفقر، أن الجائحة قد تكفلت بانخفاض دخول نحو 91%  من القوة العاملة بمصر؛ وفقا لأحدث دراسات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في يناير 2022، حيث أوضحت الدراسة أن انتشار فيروس كورونا أثر على دخل الأفراد المشتغلين بنسبة 91.3% في حين أن 0.5% فقط زادت دخولهم بسبب الوباء. وتعددت أسباب انخفاض الدخول في فترة الوباء، ومنها فرض الإجراءات الاحترازية، والتعطل، وانخفاض الطلب على النشاط، وتوقف بعض المشاريع نهائيا.[[3]] وكانت دراسة أعدها الجهـاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء الحكومي، صدرت في 20 يونيو 2020م، قد كشف أن (73.5%) من المصريين انخفض دخلهم، بينما أفاد حوالي “25% أن دخولهم ثابتة، وأقل من 1% أفادوا أن دخولهم ارتفعت. وأن 26.2 % باتوا عاطلين عن العمل، و55.7% باتوا يعملون بشكل أقل من المعتاد، و18.1% باتوا يعملون بشكل متقطع.[[4]] علاوة على كل ذلك؛ فإن أعداد الفقراء في مصر مرشحة للارتفاع مجددا في أعقاب التعويم الجديد للجنيه أمام الدولار، حيث انخفض الجنيه بنحو 16% في أعقاب قرار البنك المركزي رفع الفائدة بقيمة 1% ليرتفع سعر صرف الدولار من 15.74 إلى 18.2 ظهر الإثنين 21 مارس 2022م، وهو ما سينعكس على الأسعار من جديد لترتفع بنسبة أعلى  من نسبة ارتفاع الدولار.[[5]]

تحذيرات دولية

البداية من البنك الدولي وهو إحدى مؤسسات التمويل الدولية التي لها باع كبير في دعم وتعزيز قدرات نظم الحكم المستبدة في المنطقة العربية، البنك يحذر (الخميس 10 مارس 2022) من احتجاجات وأعمال شغب مشابهة لأحداث الربيع العربي بسبب التضخم الناتج عن الغزو الروسي لأوكرانيا، وتقول كارمن راينهارت، رئيسة الخبراء الاقتصاديين في البنك الدولي، إن “ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا، قد يفاقم مخاوف الأمن الغذائي القائمة في الشرق الأوسط وأفريقيا، وقد يؤدي لاضطرابات اجتماعية”. وفي مقابلة مع وكالة “رويترز” تقول: «ستكون هناك تداعيات مهمة على دول بالشرق الأوسط وأفريقيا، لأنها تعاني بالفعل من انعدام الأمن الغذائي». وألمحت إلى أن ذلك قد يدفع بالمنطقة نحو ربيع عربي جديد والذي بدأ في تونس ثم انتقل إلى خمسة بلدان أخرى هي مصر وليبيا واليمن وسوريا والبحرين. ومن المعلوم أن الربيع العربي تلى الزيادات المفاجئة في أسعار الغذاء خلال الأزمة الاقتصادية في 2007 ــ 2008، ثم في 2011 عندما ارتبطت أحداث شغب في أكثر من 40 دولة بارتفاع أسعار الغذاء العالمية.[[6]]

وتؤكد صحيفة “التلجراف” البريطانية،  أن مصر ستواجه أزمة غذاء كبرى، وتنقل الصحيفة البريطانية عن البروفيسور “تيموثي لانج” الأستاذ الفخري المتخصص في سياسة الغذاء، تحذيراته بشأن تداعيات الأزمة الروسية الأوكرانية على الأمن الغذائي المصري في ظل توجهات حكومة الجنرال عبدالفتاح السيسي نحو رفع أسعار الخبز، مؤكدا أن «مصر صندوق بارود ينتظر الانفجار». ويحذر في التقرير المنشور قبل الغزو الروسي بثلاثة أيام فقط (الإثنين 21 فبراير2022 ): «نحن الآن في عصر تتقلب فيه أسعار المواد الغذائية. على عكس ما قبل 50-90 عاما عندما كان لدينا مخزون حقيقي. أمننا الغذائي يأتي الآن من الأسواق المالية، وهذا يعني أن التقلبات السياسية يمكن أن تدفع بأعداد كبيرة من الناس بسرعة إلى حالة انعدام الأمن الغذائي”. ووفقا لتقرير التلجراف الذي أعده مراسل الصحيفة في الشرق الأوسط كامبل ماكديارميد ومحررة شؤون الصحة العالمية هارييت باربر، فإن مصر، أكبر مستورد للقمح في العالم، تعتمد على الخبز المدعوم بشدة وسعره مسألة حساسة للغاية”. ويلفت التقرير إلى أن شعار “العيش والحرية والعدالة الاجتماعية” كان هتافا أساسيا للمتظاهرين المصريين خلال انتفاضة 2011 التي أطاحت بالرئيس حسني مبارك. وفقا للتقرير فمع ارتفاع أسعار القمح، من المتوقع ارتفاع فاتورة دعم الخبز الضخمة بالفعل البالغة 3.2 مليار دولار في مصر هذا العام. ويحذر لانج  من إقدام حكومة السيسي على رفع أسعار الخبز مشددا على أن «مصر صندوق بارود ينتظر الاشتعال. إنه وضع خطير للغاية ويتم اختباره بسبب الأزمة الأوكرانية الروسية».[[7]]

ووفقا لتقديرات موقع «جيوبوليتيكال فيوتشرز»، فإن الاحتجاجات الجماهيرية تكاد تكون حتمية في مصر وشمال إفريقيا إذا ارتفت أسعار الغذاء إلى مستويات جديدة تفوق قدرة ملايين الفقراء، ويؤكد «جيوبوليتيكال فيوتشرز»، أن مصر ستواجه اضطرابات واسعة النطاق خلال الشهور المقبلة إذا قررت رفع الدعم عن الخبز والمواد الغذائية. ويضيف أن الجفاف الشديد في المغرب أدى إلى زيادة اعتماد المغرب على الواردات، خاصة القمح وزيت الطهي، خلال العامين الماضيين. ويعتمد المغرب على الواردات لتلبية 40% فقط من احتياجاته من القمح، لكنه يعتمد على الواردات في غالبية احتياجه من الذرة. وتعد أوكرانيا وروسيا مصدرا لـ20% من واردات القمح في المغرب وأقل من 10% من الذرة. وفي أواخر فبراير/شباط، قادت مجموعة تسمى الجبهة الاجتماعية المغربية مظاهرات ضد ارتفاع أسعار المواد الغذائية. وتعتمد تونس على روسيا وأوكرانيا في نحو نصف وارداتها من القمح و60% من وارداتها من الذرة. وأصبحت الحكومة التونسية غير قادرة على دفع تكاليف شحنات القمح الواردة بسبب الزيادات الحادة في الأسعار. وتم الإبلاغ عن نقص واسع النطاق في منتجات الحبوب هناك. ويحصل لبنان على نحو 45% من واردات الحبوب من روسيا وأوكرانيا. وفي العامين الماضيين، كانت الواردات أكثر أهمية للبلاد. ودمر انفجار ميناء بيروت عام 2020 معظم صوامع الحبوب الأولية في البلاد، وتعمل السلطات منذ ذلك الحين على تعويض النقص المتوقع في القمح. وتوفر روسيا وأوكرانيا 61% من واردات القمح في سوريا و42% من واردات الشعير و20% من واردات الذرة. وبدأت سوريا بالفعل في وضع قيود على منتجات القمح. وينتهي الموقع إلى أنه في ظل هذه الظروف، ومع عدم وجود أي بوادر تحسن على المدى القصير، فإن الاحتجاجات الجماهيرية تكاد تكون حتمية.[[8]]

وبالفعل، اندلعت احتجاجات في المنطقة، في النصف الأول من شهر مارس 2022، فقد احتشد مئات المتظاهرين في وسط مدينة الناصرية جنوب العراق اعتراضاً على ارتفاع أسعار الخبز وزيت الطهي وسلع أخرى، حيث ارتفعت أسعار المنتجات المستوردة من أوكرانيا بنسبة تصل إلى 50% منذ بدأت الحرب هناك. كما انتفض آلاف السودانيين إلى الشوارع احتجاجاً على استمرار الحكم العسكري للبلاد، وعلى ارتفاع أسعار الخبز بنسبة تصل إلى نحو 50% أيضاً.

هل يندلع ربيع عربي جديد؟

السيناريو الأول، يرجح حدوث احتجاجات جماهيرية لا تصل إلى درجة الزلزال السياسي، ويذهب أنصار هذه الرأي إلى أن أزمة إمدادات الغذاء وارتفاع أسعاره حاليا قد تؤدي إلى احتجاجات لكنها لن تكون بذات القوة والضخامة التي كانت عليها مع بداية  الربيع العربي في 2011، ولن تفضي إلى زلزال سياسي يطيح بنظم حكم قائمة. تقول وكالة DW الألمانية إن بعض الخبراء الذين تحدثت معهم لا يغلب على ظنهم ذلك. وتنقل عن جون راين، الاستشاري في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن، أن «الناس سيتعرض الناس لضغوط اقتصادية شديدة، لكنني لست متيقناً بأن ذلك سيؤدي إلى صدمة هائلة كالتي رأيناها في المرة الماضية [خلال انتفاضة الربيع العربي في عام 2011]». وأرجع راين رأيه إلى أن معظم دول المنطقة “في وضع سياسي مختلف بشدة الآن. وحكومات [الشرق الأوسط] بعضها بات أشد سيطرة وتخلَّص من أحزاب المعارضة،  وبعضها الآخر تحول إلى نظام سياسي يتمتع بنوع من المرونة، نتيجة السنوات العشر الماضية”.

يتفق مع ذات الرأي مايكل تانشوم، الباحث البارز في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية والمتخصص في الاقتصاد السياسي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا، الذي يرى أن ما سيحدث يتوقف على طبيعة تعامل حكومة كل بلد مع هذه الأزمة، من جهة رشادة الحكم أو غيابها. ورغم أنه يؤيد فكرة أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية في الشرق الأوسط يُنذر باحتشاد الأسباب التي قد تؤدي إلى “عاصفة شديدة” في المنطقة، لا سيما مع انقطاع إمدادات الغذاء منذ جائحة كورونا، ثم سوء إدارة العالم للأزمة، علاوة على أن تغير المناخ جعلَ دول الشرق الأوسط عاجزة عن إنتاج الكميات التي كانت تنتجها سابقاً من الحبوب. علاوة على أن مستوى التضخم قد بلغ في يونيو/حزيران 2021، المستوى الحرج نفسه الذي سبق اندلاع الربيع العربي. ليس ذلك فقط بل أيضا قد زادت هذه الأسباب تأججاً بعد غزو روسيا لأوكرانيا”، لكنه لا يسلم بأن يفضي هذا الوضع السيئ إلى احتجاجات أو حتى تغيير سياسي عنيف. ويرى أن ذلك يتوقف على مدى “رشادة الحوكمة وفاعليتها، وقدر المظالم التي يحملها الناس على أنظمة حكمهم، وأيضا حجم المخزون من إمدادات الغذاء وطبيعية التداعيات الناشئة ومدى انتقالها من بلد إلى آخر في المنطقة، ورغم إقراره بأن هذه البلاد معرضة للخطر إلا  أنه خلص إلى أن الشرق الأوسط قد يشهد بعض الاضطرابات، إلا أنها لن تكون بشدة الانتفاضات التي شهدتها المنطقة في عام 2011، حسب تعبيره.[[9]]

انفجار (انتفاضة فقراء)

السيناريو الثاني، هو حدث انفجار شعبي، ويذهب الباحث والمحلل السياسي، الدكتور خليل العناني، إلى أن الفقراء لا يثورون رغم فقرهم وعوزهم الشديد، فالعمال والفلاحون الفقراء لا يستطيعون الإطاحة بحكومات تمتلك جيوشا نظامية عازمة على الدفاع عن أنظمتها مهما كان الثمن. وينقل خلاصة أقوال علماء وباحثين في علم الاجتماع أن الثورات والانتفاضات لا يقوم بها الفقراء ولا يدشنونها، قد يلحقون بها ولكنهم لا يبدؤونها، الفقراء قد يتمردون وينتفضون لكنهم لا يثورون، وشتان ما بين الثورة والتمرد، فالثورة -في معناها العام والواسع- هي حراك شعبي كبير يستهدف تغييرا جذريا وكليا للنظام السياسي بشخوصه ومؤسساته وقيمه وممارساته واستبداله بنظام آخر أكثر تمثيلا وعدلا، فيما التمرد هو حالة انفجار لفئات وطبقات معينة نتيجة لتراكم حالة الغضب والإحباط. وعليه، فإن الدول الفقيرة كمصر، نادرا ما تشهد ثورات، ولكنها في أغلب الأحوال تشهد انفجارات وانتفاضات شعبية بهدف تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. وينقل عن جاك غولدستون عالم الاجتماع السياسي الأميركي والأستاذ بجامعة جورج مايسون، قوله إن الفقر وحده لا يؤدي إلى قيام الثورات، ويستدل على ذلك بأن الثورات التي حدثت خلال القرون الثلاثة الأخيرة كانت في بلدان متوسطة الدخل وليست فقيرة. فلماذا لا يثور الفقراء رغم فقرهم وعوزهم الشديد؟

يرى غولدستون وآخرون عدة إجابات على هذا السؤال المثير للجدل والدهشة:

أولا، الفقراء لا يستطيعون الإطاحة بحكومات تمتلك جيوشا نظامية عازمة على الدفاع عن أنظمتها مهما كان الثمن، فالثورات تحدث -في أغلب الحالات- عندما يقع انقسام أو انشقاق بين النخب الداعمة للنظام خاصة النخبة العسكرية، والنخب وليس الفقراء هم من يستطيعون تعبئة المواطنين من أجل الثورة والإطاحة بالنظام.

ثانيا، الفقراء لا يمتلكون الموارد الكافية -سواء المادية أو المعنوية- لتشكيل قوة ثورية يمكنها العمل والتخطيط لتغيير النظام القائم، وأحيانا يفسر البعض الفقر باعتباره قدرا دينيا أو أمرا طبيعيا يجب تحمله والصبر عليه، لذلك يعتقد غولدستون أن الفقر لا يؤدي إلى ثورات وإنما إلى تمرد شعبي، وكما أشرنا سابقا فإن التمرد هو انفجار مجتمعي يحدث نتيجة للاحتقان والغضب المتراكم، وبالتالي لا يوجد مشروع سياسي واضح خلف التمرد.

فإذا كان الفقراء لا يثورون ــ وفقا للمعنى الصحيح للثورة بوصفه تغييرا جذريا للنظام القائم ــ لكنهم ينتفضون؟ فلماذا ينتفضون؟ وما الذي يجعلهم ينتفضون؟

يذهب غولدستون بأن الحرمان النسبي وليس الفقر هو الذي قد يدفع إلى قيام الثورة وحدوث التغيير، فالشعور بعدم المساواة وانعدام الفرص -سواء في الدول الغنية أو الدول متوسطة الدخل- هو الذي يدفع باتجاه التفكير في الثورة، وذلك من أجل تغيير موازين القوى السياسية وتحقيق العدالة الاجتماعية، ويصبح الأمر أكثر إلحاحا عندما يدرك المواطنون أولا أن فقرهم ليس قدرا حتميا لأن بلادهم فقيرة ولكن نتيجة للسياسات الحكومية الفاشلة والفاسدة، وثانيا لأن هناك فئات وطبقات أخرى لا تعاني الفقر، بل تحتكر الثروات والموارد على حساب بقية المجتمع، وبكلمات أخرى، فإن فقرهم هو بفعل فاعل وليس أمرا قدَريا.[[10]]

يبرهن على صحة ذلك أن ثورة يناير في مصر ما أطلق شرارتها إلا شرائح من الطبقة المتوسطة من المهنيين والطلاب والعمال والموظفين، نفس الأمر في تونس واليمن وسوريا وغيرها، وقد كان الشعور بالحرمان النسبي، وغياب العدالة الاجتماعية، وشيوع الفساد بين الطبقة الحاكمة من أهم محركات ثورات الربيع العربي، ولذلك حملت هذه الثورات شعارات ومطالب الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وذلك بغض النظر عما حدث لاحقا. لذلك، يحذّر البعض أحيانا مما تسمى “ثورة الجياع” التي قد تحدث نتيجة للفقر الذي يضرب البلاد والعباد، وهم هنا يخلطون -ربما بدون قصد- بين التمرد والانفجار الشعبي وبين الثورة، فالجوعى لا يثورون، وإنما يتمردون وينتفضون، ليس لإنهاء فقرهم بشكل حقيقي ومؤسسي، وإنما من أجل الحصول على مكاسب اقتصادية واجتماعية مؤقتة، وذلك دون تجاوزها بالضرورة باتجاه تغيير للنظام الذي يتسبب في فقرهم ومعاناتهم.[[11]]

خلاصة الأمر، أدخلت جائحة كورونا الاقتصاد المصري غرفة الإنعاش، وزجت بعشرات الملايين من المصريين إلى ما دون خط الفقر الدولي حيث يصل الفقراء في مصر إلى أكثر من 60 مليونا، بينما تراجعت دخول نحو 91.3% من القوى العاملة في مصر، وفي ظل هذه الأوضاع البائسة، تأتي الحرب الروسية الأوكرانية لتجهز على ما تبقى من قدرة لدى الاقتصاد المصري على الصمود، وفي ظل الارتفاع الفاحش في أسعار السلع الغذائية وزيادة معدلات التضخم في أعقاب انخفاض قيمة الجنيه بنحو 16% بعد التعويم الجديد الذي شرع فيه السيسي ابتداء من 21 مارس 2022م،  واحتمال المزيد من ارتفاعات الأسعار وزيادة معدلات التضخم؛ فإن الوضع في مصر مرشح للانفجار؛ لذلك خرجت تقديرات موقف داخل النظام أعدتها أجهزة سيادية تحذر من تبني الحكومة لسياسات تقليص الدعم في ظل هذه الأوضاع وأن الأمور قد تخرج عن السيطرة على نحو لا يتمكن خلالها النظام من احتواء الموقف إذا اشتعل. وتحذر التقارير من أن أي ضغوط جديدة على المواطنين قد تؤدي إلى انفلات الشارع بشكل لا يعرف مداه على وجه الدقة.[[12]]

في هذه الأثناء لا تملك حكومة السيسي أي تصور أو حلول جادة يمكن أن تخفف من وقع أزمة الغذاء والتضخم في ظل توقف إمدادات خطوط الغذاء من روسيا وأوكرانيا من جهة وارتفاع النفط إلى مستويات مرعبة، من جهة أخرى. لا سيما في ظل فشل زيارات السيسي للعواصم الخليجية (أبو ظبي ثم الكويت ثم الرياض) في تحقيق المأمول منها، وهو ما يدفع النظام نحو التوجه لقرض جديد من صندوق النقد، مع ما يحمله ذلك من شروط وإملاءات وأعباء إضافية على جميع فئات الشعب المصري. وهو ما يرفع  فواتير الديون و الدعم ويغرق الدولة حكوما وشعبا في ورطة كبرى قد لا ينجو منها النظام ولا الشعب، في ظل تنبؤات ترجح اندلاع انفجار شعبي  قد لايمكن احتواؤه أو السيطرة عليه.

وكان الباحث ماجد مندور قد أعد تحليلا لموقع «open democracy»، في أكتوبر “2020”، انتهى فيه إلى أن  نظام السيسي يشن حربا بلا هوادة على الفقراء في المجتمع المصري؛ الأمر الذي يتسبب في تفاقم الهشاشة الاجتماعية للمصريين؛ مؤكدا أن السياسات المالية والاقتصادية التي يتبناها نظام السيسي تتسبب في تفاقم معدلات الفقر ، وتسرّع بنقل الثروات  من الطبقتين الدنيا والوسطى إلى الحكومة ونخب المال والأعمال،  متوقعا أن يفضي ذلك إلى نتائج كارثية. وحول انعكاسات تبني نظام السيسي العسكري لهذه السياسات المالية والاقتصادية على الأوضاع الاجتماعية والسياسية، يتوقع “مندور” أن تفضي هذه المقاربة إلى آثار خطيرة في المدى الطويل تذهب أبعد من الفقر المتزايد والحرمان الاجتماعي الذي يعاني منه المواطن العادي، إذ إنه من المحتّم أن يصبح هذا النظام أكثر قمعاً وسلطوية فيما يستمر في فرض سياساته القاسية. وهذا بدوره سيغذّي صعود المقاومة العنيفة للدولة. وينتهي إلى أن هذه المقاومة حتى وإن لم تتبلور إلى إطار حركة سياسية متماسكة، فلا بد من أن يتفاقم مستوى العنف الاجتماعي، ما يفضي إلى تداعيات مزعزعة للاستقرار في المدى الطويل. فضلاً عن ذلك، يؤدّي توسّع الأعمال والشركات المملوكة من الجيش إلى زيادة الضغوط على القطاع الخاص الاقتصادي فيما يسعى جاهداً للتنافس مع العملاق العسكري. وسوف تكون لهذا الأمر تأثيرات بنيوية طويلة الأمد على الاقتصاد والمنظومة السياسية، وهي تأثيرات يصعب العودة عن مفاعيلها وسوف تستمر على الأرجح إلى ما بعد السيسي ونظامه.[[13]]

 

 

[1] ممدوح الولي/ خط الفقر لا يكفي ساندويتشات الفول والطعمية.. كيف خلقت الحكومة المصرية “شعباً من الفقراء”؟/ عربي بوست ــ 16 مارس 2022م

[2] طارق الشال/ هل تراجع معدل الفقر في مصر فعلاً كما تقول الحكومة؟ هذا ما يقوله الخبراء/ عربي بوست ــ 23 ديسمبر 2020م

[3] دعاء عبد اللطيف/ مصر.. انخفاض دخل 91% من العاملين بسبب تداعيات كورونا/ الجزيرة نت ــ31  يناير 2022م

[4] سمر السيد/«الإحصاء» يصدر دراسة عن آثار «كورونا» على الأسر المصرية وكيفية مواجهتها/ المال نيوز السبت 20 يونيو 2020

[5] بيسان كساب/ انخفاض كبير في سعر الجنيه بعد رفع «المركزي» للفائدة/ مدى مصر ــ الإثنين 21 مارس 2022// العملة المصرية تواصل الهبوط والدولار إلى 18.27 جنيهاً/ العربي الجديد ــ الإثنين 21 مارس 2022

[6] احتجاجات وأعمال شغب.. البنك الدولي يحذر من “ربيع عربي” جديد/ الحرة نقلا عن رويترز ــ الخميس 10 مارس 2022م

[7] المصدر: روسيا وأوكرانيا: الجوع الشديد “يهدد” عائلات في الشرق الأوسط بسبب الأزمة بين البلدين – التلغراف/ بي بي سي عربي ــ 21 فبراير 2022

[8] جيوبوليتكال: أزمة الغذاء تهدد باشتعال موجات احتجاجية واسعة بالشرق الأوسط/ الخليج الجديد ــ  السبت 12 مارس 2022م (المصدر | أليسون فيديركا | جيوبوليتيكال فيوتشرز)

[9] الأسباب والظروف تتكرر.. هل يندلع ربيع عربي جديد بسبب أزمة الغذاء الناشئة عن الحرب في أوكرانيا؟/ عربي بوست ــ 18 مارس 2022م

[10] خليل العناني/ هل يثور الفقراء؟!/ الجزيرة نت ــ 15 فبراير 2022م

[11] المرجع السابق

[12] مصر: الأوضاع المعيشية تهدد استقرار النظام/ العربي الجديد ــ 12 مارس 2022

[13] ماجد مندور/ مصر.. حرب السيسي على الفقراء/ مركز كارنيجي ونشر بموقع «open democracy» ترجمة موقع الخليج الجديد الجمعة 2 أكتوبر 2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

‫شاهد أيضًا‬

“دراسة” مواقف الفاعلين فى الشرق الأوسط من الأزمة الأوكرانية: التوجهات والمحددات “2”

ثانيًا: تأثير الأزمة الأوكرانية على القوى الاقليمية فى منطقة الشرق الأوسط مصر: قالت وزارة …